«المونو» يُطلق رؤيته المستقبلية: منصّة التجديد الثقافي في بيروت

مديرته جوزيان بولس أكدت أنّ المسرح حاجة حياتية للجميع

تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
TT

«المونو» يُطلق رؤيته المستقبلية: منصّة التجديد الثقافي في بيروت

تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)

ليس «مسرح المونو» مكاناً تشتعل فيه الأضواء وتنطفئ فقط؛ لحَمْله ذكريات لا تَسقُط بالتقادُم. فهو ملجأ الذين لم ييأسوا من الجمال، ومأوى للأصوات الخفيّة. وحين باتت الخشبة رفاهية، بقي «المونو» شاهداً على أنّ الفنّ ليس زِينة، وبيروت، مهما انطفأت، ستظلُّ تشعر بقلب ينبُض بلغتها الأولى: المسرح.

هذا المكان بيتٌ للذين يؤمنون بأنّ الفنَّ تنفُّس ضروري في عالم يختنق. هكذا رآه المخرج والممثل غبريال يمّين، حين قال إنّ «المونو» كان بالنسبة إلى جيل كامل من الفنانين مَعْبراً ومكاناً للتجريب ومنصة تعلُّم؛ لا مجرَّد توقيت عرض.

هو المسرح الذي يشبه بيروت في عنادها (الشرق الأوسط)

في احتفال أقامه المسرح بحضور مديرته جوزيان بولس، ورئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش، بحضور فنانين ومانحين وأصدقاء الثقافة، تخطَّى الهدف تكريم الماضي العريق، ليُعلن وعداً بالاستمرار، واستنهاضاً لأحلام مُقبلة لا تزال تستحق مساحة على الخشبة.

منذ ولادته عام 1997، بمبادرة من إيمي بولس، وبدعم روحي وفكري من جامعة القديس يوسف، حفر «المونو» اسمه بين حجارة المدينة، وتحوَّل أحد أعمدة الحرّية الثقافية في لبنان. ظلَّ صامداً في وجه العواصف، مفتوحاً على احتمالات الجمال، ومتاحاً لكلّ مَن أراد أن يقول شيئاً من القلب.

ملجأ الذين لم ييأسوا من الجمال ومأوى للأصوات الخفيّة (المونو)

ومنذ أن تسلَّمت جوزيان بولس الإدارة عام 2022، بدأت الروح تدبّ مجدداً في زوايا «المونو» لجَعْل الشغف أكثر رسوخاً وجدوى. عاد النبض إلى جسد المسرح؛ ذلك المكان الحيّ الذي يُكرّس الانتماء لكلّ مَن يؤمن بأنّ الفنّ فعل وجود. توسَّع الأفق ليشمل مفاهيم الشمول، والعدالة الثقافية، وحقّ الاختلاف الجمالي، بعيداً عن مقاييس السوق ومزاج الاستهلاك. ففي «المونو»، لا يُقاس الفنّ بعدد التذاكر. يُقاس بصدق التجربة، وبقدرة الخشبة على أن تترك أثراً في الروح.

قالت جوزيان بولس في كلمتها: «الثقافة ليست امتيازاً يُمنح؛ إنها حاجةٌ تنبُض فينا». ووسط أيام تتساقط فيها المعاني، يقف «المونو» واثقاً بدوره. فقد قدَّم خلال عام 2024 فقط أكثر من 60 عرضاً مسرحياً، وجذب ما يفوق 54 ألف متفرّج. رقمٌ يُقاس بالمعنى: أن ثمّة جمهوراً لا يزال يختار المسرح، ويؤمن بأنّ اللقاء الحيّ لا يُعوّضه شيء.

بفريق صغير لا يتجاوز 12 شخصاً، لكن بروحٍ تتّسع، يواصل «المونو» نسج برامجه بشغف وعناية. يقدّم عروضاً تتنقّل بين الجرأة والتنوّع، وبين التجريب والتقليد. يفتح نوافذه للنصوص المحلّية والعالمية، مُقدّماً كلّ ذلك بكونه حقاً أصيلاً ومتنفَّساً لمَن يؤمن بأنّ الفنّ ضرورة وجودية، وليس امتيازاً محصوراً في قاعات النخبة.

صحيحٌ أنّ بعض العروض لا تكون دائماً على المستوى نفسه من النضج أو التأثير؛ ففي التجريب ما يُخفِق كما فيه ما يُدهِش، لكن في هذا التنوّع عينه تكمن جرأة «المونو»: أن يحتمل تفاوت المحاولات، وأن يظلَّ مساحة مفتوحة للتجريب والبحث، وليس منصة محكومة بمنطق «المضمون» أو ما يرضي الذائقة السائدة. فحتى التعثُّر على هذه الخشبة، يحمل صدقه الخاص.

رئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش يؤمن باستنهاض الأحلام (المونو)

وإيماناً بدوره مساحةً للتعلُّم والانتماء، أطلق «المونو» خطة طموحة تمتدّ حتى عام 2030، تتضمَّن برامج تربوية لتنمية الحسّ الجمالي لدى الأطفال، وإطلاق جائزة سنوية باسم «المونو الذهبي» لتكريم المواهب اللبنانية، وتنظيم مهرجان كوميدي يعبُر حدود المتوسّط، بالإضافة إلى ورشات إقامة فنّية وتجديد شامل للبنية التقنية، من صوت وإضاءة وترجمة وتكييف.

ورغم ضآلة الموارد، نجح «المونو» في تأمين تمويله الذاتي 3 سنوات متتالية، بميزانية سنوية لا تتجاوز 200 ألف دولار، بدعم من الاتحاد الأوروبي وشركاء محلّيين ودوليين، وبإدارة مالية حريصة. لكنَّ المسرح يعيش بجمهوره. وكل تبرّع، مهما بدا صغيراً، هو إشعال لشمعة على الخشبة، وإسهام في حفظ ذاكرة مدينة تُراهن على الضوء.

غبريال يمّين يرى في المسرح بيتاً للمؤمنين بأنّ الفنَّ تنفُّس ضروري (المونو)

ولعلّ في تخصيص المقعد «A1» لذكرى إيمي بولس رمزية كبيرة؛ فهو تخليد لمؤسِّسة، واحتفاء بكلّ مَن رأى أنّ الفنّ يستحق بيتاً حقيقياً في بيروت.

«المونو» كيانٌ حيّ يُشبهنا حين نبحث عن معنى وسط الفوضى، وعن جمال لا تُفسده القسوة. هو المساحة التي لا تخجل من أسئلتنا، فتستقبلها كما هي، على الخشبة وبين النظرات. إنه المكان الذي نرتاده لنُجرّب أن نكون.


مقالات ذات صلة

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يوميات الشرق يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)

«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

شهد حفل افتتاح الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام هذا العام في مصر، حضوراً مؤثراً لنخبة بارزة من نجوم «المسرح المصري».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق إسماعيل عبد الله وخالد جلال تحدثا عن عروض المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مهرجان المسرح العربي يغازل الجمهور بالأعمال الكلاسيكية والكوميدية

أعلنت «الهيئة العربية للمسرح» المنظمة لمهرجان «المسرح العربي» عن فعاليات الدورة الـ16 التي تقام في القاهرة من 10 وحتى 16 يناير (كانون الثاني) الحالي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

لدى يحيى جابر تقليد غير تقليدي. قبل العروض العامة لمسرحياته يفتح بيته لعروض خاصة يجسّ بها نبض الحضور. والدعوة الجديدة إلى «القرنة البيضا» ونجمتها ماريا الدويهي.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنان عبد الله السدحان يعود إلى المسرح (البحر الأحمر)

عبد الله السدحان يعود إلى المسرح عبر «المتحف»

تجربة مسرحية مرتقبة تجمع بين الدراما والتشويق والفانتازيا، وتُقدَّم إلى الجمهور لـ5 أيام متتالية.

محمود إبراهيم (القاهرة )

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

تستضيف محافظة العلا، يوميْ 22 و23 يناير (كانون الثاني) الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا»، تحت رعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان. يأتي الحفل استمراراً للرحلة الإبداعية للأوركسترا والكورال الوطني السعودي في حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح المحلية والعالمية، وتمثل العُلا وجهة مهمة ومتقدمة على خريطة السياحة الثقافية الدولية. وحققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية، وسط إشادات واسعة وتفاعل جماهيري لافت، لتلتقي، اليوم، بجمهورها في واحدة من أهم مناطق البلاد ثقافياً.

حققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية (واس)

وتُعد العلا إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً، بما تحمله من تاريخ ضارب في عمق الحضارة الإنسانية، وإرث ثقافي ممتد لقرون طويلة جعل منها مقصداً للسائح الدولي، وملتقى حضارياً يعكس ثراء الهوية الثقافية للسعودية. ويُشكِّل اختيار قاعة «مرايا» لاستضافة هذه التجربة الموسيقية حدثاً مميزاً، حيث تُمثِّل نموذجاً فريداً في العمارة المعاصرة، ومسرحاً يعكس التلاقي بين الفن والطبيعة، ويمنح العروض بُعداً بصرياً استثنائياً. وتسعى الهيئة، عبر هذه المحطة، إلى تعزيز حضور الموسيقى السعودية، وإبراز التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المملكة، ومنح الجمهور المحلي والدولي الموجود في العلا فرصة الاستمتاع بتجربة موسيقية تُجسد الهوية الوطنية، وتُسهم في إثراء المشهد الثقافي للبلاد.


فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
TT

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

يُسلّمك المخرج السوري أمير فخر الدين مفاتيح مشواره مع الغربة وقسوة المنفى خارج وطنه منذ اللقطة الأولى لفيلم «يونان». فيلمٌ كُتب بقلم مجروح، وأُخرج بعين دامعة، فتحوّل ولادةً جديدةً أشبه بعملية قيصرية شاقّة. أخرج فخر الدين أوجاعه وآلام انسلاخه عن أرضه في نصّ مكثّف وحوارات قصيرة ومختزلة، فطغى الصمت على حبكته السينمائية بوصفه لغة أساسية.

إنما هذا الصمت كسره أداء جورج خباز بقدراته التمثيلية الفذّة، فحمل شخصية «منير» المركّبة الآتية من الشتات وضياع الهوية، عبر تعابير وجهه ولغة جسده، وترجم مآسي المهاجر بهدوء مكثّف، مشحون بمشاعر مكبوتة لا تحتاج إلى كلمات.

من ناحية ثانية، تلاقيه الممثلة الألمانية هانا شيغولا بشخصية «فاليسكا» بأداء ناضج ومتّزن. فيما تنثر نضال الأشقر بحضورها المُتقن نفحات من نسمة الوطن الأم. وهكذا تكتمل دائرة شريط سينمائي إنساني، يرسّخ مكانة الشاشة الذهبية بوصفها مساحة للتأمل والوجع والصدق الفنّي بامتياز.

حصد فيلم «يونان» عدداً من الجوائز العربية والعالمية في فئات «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» و«أفضل ممثلة» ضمن مهرجانات سينمائية مرموقة، كان أحدثها «مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي». واليوم يحطّ في بيروت ليُعرض في صالاتها؛ بينها سينما «متروبوليس».

يحكي مخرج الفيلم أمير فخر الدين وجعه مع الغربة من خلال «يونان» (سينما متروبوليس)

استغرق تصوير الفيلم نحو 3 سنوات، اعتمد خلاله أمير فخر الدين على كاميرا إنسانية هادئة، بعيدة عن الصخب السردي، تحرّض المُشاهد على الغوص في أعماقه والدخول في حالة شاعرية وتأمّلية طويلة. قدَّم الغربة بإيقاع بطيء، تفترسها الوحدة والعزلة الداخلية، ويترجم ثقلهما بالصمت أكثر مما تفعل الكلمات.

يروي الفيلم قصة كاتب عربي يُدعى «منير»، هاجر إلى ألمانيا، منفصلاً عن أرضه وأمه وأخته. ومع تراكم خساراته وانكساراته، يفكّر في الانتحار، فيقصد جزيرة نائية لتنفيذ قراره. هناك، يتعرَّف إلى امرأة مسنّة تدير بيت ضيافة تُدعى «فاليسكا»، تعيش مع ابنها «كارل» (توم والشيها)، فتشكّل هذه العلاقة الإنسانية الهشّة مدخلاً لإعادة إشعال شغفه بالحياة تدريجياً.

وعلى امتداد نحو ساعتين، يعيش المتفرّج في حضن الطبيعة: طقس عاصف، وفيضانات، ورياح قوية، وأمواج بحر عالية، وسهول خضراء شاسعة، فتعكس حالات داخلية تعيشها الشخصيات. ويدور معظم المَشاهد في أجواء صامتة، يتّكئ عليها المخرج لترجمة ثقل الوحدة والغربة على صاحبهما، فيتحوَّل الصمت لغةً قائمة بذاتها. كما يستخدم شعر المتنبي في بداية الفيلم مُعبّراً عن مشاعره العميقة، فتحضر عبارة من إحدى قصائده:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجبُ من ذا الوصلِ والهجرِ أعجبُ

أما السؤال الرئيسي الذي يطرحه فخر الدين بشأن معاني الهجرة، فيختصره بعبارة: «ماذا لو في هذا البُعد نسيَتك أمّك؟»، مشيراً إلى انسلاخه المرّ عن أمّه البيولوجية، وتلك التي تتمثّل في الأرض والوطن.

