إيران تلجأ للخطاب القومي بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية

إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ 16 يوليو الحالي (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ 16 يوليو الحالي (إ.ب.أ)
TT

إيران تلجأ للخطاب القومي بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية

إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ 16 يوليو الحالي (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون قرب جدارية دعائية في طهران تستلهم شخصية من الأساطير الفارسية وهي تطلق صواريخ 16 يوليو الحالي (إ.ب.أ)

كان المشهد مألوفاً بطابعه التقليدي: طقوس عاشوراء، حيث تصطف الحشود مرتدية السواد، منحنية، وتضرب صدورها بإيقاع موحد. لكن وسط هذه الأجواء، فاجأ المرشد الإيراني، علي خامنئي، الحضور حين استدعى المنشد الواقف أمامه، وهمس في أذنه.

ابتسم المنشد، ثم بدأ يغني مقطعاً بدا في غير محله ضمن هذه المناسبة الدينية: نشيد وطني قديم بعنوان «أي إيران، إيران».

وأنشد قائلاً: «في روحي ووجداني، تبقين يا وطن»، وردد الجمهور خلفه: «خاب القلب الذي لا يخفق من أجلك».

خرجت إيران من الحرب الأخيرة مع إسرائيل - التي انضمت إليها الولايات المتحدة لفترة وجيزة - وهي مثقلة بالجراح. دفاعاتها العسكرية تضررت، وبرنامجها النووي تعرّض لضربات قاسية، وسكانها دفعوا ثمناً باهظاً جراء الخسائر المدنية خلال الحرب الـ12 يوماً.

خامنئي يتحدث إلى مُنشده الخاص بالمناسبات الدينية محمود كريمي خلال مراسم إحياء ذكرى عاشوراء في حسينية مكتبه وسط طهران (موقع المرشد)

ورغم قتامة المشهد، ترى القيادة الإيرانية فرصة سانحة، فالغضب الشعبي من الهجمات أطلق موجة من المشاعر القومية، وتأمل الحكومة في تحويل هذه اللحظة إلى طاقة وطنية تُسهم في ترسيخ دعم داخلي لنظام الحكم الذي يواجه أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة.

وقد أدى ذلك إلى تبنّي رموز فلكلورية وقومية كانت، حتى وقت قريب، حكراً على التيارات القومية العلمانية. أما الآن، فتتبنّاها منظومة دينية كانت تميل إلى إقصاء التراث الإيراني ما قبل ثورة 1979.

وفي مدينة شيراز التاريخية، ظهرت لوحة دعائية تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو راكعاً أمام تمثال شابور الأول، الملك الساساني في القرن الثالث، في محاكاة ساخرة لأحد نقوش مدينة برسيبوليس الأثرية.

في ساحة ونك بشمال طهران، وهي منطقة تسوّق شهيرة، نُصبت لوحة إعلانية تُظهر «آرش ذا القوس»، الشخصية الأسطورية التي يُقال إنها رسمت حدود إيران بإطلاق «قوة حياته» عبر رأس سهم. واليوم، لم تعد السهام هي ما يُطلَق من فوق قوسه، بل صواريخ الجمهورية الإسلامية.

قال محسن برهاني، أستاذ القانون في جامعة طهران والمعلق السياسي المعروف: «نحن نشهد ولادة اندماج بين الهوية الشيعية والقومية الإيرانية، وهذه نتيجة للهجوم على إيران».

وبغياب بيانات استطلاع موثوقة تعكس المزاج الشعبي، لا يزال الجدل قائماً بين الإيرانيين والمحللين حول مدى فاعلية هذه الموجة القومية الجديدة.

يرى بعض الإيرانيين بتشكك أن هذا المد القومي لن يؤدي إلى زيادة شعبية الحكومة، معتبرين أنه مجرد انعكاس لغضب شعبي واسع من الهجمات الإسرائيلية والأميركية.

قبل تلك الهجمات، توقّع بعض المحللين الإيرانيين أن تشهد البلاد اضطرابات داخلية هذا الصيف، في ظل أزمة اقتصادية حادة، وانهيار في خدمات المياه والكهرباء والوقود مع ارتفاع درجات الحرارة.

