صحاري ليبيا... ملاذ محتمل للمتطرفين وممر لتهريب السلاح

محللون يرون في «الجغرافيا المفتوحة» فرصة لتدريب الإرهابيين

دوريات صحراوية تابعة لـ«الجيش الوطني» تتعقب مهربين جنوب ليبيا (رئاسة الأركان البرية)
دوريات صحراوية تابعة لـ«الجيش الوطني» تتعقب مهربين جنوب ليبيا (رئاسة الأركان البرية)
TT

صحاري ليبيا... ملاذ محتمل للمتطرفين وممر لتهريب السلاح

دوريات صحراوية تابعة لـ«الجيش الوطني» تتعقب مهربين جنوب ليبيا (رئاسة الأركان البرية)
دوريات صحراوية تابعة لـ«الجيش الوطني» تتعقب مهربين جنوب ليبيا (رئاسة الأركان البرية)

جدّد حديث السلطات الأمنية المصرية عن تدريبات عسكرية تلقّاها أحد العناصر المتطرفة في دولة مجاورة، المخاوف من استخدام المناطق الصحراوية، ولا سيما في ليبيا، «ملاذات آمنة» لاحتضان الإرهابيين.

لقطة من فيديو متداول تعلن فيه حركة «حسم» عزمها عودة عملياتها في مصر

وكانت وزارة الداخلية المصرية، تحدثت عن «إحباط عمل تخريبي خططت له حركة (حسم) (الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين) المحظورة في مصر، من قِبل أحد عناصرها الهاربين بإحدى الدول الحدودية، بعد تلقيه تدريبات عسكرية بها، للتسلل للبلاد، لتنفيذ المخطط».

وسبق أن قال مصدر أمني مصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العنصر المذكور، الذي قتل خلال المداهمة الأمنية مع آخرين، تدرب في ليبيا، وتسلل إلى مصر، كما كان مقيماً في فترة سابقة في السودان».

ومن منظور ليبي، يرى المحلل العسكري محمد الترهوني، أن «صحراء بلاده التي تحتل 90 في المائة من مساحتها، تحولت على مدى أكثر من عقد إلى مرتع للفوضى واستقطاب عناصر مسلحة من الخارج في ظل ترامي أطرافها».

ويعتقد الترهوني في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «الصحراء الغربية الليبية بيئة مثالية لاحتضان هذه المجموعات التي تستغل ثغرات عبور وتسلل رخوة على الحدود الليبية مع بعض دول الجوار، حيث لا توجد سلطة للجيش الوطني الليبي عليها، إلى جانب الحدود الليبية - التونسية التي يشهد نشاط التهريب رواجاً فيها».

وربما تستغل «الجماعات المتطرفة أنشطة التهريب الحدودية في نقل السلاح والمتطرفين مقابل مبالغ مالية»، وفق الترهوني، الذي لا يستبعد «عقد تشكيلات مسلحة ليبية صفقات مع تلك الجماعات مقابل المال، حيث تسيطر على الحدود في أقصى جنوب غرب ليبيا».

دوريات صحراوية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي لتعزيز الأمن ومكافحة التهريب (رئاسة الأركان البرية)

وتعززت هذه الفرضية على خلفية فيديو متداول منذ أسبوعين منسوب لحركة «حسم»، يُظهر مسلحين ملثمين يطلقون الرصاص، ويؤدون تدريبات عسكرية، وتبين - وفق المصدر الأمني المصري - أن عناصر من تلك الحركة يتدربون في منطقة ليبية صحراوية.

وبحسب أحدث تقرير دوري صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن «التنظيمات المتطرفة العنيفة واصلت نشاطها في جميع أنحاء ليبيا، وقدمت الدعم اللوجيستي والمالي في منطقة الساحل».

وسبق أن وثّق التقرير ذاته «التهريب» و«الاتجار بالبشر» بصفتهما مصدرين رئيسين من مصادر الدخل لكل من المنظمات المتطرفة العنيفة والشبكات الإجرامية ما يؤشر على وجود تقارب في المصالح بينهما.

