تبون ينفي «عزل» الجزائر دولياً

أكد أن الوضع الاقتصادي تحت السيطرة... وحذّر من «محاولات تضليل الرأي العام»

جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
TT

تبون ينفي «عزل» الجزائر دولياً

جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)
جانب من المقابلة الصحافية التي أجراها الرئيس تبون مساء الجمعة (الرئاسة)

أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، أن بلاده لا تعاني من عزلة دولية، وذلك رداً على ما أورده بعض المراقبين ووسائل إعلام، الذين عدّوا التوترات التي تطبع علاقات الجزائر مع جيرانها، وبعض شركائها الأوروبيين، أفضت إلى ما يشبه العزلة أو الحصار.

وجاء هذا التصريح خلال مقابلة أجراها الرئيس مع صحافيين من وسائل الإعلام العمومية، بثّها التلفزيون الحكومي مساء الجمعة. وعندما سُئل عن «مسألة العزلة» قال تبون: «من يدّعِ أن الجزائر في عزلة تُكذّب ادعاءه الوفود الأجنبية العديدة التي تزورها».

من المعروف أن علاقات الجزائر مع ثلاث دول مجاورة تمرّ بتوتر، أشدّها مع المغرب، حيث أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية معه في عام 2021، متهمة إياه بـ«دعم حركة انفصالية» تنشط في شرق البلاد. غير أن السبب الأعمق الذي يسمّم العلاقات بين أكبر بلدين في المغرب العربي، يتعلق بنزاع الصحراء. كما تجدر الإشارة إلى أن الحدود البرية المشتركة بين البلدين مغلقة منذ 31 سنة.

توتر مع مالي والنيجر وبوركينافاسو

حديثاً تأزمت علاقات الجزائر مع جارتها الجنوبية مالي ومع النيجر وبوركينافاسو. ففي مطلع أبريل (نيسان) الماضي، احتجت باماكو بشدة على تحطيم سلاح الجو الجزائري مسيّرة تابعة للجيش المالي، قالت وزارة الدفاع الجزائرية إنها «كانت في مسار هجومي». وثبت لاحقاً أن المسيّرة كانت في مهمة استطلاع ضد مسلحي «أزواد»، وهم أصل الخلاف بين الجزائر وحكومة الرئيس الانتقالي، العقيد عاصيمي غويتا، الذي يرى أن الجزائريين يوفرون الحماية لمتمردين ضده.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

وعبّر النيجر الذي يقتسم حدوداً برية طويلة مع الجزائر، عن تضامنه مع مالي في «حادثة تحطيم المسيّرة»، وحذت بوركينافاسو حذوه، وصار كل حزام الساحل في علاقة سيئة مع «جار الشمال القوي»، بحسب الوصف الذي تطلقه صحافة دول المنطقة على الجزائر.

وسئل الرئيس عن الخلاف السياسي الداخلي في مالي، فقال إن بلاده «لا تتدخل في شؤونه الداخلية إلا إذا طلب منها ذلك»، مؤكداً أنه «لا أحد دافع عن وحدة مالي وشعبها أكثر من الجزائر»، ومشدداً على أن «الحل بأيدي الماليين أنفسهم».

وكان تبون يتحدث ضمناً عن «اتفاق السلام والمصالحة»، الذي وقعته حكومة مالي والمعارضة في الجزائر عام 2015، وتولت الجزائر رعاية تسييره وتطبيقه في الميدان، إلى أن قرر الحاكم الجديد العقيد غويتا إلغاءه في 24 يناير (كانون الثاني) 2025.

وعند سؤاله عن التوترات الأمنية في الساحل وليبيا، طمأن تبون قائلاً: «الجزائر تملك خبرة كافية في مكافحة الإرهاب. فحدودها مؤمّنة، وجيشها قوي، وأجهزتها الأمنية ذات تجربة واسعة في هذا المجال». كما قال إن الأزمة في ليبيا «اندلعت منذ 2011، فهل شعر المواطن الجزائري بتأثيرها على معيشته؟».

