ما المقابل الإيراني لامتناع الأوروبيين عن تفعيل آلية «سناب باك»؟

اجتماع إسطنبول يواجه مطالب «الترويكا»

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الألماني يوهان فادفول في مؤتمر صحافي عقب لقائهما في باريس يوم 18 الحالي (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الألماني يوهان فادفول في مؤتمر صحافي عقب لقائهما في باريس يوم 18 الحالي (إ.ب.أ)
TT

ما المقابل الإيراني لامتناع الأوروبيين عن تفعيل آلية «سناب باك»؟

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الألماني يوهان فادفول في مؤتمر صحافي عقب لقائهما في باريس يوم 18 الحالي (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيره الألماني يوهان فادفول في مؤتمر صحافي عقب لقائهما في باريس يوم 18 الحالي (إ.ب.أ)

رغم خلافاتهما العميقة، فإن ما يجمع إيران والترويكا الأوروبية «فرنسا وبريطانيا وألمانيا» هو الرغبة المشتركة في إيجاد حل سياسي ــ دبلوماسي للملف النووي الإيراني، يجنب الشرق الأوسط وأوروبا والعالم العودة إلى حرب الـ12 يوماً، التي اندلعت الشهر الماضي بمبادرة إسرائيلية، ولاحقاً بمشاركة أميركية.

ولأن عودة المفاوضات بين طهران وواشنطن ليست قريبة، ولأن الأولى تضع شروطاً لاستئنافها، فإن من الأسهل على الجانب الإيراني أن يحاور الأوروبيين، خصوصاً أن هؤلاء يمسكون بأيديهم سلاحاً ضارباً وورقة ضغط قوية على إيران، اسمها آلية «سناب باك» التي تعني إعادة تلقائية لتفعيل 6 مجموعات من العقوبات الدولية، بموجب منطوق القرار الدولي 2231، الذي ينتهي مفعوله في 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وكان العمل بهذه العقوبات «عُلق ولم يلغَ» في عام 2015 بعد توقيع الاتفاق النووي صيف ذلك العام.

يتعين، من الناحية العملية، التذكير بأمرين: الأول، تقليص المدة (حتى نهاية أغسطس/آب) التي تستطيع أطراف الترويكا، ضمنها، طلب تفعيل آلية «سناب باك»، فالموقعون على اتفاق 2015 (الثلاثي الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين) مؤهلون لطلب إعادة تفعيل هذه الآلية، باستثناء الطرف الأميركي الذي خرج منه في عام 2018، فيما يستبعَد أن تعمد موسكو وبكين (حليفتا طهران) إلى تقديم طلب من هذا النوع.

لذا، فإنّ لإيران مصلحة أساسية في التواصل مع «الترويكا»، الأمر الذي يفسر الاجتماع المرتقب يوم الجمعة المقبل في إسطنبول، وفق تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الألمانية في 20 يونيو 2025 تظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الثاني من اليسار) خلال اجتماع حول البرنامج النووي الإيراني في جنيف في 20 يونيو 2025 (أ.ب)

وبالتوازي، تُفعّل طهران دبلوماسيتها ساعيةً لتعبئة موسكو وبكين من أجل دعمها في مجلس الأمن الدولي، رغم الإحباط الذي تستشعره إزاء هاتين العاصمتين بسبب ضعف تضامنهما معها خلال حرب الـ12 يوماً. من هنا أيضاً، يمكن أن نفهم خلفية الاجتماع الثلاثي الذي سيجمع ممثلين عن العواصم الثلاث يوم الثلاثاء، وهو ما أعلنه أيضاً بقائي.

إيران ما بين الترغيب والترهيب

إذا كانت ثمة حاجة للتأكيد على القلق الإيراني من «الضغط على الزناد»، فتكفي الإشارة إلى أن اتصالات طهران الدبلوماسية وتصريحات أركان النظام تتركز في غالبيتها على هذه المسألة. لذا، فإن وزير الخارجية عباس عراقجي دأب منذ أسابيع على تنبيه الأوروبيين من الإقدام على هذه الخطوة، وقال يوم 12 الحالي: «إنهم بذلك سيخسرون أي إمكانية للعب أي دور» في الملف النووي الإيراني.

