حسابات الانقسام السياسي تعرقل الانتخابات المحلية في 11 مدينة ليبية

«أحزاب التوافق الوطني: تعطيلها «انتكاسة خطيرة تهدد مسار التحول الديمقراطي الذي ينشده الشعب»

قالت المفوضية الوطنية للانتخابات إن هذا التعثر الانتخابي يقصي أكثر من 150 ألف ناخب وأكثر من ألف مرشح من ممارسة حقهم الانتخابي (المفوضية)
قالت المفوضية الوطنية للانتخابات إن هذا التعثر الانتخابي يقصي أكثر من 150 ألف ناخب وأكثر من ألف مرشح من ممارسة حقهم الانتخابي (المفوضية)
TT

حسابات الانقسام السياسي تعرقل الانتخابات المحلية في 11 مدينة ليبية

قالت المفوضية الوطنية للانتخابات إن هذا التعثر الانتخابي يقصي أكثر من 150 ألف ناخب وأكثر من ألف مرشح من ممارسة حقهم الانتخابي (المفوضية)
قالت المفوضية الوطنية للانتخابات إن هذا التعثر الانتخابي يقصي أكثر من 150 ألف ناخب وأكثر من ألف مرشح من ممارسة حقهم الانتخابي (المفوضية)

أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا تعليق إجراء الانتخابات المحلية في 11 بلدية بشرق وغرب وجنوب البلاد، في حين دعت البعثة الأممية لدى البلاد السلطات المعنية إلى معالجة الأسباب، التي أدت إلى ذلك «فوراً».

وكان مقرراً إجراء الانتخابات المحلية بالمرحلة الثانية في عشرت البلديات خلال أغسطس (آب) المقبل، لكن المفوضية تحدثت عن عملية تعطيل لتوزيع بطاقات الناخبين في بعض المناطق أدت إلى تعليقها. بينما أرجع محللون أسباب التأجيل إلى حسابات الانقسام السياسي، التي أدت بالتبعية إلى «منع توزيع بطاقات الناخبين في البلديات العشر».

السلطات تلتزم الصمت

التزمت السلطات في شرق ليبيا وغربها الصمت حيال ما أوردته المفوضية من أسباب لتعليق الانتخابات، من بينها «صدور تعليمات من مديريات الأمن في شرق البلاد بالوقف الفوري لتوزيع البطاقات على الناخبين دون أن تخاطب المفوضية وتوضح الأسباب». أما في المنطقة الغربية، فقد اقتصر تأجيل الانتخابات على بلدية واحدة، مع «قيام فتحي عيسى، رئيس المجلس التسييري لبلدية (جنزور)، وهو أحد المترشحين لهذه الانتخابات، بقفل مراكز توزيع بطاقات الناخبين، بتواطؤ من مراقب التربية والتعليم بالبلدية»، بحسب بيان المفوضية.

رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح (المفوضية)

وسارعت بعثة الأمم المتحدة إلى المطالبة بمعالجة الأسباب الكامنة وراء تعليق الانتخابات البلدية في الدوائر الـ11 «على وجه السرعة»، و«تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف العمليات الانتخابية»، ضمن لقاء جمع نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، برئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح (الاثنين).

واستحوذت البلديات في المنطقة الشرقية على الاهتمام الأكبر من مراقبين، مع الوضع في الحسبان عدد تلك الدوائر، وتسريبات مبكرة من مصادر مقربة من «مفوضية الانتخابات» بشأن إقفال مراكز توزيع البطاقات منذ 28 يونيو (حزيران) الماضي، وهو اليوم الأول لبدء عمليات توزيع البطاقات.

مخاوف من التوظيف السياسي

عزا المحلل السياسي محمد مطيريد جانباً من أسباب هذا التعطيل إلى «سبب إجرائي يرتبط بالتنافس بين الحكومتين في شرق ليبيا وغربها».

وقال مطيريد لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «تبقى المخاوف من التوظيف السياسي للبلديات في تعطيل تنفيذ مشاريع الإعمار، التي يقودها (صندوق إعمار ليبيا) برئاسة بالقاسم حفتر، خصوصاً في ثلاث مدن استراتيجية كبرى هي بنغازي وسرت وسبها».

ليبي في أحد المكاتب الانتخابية ينهي إجراءات تسلمه البطاقة الانتخابية للانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

ولم يستبعد مطيريد أيضاً أن «يكون التريث حتى الإعلان عن الحكومة الجديدة، التي ربما تخرج إلى النور قريباً».