غير أن عصام أبو زريبة وزير الداخلية في حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في شرق ليبيا، استبعد «وجود مراكز تدريب أو إيواء لمتطرفين أو عناصر إخوانية في نطاق سيطرة حكومته في المنطقتين الشرقية والجنوبية».

ووصف ذلك بـ«الأمر الصعب»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «نكافح مثل هذه التحركات لأنها تمثل خطراً على أمننا القومي»، مشدداً على وجود «تعاون أمني مع مصر في شتى المجالات».

عنصر أمن ليبي يفتش حاوية عثر عليها في الصحراء الجنوبية (رئاسة أركان القوات البرية)

ويستبعد شريف بوفردة مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، «وجود حاضنة للعناصر المتطرفة في المنطقة الشرقية». وقال إن «عناصر الإخوان خرجت من ليبيا عام 2014 إلى المنطقة الغربية، بشكل فردي وليس جماعياً بعد حملة أمنية وإعلامية»، مشيراً إلى أنه «ليس لهذه العناصر القدرة والإمكانات والاستراتيجية للتخطيط أو دعم هجمات».

ولم تكن الحدود الليبية - السودانية بعيدة عن هذه المخاوف، إذ إنه برغم تأكيدات «الجيش الوطني» الليبي سيطرته على منافذ التهريب فيها، فإنها تطرح إشكالية بشأن انتقال مسلحين وعناصر متطرفة عبر ليبيا، وفق مراقبين.

ويشار، إلى أن السودان كان يحتضن مسلحين سبق أن رصدتهم السلطات المصرية في ليبيا ضمن مجموعة تلقت تدريبات، وظهرت في الفيديو المصور، وفق الرواية المصرية.

ويقر المحلل العسكري السوداني العميد جمال الشهيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بـ«وجود مسارات لانتقال عناصر مسلحة من بلده إلى ليبيا».

وتنطلق رؤيته للثغرات الحدودية من «طبيعة الجغرافيا المفتوحة على الحدود بين السودان وليبيا، وخصوصاً بين دارفور والكفرة»، مشيراً إلى أنها «مناطق صحراوية شاسعة المساحة، ضعيفة الرقابة، وكانت تستخدم في تهريب السلاح والبشر والمخدرات والهجرة غير النظامية إلى أوروبا».

ومن بين الأسباب الأخرى، التي قد تجعل «الصحاري الليبية بيئة خصبة لاستقطاب عناصر مسلحة تبحث عن إعادة التمركز والتدريب»، «الفراغ الأمني في ليبيا»، وفق الخبير العسكري السوداني، الذي يشير إلى «ارتباطات فكرية وتنظيمية تستقطب تلك العناصر في غرب ليبيا وجنوبها».

ويرسم الشهيد «خريطة محتملة لمسار انتقال الإرهابيين من دارفور السودانية وصولاً إلى الكفرة الليبية ثم واحة الجغبوب حتى أجدابيا (شرقاً)؛ وهو طريق يستخدم للتهريب والتنقل غير الشرعي، إلى جانب مسار صحراوي من كردفان إلى دارفور ثم إلى ليبيا».

ويدعو الخبير العسكري السوداني إلى «تعاون أمني ثلاثي بين مصر والسودان وليبيا بالاستعانة بالقبائل التي تتحكم في مسالك وطرق التهريب الحدودية».

دورية أمنية في الصحراء الغربية الليبية (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة )

وسبق أن حذرت دراسة صادرة عن «المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات»،في مايو (أيار) الماضي، من«تسلل بعض الخلايا الإرهابية من ليبيا لتنفيذ عمليات عبر الحدود مع دول الجوار وتهريب للأسلحة النوعية».

والصحراء الليبية هي جزء من الصحراء الكبرى، وتُعد من أكبر المناطق الصحراوية في شمال أفريقيا، وتمتد داخل ليبيا وتتشابك حدودها مع ست دول وهي: السودان وتشاد والنيجر ومصر وتونس والجزائر.