وزاد يوم الجمعة، في تغريدة على منصة «إكس»، عقب اتصال بنظرائه الأوروبيين الثلاثة وبمسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن الأوروبيين «فقدوا أي أساس أخلاقي أو قانوني» لإعادة تفعيل العقوبات الأممية، مضيفاً أنه إذا أرادوا المحافظة على دور لهم «فعليهم التصرف بمسؤولية والتخلي عن استخدام التهديدات والضغوط».

وشدّد عراقجي، الأحد، في رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على هذا الجانب، وجاء بحجة إضافية مفادها أن موقفهم من الضربات الإسرائيلية والأميركية التي لم ينددوا بها، أفقدهم «صفة الطرف» في الاتفاق النووي الذي ترتبط به آلية «سناب باك».

تريد أطراف «الترويكا» استخدام ورقة «سناب باك» للضغط على إيران لدفعها نحو انتهاج الليونة. وأفادت وزارة الخارجية الفرنسية بأن الأوروبيين أبلغوا عراقجي «تصميمهم على استخدام آلية (سناب باك) في حال عدم إحراز تقدم ملموس» نحو اتفاق جديد حول البرنامج النووي «بحلول نهاية الصيف».

ووفق مصدر ألماني، فإنهم يريدون اتفاقاً «قوياً يمكن التحقق منه ويمنع إيران من الحصول على سلاح نووي».

لا تكتفي إيران بتوجيه اللوم الأخلاقي أو القانوني. ذلك أن نواباً ومسؤولين هددوا بالانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي أو بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ونُقل الاثنين عن النائب عباس مقتدائي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، قوله: «إن لدينا العديد من الأدوات تحت تصرفنا: يمكننا الامتناع عن تنفيذ التزامنا بالأمن في المنطقة، والخليج (...)، ومضيق هرمز، وكذلك في مناطق بحرية أخرى»، في إشارة واضحة إلى البحر الأحمر الاستراتيجي.

ولمزيد من الإيضاح، قال مقتدائي في مقابلة مع وكالة «برنا» شبه الرسمية: «أوروبا ليست في وضع يسمح لها بتعريض نفسها للخطر في... مضيق هرمز، في وقت تعاني فيه من صراعات سياسية واقتصادية وثقافية مع روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة». وسبق لإيران كذلك أن لوّحت بوضع حد لجهودها في محاربة المخدرات المتجهة لأوروبا.

حظوظ النجاح أو الفشل

ويمثل التحاق الأوروبيين بالموقف الأميركي ــ الإسرائيلي الرافض جذرياً لتمكين إيران من الحفاظ على إمكانية تخصيب اليورانيوم على أراضيها، الصعوبة الرئيسية في اجتماع إسطنبول المقبل. وبرزت هذه الصعوبة في اجتماع جنيف الشهر الماضي، الذي لم يفضِ إلى أي نتيجة.

والحال أن السلطات الإيرانية جعلت من التخصيب مسألة حياة أو موت، وكان السبب الأول في فشل 5 جولات من المفاوضات «غير المباشرة» بين طهران وواشنطن.

وزيرا خارجية روسيا سيرغي لافروف وإيران عباس عراقجي خلال لقائهما يوم 15 الحالي على هامش أعمال منظمة شنغهاي للتعاون (إ.ب.أ)

وتفيد مصادر أوروبية في باريس بأن القراءة الغربية تركز على أن «إيران ما بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية غير إيران ما قبلها»، بمعنى أن الضغوط على طهران يمكن أن تدفعها، من أجل تجنب استهدافها عسكرياً مجدداً، إلى الرضوخ للمطالب الغربية والقبول بأحد المخارج المتداولة من هذه المشكلة، كتشكيل «كونسورتيوم» للتخصيب تكون طهران جزءاً منه، مع احتمال لحظ دور لروسيا.