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات المرحلة الثانية في 63 بلدية، منها 41 بلدية في المنطقة الغربية، و13 بالمنطقة الشرقية، إضافة إلى 9 بلديات في المنطقة الجنوبية، بحسب قرار صادر عن المفوضية.

ويري مراقبون أن «التحوط من فوز عناصر موالية لنظام الرئيس الراحل معمر القذافي في الانتخابات، خصوصاً في سرت وسبها، قد يكون دافعاً لتعطيل الاستحقاق، خشية تكرار ما حققوه من فوز في المرحلة الأولى للاقتراع ببعض البلديات»، وهي وجهة نظر يتبناها مطيريد.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان بركة، وهو أحد أنصار نظام القذافي، أن هناك «احتجاجات متزايدة لأنصار النظام السابق في كل المناطق على الوضع القائم في البلاد»، وقال متسائلاً: «هل سيناريو فوز مرشحين من أنصار القذافي سيتم وفق اللعبة الانتخابية؛ أم بقوة السلاح؟، وهل تلغي ليبيا بالمنطق نفسه الانتخابات التشريعية والرئاسية للسبب ذاته؟».

من حملة الانتخابات المحلية السابقة (المفوضية)

وفي نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، ذكر بيان منسوب لسيف الإسلام القذافي ولم يتم تكذيبه، أن أنصاره حققوا «انتصاراً ساحقاً» في الانتخابات، وقال محذراً: «نقول للذين يحاولون طمس هذه الحقيقة لن تفلحوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراَ».

وشمل قرار تعليق الانتخابات في شرق البلاد وجنوبها كلاً من طبرق، وقصر الجدي، وبنغازي، وتوكرة، وقمينس، والأبيار، وسلوق، وسرت، ووادي زمزم وسبها.

تعثر انتخابي

تقول المفوضية الوطنية للانتخابات «إن هذا التعثر الانتخابي يقصي أكثر من 150 ألف ناخب، وأكثر من ألف مرشح من ممارسة حقهم الانتخابي».

في هذا السياق، وصف «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» تعطيل الانتخابات في 11 بلدية بأنه «انتكاسة خطيرة تهدد مسار التحول الديمقراطي، الذي ينشده الشعب». وقال في بيان (الثلاثاء) إن الانتخابات البلدية «ليست فقط وسيلة لإدارة شؤون البلديات، لكنها تمثل أيضاً أداة لترسيخ مبادئ الديمقراطية، وتعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار».

وفي رأي الناشط الحقوقي والمستشار القانوني، هشام الحاراتي، فإن «تعطيل الانتخابات البلدية هو انتهاك صريح للحق في المشاركة السياسية، وضرب لمبدأ التداول السلمي للسلطة».

غير أن فريقاً من المحللين يرفض النظر إلى تعطيل الانتخابات البلدية في بعض المدن الليبية على أنه «نهاية العالم»، مع الوضع في الحسبان الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا منذ انهيار النظام السابق عام 2011.

في هذا السياق، يقول عبد العزيز غنية، الباحث الليبي في المركز الأفروآسيوي للدراسات الاستراتيجية بلندن، إن «الانتخابات البلدية ليست مهمة لهذه الدرجة التي يعتقدها البعض؛ بل ربما هي مؤشر على مقاومة بعض الأطراف السياسية إجراء الانتخابات، وتأييد البعض الآخر».

كان من المفترض أن تجرى انتخابات «المرحلة الثانية» في 63 بلدية (المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا)

وألقى غنية باللائمة على «التشظي السياسي، والانتشار الواسع السلاح، ومبدأ الغنيمة والمحاصصة بصفتها أسباباً تقف وراء التلكؤ في العمليات الانتخابية الليبية»، معيداً التذكير بأن «تأجيل الانتخابات هو خطوة سبق أن أقدمت عليها المفوضية في عام 2021، معلنة (القوة القاهرة) من دون أن تحدد الطرف المتسبب فيها».

وتعثرت العملية السياسية في ليبيا منذ انهيار الانتخابات الرئاسية، التي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر (كانون الأول) 2021، وسط خلافات حول أهلية المرشحين الرئيسيين.

وينتقد غنية بعض جوانب تجربة الانتخابات البلدية، التي يرى أنها «تقوم على تحالفات قبلية واجتماعية، وأتت في بعض الأحيان بمجالس انتخابية للبلديات خارج إطار الكفاءة».

وحسب أحدث أرقام رسمية، يبلغ إجمالي أعداد من تسلّموا بطاقاتهم الانتخابية 368 ألفاً و176 مواطناً ليبياً ومواطنة.