يطوي جورج خباز من خلال هذا الدور صفحة طويلة من الأدوار الدرامية والكوميدية التي برع فيها، لينقل المُشاهد إلى ضفّة تمثيلية مغايرة تماماً؛ ضفّة عنوانها العريض «الانسلاخ الإنساني» بكلّ معانيه. يرتقي خباز بأدائه إلى تخوم الصوفية؛ تنقطع أنفاسه فيتنفّس المُشاهد الصعداء بدلاً منه. تنهمر دموعه بهدوء طفل يبحث عن حضن أمّه. يرتشف كوب العصير مثل مَن يروي عطشاً امتدّ عقوداً، وتضيئه ابتسامة اشتاق إليها منذ دهور. حتى مشهد عراكه مع ابن صاحبة بيت الضيافة، الذي انتهى بخسارة تثير ضحكاته، يترجم علاقته الملتبسة بالفقد، كأنه يتلذّذ بإضافة خسارة جديدة إلى أرشيف أوجاعه المتراكمة.

يُجسّد جورج خباز شخصية كاتب عربي (فيسبوك)

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناة الغربة، وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة. فالجراح غير الملتئمة، والعزلة المفروضة، وأنين الشوق إلى الوطن، يُعبّر عنها المخرج بالسكوت، ممّا يفرز حالة إنسانية دائمة تحلّق في فضاء الفيلم لتبني المواجهة مع الزمن.

استخدم فخر الدين موهبة خباز على أنها مرآة صادقة لذاته، فمزجها بأوجاعه وأحلامه الكئيبة، ليُعبّر عن حالة البحث عن الهوية التي يخوضها، فجاء الفيلم انعكاساً لواقعه بوصفه شاباً سورياً من الجولان المحتلّ يعيش في برلين، بعيداً عن أرضه ووطنه وأمه، خائفاً من الترحال الدائم والرحيل المتكرر. وتبقى علامة استفهام كبرى يردّدها خباز بصوته في القسم الأخير من الفيلم: «ستُنسى... كأنك لم تكن حلماً جميلاً... كأن وجودك لم يكن إلا وهماً. ستُنسى... كأنك لم تكن».

في مَشاهد تجمع جورج خباز وهانا شيغولا، نلمس بوضوح توق المهاجر إلى دفء العائلة. وفي مواجهة وهمية مع والدته، التي تؤدّيها نضال الأشقر، تتكسّر مشاعر الوحدة ويتحوّل الكاتب «منير» إلى طفل يستعيد الأمل في الحياة. ويأتي أداء الأشقر مثل طوفان من المشاعر، يغمره بحنان الأم ودفئها، ليمنح الفيلم إحدى أعمق لحظاته الإنسانية صفاءً وتأثيراً.

في استعادة رمزية لأسطورة يونان (النبي يونس)، يناجي المخرج الله طلباً للرحمة والخلاص. فنرى الكاتب العربي، بطل الحكاية، واقفاً أمام حوت ضخم لفظته أمواج المحيط، في صورة بصرية كثيفة الدلالة، تدفعه إلى إعادة التأمُّل في شريط حياته بعيداً عن فكرة الموت والانتحار. هنا يتحوّل الحوت من رمز للهلاك إلى علامة خلاص وفرصة ولادة جديدة.

وإلى جانب الحالات الإنسانية العميقة التي يتناولها الفيلم، يُعرّج المخرج على أبعاد اجتماعية وسياسية، فيمرّر رسائل مبطّنة عن المجتمع الأوروبي ونظرته إلى النازح العربي؛ بين الشفقة والريبة، والاحتواء المشروط والعزلة المقنّعة.

وفي أحد أهم مَشاهد الفيلم، حيث تختلط مشاعر الهجرة بالحنين إلى الوطن، نُتابع جورج خبّاز يرقص مذبوحاً من الألم على إيقاع أغنية «حوّل يا غنّام» للراحلة نجاح سلام. مشهد يُذكّرنا برقصة أنطوني كوين في فيلم «زوربا»، فيتفوّق على نفسه، مُعبّراً عن وجع مكبوت يتحوّل تدريجياً إلى فعل تحرُّر. وينقلنا خباز بخطواته التعبيرية إلى مساحة من الفرج والرجاء، راسماً إحدى أجمل اللوحات الفنّية التي يتضمّنها الفيلم.

هي رحلة إنسانية عميقة؛ بسيطة في شكلها، غنية بفلسفة حياة قاسية، يُقدّمها فيلم «يونان»، ليغدو مرجعاً سينمائياً يُوثّق الغربة بحسّ مرهف ومقاربة روحية عالية، بعيداً عن السردية التقليدية، ومُحمَّلاً بأسئلة الوجود والهوية ومعنى الخلاص.