الرئيسان الروسي والجزائري في الكرملين في 17 يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

كما ردّ الرئيس تبون على ما يُتداول منذ أشهر حول تدهور مفترض في العلاقات التاريخية مع موسكو، بسبب الدور الأمني لمجموعة «فاغنر» الروسية على حدود الجزائر مع مالي والنيجر، وما قيل عن انزعاج جزائري محتمل. ففنّد ذلك ضمنياً، قائلاً: «الجميع يتساءل عن سرّ العلاقات الجيدة، التي تربط الجزائر بالولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين».

«لن نعتمد سياسة تقشفية»

في حديثه عن الوضع الاقتصادي، أكد الرئيس تبون أن الجزائر «لا تنتهج سياسة تقشف، بل تعتمد على الحوكمة الرشيدة والإدارة الجيدة، وتحديد الأولويات بوضوح». وشدد على أن «البلاد تسير نحو اقتصاد أقل اعتماداً على المحروقات، خاصة في ظل ضعف إنتاج النفط الوطني».

الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة الصحفية (الرئاسة)

وحذّر الرئيس مما سماه «محاولات تضليل الرأي العام» قائلاً: «هناك من يُدفع لهم من أجل تحطيم معنويات المواطن»، في إشارة ضمنية إلى مواقف معارضين سياسيين، بخصوص طريق تسيير الاقتصاد والاستثمار والإنفاق على مشروعات كبيرة.

وفيما يخص «التحويلات الاجتماعية»، وهي المساعدات و الإعانات المالية والعينية التي تُقدمها الدولة، أو المؤسسات الاجتماعية إلى الأفراد، أو الأسر لدعم مستوى معيشتهم، خاصة الفئات الهشّة أو ذوي الدخل المحدود، أشار تبون إلى أنها تُكلّف الدولة سنوياً ما بين 13 و15 مليار دولار، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا المبلغ، ورغم ضخامته، «لا يسبب عجزاً في ميزانية الدولة».

ورداً على تقرير حديث لـ«صندوق النقد الدولي» يبدي فيه قلقه بشأن ارتفاع الدين الداخلي، طمأن تبون الجزائريين مؤكداً أنه «لا يوجد أي خطر وشيك يهدد الاقتصاد الوطني»، لافتاً إلى أن «كل بلدان العالم تواجه ديوناً داخلية».

كما كشف عن أن احتياطات الصرف الوطنية تبلغ نحو 70 مليار دولار، مفنّداً إشاعات تحدثت عن «تراجع حاد في احتياطات العملة الصعبة». وأشار أيضاً إلى أن نسبة النمو الاقتصادي تجاوزت 4 في المائة، عاداً أنها «الأعلى في منطقة البحر الأبيض المتوسط».

الرئيسان الجزائري والصيني في بكين 18 يوليو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

في سياق آخر، أعلن الرئيس تبون موقفاً صارماً من الاقتصاد غير الرسمي، واصفاً إيّاه بـ«السرطان الذي ينخر في الاقتصاد الوطني». وقال: «هناك أفراد يمتلكون شققاً مليئة بحزم النقود»، داعياً إلى إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الرسمية للدولة. كما أكد أن الدولة ستتخذ إجراءات جديدة لمحاربة السوق السوداء، مع تفضيله «الإقناع بدلاً من اللجوء إلى القوة»، أي المتابعة القانونية التي قد تقود إلى السجن.

ولاحظ متتبعون أن الحوار الصحافي الذي أجراه الرئيس، وكانت مدته ساعة وسبعاً وعشرين دقيقة من الحوار، غاب عنه السؤال السياسي تماماً. وعلق الصحافي علي بوخلاف على ذلك في حسابه بـ«فيسبوك»: «يبدو أن ذلك تمّ بطلب من رئاسة الجمهورية، في إيحاء ضمني بأن هذا الملف قد طُوي، أو لم يعد مطروحاً للنقاش. فلا حديث عن المعتقلين (السياسيين)، ولا عن الحوار الوطني الذي وُعِد به ثم تبخّر، ولا عن انسداد المجالين السياسي والإعلامي، ولا عن الحريات النقابية، ولا حتى عن ملفات راهنة تتعلق بالعلاقات المتوترة مع فرنسا».


