«الإخوان» الهاربون بتركيا ورقة عالقة في ملف العلاقات مع مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
TT

«الإخوان» الهاربون بتركيا ورقة عالقة في ملف العلاقات مع مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع نظيره التركي رجب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية (الرئاسة المصرية)

رغم التحولات الدبلوماسية والتقارب الذي شهدته العلاقات المصرية - التركية في السنوات الأخيرة، فإن القاهرة عادت عبر بيان لوزارة الداخلية لذكر اسم تركيا بوصفها دولة يوجد فيها عناصر هاربة من جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، متهمة إياهم بالتحريض على أعمال إرهابية، في لافتة لم تحدث منذ عام 2020.

الاختلاف في الحالتين، وفق رصد «الشرق الأوسط»، أن الأولى قبل أن تجري مياه عودة العلاقات بين مصر وتركيا، والأخرى وسط علاقات مستقرة نسيباً، وهو ما يراه خبراء من القاهرة وأنقرة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» دليلاً على أن ملف العناصر الهاربة من الجماعة المحظورة لا يزال ورقة عالقة رغم أن الأزمة في تناقص مع تحسن العلاقات ووجود ملفات تنسيق وتعاون بليبيا وشرق المتوسط والاستثمارات تعد أكثر أهمية.

أيضاً، مصدر مصري مطلع قال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود (الإخوان) وبعض الإسلاميين ذوي الصلة بالعمليات الإرهابية في مصر والتخطيط المناهض للدولة، داخل تركيا، هو موضوع دائم في الحوار المصري - التركي».

ورغم أن هذه الملف يحقق - حسب المصدر ذاته - «تقدماً ملموساً، فإن هذا التقدم لم يبلغ المدى الذي يحقق المصالح المتوازنة للطرفين».

وشهدت العلاقات المصرية - التركية اتجاهاً متصاعداً نحو التطبيع، بعد عقد كامل من الانقطاع والتوتر، بسبب دعم أنقرة تنظيم «الإخوان» المحظور في مصر، عقب مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013، التي أطاحت حكم «الإخوان».

وبعد سنوات من حضور اسم تركيا ضيفاً دائماً في بيانات وزارة الداخلية المصرية منذ 2013، بوصفها دولة تحتضن عناصر إخوانية هاربة، لا سيما في عامي 2017 و2018، اختتم هذه المرحلة من الاتهامات بيان لافت في يناير (كانون الثاني) 2020، وفق رصد «الشرق الأوسط» لبيانات الوزارة في تلك الفترة.

وشهد بيان 2020 إعلان «رصد قطاع الأمن الوطني معلومات بإعداد قيادات التنظيم الهاربة بتركيا مخططاً يستهدف تقويض دعائم الأمن والاستقرار وإشاعة الفوضى بالبلاد وهدم مقدراتها الاقتصادية بالتزامن مع ذكرى 25 يناير... وتكليف عناصره بالداخل لتنفيذه»، وكان من بينهم القيادي بالتنظيم الهارب يحيى موسى متهماً بأنه يدير «تنظيماً مسلحاً».

لكن بعد نحو عام جرت في علاقات البلدين مياه جديدة، وفي مارس (آذار) 2021 أعلنت أنقرة استئناف اتصالاتها الدبلوماسية مع مصر. وطالبت السلطات التركية حينها القنوات الثلاث الموالية لتنظيم «الإخوان» (مكملين، وطن، والشرق) بوقف برامجها «التحريضية ضد مصر، أو التوقف نهائياً عن البث من الأراضي التركية».

وتسارع مسار التطبيع بين البلدين منذ مصافحة الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان خلال افتتاح المونديال في قطر عام 2022. وبلغ التقارب ذروته مع زيارة إردوغان للقاهرة في فبراير (شباط) 2024، أعقبتها زيارة مماثلة من السيسي لأنقرة في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ليدشن البلدان «حقبة جديدة» من التعاون.

قبل أن يشهد عام 2025 الذي شهد مباحثات تعاون وإعلان استثمارات تركية بمصر، إعلان وزارة الداخلية المصرية، الأحد، استهداف عناصر إرهابية تابعة لحركة «حسم»، الجناح المسلح لجماعة «الإخوان» الإرهابية، حاولت تنفيذ عمليات تخريبية بالبلاد، ومنهم يحيى موسى.