مقالات ذات صلة

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

شمال افريقيا نائبة وزير الخارجية اليوناني ألكسندريا بابادوبولو تستقبل اللجنة البرلمانية الليبية 15 يناير (المتحدث باسم البرلمان)

البرلمان الليبي يستعين باليونان لحلحلة ملف «الأرصدة المجمدة بالخارج»

تسعى لجنة برلمانية ليبية خلال زيارتها اليونان إلى انتزاع آلية تتيح لها إدارة «الأرصدة المجمدة في الخارج»، أو الإشراف على رقابتها، يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

على الرغم من التحذيرات الأممية لمجلس الدولة الليبي من اتخاذ أي «خطوات أحادية» بشأن مفوضية الانتخابات، أعلن عن اختياره 3 أعضاء جدد لمجلس المفوضية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

دفعت الانتهاكات المتعددة والأوضاع الإنسانية المتردية في مراكز أمنية رسمية وغير رسمية بليبيا، الأمم المتحدة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في طرابلس مع أعضاء اللجنة العسكرية عن غرب ليبيا الاثنين (المجلس الرئاسي الليبي)

ليبيا: البعثة الأممية تحضّ «النواب» و«الدولة» على «التوافق» سياسياً

شددت نائبة رئيسة البعثة الأممية في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري على أهمية الحفاظ على وحدة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)

انقسام في الزنتان بعد مطالب بتسليم سيف الإسلام القذافي للعدالة

ظل سيف الإسلام القذافي مقيماً في الزنتان تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال عشرة أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات التي كانت مقررة عام 2021.

جمال جوهر (القاهرة)

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
TT

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

تتطلع مصر إلى التوسع في تجربة التعليم الياباني؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «مضاعفة عدد المدارس اليابانية المستهدفة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وزيادة أعداد الخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارة هذه المدارس».

وأنشأت الحكومة «المدارس المصرية-اليابانية»، بهدف تطبيق مناهج متطورة، تستلهم فلسفة التعليم اليابانية. ووصل عدد هذه المدارس حتى نهاية عام 2025 إلى 69 مدرسة، كما تُشارك اليابان في تطوير مناهج الرياضيات بما يتوافق مع مخرجات التعليم الياباني.

واستقبل الرئيس السيسي، في القاهرة، الخميس، وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني، ماتسوموتو يوهي، في حضور وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، وسفير اليابان في القاهرة، إيواي فوميو.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم، مشيداً بالمساهمة اليابانية البارزة في مشروع إنشاء المتحف المصري الكبير وبنجاح مشروع المدارس المصرية-اليابانية». وأشار إلى «اهتمام مصر بزيادة عدد هذه المدارس في مختلف المحافظات، وتعزيز مشاركة وزيادة عدد المديرين والخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارتها».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقبال وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني (الرئاسة المصرية)

ولفت الوزير الياباني ماتسوموتو يوهي إلى أن زيارته لمصر هي الأولى خارجياً منذ توليه مهام منصبه، ما يعكس حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التعليم. مؤكداً أن «مشروع المدارس المصرية-اليابانية يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون التنموي والدعم الذي تقدمه اليابان لشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، إن اللقاء تناول آفاق تطوير العلاقات التعليمية بين مصر واليابان، بما يشمل التعاون في تطوير المناهج المصرية وتدريس مادة البرمجيات لنحو 750 ألف طالب وفق المناهج اليابانية، بالإضافة إلى التعاون في التعليم الفني، وتأهيل المعلمين المصريين لتدريس اللغة والمناهج اليابانية، ودعم برامج تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما جرى بحث سبل توسيع نطاق المدارس اليابانية في مصر لتكون نموذجاً يمكن تعميمه في أفريقيا والمنطقة العربية. وشدد السيسي خلال اللقاء على «أهمية الاستفادة من التجربة اليابانية المتميزة في الانضباط والرؤية التعليمية، والعمل على تكثيف برامج التبادل الطلابي بين البلدين».

مصر تتطلع إلى مضاعفة العدد المستهدف من المدارس اليابانية (الرئاسة المصرية)

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي في ديسمبر الماضي، أن «الحكومة تدعم نجاح مشروع المدارس اليابانية في مصر والتوسع فيه تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي». مشيراً إلى «حرص مصر على الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية الرائدة بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري، وزيادة عدد المدارس اليابانية والخبراء اليابانيين العاملين في مصر لتحقيق طفرة تعليمية نوعية».