مقالات ذات صلة

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

شمال افريقيا وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

تباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام حفتر إلى القاهرة بأجواء لم تخلُ من الانقسام لكنّ محللين يرون أنها تركزت على مناقشات تتعلق بتأزم الأوضاع الإقليمية

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

تشهد العاصمة الليبية طرابلس تصعيداً ميدانياً مفاجئاً يعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عقيلة صالح مستقبلاً نائبة المبعوثة الأممية يوم 9 يناير (مكتب صالح)

تصاعد الخلاف بين الأفرقاء الليبيين يهدد فرص إجراء الانتخابات

يبدو الانسداد الحالي أكثر عمقاً من أي وقت مضى بين مجلسي النواب و«الدولة» على ضوء عودة النزاع بينهما بشأن مفوضية الانتخابات حسب قراءات سياسيين ومراقبين ليبيين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السايح وتيتيه خلال لقاء سابق بالعاصمة طرابلس (البعثة الأممية)

رئيس «مفوضية الانتخابات» في ليبيا يتهم البعثة الأممية بـ«تكرار الأخطاء»

اتهم رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، عماد السايح، بعثةَ الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بتكرار ما وصفه بـ«الأخطاء السابقة»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لمرشحين ليبيين سابقين لرئاسة الحكومة (الحساب الرسمي لسلامة الغويل)

هل أنهت صراعات الأفرقاء في ليبيا آمال «حكومة موحدة»؟

وسط احتدام الانقسام السياسي وتبادل الاتهامات بين الأفرقاء الليبيين، عاد حديث «الحكومة الموحدة» إلى الواجهة.

علاء حموده

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)

يعقد مجلس النواب المصري المنتخب حديثاً أولى جلساته، الاثنين، بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 عضواً بالمجلس، نصفهم من النساء.

ويبلغ عدد الأعضاء المنتخبين 568 نائباً، ليصل إجمالي عدد أعضاء المجلس إلى 596 نائباً. وتُعقد الجلسة وسط تكهنات واسعة بشأن هوية رئيس المجلس الجديد، مع ترجيحات كبيرة تصب في صالح المستشار هشام بدوي، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقاً.

ويأتي انعقاد المجلس عقب مسار انتخابي معقد وطويل استمر 99 يوماً، وشهد ثماني جولات تصويت شملت 27 محافظة على مرحلتين، إضافة إلى جولتي إعادة بكل مرحلة. كما تخللت العملية الانتخابية إعادة التصويت في 19 دائرة ألغيت بقرارات من «الهيئة الوطنية للانتخابات»، و30 دائرة أخرى أُلغيت بأحكام قضائية.

ونشرت الجريدة الرسمية، الأحد، قرار رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين الموافق 12 يناير (كانون الثاني) 2026.

ومن المقرر، حسب قرار رئيس الجمهورية المنشور في الجريدة الرسمية، أن تُعقد الجلسة الإجرائية برئاسة أكبر الأعضاء سنّاً، حيث تبدأ بأداء النواب اليمين الدستورية، يليها انتخاب رئيس المجلس ووكيلين له، وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في اللائحة الداخلية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وحتى مساء الأحد، لم تُحسم أسماء المرشحين رسمياً لرئاسة المجلس، غير أن تكهنات إعلامية تحدثت عن عدة أسماء بارزة، من بينها المستشار بدوي، وأستاذ القانون الدستوري الدكتور صلاح فوزي.

وتُعد كفة بدوي الأرجح، وفق البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري الذي قال في تغريدة عبر منصة «إكس»: «كل المؤشرات تؤكد أن المستشار هشام بدوي يتجه إلى منصب رئيس مجلس النواب».

وضمت أسماء الأعضاء الثمانية والعشرين، الذين أصدر رئيس الجمهورية قراراً بتعيينهم في المجلس، شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، من بينها وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، ووزير التعليم العالي الأسبق أشرف الشيحي، إلى جانب عضوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ثريا البدوي، وهي أيضا أستاذة للإعلام في جامعة القاهرة.