بيد أن النووي ليس العقبة الوحيدة التي تحول دون إحراز تقدم، رغم كونه العقبة المركزية. فالأوروبيون يريدون كذلك طرح ملف البرنامج الصاروخي ــ الباليستي الإيراني، وسياسة طهران «المزعزعة لاستقرار الإقليم» وفق التوصيف الغربي، بسبب دعمها «لأذرعها» المتعددة في المنطقة ومعاودتها تسليحها. فضلاً عن ذلك، يرى كثير من المراقبين أن الأوروبيين حريصون بالدرجة الأولى على تجنب المواجهة مع إدارة الرئيس دونالد ترمب، بسبب حربها التجارية عليهم من جهة، وبسبب حرب أوكرانيا من جهة ثانية، التي لا يريدون أن تقع كامل أعبائها العسكرية والمالية على كاهلهم. وفي كل الأحوال، فإن المصادر المشار إليها ترى أن إيران اليوم هي «الطرف الأضعف»، وبالتالي «يتوجب عليها أن تدفع الثمن» حتى يقتنع الأوروبيون بعدم نقل ملفها مجدداً إلى مجلس الأمن. من هنا، أهمية النظر فيما يمكن لطهران أن تقدمه مقابل ذلك.

محدودية الدور الروسي ــ الصيني

تسعى طهران إلى استنهاض روسيا والصين حتى لا تكون «عارية» في مواجهة الغربيين، وإيجاد السبل لمنع هؤلاء من تنفيذ تهديداتهم. والحال أن القراءة القانونية للقرار 2231 بخصوص آلية «سناب باك» تُبين أن موسكو وبكين غير قادرتين على حماية إيران، لأن البت بها سيكون من خلال التصويت على مشروع قرار ينص على مواصلة العمل بـ«تعليق» أو «تجميد» العقوبات الدولية. لذا، يكفي أن تصوّت إحدى الدول المتمتعة بحق النقض (الفيتو) ضد المشروع حتى يُعاد العمل بها، ما يوضّح الحديث عن «تلقائيتها».

من هنا، ثمة أنباء متداولة، إيرانياً، تفيد بأن طهران قد تسعى لإقناع روسيا والصين بالانسحاب من اتفاق عام 2015، ما يجعله منتهي الصلاحية، وبالتالي يُجهِض جهود الغربيين. بيد أن حصول أمر كهذا دونه حسابات سياسية روسية ــ صينية معقدة، وقد لا ترى الدولتان أن مصلحتهما تكمن في الاستجابة لمطلب طهران. من هنا، فإن الأمور مفتوحة على عدة احتمالات ومخارج.


مقالات ذات صلة

عراقجي: سياسة إيران بعد الحرب «ستختلف بالكامل»

شؤون إقليمية عراقجي يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي مساء الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)

عراقجي: سياسة إيران بعد الحرب «ستختلف بالكامل»

حضّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي منتسبي الجهاز الدبلوماسي لبلاده على تنبي «لسان حاد» في مخاطبة العالم، قائلاً إن السياسة الخارجية لطهران بعد الحرب ستختلف.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية شاشة تعرض أسعار صرف العملات في السوق الكبيرة بطهران الاثنين (رويترز)

الحرب تفاقم أزمة البنزين ومخاوف الاضطرابات في إيران

حذر محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، من أن ارتفاع الأسعار بلغ مستوى «مزعجاً»، ودعا أجهزة الدولة إلى الاستعداد لـ«أسوأ السيناريوهات».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرد التحية العسكرية لدى وصوله إلى محيط البيت الأبيض في واشنطن الأحد (أ.ب) p-circle

ترمب: إيران لن تملك سلاحاً نووياً وعليها الاستسلام

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يظل الهدف الأول لإدارته، مع استمرار الجمود في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يتحدث إلى مجموعة من الإعلاميين في طهران (جماران)

إيران... محمد خاتمي يحذر من عودة الحرب

دافع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي عن المفاوضات مع الولايات المتحدة، وحذَّر من ضياع «فرصة استثنائية» أتاحها وقف الحرب، وذلك عشية انتهاء مهلة مذكرة التفاهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طائرات تابعة للبحرية الأميركية تقلع من سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» في أثناء إبحارها في بحر العرب دعماً للعمليات الأمنية في الشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