وبدأت مصر تدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية، عبر منصة «كيريو»، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم المصرية في وقت سابق.


القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
TT

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ«جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل» في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين، أن «المحكمة العليا»، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، مجدداً لتنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس (آذار) المقبل، وهذا بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد، إذ دعا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان، مشدداً على أن الملف «يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة».

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن «سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية»، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة «كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام».

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ«أحداث الأربعاء ناث إيراثن» (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة رئيسه عثمان معزوز، خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ«التوظيف السياسي للجهاز القضائي»، والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع، ومواجهة ما سمّاه «حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي».

وأكد الحزب، في بيانه، أنه «صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة»، مؤكداً «تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم».

وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة، حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً، ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» أن «إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف، واحترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة مصداقية العدالة عبر أحكام لا تنطق إلا باسم الحقيقة».

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أحكامها في «قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل»، وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة. إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً، وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

مدانون بالإعدام في قضية الانتماء إلى ماك وحرائق القبائل (الشرطة)

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس (آب) 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. وأودت النيران المستعرة بحياة 90 شخصاً، زيادة على هلاك مواشي السكان وحقولهم والعطاء النباتي في المنطقة.

وتم تثبيت الأحكام في درجة الاستئناف عام 2023، وسط احتجاج كبير للمحامين وعائلات المدانين، علماً أن تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر مجمَد منذ أكثر من 30 سنة، على خلفية ضغوط دولية أجنبية في سياق الاقتتال بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي فترة تعرف بـ«العشرية السوداء».

وبث الأمن الجزائري «اعترافات» لعدد كبير من المعتقلين بعد الأحداث، أكدوا كلهم أنهم وراء النيران المستعرة، وأنهم أشعلوا المنطقة بأوامر من رئيس تنظيم «حركة الحكم الذاتي في القبائل» (تحول لاحقاً إلى حركة تقرير مصير القبائل) فرحات مهني، الذي يتحدر من المنطقة، ويقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا بصفته لاجئاً سياسياً، الذي أعلن في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2024 «دولة القبائل المستقلة» في خطوة تصعيدية جديدة مع الجزائر.

قصاص تحت ضغط الشارع

كان جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 38 عاماً يوم الأحداث، قد توجه طوعاً إلى بلدة الأربعاء ناث إيراثن، للمشاركة في إخماد الحرائق.

الشاب القتيل جمال بن إسماعيل (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

غير أن الشبهات سرعان ما لاحقته من طرف بعض سكان البلدة، على خلفية كونه غريباً عن المنطقة، حيث جرى اتهامه من دون تثبت، بالضلوع في إشعال الحرائق. وإزاء ذلك، بادر جمال إلى تسليم نفسه لقوات الشرطة طلباً للحماية، لكن حشداً من المواطنين الغاضبين انتزعه من أيدي عناصر الأمن، واعتدى عليه بوحشية قبل أن يحرق حيّاً، مع التنكيل بجثته، في مشاهد وثقت وبثت مباشرة عبر منصة «فيسبوك».

وأظهرت المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حشوداً هائجة تطوق سيارة الشرطة التي كان بداخلها، قبل أن تسحبه منها وتنهال عليه ضرباً بينما كان جمال يتوسَل إليه أن يتركوه «لأنني بريء والله بريء ياخاوتي». وبعد تعذيبه، أضرم النار في جسده، فيما ظهر شبان يلتقطون صوراً تذكارية إلى جانب جثته.

وقد أثارت هذه الجريمة صدمة وغضباً عارمين في مختلف أنحاء البلاد، رافقها تداول واسع للصور والمقاطع مرفقة بوسم #العدالة_لجمال_بن_إسماعيل.

ويرى عدد معتبر من المحامين المتابعين لهذا الملف أن لجوء القضاء إلى نقض الأحكام يندرج في إطار تصحيح أخطاء نتجت عن قرارات اتُّخذت على عجل، في ظل ضغط رأي عام كان يطالب بالقصاص.