«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
TT

«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)
يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)

قد يقف البعض منا، في مرحلة ما من حياته هو نفسه، عائقاً في طريق نموه الشخصي، ما قد يحول بينه وبين تحقيق النجاح في أحد التحديات التي تواجهه في الحياة.

فحين نحرز تقدماً في مشروع، أو نبدأ الشعور بالأمل في علاقة، ثم نفعل شيئاً يقوّض كل ذلك، نقع في دوامة التسويف، أو حين نفتعل شجاراً، أو ببساطة نستسلم؛ أو نثني أنفسنا عن شيء قد يجلب لنا النجاح. يطلق على هذا النوع من السلوك «التخريب الذاتي». يبدو الأمر كأنه عرقلة للذات، لكن وراء هذا السلوك الظاهر توجد ديناميكيات نفسية ومعرفية عميقة.

يستعرض الدكتور مارك ترافرز، باحث أميركي في العلوم النفسية، وخريج جامعة كورنيل وجامعة كولورادو بولدر الأميركتيين، في مقاله المنشور على موقع «سيكولوجي توداي»، استناداً إلى أبحاث علم النفس، 4 أسباب لتخريب الأشخاص الأشياء الجيدة.

تجنب لوم الذات

أحد أكثر أنماط التخريب الذاتي التي دُرست باستمرار هو ما يسميه علماء النفس «الإعاقة الذاتية»، وهو سلوك يخلق فيه الأشخاص أنفسهم عقبات أمام نجاحهم، حتى إذا فشلوا، يُلقون باللوم على عوامل خارجية، بدلاً من لوم أنفسهم. ومنها، على سبيل المثال، مماطلة الطلاب في الاستعداد لاختبار مهم، حيث يَعزُون الرسوب لأسباب خارجية لا إلى نقص التنظيم أو الانضباط.

إنّ التخريب الذاتي ليس مجرد كسل أو نزوة، بل هو استراتيجية يستخدمها البعض لحماية تقديرهم لذاتهم في المواقف التي قد يكون أداؤهم فيها «ضعيفاً»، أو عندما يُنظَر إليهم على أنهم غير أكْفاء.

الخوف من الفشل أو النجاح

غالباً ما يعتقد الناس أن الخوف من الفشل هو الدافع الرئيسي وراء التخريب الذاتي. لكن الأبحاث تشير إلى أن الخوف من النجاح يُعدّ محركاً لا يقل أهمية، وإن كان أقل شيوعاً.

فالخوف من الفشل يحفز التجنب، وهؤلاء الأشخاص يخشون أن يؤكد الفشل معتقداتهم السلبية عن أنفسهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لتبنّي أساليب دفاعية لتحاشي ذلك؛ منها التسويف أو الاستسلام المبكر.

والخوف من النجاح يعمل بطريقة مماثلة، فما يحفز هذا الخوف هو القلق المصاحب لعواقب النجاح، والتي قد تتمثل في ارتفاع سقف التوقعات الذاتية أو من الآخرين، أو زيادة الظهور الإعلامي مثلاً. لذا، قد يكون تخريب النجاح الذاتي وسيلةً للبقاء في منطقة الراحة حيث التوقعات مألوفة.

المعتقدات السلبية عن الذات

يرتبط تخريب الذات ارتباطاً وثيقاً بنظرة الشخص لنفسه. فعندما يشكّك المرء في قيمته، أو قدراته، أو حقه في السعادة، قد يتصرف لا شعورياً بطرق تُؤكد تلك النظرة السلبية عن الذات. تقترح نظرية التناقض الذاتي أن الناس يشعرون بعدم ارتياح عاطفي عندما لا تتطابق ذواتهم الحقيقية مع ذواتهم المثالية. وقد يؤدي هذا التناقض إلى مشاعر سلبية مثل الشعور بالخجل، أو القلق، أو الاكتئاب.

التعامل الخاطئ مع التوتر والقلق

غالباً ما يظهر التخريب الذاتي في لحظات التوتر الشديد أو التهديد العاطفي. عندما يشعر الناس بالإرهاق أو القلق أو الضغط النفسي، وحينها يتحول جهازهم العصبي إلى وضع دفاعي. وبدلاً من التقدم، يتراجعون أو ينسحبون دفاعياً، وقد يلجأ الناس إلى سلوكيات تُشعرهم بالأمان، حتى لو كانت على حساب أهدافهم طويلة المدى.