وعادت الداخلية المصرية لذكر اسم تركيا بعد 5 سنوات من الغياب، وقالت إن «قيادات حركة (حسم) الهاربة بدولة تركيا، أعدت وخططت لمعاودة إحياء نشاطها، وارتكاب عمليات عدائية تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية، ودفعت بأحد عناصر الحركة الهاربين بإحدى الدول الحدودية (لم تسمّها)، والسابق تلقيه تدريبات عسكرية متطورة بها، إلى التسلل للبلاد بصورة غير شرعية؛ لتنفيذ المخطط المشار إليه».

رسالة مصرية

ويرى المحلل السياسي في شؤون الجماعات والمتخصص في تاريخ جماعة «الإخوان»، أحمد بان، أن ذكر اسم تركيا في بيان الداخلية، أرادت به مصر توصيل رسالة إلى الجانب التركي مضمونها إن «كان جاداً في استئناف علاقات طبيعة بين الدولتين واستكمال مسار التطبيع بينهما فعليه أن يتعامل بجدية مع ملف تسليم بعض المطلوبين ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية في جرائم جنائية وليست قضايا سياسية».

وهذه الرسالة المصرية - حسب بان - تحمل أيضاً امتعاضاً من أن عدم إنجاز هذا الملف قد ينعكس سلباً على جودة ومستوى العلاقات التي شهدت في 2023 استئنافاً لدفء العلاقات بين الدولتين وتعزيز التعاون بينهما.

ونبَّه إلى أن قيادات «حسم» الموجودة في تركيا وذكرها بيان الداخلية لا تزال ورقة عالقة في ملف علاقات البلدين، وأنقرة تبدو منتبهة لخطرهم بدليل أنها حددت إقامة بعض قيادات منهم؛ حرصاً على عدم إتاحة الفرصة لهم للتخطيط لمزيد من العمليات داخل مصر، ورغم هذه الخطوة التركية فإنها لم تمنعهم من الحديث عن تلك الخطط، وهو ما يراه الخبير في شؤون الجماعات أحمد بان يحتاج إلى تفسير بشأن بقاء هذا الملف عالقاً حتى الآن.

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي على هامش اجتماعات الرياض بشأن سوريا (الخارجية المصرية)

ويشير بان إلى أنه كان واضحاً مع استئناف العلاقات أن ورقة «الإخوان» لم تعد ورقة كبيرة الأهمية مقارنة بملفات أخرى، مثل ليبيا وشرق المتوسط وحجم التعاون الاقتصادي بين البلدين، مستدركاً: «لكن ما يُرى الآن في هذا الملف وتصاعد لهجة قيادات (حسم) من تركيا يطرح علامات استفهام كبيرة بشأن رغبة أنقرة في المضي في علاقات طبيعية بشكل جاد وحقيقي، وعليها أن تقدم تفسيرات بشأن استمرار هؤلاء العناصر لديها، خاصة وأنه قد يفهم بأنه ورقة ضغط على الدولة المصرية».

وبرأي المحلل السياسي التركي والباحث في العلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، فإن إشارة مصر إلى تركيا في بيان الداخلية للمرة الأولى منذ استئناف العلاقات على أكثر من مستوى يقول إن هناك أزمة بشأن ملف «الإخوان» الهاربين لدى أنقرة، مستدركاً: «لكن لن تؤثر تلك الأزمة على علاقة استراتيجية باتت بين البلدين حالياً، لكن لا تخلو من رسائل سواء بتوقيف متهم أو ذكر اسم تركيا».

ويؤكد أن ملف «الإخوان» بشكل عام تم تبريده وتحييده طيلة الفترة الماضية، لكن لم يتم إنهاؤه بالكامل، ومنه قضية «الإخوان» الهاربين من الأحكام.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي المختص بشؤون الجماعات، ماهر فرغلي، أن بيان الداخلية عندما ذكر تركيا في البيان، فهو جاء بشكل تلقائي ويقرّ حقيقة بأن كل تلك العناصر الهاربة موجودة هناك، سواء يحيى موسى أو مؤسسة «ميدان» التابعة له، مشيراً إلى أن هذا الملف لم يشكّل عقبة سابقاً عند استقبال إردوغان بمصر، وما ذكر في بيان الداخلية أمر طبيعي ولا يشمل ضغطاً أو ما شابه.