ارتياح مصري بعد اقتصار تعليق التأشيرات الأميركية على «المهاجرين»

اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
TT

ارتياح مصري بعد اقتصار تعليق التأشيرات الأميركية على «المهاجرين»

اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)
اقتصار تعليق التأشيرات على طلبات اللجوء يطمئن العاملين في المجال السياحي المصري (رويترز)

أبدى خبراء مصريون وعاملون في مجال السياحة ارتياحهم، بعدما تراجعت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية عن تقريرها، الصادر الأربعاء بشأن تعليق كافة أنواع التأشيرات لمواطني 75 دولة بينها مصر؛ إذ أوضحت الشبكة الأميركية أن القرار الصادر عن وزارة الخارجية يقتصر حصراً على «تأشيرات الهجرة»، ولا يشمل السياحة أو العمل أو الدراسة.

وجاء التصحيح بعد ردود فعل واسعة؛ إذ سارع الاتحاد الروسي لصناعة السياحة إلى إعلان توقف التدفق السياحي لأميركا «إلى أجل غير مسمى» بناء على الخبر الخاطئ، وفي مصر أكد عاملون بمجال السياحة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن حركة السياحة والرحلات التعليمية كانت ستتوقف بشكل كامل مع تأثيرات بالغة على النشاط الاقتصادي بين البلدين إذا جرى تعليق كل أنواع التأشيرات.

وأعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، تعليق معالجة «تأشيرات الهجرة» إلى أجل غير مسمى من 75 دولة، في توسيع جديد لحملة إدارة الرئيس دونالد ترمب على الهجرة، ويشمل تعليق المعالجة دولاً بينها البرازيل وكولومبيا ومصر واليمن والجزائر وهايتي والصومال وإيران وروسيا.

لا يسري قرار تعليق إصدار التأشيرات على تأشيرات غير المهاجرين، مثل تأشيرات الطلاب والسياحة، وبالتالي لن يشمل الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم هذا الصيف.

وأفاد مسؤول أميركي بأن التعليق سيبدأ في 21 يناير (كانون الثاني)، بحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقال عضو غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة في مصر، مجدي صادق، إن حركة السياحة بين مصر والولايات المتحدة لن تتأثر بالقرارات الأخيرة، وكذلك البعثات التعليمية وحركة الطلاب، غير أن التأثير سيكون على طلبات الهجرة، التي كان يلجأ إليها البعض نتيجة الإجراءات المشددة التي تفرضها الولايات المتحدة على إصدار التأشيرات بوجه عام، مشيراً إلى أن تنظيم رحلات جماعية لأفواج من السياحة المصرية إلى الولايات المتحدة هو أسهل سبل الحصول على التأشيرات.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن من حصلوا في السابق على تأشيرات سياحية سيكون بإمكانهم تجديدها، وكذلك الوضع بالنسبة للطلاب الذين يدرسون في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن التأثير يبقى على من يستهدفون الهجرة إلى الولايات المتحدة للإقامة الدائمة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، قال في بيان الأربعاء: «إن وزارة الخارجية ستستخدم صلاحياتها القانونية القائمة منذ فترة طويلة لاعتبار غير المؤهلين للهجرة ممن قد يشكلون عبئاً عاماً على الولايات المتحدة، ويستغلون كرم الشعب الأميركي». وأضاف: «سيتم تعليق الهجرة من هذه الدول الـ75 إلى حين إعادة تقييم إجراءات معالجة طلبات الهجرة، بهدف منع دخول أجانب قد يعتمدون على برامج الرفاه والمساعدات العامة».

وأكدت «الخارجية» الأميركية أن الاستثناءات من هذا القرار ستكون «محدودة للغاية»، ولن تُمنح إلا بعد التأكد من تجاوز المتقدمين معايير بند «العبء العام».