آمال تمديد تفاهم واشنطن وطهران تتضاءل

تتضاءل فرص إحياء مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة أو تمديد مهلة الستين يوماً، مع اقتراب انتهائها، وسط جمود الاتصالات واستمرار الحصار الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)

زامير من جنوب سوريا: لن نسمح بتمركز قوات معادية على حدود إسرائيل

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال جولة برفقة عدد من القادة والجنود في جنوب سوريا (الجيش الإسرائيلي)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال جولة برفقة عدد من القادة والجنود في جنوب سوريا (الجيش الإسرائيلي)
TT

زامير من جنوب سوريا: لن نسمح بتمركز قوات معادية على حدود إسرائيل

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال جولة برفقة عدد من القادة والجنود في جنوب سوريا (الجيش الإسرائيلي)
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال جولة برفقة عدد من القادة والجنود في جنوب سوريا (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن رئيس أركانه إيال زامير أجرى جولة في جنوب سوريا، حيث تفقد قوات إسرائيلية والتقى جنوداً من الاحتياط، محذراً من السماح بتمركز ما وصفها بـ«قوات معادية» قرب حدود إسرائيل.

ووفق منشور للمتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، زار زامير الفرقة 210 برفقة قائد المنطقة الشمالية رافي ميلو، وقائد الفرقة 210 يائير بالاي، وقائد اللواء الإقليمي 474، إلى جانب عدد من القادة العسكريين.

وأجرى زامير خلال الزيارة تقييماً للوضع العملياتي، كما قام بجولة في جنوب سوريا والتقى جنوداً من قوات الاحتياط المنتشرة في المنطقة.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إن بلاده تعمل في ظل «واقع متعدد الجبهات»، معتبراً أن التحديات «تتغيّر وتتطوّر باستمرار»، وأن الساحة السورية تشكّل واحدة منها. وأضاف: «نرى ما يحدث ونتابع التغييرات على الجبهة السورية، وعلينا الاستعداد لها وفقاً لذلك».

وشدد زامير على أن الجيش الإسرائيلي «لن يسمح لقوات معادية بالتمركز على حدودنا»، مضيفاً أن إسرائيل ستعرف، وفق تعبيره، كيفية استخدام قوتها «بدقة، في المكان والوقت المطلوبين».

وتابع أن الجيش يسعى إلى منع تطور ما وصفها بـ«التهديدات الإرهابية»، بالتوازي مع الحيلولة دون نشوء «تهديد عسكري كبير» على الحدود. وقال: «في سوريا أيضاً، أنشأنا منطقة دفاع أمامية تعمل حاجزاً أمام بلداتنا، وتعمل قواتنا فيها».

وأشار زامير إلى أن إسرائيل لا تزال، وفق وصفه، في خضم «حرب متعددة الجبهات»، وأن قواتها في حالة تأهب وتعمل على مختلف الجبهات، محذّراً من أن التصعيد «يمكن أن يحدث في أي منها»، ما يستدعي الحفاظ على حالة استعداد دائمة.

وخلال لقائه جنود الاحتياط، أشاد زامير بأدائهم، مشيراً إلى أن بعضهم أمضى مئات الأيام في الخدمة منذ بداية الحرب. وقال إنه يدرك «العبء الثقيل» الملقى على عاتقهم وعائلاتهم، مؤكداً العمل على تخفيفه.


عراقجي: سياسة إيران بعد الحرب «ستختلف بالكامل»

عراقجي يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي مساء الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي مساء الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي: سياسة إيران بعد الحرب «ستختلف بالكامل»

عراقجي يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي مساء الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يخاطب الإيرانيين عبر التلفزيون الرسمي مساء الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)

حضّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي منتسبي الجهاز الدبلوماسي لبلاده على تنبي «لسان حاد» في مخاطبة العالم، قائلاً إن السياسة الخارجية لطهران بعد الحرب «ستختلف بالكامل» عما قبلها، مشيراً إلى أن صورة «إيران الضعيفة» انتهت وحلَّت محلها صورة «إيران الصلبة والمقاومة».

وقدم عراقجي، في مقابلة مطولة مع التلفزيون الرسمي بُثت مساء الثلاثاء، رواية لمسار انتقلت فيه طهران من الحرب إلى المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة بعد أسابيع من مقتل المرشد السابق علي خامنئي.