ولا يعتقد فرغلي أن تبقى ورقة «الإخوان» الهاربين في تركيا عالقة في علاقات البلدين، ووصفها بأنها «ورقة ضعيفة»، مقارنة بملفات أخرى بشرق المتوسط وليبيا وغيرها.

وبينما الجدل مستمر حول تأثير ملف عناصر «الإخوان» الهاربة على العلاقات، لم تعلق أنقرة على بيان الداخلية، لكن الرد جاء مختلفاً، حيث نشرت صفحات موالية لجماعة «الإخوان»، الثلاثاء، أن السلطات التركية احتجزت الاثنين، العنصر الإخواني المطلوب للسلطات المصرية محمد عبد الحفيظ والمذكور في بيان الداخلية الأخير في مطار إسطنبول خلال عودته من رحلة عمل.

وأكدت صفحة عبد الحفيظ بـ«فيسبوك»، التي لا يُعرَف من يديرها حالياً، هذا الأمر، وقالت على لسان زوجته: «تم توقيف زوجي في مطار إسطنبول بعد عودته من رحلة عمل خارج تركيا وقد انقطع الاتصال وإبلاغه بأنه لن يسمح له بالدخول وسيتم ترحيله»، مضيفة: «للعلم، زوجي وضعه القانوني سليم؛ فهو يحمل جوازاً سارياً وإقامة، أخشى من تسليمه إلى مصر»، زاعمة أن هذا يمثل «تهديداً على حياته».

وأعادت الصفحة، الثلاثاء، تأكيد استمرار احتجازه، مؤكدة أن الاتصال منقطع به، وطالبت جميع المؤسسات التركية بإيقاف قرار ترحيله، دون تعليق تركي رسمي أو مصري.

وحول مستقبل تطورات ذلك الملف وتأثيراته على العلاقات المصرية - التركية، رجح بان أن تغلب أنقرة منطق الدولة ومصالحها وبسلوكها البراغماتي الموعود قد تتعاون مع مصر في هذا الملف؛ حتى لا تفسد ملفات أكثر أهمية معها.

ويتوقع عودة أوغلو، أن تكون تلك القضية حاضرة بشكل مستمر، لكن بشكل ثانوي، دون أن تجور أو تفسد علاقات البلدين، مرجحاً استمرار أسلوب تركيا في تحديد تحركات تلك العناصر الهاربة ومنعهم من الحديث كما حدث في فترات سابقة مع توجيه طلب لآخرين بمغادرة البلاد والإبقاء على السياسة التصالحية ومصالحها مع مصر والتنسيق في ملفات ليبيا وشرق البحر المتوسط.

ويرجح فرغلي أن يستمر ملف «الإخوان» مفتوحاً دون أي تأثيرات له على العلاقات، مستبعداً أن تسلم تركيا أي عنصر إخواني ومنهم محمد عبد الحفيظ لمصر، ولكن ممكن أن تسمح بإخراجهم لأي دولة أخرى؛ خشية النظام في أنقرة من اتهامات بالتخلي عن المبادئ وما شابه وحتى لا تتأثر علاقته بتيار الإسلام السياسي القادم منه والذي يتمدد من خلاله في المنطقة وأفريقيا.