لكن يبدو أن الحرب أدّت إلى نتيجة معاكسة؛ إذ بات بعض الإيرانيين أكثر استعداداً لتقبل مزيد من القيود الحكومية، بما في ذلك تشديد الرقابة على الإنترنت. كما بدأت الحكومة الإيرانية حملة أمنية واسعة النطاق ضد من تصفهم بـ«المتسللين والجواسيس»، في حين تقول منظمات حقوقية إن هذه الحملة تطال أيضاً معارضين وأفراداً من الأقليات العرقية.

أما دعوات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للإيرانيين بالنهوض ضد حكومتهم، عقب الضربات، دفعت حتى بعض منتقدي النظام إلى القول إنهم لا يستطيعون تأييد أي احتجاجات في الوقت الراهن.

قالت ليدا، وهي تعمل في طهران، في رسالة صوتية إلى «نيويورك تايمز»: «الناس لا يريدون تغييراً داخلياً تدفع به حكومات أجنبية». وطلبت عدم ذكر اسمها الكامل، نظراً لتحذيرات الحكومة من التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية.

وقالت: «يتعارض هذا مع كبريائي الوطني أن تأتي دولة وتنتهك أرضي وتضرب منشآتنا النووية. صحيح أن البرنامج النووي ليس حلمي أو طموحي، لكنه في النهاية جزء من أرضي وسيادتي».

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها قادة الجمهورية الإسلامية إلى الخطاب القومي أو الرموز التقليدية في أوقات الأزمات. فبحسب المؤرخين، كثيراً ما استعانت القيادة الإيرانية في نهاية حربها مع العراق في ثمانينات القرن الماضي بالرواية القومية لحشد الدعم الشعبي. لكن خبراء الشأن الإيراني يرون أن حجم ونطاق الحملة الحالية لتعبئة الرأي العام مختلفان بشكل واضح.

وقال علي أنصاري، المدير المؤسس لمعهد الدراسات الإيرانية في جامعة سانت أندروز: «القيادة الثورية باتت تدرك أنه حين تشتد الأزمات، لا بد من الغوص عميقاً في الخطاب القومي لتوحيد الصفوف». وأضاف: «إنهم يريدون استخدام الحرب أداةً لتعزيز التضامن الوطني، وهو ما كانوا يفتقرون إليه منذ سنوات طويلة».

لوحة دعائية في ساحة «انقلاب» (الثورة) تتوسطها صورة المرشد الإيراني بين شعارين ديني ووطني (أ.ف.ب)

وقد برز هذا التوجّه بشكل لافت مع دخول إيران في أواخر يونيو (حزيران) شهر محرم، وهو فترة الحداد في المذهب الشيعي، وتستمر قرابة شهر.

ويُعد يوم عاشوراء، الذي يصادف اليوم العاشر من محرم، ذروة هذه الطقوس. لكن هذا العام، طغى الطابع السياسي على تلك المراسم؛ إذ قام المنشدون الدينيون بدمج التراتيل الدينية مع أغانٍ وطنية كانت محظورة في السابق، من بينها نسخة دينية من نشيد كُتب خلال الحرب العالمية الثانية، كثيراً ما ارتبط بعهد الملكية البهلوية، الذي أطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979.

لم يرحّب بعض الإيرانيين بدمج الخطاب القومي بالخطاب الإسلامي، ومن بينهم عائلة الشاعر توراج نكاهبان، مؤلف نشيد «أي إيران». فقد أدرج المنشد الذي أنشد النشيد أمام خامنئي عبارات دينية مثل: «إيران كربلاء» و«إيران عاشوراء».

وكان نكاهبان، الذي توفي في المنفى بلوس أنجليس عام 2008، من المنتقدين المعروفين للجمهورية الإسلامية.

وكتبت عائلته في منشور على صفحة «إنستغرام» تحمل اسمه: «لسنوات، قمتم بإسكات أصواتنا. محوتم أسماءنا من الكتب ووسائل الإعلام. والآن، بعدما لم يعد لديكم ما تهتفون به، أصبحتم تغنون الأناشيد نفسها التي كنتم تلعنونها».

ويقول بعض الإيرانيين، مثل برهاني، إن لجوء النظام الثيوقراطي إلى القومية يكشف عن أن الأناشيد الدينية لم تعد كافية وحدها لتحفيز السكان، ولا سيما أولئك دون سن الثلاثين، الذين يشكلون الغالبية في بلد يقترب عدد سكانه من 90 مليون نسمة.