وكشف عن تفاصيل عن دور الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في قرار التفاوض وإدارة المحادثات. وقال إن بزشكيان أصرّ على تولي قاليباف مسؤولية المفاوضات مع الولايات المتحدة، قائلاً إنه وافق عليها «بشرط أن يكون قاليباف حاضراً».

وقال إن السياسة الخارجية الإيرانية تقوم على «مجموعة من المبادئ الثابتة» مهما تغيرت الحكومات، في حين تستطيع كل حكومة استخدام أدوات ومبادرات مختلفة. وأضاف أن بزشكيان منذ بداية تولي مهامه قبل عامين، أعطى أولوية للحوار وخفض التوتر، وطلب من الخارجية فتح مسارات للتفاوض عندما تسمح الظروف بذلك.

وتأتي مقابلة عراقجي بعد أسبوع من مطالبة السلطة القضائية له بتسليم ما لديه من معلومات عن «ثغرة أمنية» قال إنها أتاحت استهداف اجتماعات متزامنة لكبار المسؤولين داخل مجمع قيادة المرشد السابق علي خامنئي في 28 فبراير (شباط)، قبل مقتله في الهجمات.

وتزامنت المقابلة أيضاً مع جدل داخلي بشأن موقع عراقجي في المفاوضات، بعدما زعم محمد باقر خرازي، الأمين العام لجماعة «حزب الله إيران» المتشددة، أنه أُبلغ بمنع وزير الخارجية من التدخل فيها.

عراقجي على هامش مراسم استضافها لتكريم إعلاميين بمناسبة يوم الصحافي الأربعاء (الخارجية الإيرانية)

«نريد إنهاء الحرب»

وفي روايته لمسار الحرب، قال عراقجي إن طهران رفضت في البداية وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار؛ لأن القيادة لم تكن تريد تكرار نموذج حرب يونيو (حزيران) 2025، التي توقفت قبل أن تعود المواجهة بعد أشهر.

وقال: «نحن لا نريد وقفاً لإطلاق النار، نحن نريد إنهاء الحرب»، مضيفاً أن الحرب يجب أن تنتهي «بطريقة لا تتكرر معها مرة أخرى».

وأضاف أن إيران لم تتلق خلال الأسبوعين الأولين طلباً أميركياً لوقف النار، في حين عرضت دول أخرى الوساطة. وحسب روايته، بدأت واشنطن لاحقاً طلب التفاوض بعدما فقدت الأمل في تحقيق أهدافها.

وعدَّد عراقجي بين تلك الأهداف «الاستسلام غير المشروط» وتغيير النظام وتقسيم إيران وإثارة اضطرابات داخلية، وقال إن الولايات المتحدة «حاولت تحقيقها خلال الحرب ولم تنجح».

وقال إن أول مقترح أميركي جاء في نص من 15 بنداً وصفه بأنه «وثيقة استسلام»، قبل أن تنتهي المفاوضات إلى مذكرة تفاهم من 14 بنداً.

وأضاف: «إذا جاء أحد يوماً بهذه البنود الخمسة عشر وقارنها بمذكرة التفاهم التي وصلنا إليها الآن في 14 بنداً، فسيتضح تماماً من أين بدأنا وإلى أين وصلنا».

ولم يكشف عراقجي عن تفاصيل النصين؛ ما يجعل المقارنة بين المطالب الأميركية الأولى ومذكرة التفاهم متاحة فقط من خلال الرواية التي قدمها.

وقال إن أولى الرسائل الأميركية بشأن التفاوض وصلت في 12 أو 13 مارس (آذار)، وإن المسار استمر نحو ثلاثة أشهر حتى توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو، بعد دخول باكستان وسيطاً.

قاليباف واجهة التفاوض

وكشف عراقجي عن أن اختيار قاليباف لرئاسة الفريق المفاوض جاء باقتراح من بزشكيان، وأن الرئيس ربط موافقته على المفاوضات بحضور رئيس البرلمان.