مقالات ذات صلة

مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

شمال افريقيا مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)

مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

وافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الذي صدر قبل نحو عام، وكان من المفترض أن يدخل حيّز النفاذ، الخميس.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقى مع نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

العلاقات المصرية - السورية إلى تحسن لا تعوقه «التباينات»

لا تعوق «التباينات» السياسية بين مصر وسوريا تحسن العلاقات بين القاهرة ودمشق، والذي بدا ظاهراً في الفترة الأخيرة بعد فترة جمود.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر «نقابة الصحافيين» في وسط القاهرة (صفحة النقابة على فيسبوك)

«توقيف» 6 صحافيين في مصر... و«النقابة» تطالب بالإفراج عنهم

قالت منصة مصرية، الأربعاء، إنه «تم توقيف صحافيين اثنين من فريق عملها، ليرتفع عدد المقبوض عليهم إلى 6 خلال 24 ساعة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

نهاية محنة بحارة مصريين في الصومال بعد 4 أشهر من الاختطاف

أعلنت القاهرة، الأربعاء، انتهاء أزمة 8 بحارة كانوا مختطفين على متن السفينة «M/T Eureka» قبالة سواحل إقليم بونتلاند في الصومال منذ 2 مايو (أيار) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مصريون يسيرون في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

مصر: تمديد فترة التسجيل في «الضريبة العقارية»

قررت الحكومة المصرية الثلاثاء، مد فترة التسجيل في منظومة «الضريبة العقارية» الإلكترونية، 3 شهور أخرى، بعد شكاوى من مشاكل تقنية منعت الآلاف من التسجيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الموريتانية، مساء الثلاثاء، قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد حكم الاستئناف القاضي بحرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية 5 سنوات، في تطور يفتح الباب أمام إعلان شغور مقعديهما بالبرلمان رسمياً.

وتنتمي النائبتان إلى حركة «إيرا» الحقوقية، ودخلتا البرلمان عبر حزب «الصواب» ذي الميول القومية البعثية، وتعود القضية إلى أبريل (نيسان) الماضي، إثر بثّ مباشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» انتقدت خلاله البرلمانيتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات اعتبرت النيابة العامة أنها تضمنت مساساً بالرموز الوطنية، وإهانة لرئيس الجمهورية، وتحريضاً على العنف.

وجرى توقيف البرلمانيتين بموجب حالة «التلبس»، التي تتيح تجاوز الحصانة البرلمانية استثنائياً، حيث أصدرت محكمة نواكشوط الغربية في مايو (أيار) حكماً بسجنهما 4 سنوات نافذة، خفّفتها محكمة الاستئناف في يوليو (تموز) إلى سنتين، مع إضافة الحرمان من الحقوق السياسية 5 سنوات، وهو الشق الذي يمس مباشرة عضويتهما البرلمانية.

وبعد صدور قرار محكمة الاستئناف، أصدر الرئيس ولد الغزواني عفواً رئاسياً أسقط عقوبة السجن، لكنه استثنى الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، فيما أصدر المجلس الدستوري بعد ذلك قراراً يقضى بعدم إمكانية تأكيد فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية في تلك المرحلة.

واستند المجلس في قراره إلى أن حكم محكمة الاستئناف، الصادر وقتها، لم يكن قد اكتسب بعد الصفة النهائية لكونه لا يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا؛ وبالتالي عادت البرلمانيتان إلى البرلمان مؤقتاً بعدما كان الحرس قد منعهما من الدخول في وقت سابق. غير أن هذه العودة لم تخلُ من توتر إضافي، إذ فرض البرلمان لاحقاً عقوبات تأديبية بحقهما تمثلت في طرد مؤقت، إثر اعتصام نظمتاه داخل المبنى.

واليوم أصبح حكم الحرمان نهائياً بقرار المحكمة العليا، حيث يتوقع أن تبدأ إجراءات خروجهما من البرلمان ليحل محلهما آخران من نفس الحزب.

وكان قرار المحكمة قد فجّر جدلاً سياسياً حاداً، حيث انتقد حزب «الصواب»، في بيان، قرار المحكمة العليا، معتبراً أنه يندرج ضمن «سياسة إسكات أصوات المعارضين» والتضييق على البرلمانيين، ومستشهداً بالمادة 50 من الدستور التي تحظر متابعة أي نائب بسبب رأيه أو تصويته أثناء أداء مهامه.

ووصف الحزب توقيت القرار بأنه يأتي في «ظرف سياسي دقيق»، مشيراً إلى أن المساس بحرية النائبتين يمتد أثره إلى «حق المواطنين في التمثيل» داخل البرلمان.