وقال رئيس شعبة السياحة والطيران بالغرفة التجارية سابقاً، عماري عبد العظيم، إن القرارات الأميركية الأخيرة لن يكون لها تأثير لدى حركة السياحة، وإن اقتصارها على «طلبات الهجرة» أثار ارتياحاً لضمان عدم تأثر حركة السياحة وتأشيرات الزيارة المؤقتة لأغراض العمل، وكذلك تأشيرات الإقامة الدائمة بالنسبة للمستثمرين، مشيراً إلى أنه لا يوجد مؤشرات على حجم السياحة المصرية الوافدة إلى الولايات المتحدة، لكنها ليست بالمؤشرات الكبيرة.

وأكد عبد العظيم في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن منح تأشيرات السياحة للأفراد يواجه صعوبات للمصريين الساعين للحصول عليها، وأن شركات السياحة تتولى التنسيق مع السفارات والقنصليات الأجنبية مع وضع برامج مسبقة للزيارة يتم الاتفاق عليها، وهو أمر يختلف بالنسبة للطلاب الذين يذهبون للدراسة، ويكون ذلك بالتنسيق مع المؤسسات التعليمية التي يلتحقون بها.

ويأتي تعليق تأشيرات الهجرة بعد أن وجّهت وزارة الخارجية الأميركية العام الماضي بتشديد الرقابة بموجب بند «العبء على الدولة» في قانون الهجرة، والذي يستهدف من تعتقد إدارة ترمب أنهم سيشكلون عبئاً على الموارد العامة.

وتنص هذه الإرشادات على رفض التأشيرات للمتقدمين الذين يُحتمل اعتمادهم على المساعدات العامة، بناءً على عدة معايير تشمل: الحالة الصحية، والعمر، وإتقان اللغة الإنجليزية، والوضع المالي، وحتى احتمالية الحاجة إلى رعاية طبية طويلة الأمد.

وبموجب هذه القواعد قد تُرفض طلبات كبار السن أو من يعانون من السمنة، وكذلك من سبق لهم الحصول على مساعدات نقدية حكومية، أو الإقامة في مؤسسات رعاية.

ولفت نقيب السياحيين في مصر، باسل حلقة، إلى صعوبات تتعلق بالحصول على «تأشيرة السياحة» من مصر إلى الولايات المتحدة في ظل مخاوف أميركية من تكرار وقائع إقدام البعض على ما يمكن وصفه بـ«كسر تأشيرة السياحة» والبقاء داخل الولايات المتحدة بشكل غير شرعي، ثم التقديم على طلب اللجوء الذي يتيح للشخص البقاء لحين البت فيه قانونياً.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تأثيرات التعليق الأخير على حركة السياحة يصعب التكهن بها رغم صدور توضيحات بشأن اقتصاره على طالبي الهجرة، وأن مزيداً من التفاصيل سوف تتحدد خلال الأيام المقبلة مع وصول النشرات التنفيذية إلى السفارات.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت الاثنين الماضي سحب أكثر من 100 ألف تأشيرة دخول منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، وهو عدد قياسي لهذه الإجراءات في خلال سنة.

والشهر الماضي، قالت وزارة الأمن الداخلي إن إدارة ترمب طردت أكثر من 605 آلاف شخص، وإن 2.5 مليون شخص آخر غادروا بمحض إرادتهم.

وقال الخبير في الشؤون الأميركية، إيهاب عباس، إن قرار الولايات المتحدة يأتي في إطار سياسة ينتهجها الرئيس ترمب لتشديد إجراءات دخول بلاده، وإنه عمد إلى اتخاذ إجراءات متدرجة خلال الفترة الماضية وصولاً إلى القرار الأخير، لافتاً إلى أن وجود مصر ضمن القائمة قد يكون له علاقة بإجراءات أميركية أمنية ضد تنظيم «الإخوان المسلمين»، الذي صنفته إرهابياً في مصر مؤخراً.

وأكد عباس في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القرارات الأخيرة لها دلالات أمنية في سياق التعامل مع الجماعات الإرهابية وتجار البشر والمخدرات، إلى جانب منح فرصة للكفاءات التي يمكن أن تستفيد منها الولايات المتحدة ولا تمثل عبئاً عليها، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية يمكن أن تكون مؤقتة، وقد تكون خاضعة لتقييمات عديدة داخل الإدارة الأميركية الحالية أو الإدارات المستقبلية.