مقالات ذات صلة

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

شمال افريقيا حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق التي ضربت شرق البلاد...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الجزائر: تعيين وزير جديد للداخلية

عيّن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، إبراهيم مراد، في منصب وزير دولة وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، خلفاً لسعيد سعيود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

أعلنت الشرطة الجزائرية توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة الانضمام إلى شبكة إجرامية دولية والتخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السيسي يُحذّر من «محاولات تستهدف مصر وتسعى إلى إحداث انقسام»

منظر عام للمباني والأهرامات في القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات في القاهرة (رويترز)
TT

السيسي يُحذّر من «محاولات تستهدف مصر وتسعى إلى إحداث انقسام»

منظر عام للمباني والأهرامات في القاهرة (رويترز)
منظر عام للمباني والأهرامات في القاهرة (رويترز)

مخاطر على الحدود الغربية والشرقية والجنوبية، وحملات «حرب نفسية» عبر منصات التواصل الاجتماعي، دفعتا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى التحذير من محاولات تستهدف مصر، وتسعى إلى إحداث انقسام، داعياً إلى وحدة البلاد لمواجهة تلك المؤامرات.

وحذّر السيسي، لليوم الثاني على التوالي، من محاولات لاستهداف مصر، وذلك خلال احتفالية كلية الشرطة بتخريج دفعة جديدة، الخميس.

وأكد أن الضغوط على الدولة المصرية ومحاولات استهدافها ستتزايد في السنوات المقبلة، بالتزامن مع تزايد الإنجازات المحققة وارتفاع معدلات التنمية، ومع تنامي شعور المناوئين بأن الدولة المصرية ما زالت قائمة، بعدما فشلت مخططات إسقاطها عام 2011، وأن مصر تواصل مسيرة البناء وتحقيق الإنجازات.

وأشار إلى وجود «مخاطر على حدود مصر الجنوبية والغربية»، مؤكداً أن مصر كانت تسعى وتبذل كل الجهود لتجنب اندلاع نزاع في السودان. وأضاف أن «استقرار السودان وليبيا وقطاع غزة من مقتضيات الأمن القومي العربي والمصري».

وفي كلمته مساء الأربعاء، خلال الندوة التثقيفية التي نظمها الجيش في الأكاديمية العسكرية، أشار السيسي إلى أن «محاولات التأثير في وعي المواطنين وتزييف الحقائق لا تزال مستمرة حتى الآن». وحذّر من «الحرب النفسية»، موضحاً أنها «كانت موجودة حتى في الستينات والسبعينات، ولكن بوسائل مختلفة، وسوف تستمر وتستهدف إرادة المصريين»، محذراً الشعب المصري من «حملات التضليل».

ولفت إلى أن «ما تشهده الساحة خلال الأشهر الماضية من شائعات ومحاولات متعمدة لتزييف الوعي واستثارة الرأي العام يندرج في إطار مساعٍ تستهدف زعزعة الاستقرار وتفجير الأوضاع داخل الدولة المصرية». كما حذّر من أن «تعرّض الدولة لاضطرابات مماثلة لما شهدته عام 2011 من شأنه أن يرتب تداعيات جسيمة تُهدد استقرارها وقدرتها على الاستمرار».

الرئيس السيسي (الرئاسة المصرية)

رئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، عضو مجلس الشيوخ ناجي الشهابي، يرى أن تحذيرات الرئيس السيسي من محاولات استهداف مصر وإحداث انقسام داخلي «تكشف عن طبيعة التحديات المركبة التي تواجه الدولة المصرية في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب». ويشير إلى أن «استهداف الدول لا يكون دائماً بالمواجهة العسكرية، بل قد يتم من خلال الشائعات وتزييف الوعي وإثارة الفتن واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته».

ويضيف الشهابي أن مواجهة هذه المحاولات تتطلب يقظة وطنية شاملة، «تبدأ برفع وعي المواطنين، والتصدي للأخبار الكاذبة بالمعلومات الصحيحة، وتطوير الأداء الإعلامي، وتطبيق القانون على من يثبت تورطه في التحريض والتضليل، مع التمييز الواضح بين المعارضة الوطنية المشروعة ومحاولات التخريب والاستهداف، واحترام حرية الرأي والتعبير».

كما يؤكد أن «الحفاظ على الأمن القومي لا يقتصر على القوة الأمنية والعسكرية، بل يستلزم أيضاً بناء جبهة داخلية متماسكة، تقوم على الثقة المتبادلة بين الشعب والدولة، وتكاتف مؤسساتها، والتمسك بالوحدة الوطنية».