واستخدم عراقجي نفسه مفردات أقرب إلى قاموس الحرب عند حديثه عن المفاوضات، فلم يكتفِ بالإشادة بأداء قاليباف، بل وصف حضوره في الاجتماعات بـ«الصلابة والقتالية».

ونقل عن بزشكيان قوله: «إنني أوافق على التفاوض بشرط أن يكون الدكتور قاليباف حاضراً»، مضيفاً أنه أصر على إدراج اسم قاليباف مسؤولاً عن المفاوضات في محضر القرار قبل توقيعه.

قاليباف وعراقجي على هامش جولة ثانية من المحادثات بمنتجع بورغنستوك في سويسرا 21 يونيو الماضي (إ.ب.أ)

وقال إن «صلابة قاليباف وقتاليته في الاجتماعات» تكاملتا مع عمل وزارة الخارجية، في حين تولى بزشكيان دعم المسار سياسياً ومتابعة الاجتماعات واللجان.

وأضاف أن دعم الرئيس في مواجهة «أفكار أخرى» وعقبات داخلية كان من أهم العوامل التي سمحت بالمضي في المفاوضات والوصول إلى التفاهم. ودافع في الوقت نفسه عن أداء الجهاز الدبلوماسي، قائلاً إنه وفَّر الخبرة الدبلوماسية ونفَّذ المسار الذي أقرته مؤسسات القرار. وأضاف أن «لا وزير خارجية ولا دبلوماسي يقوم بعمل من تلقاء نفسه»، وأن «القضايا الكبرى وتوازنات الدولة تُحدد في مكان آخر، ووزارة الخارجية منفذة».

وتحاشى عراقجي تسمية الجهات التي عارضت المسار أو يوضح طبيعة الخلافات التي دارت حول بدء المحادثات. ووصف النهج الذي اتبعته طهران بأنه قائم على «عقلانية مجموع النظام»، وقال إن المسؤولين يقدمون آراءهم خلال مرحلة التشاور، لكنهم يصبحون ملتزمين بالقرار بعد اعتماده.

من الحوار إلى «اللسان الحاد»

وكان الجزء الأكثر حدة في حديث عراقجي متعلقاً بمرحلة ما بعد الحرب. وقال إن الاعتقاد بأن إيران أصبحت ضعيفة بفعل التطورات الإقليمية والمشكلات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية شجع على شن الحرب.

وأضاف أن أربعين يوماً من المواجهة غيَّرت تلك الصورة إلى «إيران الصلبة، إيران المقاومة، إيران التي تستطيع الوقوف في أصعب الظروف».

وجمع عراقجي بين الدعوة إلى الحوار والتفاوض وبين لغة أكثر حدة في وصف الخصم والمرحلة المقبلة. وقال إن السياسة الخارجية المقبلة ستقوم على صورة «إيران قوية، وواثقة بنفسها، ومسيطرة على الأوضاع»، وتسعى إلى مصالحها الوطنية وحقوق الإيرانيين.

ووصف وزارة الخارجية بأنها كانت خلال الحرب «الصوت العالي للشعب الإيراني»، وقال إن مهمتها بعد الحرب ستكون إظهار صورة دولة أكثر قوة وثقة. وأضاف أنه أبلغ العاملين في الوزارة: «انتبهوا، أنتم الآن تمثلون شعباً هزم قوة عظمى».

وتابع: «ارفعوا رؤوسكم. رايتنا مرفوعة. يجب أن نتحدث مع العالم ورؤوسنا مرفوعة وبلسان حاد، وأن نأخذ حق الشعب الإيراني ونُظهر للعالم صورة إيران القوية».


تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
TT

تركيا ترفض اتهامات إسرائيلية لتبرير هجوم على مطار أبو الظهور في سوريا

طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)
طائرات تابعة للقوات الجوية السورية خرجت من الخدمة في قاعدة أبوالظهور الجوية العسكرية شرق إدلب في أعقاب استيلاء مقاتلي المعارضة السورية على المنطقة يوم السبت 7 ديسمبر2024 (إ.ب)

رفضت تركيا مزاعم إسرائيل بشأن وضعها العسكري في سوريا وتبرير غاراتها على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب بالقرب من حدودها باتجاه دمشق بزعم أنها تسعى إلى نشر قواتها هناك.