في المقابل، يرى آخرون أن إدماج الألحان الوطنية في طقوس عاشوراء على نطاق واسع في مختلف أنحاء البلاد أنتج شكلاً جديداً وأصيلاً من التعبير القومي الإيراني.

أما شهرزاد، وهي طالبة جامعية في طهران، فوصفت هذا التوجه بأنه «قومية مصطنعة»، قائلة في رسالة صوتية: «القومية الأصيلة لا تأتي من منابر الحكومة، بل من الشارع، من الاحتجاجات، من الألم الجماعي».

حتى وإن ساعدت الحرب - والموجة القومية التي رافقتها - الحكومة الإيرانية في تعزيز قبضتها الداخلية، إلا أن كثيرين يتساءلون عن مدى قدرة هذا التأثير على الاستمرار.

قال علي أنصاري: «حين تهدأ العاصفة، ويبدأ الناس في طرح الأسئلة، سيكتشفون أن المياه لا تزال مقطوعة، والغاز مفقود، والكهرباء منقطعة. كل شيء مرهون بنهضة اقتصادية شاملة، وهي أمر لا تستطيع البلاد تحقيقه حالياً».

*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بأميركا

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة البريطانية (رويترز)

إيرانيان يمثلان أمام محكمة بريطانية بتهمة التخطيط لهجوم على الجالية اليهودية

مثل رجلان إيرانيان أمام محكمة في لندن، السبت، بعد اتهامهما بالتخطيط لهجوم يستهدف الجالية اليهودية في مانشستر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس تبون خلال مقابلة بثها التلفزيون الرسمي (الرئاسة الجزائرية)

تبون: أرسلنا طائرات إلى النيجر لمواجهة انقلاب

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن بلاده تحركت عسكرياً لمنع الإطاحة برئيس النيجر عبد الرحمن تشياني في أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي طائرة من طراز «إيرباص A340-600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

تمكنت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، من انتزاع موافقة أميركية تسمح بتسيير 40 رحلة جوية يومياً من وإلى مطار النجف الأشرف الدولي لشركات الطيران الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

«الخارجية الأميركية» تؤكد طرد عضوين من الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن الولايات المتحدة «طردت" عضوين من الوفد الإيراني الذي شارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا بعد تجاهلهما أمرا بمغادرة البلاد.

وقال مسؤول أميركي، إن «عضوين إضافيين من الوفد الإيراني تبين أنهما لا يزالان موجودين في نيويورك بعد فترة طويلة من انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. الآن تم طردهما من الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو «جاد في ما يقول».

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن الخارجية كانت قد طلبت من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووفده مغادرة البلاد الاثنين، ولجأت إلى طرد العضوين المذكورين بعد أن علمت من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة بأنهما لا يزالان في البلاد الجمعة.

ووفقا لموقع «أكسيوس»، غادر أحد عضوي الوفد ليل الجمعة، بينما غادر الثاني صباح السبت.

وكان مسؤولون أميركيون وإيرانيون قد التقوا في نيويورك الأسبوع الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد رفض مقترحا من طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في سبعة أيام، لكنه صرح لوسائل إعلام أميركية بأنه يتوقع استئناف المحادثات خلال الأيام المقبلة.

في المقابل، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) بأنه لا توجد محادثات مباشرة أخرى مقررة بين طهران وواشنطن.


ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
TT

ترمب يدرس العودة إلى «العمليات الكبرى»

ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)
ناقلة نفط هندية بعد عبور مضيق هرمز في محطة تفريغ بالهند (رويترز)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية لإيران وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على تصاعد فرص الخيار العسكري.

وفي ظل هذه الأجواء، طلب الرئيس ترمب من كبار مسؤولي إدارته دراسة فرص العودة إلى «العمليات الكبرى»، ملوّحاً باستمرار الأعمال القتالية إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن.

ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن كبار المسؤولين عقدوا اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد استمر ساعات، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، تحسباً لمرحلة جديدة من المواجهة. وأوضح الموقع الإخباري أن نائب الرئيس جي دي فانس ترأس الاجتماع الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «بعض الأمور قد حُسم في هذا الاجتماع، والبعض الآخر نوقش بعمق».


إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.