ماذا تفعل مصر على خط «النووي الإيراني»؟

عبد العاطي كرر اتصالاته بالأطراف المعنية خلال 48 ساعة

بدر عبد العاطي يتوسط عباس عراقجي ورافائيل غروسي في القاهرة مطلع يونيو الماضي (إ.ب.أ)
بدر عبد العاطي يتوسط عباس عراقجي ورافائيل غروسي في القاهرة مطلع يونيو الماضي (إ.ب.أ)
TT

ماذا تفعل مصر على خط «النووي الإيراني»؟

بدر عبد العاطي يتوسط عباس عراقجي ورافائيل غروسي في القاهرة مطلع يونيو الماضي (إ.ب.أ)
بدر عبد العاطي يتوسط عباس عراقجي ورافائيل غروسي في القاهرة مطلع يونيو الماضي (إ.ب.أ)

للمرة الثانية خلال نحو 48 ساعة، كرَّر وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاته مع الأطراف المعنية بالملف «النووي الإيراني»، ما عدّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» محاولةً من جانب القاهرة للحيلولة دون عودة التصعيد في المنطقة، عبر الدخول «وسيطاً» على خط حلحلة «أزمة النووي الإيراني».

وأجرى وزير الخارجية المصري، الجمعة، اتصالات مع نظيريه البريطاني ديفيد لامي، والإيراني عباس عراقجي، إضافة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي. وبحسب إفادة رسمية لـ«الخارجية المصرية» فإن الاتصالات استهدفت «خفض التصعيد بالمنطقة».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، إن الاتصالات «تناولت الجهود المبذولة لتحقيق التهدئة وخفض التصعيد بالمنطقة، وتثبيت وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل بشكل مستدام، وضمان عدم تجدد الأعمال العدائية، والدفع بالمسار السياسي والسلمي». وأضاف أنه «تم تبادل وجهات النظر بشأن سبل إعادة إحياء المفاوضات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، و(دول E3) حول البرنامج النووي الإيراني، بما يسهم في استعادة المسار الدبلوماسي، ومعالجة الشواغل المرتبطة بالبرنامج، خصوصاً مع قرب الموعد المرتقب لتفعيل آلية العقوبات الأممية خلال أسابيع معدودة»، بحسب ما أعلنته دول «E3».

وكان عبد العاطي قد أجرى اتصالات مماثلة، الأربعاء، الماضي، ضمت إلى جانب عراقجي وغروسي، المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف. وقال متحدث وزارة الخارجية، في إفادة رسمية آنذاك إن الاتصالات المكثفة «جاءت بتوجيهات من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ لخفض التصعيد وحدة التوتر في المنطقة»، موضحاً أنها «تناولت أهمية العمل على الدفع بالحلول السلمية، واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً مع الاقتناع بأنه لا حلول عسكرية لهذا الملف، وباقي الأزمات التي تتعرَّض لها المنطقة».

السيسي خلال استقبال وزير الخارجية الإيراني في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وشهدت الفترة الأخيرة اتصالات مصرية عدة بشأن خفض التصعيد، واستئناف المفاوضات حول الملف «النووي الإيراني»، زادت وتيرتها خلال الأسبوع الأخير، ففي الخامس من يوليو (تموز) الحالي، أجرى عبد العاطي اتصالات مع الأطراف الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وتحقيق التهدئة في المنطقة، ودعم الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، شملت إلى جانب عراقجي وغروسي وويتكوف، كلاً من وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، تناولت بحسب إفادة رسمية «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لتثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، واستئناف المسار الدبلوماسي والمفاوضات؛ للتوصُّل لتسوية مستدامة حول البرنامج النووي الإيراني، على نحو يسهم في معالجة الشواغل عبر الطرق السلمية، ويحقق التهدئة المنشودة وخفض التوترات في المنطقة».

وتُظهِر وتيرة الاتصالات المتكررة، بحسب خبراء، سعي مصر للعب دور «محوري بوصفها وسيطاً في حلحلة الملف النووي الإيراني»، لا سيما أنها شملت الأطراف المعنية كافة، على صعيد إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والولايات المتحدة وأوروبا، وحتى عمان التي تلعب دوراً في الوساطة بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي.

وفي رأي الأكاديمية وخبيرة شؤون الشرق الأوسط والدراسات الإيرانية، الدكتورة هدى رؤوف، فإن الاتصالات الأخيرة تأتي في إطار «تعزيز دور مصر وسيطاً بين إيران، والأطراف الغربية المختلفة، والولايات المتحدة؛ تجنباً لعودة التصعيد العسكري مع إسرائيل، والحفاظ على استقرار المنطقة».

وقالت هدى رؤوف لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تستخدم علاقاتها الطيبة والمتوازنة مع جميع الأطراف في تفعيل المسارات الدبلوماسية؛ بغية استئناف المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني، وصولاً إلى مفاوضات أشمل لحظر الانتشار النووي في المنطقة»، مشيرة إلى الاتصالات المتكررة والمتواصلة في هذا الملف.