وبدوره، أعلن السفير الأميركي لدى أنقرة ومبعوث الرئيس دونالد ترمب إلى سوريا والعراق، توم براك، عن مساعٍ لإنشاء آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا، واصفاً الغارات الجوية بأنها غير مبررة.

وقالت الرئاسة التركية، في بيان الأربعاء، إن المزاعم الإسرائيلية بشأن سماح سوريا لقوات تركية بالانتشار في مطار أبو الظهور «لا أساس لها».

وشنت إسرائيل، الثلاثاء، 8 غارات جوية على المطار الواقع في ريف إدلب الجنوبي الشرقي قرب الحدود التركية.

واتهم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان، سوريا بقبول نشر قوات تركية، قائلاً إن إسرائيل حذرت سوريا، مراراً، من أن انتشاراً مثل هذا سيهدد أمنها، لكنها اختارت تجاهل هذه التحذيرات، وإن إسرائيل «لن تتساهل مع أي تهديدات لأمنها، وسترحب بالعودة إلى الوضع القائم».

ورداً على البيان الإسرائيلي، قالت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، إن المزاعم التي أطلقها مكتب نتنياهو بحق تركيا تهدف إلى شرعنة الغارات الإسرائيلية غير القانونية التي تستهدف سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وأكدت أن الاتهامات الواردة في البيان ضد تركيا تنبع من نية نتنياهو مواصلة سياساته التوسعية المزعزعة للاستقرار في المنطقة قبل الانتخابات في إسرائيل المرتقبة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وزراء الخارجية والدفاع ورئيسا المخابرات الأتراك والسوريون قبل اجتماع في وزارة الخارجية التركية بأنقرة في أكتوبر 2025 (الخارجية التركية)

وشدد البيان على أن تركيا، شأنها شأن الغالبية العظمى من المجتمع الدولي، تؤيد إرساء السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط، وأن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك يمر عبر تخلي نتنياهو عن سياساته العدوانية واحترامه للقانون الدولي.

وأكد أن «تركيا ستواصل بحزم التعاون مع الحكومة السورية على أساسٍ مشروعٍ من أجل إرساء الأمن والاستقرار والرفاه في سوريا، ولن تسمح بأي حال من الأحوال بزعزعة استقرار سوريا».

قلق أميركي

وجرى اتصال هاتفي بين الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب، قالت الرئاسة التركية إنه تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب قضايا إقليمية وعالمية، لكنه لم يتطرق إلى ما إذا كان قد تم بحث الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور.

إردوغان وترمب خلال تصريحات عقب وصوله إلى أنقرة يوم 7 يوليو الماضي للمشاركة في قمة حلف الناتو (الرئاسة التركية)

وأعلن السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، عقب الضربات الإسرائيلية، أن واشنطن تعمل على إنشاء ​آلية لتجنب الصدام بين إسرائيل ​وتركيا وسوريا، وتسهل بالفعل آلية لتبادل المعلومات والحوار بين الأطراف.

وذكر براك، في تصريح لـ«رويترز»، مساء الثلاثاء، أن «تركيا لم تتلقَّ إخطاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية، وبالتالي رصدت الطائرات وهي تتجه شمالاً نحو أراضيها، وكان من الممكن أن تستعد بشكل منطقي لاتخاذ ردها الخاص، ولحسن الحظ، تمكنت العقول الهادئة من منع الوضع من التدهور أكثر».

الوجود العسكري التركي

وتدرب تركيا، التي تشهد علاقاتها مع إسرائيل توتراً متصاعداً منذ الهجوم على غزة في عام 2023، فضلاً عن التنافس الإقليمي الذي يظهر بوضوح في سوريا، الجيش السوري، وتساعد سوريا في إعادة بناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، وتقدم لها الدعم العسكري في إطار خطة للتخفيض التدريجي لبقاء قواتها في مناطق داخل سوريا.