وأثار تعيين شكري اهتمام باحثين ومراقبين، من بينهم أستاذ العلاقات الدولية رامي عاشور الذي عدّ أن انضمام وزير الخارجية السابق إلى البرلمان «يعكس توجهاً للاستفادة من خبرته الدبلوماسية الممتدة التي قاربت عقداً من الزمن في منصبه الوزاري، فضلاً عن مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال تكريم وزير الخارجية السابق سامح شكري (وزارة الخارجية)

ويرجح عاشور، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن يتولى شكري دوراً بارزاً داخل البرلمان، خصوصاً في لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الدفاع والأمن القومي، في ظل ما تواجهه مصر من تحديات تتصل بملفات غزة وليبيا والسودان وسد النهضة، وهي ملفات تفرض وفق تقديره «وجود ثقل دبلوماسي وخبرة تفاوضية داخل المؤسسة التشريعية».

وينص قانون مجلس النواب على أن لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5 في المائة من المنتخبين، على أن يكون نصفهم على الأقل من النساء، وذلك لتمثيل الخبراء وأصحاب الإنجازات العلمية والعملية، والفئات التي يرى الدستور ضرورة تمثيلها، استناداً إلى ترشيحات جهات ومؤسسات وطنية مختلفة.

ومن المقرر أن تنعقد جلسة النواب الإجرائية بتركيبة سياسية جديدة، إذ أظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وفق تقرير أولي من «هيئة الاستعلامات المصرية» الأسبوع الماضي.

وأشار التقرير إلى أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

وقال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المستشار حازم بدوي، السبت، إن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية بلغت 32.41 في المائة، مشيراً إلى أن إجمالي عدد المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين وصل إلى 69 مليوناً و891913 ناخباً، فيما أدلى 22 مليوناً و657211 ناخباً بأصواتهم.

ومع بدء أولى جلساته، يواجه البرلمان الجديد اختباراً مزدوجاً يتمثل في تشكيل هيئته القيادية من جهة، وترجمة تطلعات الشارع إلى أداء تشريعي ورقابي فعّال من جهة أخرى، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية إقليمية متشابكة.


تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
TT

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

فرضت ملفات عدة و«تحديات مشتركة» نفسها على لقاء مسؤولين عسكريين مصريين، بالفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار لكلا البلدين.

جانب من زيارة صدام حفتر إلى مصر (القيادة العامة الليبية)

ووصل صدام حفتر إلى القاهرة، السبت، في ثاني زيارة له في غضون شهر، تلبية لدعوة رسمية من القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر. وأُجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام الوطني لكلا البلدين.

وقال المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، يوم الأحد، إن لقاء صقر مع صدام حفتر تناول «مناقشة علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، بالإضافة إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة».

وتأتي زيارة صدام حفتر في ظل انشغال مصر بالوضع المتأزم في السودان، وسعياً إلى الحفاظ على وحدته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، دون تدخلات خارجية. وكان صدام قد رافق والده المشير خليفة حفتر في زيارته الأخيرة إلى القاهرة في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التقاه فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتناولت بحث الحدود البحرية المشتركة، والوضع في السودان.

وتباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام إلى القاهرة، في أجواء لم تخلُ من الانقسام، إذ ذهب كل فريق لتفسيرها على النحو الذي يرضي جبهته، لكنّ المحلل السياسي أحمد أبو عرقوب، يرى أنها تأتي في إطار «تعزيز الأمن الإقليمي، وبحث ملفات من بينها الأوضاع في السودان».

جانب من القيادات العسكرية الليبية (القيادة العامة الليبية)

وقال أبو عرقوب لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف السودان يحظى باهتمام مشترك بين مصر وليبيا، على أساس أن ما يجري في هذا البلد الشقيق يمس الأمن القومي للبلدين»، لافتاً إلى أن الحرب في السودان تؤثر سلباً على استقرار دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

ويتوقع أبو عرقوب أن هذه الزيارة «جاءت للتنسيق بين البلدين للحد من التدخلات السلبية الخارجية في السودان، بما يعطي فرصة لإيجاد تسوية سياسية شاملة لضمان وحدة واستقرار السودان».

كما التقى الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق صدام حفتر، وتناول اللقاء - حسب المتحدث العسكري المصري - عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء دعم العلاقات العسكرية الثنائية بين الجانبين.

وأكد رئيس الأركان المصري على «اعتزازه بالعلاقات الراسخة التي تربط القوات المسلحة المصرية والليبية»، وفيما أشار إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين الشقيقين، أكد على «أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات كافة التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية».

وتعمل مصر على دعم ليبيا «بشكل كامل»، كما تجدد تأكيدها على دعم المبادرات والجهود كافة الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن. وشدّد على «ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا».