صورة فضائية من قمر «ماكسار» تُظهر مفاعل «أراك» في إيران بعد قصف إسرائيلي خلال وقت سابق (أ.ب)

وكان عبد العاطي قد أشار خلال اتصال هاتفي مع غروسي نهاية يونيو (حزيران) الماضي، إلى «أهمية تغليب الحلول الدبلوماسية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، بما يسهم في تحقيق التهدئة، وخفض التوترات وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميَّين». في المقابل، أعرب غروسي حينها عن تقديره البالغ لدعم الرئيس السيسي للتوصُّل إلى تسوية سلمية للملف النووي الإيراني، ودعم منظومة عدم الانتشار النووي، وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير محمد حجازي، أكد أن «الاتصالات المصرية مع الأطراف المعنية بالملف النووي الإيراني تأتي في سياق أهداف أكبر، تعمل القاهرة على تحقيقها»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المنطقة تمرُّ بظروف ضاغطة استثنائية في جميع الجبهات، والقاهرة تدرك أن حلحلة هذا الوضع الضاغط تستلزم إقامة دولة فلسطينية مستقلة».

وأوضح أن «القاهرة تواصل الاتصالات على الجبهات كافة؛ لخفض التصعيد، وتسعى لتحقيق 3 أهداف رئيسية، وهي وقف إطلاق النار في غزة، وتنظيم مؤتمر إعادة إعمار غزة، والوصول إلى شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية عبر تفعيل آليات التعاون الإقليمي».

واكتسب الحديث عن دور مصر بوصفها وسيطاً في الملف «النووي الإيراني» زخماً مطلع الشهر الماضي، حيث تزامنت زيارة مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية القاهرة، مع زيارة مماثلة لوزير الخارجية الإيراني. وعقد غروسي وعراقجي جلسة محادثات تناولت تطورات الملف «النووي الإيراني».

الرئيس المصري خلال لقاء نظيره الإيراني على هامش «تجمع البريكس» بمدينة قازان الروسية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تعمل مصر «وسيطاً غير مباشر» بين إيران والأطراف الدولية، مستثمرةً علاقاتها الدولية؛ لخفض التصعيد، بحسب خبير الشؤون الإيرانية، رئيس «المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية»، الدكتور محمد محسن أبو النور، الذي أرجع دور القاهرة إلى أسباب عدة ترتبط بالمصالح المصرية المباشرة.

وقال أبو النور لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصالات التي تجريها القاهرة تأتي في إطار «حرصها على الاستقرار الإقليمي، وحتى لا تتصاعد الأمور إلى حرب إقليمية تضر بمصالح مصر السياسية والاقتصادية»، موضحاً أن «الحيلولة دون دخول إيران في حرب جديدة تصبُّ بشكل مباشر في مصلحة مصر ليس فقط سياسياً بتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة؛ بل اقتصادياً عبر تفعيل التفاهمات الأخيرة بين القاهرة وطهران، بشأن زيادة التبادل السياحي، وكذلك حصول مصر على النفط الإيراني بعقود آجلة».

نقطة أخرى أشار إليها أبو النور تتعلق باستقرار البحر الأحمر، ما سيعيد الملاحة في قناة السويس إلى طبيعتها، والتي تراجعت عوائدها بفعل ما تشهده المنطقة من توترات. وقال: «إيران واستقرارها رقم مهم وصعب في المعادلات السياسية المصرية».


مقالات ذات صلة

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ شعار برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للملياردير إيلون ماسك يظهر على شاشة هاتف (رويترز) p-circle

واشنطن تكشف أنها استخدمت «غروك» في الحرب على إيران

كشفت الحكومة الأميركية في مذكرة قانونية، أنها استخدمت برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي العائد لمنصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك، في شنّ ضربات على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية منتخب إيران أُجبر على المغادرة عقب مواجهة نيوزيلندا (رويترز)

مسؤول أميركي: إيران كانت على علم بضرورة المغادرة بعد مباراة نيوزيلندا

نفت الولايات المتحدة شكاوى المنتخب الإيراني بأنه قد تم إجباره على مغادرة البلاد فور انتهاء مباراته الأولى في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء في جدة (واس)

السعودية تؤكد أهمية استعادة حرية الملاحة في «هرمز»

أعرب مجلس الوزراء السعودي عن الترحيب بالتوصل إلى اتفاق بين أميركا وإيران لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات تفصيلية بهدف التوصل لاتفاق دائم.

«الشرق الأوسط» (جدة)

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مُثقلة بقصص عن انتهاكات وأهوال تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة بنساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكنها نجاة لن تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وعدم تمكينهم من الإفلات.

بين تجربة مثقلة بصدمة الاختطاف، والاغتصاب، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

وفي بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، والدعم النفسي، وآليات المحاسبة القانونية، يتحول العنف الجنسي من فعلٍ حربي يقع في سياق عسكري إلى أزمة مجتمعية ممتدة، وتتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن إنصاف الضحايا.

«الشرق الأوسط» رصدت معاناة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، وتحدثت إلى عدد من الناجيات. كما وثّقت إحصاءات، وجمعت آراء خبراء قانونيين ونفسيين، مع الحرص على حجب أسماء النساء، وبعض التفاصيل التعريفية، حفاظاً على سلامتهن، وخصوصيتهن.


انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.

عاجل مونديال 2026: بداية جيدة لكولومبيا بفوزها على أوزبكستان 3-1