نقطة عسكرية تركية في إدلب (أرشيفية - إعلام تركي)

وحسب المتاح من معلومات حول انتشار القوات التركية في شمال سوريا، توجد هذه القوات في 126 موقعاً عسكرياً، من بينها 12 قاعدة رئيسية و114 نقطة مراقبة عسكرية وأمنية، تنتشر بشكل رئيسي في شمال وشمال غربي وشرقي سوريا، ضمن 6 محافظات تغطيها مناطق عمليات «درع الفرات» الواقعة في ريف حلب الشمالي والشرقي في مدن أعزاز وجرابلس والباب ومارع والراعي ودابق.

كما توجد في منطقة عفرين، المعروفة بمنطقة «غصن الزيتون»، في ريف حلب الشمالي الغربي، عبر قواعد ونقاط أمنية لحفظ الاستقرار وإدارة المنطقة بالتعاون مع المجالس المحلية والحكومة السورية (الجيش الوطني السوري سابقاً).

وفي محافظة إدلب ومحيطها (ما يعرف سابقاً بمنطقة خفض التصعيد التي حددت بالاتفاق مع روسيا)، حيث ثاني أكبر تجمع عسكري تركي بعد محافظة حلب كان مخصصاً لحماية خطوط التماس بين قوات النظام السابق والمعارضة.

وتوزعت هذه القوات في مطار تفتناز العسكري ومعسكر المسطومة، ومحيط مدينة جسر الشغور وجبل الزاوية، وأطراف ريف اللاذقية الشمالي وريف حماة الغربي المحاذيين لمحافظة إدلب.

قوات تركية في منطقة «نبع السلام» العسكرية شمال شرقي سوريا (أرشيفية -الدفاع التركية)

أما الوجود العسكري في شمال شرقي سوريا، فتركز قبل معركة «ردع العدوان» وسقوط نظام الأسد، في المنطقة الممتدة بين محافظتي الرقة والحسكة أو ما بعرف بـ«منطقة نبع السلام»، التي هي عبارة عن شريط حدودي يقع بين نهري دجلة والفرات، في تل أبيض، شمال محافظة الرقة، ورأس العين، شمال غربي محافظة الحسكة، وتخضع هذه المناطق لإشراف عسكري تركي مباشر بالتعاون مع «فصائل المعارضة السورية»، وأقر البرلمان التركي تمديد تفويض القوات هناك حتى عام 2028 لحماية الحدود التركية.

وكان عدد القوات التركية الموجودة في سوريا يقدر بنحو 20 ألف جندي وموظف أمني، لكن هذه الأعداد ومناطق وجودها شهدت تغييرات ملحوظة بعد سقوط نظام الأسد وتولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

وتم دمج النقاط الصغيرة في قواعد موحدة مثل مطار كويرس العسكري في حلب، ومطار تفتناز ومعسكر المسطومة في إدلب لإدارة المساحات الشاسعة بشكل أفضل.

وزيرا الدفاع التركي يشار غولر والسوري مرهف أبو قصرة خلال توقيع اتفاق للتعاون العسكري بين البلدين في أنقرة العام الماضي (الدفاع التركية)

تفاهمات جديدة

ونتيجة للاتفاقات الأمنية مع الإدارة السورية الجديدة، سحبت تركيا «قوة مهام سوريا» التابعة للمديرية العامة للأمن وقوات الدرك من مراكز المدن الرئيسية بريف حلب الشمالي، مثل أعزاز وجرابلس، وسلّمت مقراتها لقوات الأمن السورية مع نقل معداتها إلى الولايات التركية الحدودية، هطاي، غازي عنتاب، وكلس.

ولا يقتصر دور القوات التركية بأسلحتها الثقيلة التي تشمل مئات الدبابات «إم 60» المطورة وليوبارد والعربات المصفحة، ووحدات المدفعية، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، حالياً على حماية الحدود وتوفير غطاء جوي للقواعد، بل تساهم بموجب الاتفاقات مع الحكومة السورية الجديدة في إعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية لسوريا.

وبدأت تركيا منذ العام الماضي برامج لتدريب آلاف الجنود وعناصر الشرطة السوريين داخل قواعد عسكرية في وسط وشرق تركيا، بهدف تأهيل أكثر من 20 ألف جندي، على المدى المتوسط، لتولي مسؤولية الأمن بالتدريج.