ويتجدد هذا الجدل، في وقت تستعد الأطراف السياسية لتنظيم حوار وطني شامل، دعا له ولد الغزواني، بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي يقود إلى إصلاحات متفق عليها.


«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
TT

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس، وذلك خلال زيارة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي إلى واشنطن، التي شملت لقاءات مع مسؤولين أميركيين بارزين.

والتقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بتوقيت طرابلس.

وشملت المباحثات، بحسب بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية وتبادل الخبرات، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها مع الأطراف الليبية بشأن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويكتسب لقاء الطرابلسي مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي دلالة إضافية، إذ يضع التعاون الأمني الليبي ـ الأميركي في إطار الاتصالات الأوسع التي تجريها واشنطن بشأن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية وترتيبات توحيدها.

الأمين العام للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خيري التميمي خلال لقاء مع وفد عسكري فرنسي في بنغازي الثلاثاء (إعلام القيادة العامة)

ووفق بيان للحكومة، تناولت اللقاءات سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين، وتعزيز القدرات وتبادل الخبرات، فضلاً عن ملف الهجرة غير النظامية والحد من تداعياتها، ورفع قدرات المؤسسات المختصة في تأمين الحدود والتعامل مع هذا الملف.

وشدد الجانبان على أهمية استمرار التنسيق والتواصل، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وذهب الطرابلسي إلى التأكيد على «أهمية تطوير مجالات العمل المشترك بين المؤسسات الأمنية الليبية ونظيرتها الأميركية، ورفع القدرات الأمنية وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، إلى جانب تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود».

وتأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه طرابلس تحركات لإعادة ترتيب انتشار التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية، وسط استمرار تعدد القوى الفاعلة داخل العاصمة وتداخل مناطق نفوذها.

وبحسب مصدر سياسي مطلع في طرابلس، تتزامن التحركات الأميركية مع ترتيبات أمنية تقودها أطراف في حكومة «الوحدة»، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، لإعادة تنظيم الخريطة الأمنية والعسكرية في العاصمة.

وتداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن اعتماد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع أمني في مصراتة، خطة لإعادة توزيع التشكيلات المسلحة في طرابلس، بعد تصنيفها إلى «موثوقة» و«غير موثوقة». ولم تؤكد حكومة «الوحدة» هذه المعلومات أو تنفها.

وعاد التوتر خلال الأيام الماضية بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة، على خلفية خلاف بشأن الانتشار في «جزيرة القادسية» وسط طرابلس، بما يعكس استمرار هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعيد تشكيلها خلال العامين الماضيين، رغم مساعي حكومة «الوحدة» إلى إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

ومنذ اشتباكات العام الماضي، تعمل حكومة الدبيبة على إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في طرابلس، لكنها اعتمدت في الوقت نفسه على أكثر من قوة لتأمين العاصمة، الأمر الذي أبقى التوازن بين التشكيلات المسلحة عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة الانتشار الأمني.

وفي شرق ليبيا، برز تحرك فرنسي موازٍ مع قيادة الجيش الوطني، إذ استقبل الفريق خيري التميمي، الأمين العام للقيادة العامة، السفير الفرنسي تيري فالا والملحق العسكري الجديد تانغي تروغييه، الثلاثاء، في لقاء تناول تطوير العلاقات والتنسيق وتبادل الخبرات.

وجاء اللقاء عقب وصول سفينة الدعم الفرنسية «لوار» إلى قاعدة بنغازي البحرية. وتنتمي السفينة إلى فئة سفن الدعم والمساعدة متعددة المهام، وتستخدم في الدعم اللوجيستي والتدريب والمساعدة الفنية.

وكانت السفينة قد شاركت مؤخراً في نشاط بحري قبالة الساحل الغربي لليبيا، إلى جانب سفن جزائرية وإيطالية، ضمن أنشطة مبادرة «5+5 دفاع» الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلامة البحرية وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية العملياتية.

وتشارك فرنسا في رئاسة مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، وتدعم الحوار بين المؤسسات الأمنية في شرق ليبيا وغربها، بينما تضع الولايات المتحدة توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون الأمني ضمن محاور اتصالاتها مع الأطراف الليبية.


نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.