وأعرب صدام حفتر عن «تقديره لدور مصر الداعم للشعب الليبي في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه، وسعي مصر الدائم إلى إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة». ونقل مكتب الإعلام للقيادة العامة في ليبيا أنه جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجال التدريب، وتبادل الخبرات بين الجانبين.

وأمام تصاعد التأويلات في ليبيا بشأن الزيارة وما تناولته، عدّ المحلل السياسي هيثم الورفلي، زيارة الفريق صدام حفتر إلى مصر «عادية ومتكررة» بالنظر إلى زيارته الأخيرة الشهر الماضي، التي رافقه فيها أيضاً رئيس الأركان العامة للجيش الفريق خالد حفتر.

وعبّر الورفلي عن اعتقاده بأن مصر «حليف استراتيجي للقيادة العامة الليبية، ودلالة هذه الزيارة هي دحض كل الافتراءات التي تتحدث عن توتر العلاقات بين مصر والقيادة العامة».

صدام يتلقى هدية تذكارية عبارة عن عربة حربية فرعونية من القيادة العامة المصرية (القيادة العامة الليبية)

وسبق أن شدّد السيسي خلال لقائه حفتر الشهر الماضي في القاهرة على «التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية؛ في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين، وسط تأكيد على عمق العلاقات المصرية الليبية وخصوصيتها».

ونقل المتحدث الرئاسي حينها أن الجانبين «توافقا على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه؛ وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لمصر وليبيا».


هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
TT

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

عاد الهدوء الحذر عقب اشتباكات محدودة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس مساء السبت، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني؛ في وقت أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأحد، استئناف «مسار الحوكمة» ضمن «الحوار السياسي المهيكل» باجتماع حضوري في طرابلس.

وجاء التصعيد الميداني المفاجئ ليعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إثر اشتباكات محدودة في منطقة «القره بوللي» (البوابة الشرقية للعاصمة) بين رفقاء الأمس؛ «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111 مجحفل» بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وسط تحشيدات عسكرية كبرى شملت تحرك أرتال من مصراتة وميليشيات الأمن العام داخل طرابلس.

وعزت مصادر محلية سبب الاشتباكات إلى اعتداء من عناصر «اللواء 444» على أفراد من «اللواء 111»، مما أشعل المناوشات وأدى إلى تبادل إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة، في أحدث مواجهة مباشرة بين قطبين أمنيين في الغرب الليبي؛ مما يجعل الصراع «داخلياً» بامتياز داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة.

ورصدت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية، تحرك أرتال إضافية مثل «الأمن العام» في طرابلس، مما أثار المخاوف من اتساع رقعة الحرب لتهدد استقرار العاصمة والعملية السياسية برمتها.

ورغم أن الشرارة المباشرة غالباً ما تبدأ بخلافات على تمركزات أمنية أو نقاط تفتيش، لكن الأسباب العميقة تعود إلى الصراع الكلاسيكي المعتاد على مناطق النفوذ والسيطرة، حيث يسعى كل طرف لفرض سطوته باعتباره قوة وحيدة مسيطرة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة.

ورغم أن هذه الأحداث تضع حكومة «الوحدة» في موقف محرج للغاية، حيث تظهر عجزها عن السيطرة على الفصائل التي تمولها، فإنها التزمت الصمت ولم تعلق هي أو أجهزتها الأمنية والعسكرية الأخرى على هذه التطورات.

لكن محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» اعتبر، خلال لقاء مفاجئ الأحد مع أهالي وأعيان وشخصيات بلدية سوق الجمعة، أن مدينة طرابلس وسوق الجمعة ستبقيان «واحة للاستقرار والأمن»، ولن تكونا ساحة للصراعات، مشدداً على أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الجهات العسكرية والأمنية.

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمي الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاستئناف مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل»

وأعلنت البعثة الأممية الأحد استئناف «مسار الحوكمة»، أحد المسارات الأربعة للحوار السياسي الليبي المهيكل، بعقد اجتماع حضوري بطرابلس، سيستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات التي عُقدت عبر الإنترنت خلال الأسابيع الماضية، ناقش خلالها المشاركون عدداً من الملفات المتعلقة بتعزيز الحوكمة وإدارة المرحلة السياسية الراهنة.

وبجانب «مسار الحوكمة» الذي ترعاه البعثة الأممية ستجرى مناقشات فيما بعد تتعلق بالمسارات: السياسي والأمني والاقتصادي. وتهدف مجتمعة إلى تحقيق توافق وطني شامل يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة وإنهاء الفترة الانتقالية، بما يدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

في سياق ذي صلة، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت، مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمى الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.