ويشير مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق والخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي إلى أن «تصريحات الرئيس المصري تأتي في توقيت بالغ الأهمية والدقة، وتحمل تحذيرات من تنظيم (الإخوان)، الذي يتحرك عناصره وفق أجندة تستهدف إسقاط الدولة، وهذه حقائق معلومة للدولة ومرصودة».

ويؤكد أن الرئيس المصري «لا يُطلق مثل هذه التحذيرات إلا وهو يمتلك معلومات كاملة، ويخشى على البلاد، لأن سقوطها ستكون له تداعيات كارثية على المنطقة». ودعا إلى «الاستفادة من حديث الرئيس وتحذيره من تكرار التجارب المؤسفة السابقة، مثل أحداث عام 2011».


مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)
معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)
TT

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)
معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

ورغم أن صعوبة الاتصال ليست بالأمر الجديد، لكن في هذه الظروف، تزيد كل محاولة فاشلة، قلق لطفي على زميله، وحافلة النقل.

يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه لن يخرج هو أو أي حافلة تابعة له، إلى السودان، حتى تهدأ الأوضاع، ويطمئن على أن حياته وحياة زملائه لن تكون في خطر هناك.

ولقي سائقان مصريان مصرعهما وأصيب ثالث في الخرطوم، قبل أيام، إثر استهدافهم من مسلح سوداني، عقب واقعة مقتل عدد من «الدَّهّابة» السودانيين على الحدود المصرية - السودانية.

وودَّع أهالي قريتين في محافظة الدقهلية (دلتا النيل)، الخميس، الضحيتين. وأولهما السائق محمد لطفي من قرية الكفر الجديد، حيث خرج المئات من الأهالي لتشييعه، وسط حالة من الحزن، والآخر هو السائق إكرامي محمد، من قرية ميت سلسيل، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وأثار مقتل السائقين حالة من الغضب والاستياء والقلق لدى سائقي النقل المصريين، وبعضهم مثل سامي لطفي، قرر التوقف وتغيير وجهاته، وآخرين مثل السائق محمد مصيلحي، الذي حفظ دروب السودان إثر رحلات متواصلة منذ عام 2006، يجد صعوبة في تغيير وجهته، وينحاز لـ«لقمة العيش»، رغم قلقه من«المخاطر»، حسب حديثه لـ«الشرق الأوسط».

سودانيون في مصر قبل العودة للسودان (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وأمام هذا التباين، يُبدي مراقبون قلقهم من تأثر حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان خلال الفترة المقبلة، والذي سجل 1.2 مليار دولار (الدولار نحو 53 جنيهاً) في عام 2024، وفق «الجهاز المركزي للمحاسبات»، ويميل الميزان لصالح مصر في حركة التصدير.

خرج زميل السائق الأول لطفي، في رحلته إلى السودان قبل 35 يوماً، وعادةً ما تستغرق الرحلة نحو 40 يوماً، لكن مع توتر الأوضاع علق السائق هناك، «آخر مرة تواصلت معه بالأمس (الأربعاء)، قال لي إنه يفشل في العثور على المندوب الذي يفترض أن يستلم منه الشُحنة، وهو موجود أمام الجمارك السودانية في مدينة دنقلة»، على ما قال لطفي.

وحذَّرت «النقابة العامة للنقل البري» في مصر، الثلاثاء، السائقين المصريين من التوجه إلى مناطق التوترات في السودان، مُذكّرة في بيان لها بالقرار السابق الذي صدر عن وزارة النقل بتاريخ 11 مايو (أيار) 2025، بحظر دخولهم إلى مناطق الصراع، والاكتفاء بتفريغ البضائع في حلفا وأرقين ودنقلة.

ورغم هذا القرار، يتجه العديد من السائقين إلى الخرطوم، في ظل وفرة طلبات النقل هناك وتنوعها. واحد من هؤلاء هو محمد المصيلحي الذي عاد من آخر رحلة له، قبل أسابيع عدّة، وكاد يبدأ أخرى منذ أسبوع فقط، لولا الاختلاف على ثمن النقل.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه سبق وتعرض لصعوبات، مثل سرقة هاتفه أو محاولة سرقة بضائع، لكنه لم يلق سوى معاملة جيدة من السودانيين.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيستمر في توصيل البضائع «لأن هذا هو عملي الذي لا أعرف غيره»، مشيراً في الوقت نفسه، إلى أنه يتخوف من أن يعلق في السودان مثل غيره من السائقين المصريين، الذين ذهبوا ببضائع وحملوا أخرى للعودة بها، ولم يستطيعوا عبور الأراضي المصرية لعدم استخراج الأوراق السليمة من قِبل المُصدرين السودانيين؛ لذلك «أذهب ببضاعة من مصر وأعود فارغاَ».

وتتنوع البضائع التي ينقلها السائقون المصريون بين «مواد غذائية، وكيماوية للزراعة، ومواد بناء، وأجهزة كهربائية»، أما ما يعودون به فعادةً إما «سمسم أو فول سوداني أو أبقار وعجول».

ويتجاوز حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان الـ1.2 مليار دولار.

ويرى الباحث الاقتصادي المصري علي الإدريسي، أن الجانب السوداني سيكون الخاسر الأكبر إذا ما تأثرت حركة التبادل التجاري بين البلدين، في ظل تنوع الصادرات المصرية، خصوصاً في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة في السودان. وأضاف، أن الواردات المصرية تتصدرها اللحوم وبعض المحاصيل الزراعية ويمكن تعويضها، رغم أن التكلفة ستكون أكبر.

وتوقع الإدريسي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن يتم احتواء الأزمة سريعاً «خصوصاً أن السياسة المصرية قائمة بالأساس على احتواء التوترات، فما بالنا لو كانت مع جار مثل السودان».

احتواء الأزمة أمر يتوقعه أيضاً الباحث السياسي السوداني محمد تورشين، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها من الطرفين لطمأنة السائقين المصريين ومنع تفاقم الأزمة، وصولاً إلى تأثيرات اقتصادية ملموسة لدى الطرفين»، مؤكداً أن «مصر ستتأثر أيضاً لو حدثت أزمات في التبادل التجاري».

ولا يُنكر تورشين، وجود «توترات في الشارع السوداني في ظل أزمة (الدهّابة)، وقبلها مخالفة سودانيين لشروط الإقامة في مصر وترحيلهم»، محذراً من «جهات تعمل على تزكية الأزمة»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن «الحكومتين المصرية والسودانية تعيان ذلك وستعملان على تهدئة الأوضاع».

قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقَين مصريين (أ.ف.ب)

وكان المتحدث باسم الخارجية المصرية السفير نادر زكي قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن «العلاقات المصرية - السودانية تتميز بخصوصية تاريخية واستراتيجية عميقة وممتدة»، مشدداً على أن «الروابط وثيقة بين البلدين والشعبين الشقيقين وحجم التعاون والتفاعل الثنائي كبير ومتنوع، ويغطي المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية كافة».

وسبق للخارجية المصرية أن قدَّرت عدد السودانيين في مصر، ما بين مقيم ولاجئ، بنحو 5 ملايين سوداني، في عام 2024.


البرهان يبعث برسالة إلى ترمب يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان يبعث برسالة إلى ترمب يؤكد فيها التزامه بتحقيق السلام

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (أرشيفية - وكالة الأنباء السودانية)

أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أنه بعث برسالة إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مؤكداً فيها التزام بلاده بجهود تحقيق السلام الذي ترعاها الولايات المتحدة.

وقال البرهان، في تدوينة على منصة «إكس»: إن «حكومة السودان مستعدة للعمل بنية صادقة مع جميع الأطراف لتحقيق سلام دائم يصون سيادتنا ووحدة وسلامة أراضينا وكرامة شعبنا».

كانت واشنطن قد اقترحت هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً في الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، منذ أبريل (نيسان) 2023، قدّمها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لكنّ البرهان رفضها وتعهَّد بمواصلة الحرب.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية الشهر الماضي، إنه ليس هناك مَن «يمثل حكماً شرعياً ودستورياً للسودان» من القوات المسلحة السودانية أو «قوات الدعم السريع» أو أي من قادتهما.

واتهمت واشنطن «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية، كما اتهمت الجيش السوداني بارتكاب جرائم حرب. ونفى كلا الجانبين قبل ذلك ارتكاب أي انتهاكات.