«المونو» يُطلق رؤيته المستقبلية: منصّة التجديد الثقافي في بيروت

مديرته جوزيان بولس أكدت أنّ المسرح حاجة حياتية للجميع

تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
TT

«المونو» يُطلق رؤيته المستقبلية: منصّة التجديد الثقافي في بيروت

تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)
تؤكد جوزيان بولس أنّ «المونو» كائنٌ حيّ يتنفّس بالفنّ ويتغذّى على الشغف (الشرق الأوسط)

ليس «مسرح المونو» مكاناً تشتعل فيه الأضواء وتنطفئ فقط؛ لحَمْله ذكريات لا تَسقُط بالتقادُم. فهو ملجأ الذين لم ييأسوا من الجمال، ومأوى للأصوات الخفيّة. وحين باتت الخشبة رفاهية، بقي «المونو» شاهداً على أنّ الفنّ ليس زِينة، وبيروت، مهما انطفأت، ستظلُّ تشعر بقلب ينبُض بلغتها الأولى: المسرح.

هذا المكان بيتٌ للذين يؤمنون بأنّ الفنَّ تنفُّس ضروري في عالم يختنق. هكذا رآه المخرج والممثل غبريال يمّين، حين قال إنّ «المونو» كان بالنسبة إلى جيل كامل من الفنانين مَعْبراً ومكاناً للتجريب ومنصة تعلُّم؛ لا مجرَّد توقيت عرض.

هو المسرح الذي يشبه بيروت في عنادها (الشرق الأوسط)

في احتفال أقامه المسرح بحضور مديرته جوزيان بولس، ورئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش، بحضور فنانين ومانحين وأصدقاء الثقافة، تخطَّى الهدف تكريم الماضي العريق، ليُعلن وعداً بالاستمرار، واستنهاضاً لأحلام مُقبلة لا تزال تستحق مساحة على الخشبة.

منذ ولادته عام 1997، بمبادرة من إيمي بولس، وبدعم روحي وفكري من جامعة القديس يوسف، حفر «المونو» اسمه بين حجارة المدينة، وتحوَّل أحد أعمدة الحرّية الثقافية في لبنان. ظلَّ صامداً في وجه العواصف، مفتوحاً على احتمالات الجمال، ومتاحاً لكلّ مَن أراد أن يقول شيئاً من القلب.

ملجأ الذين لم ييأسوا من الجمال ومأوى للأصوات الخفيّة (المونو)

ومنذ أن تسلَّمت جوزيان بولس الإدارة عام 2022، بدأت الروح تدبّ مجدداً في زوايا «المونو» لجَعْل الشغف أكثر رسوخاً وجدوى. عاد النبض إلى جسد المسرح؛ ذلك المكان الحيّ الذي يُكرّس الانتماء لكلّ مَن يؤمن بأنّ الفنّ فعل وجود. توسَّع الأفق ليشمل مفاهيم الشمول، والعدالة الثقافية، وحقّ الاختلاف الجمالي، بعيداً عن مقاييس السوق ومزاج الاستهلاك. ففي «المونو»، لا يُقاس الفنّ بعدد التذاكر. يُقاس بصدق التجربة، وبقدرة الخشبة على أن تترك أثراً في الروح.

قالت جوزيان بولس في كلمتها: «الثقافة ليست امتيازاً يُمنح؛ إنها حاجةٌ تنبُض فينا». ووسط أيام تتساقط فيها المعاني، يقف «المونو» واثقاً بدوره. فقد قدَّم خلال عام 2024 فقط أكثر من 60 عرضاً مسرحياً، وجذب ما يفوق 54 ألف متفرّج. رقمٌ يُقاس بالمعنى: أن ثمّة جمهوراً لا يزال يختار المسرح، ويؤمن بأنّ اللقاء الحيّ لا يُعوّضه شيء.

بفريق صغير لا يتجاوز 12 شخصاً، لكن بروحٍ تتّسع، يواصل «المونو» نسج برامجه بشغف وعناية. يقدّم عروضاً تتنقّل بين الجرأة والتنوّع، وبين التجريب والتقليد. يفتح نوافذه للنصوص المحلّية والعالمية، مُقدّماً كلّ ذلك بكونه حقاً أصيلاً ومتنفَّساً لمَن يؤمن بأنّ الفنّ ضرورة وجودية، وليس امتيازاً محصوراً في قاعات النخبة.

صحيحٌ أنّ بعض العروض لا تكون دائماً على المستوى نفسه من النضج أو التأثير؛ ففي التجريب ما يُخفِق كما فيه ما يُدهِش، لكن في هذا التنوّع عينه تكمن جرأة «المونو»: أن يحتمل تفاوت المحاولات، وأن يظلَّ مساحة مفتوحة للتجريب والبحث، وليس منصة محكومة بمنطق «المضمون» أو ما يرضي الذائقة السائدة. فحتى التعثُّر على هذه الخشبة، يحمل صدقه الخاص.

رئيس جامعة القديس يوسف الأب سليم دكاش يؤمن باستنهاض الأحلام (المونو)

وإيماناً بدوره مساحةً للتعلُّم والانتماء، أطلق «المونو» خطة طموحة تمتدّ حتى عام 2030، تتضمَّن برامج تربوية لتنمية الحسّ الجمالي لدى الأطفال، وإطلاق جائزة سنوية باسم «المونو الذهبي» لتكريم المواهب اللبنانية، وتنظيم مهرجان كوميدي يعبُر حدود المتوسّط، بالإضافة إلى ورشات إقامة فنّية وتجديد شامل للبنية التقنية، من صوت وإضاءة وترجمة وتكييف.

ورغم ضآلة الموارد، نجح «المونو» في تأمين تمويله الذاتي 3 سنوات متتالية، بميزانية سنوية لا تتجاوز 200 ألف دولار، بدعم من الاتحاد الأوروبي وشركاء محلّيين ودوليين، وبإدارة مالية حريصة. لكنَّ المسرح يعيش بجمهوره. وكل تبرّع، مهما بدا صغيراً، هو إشعال لشمعة على الخشبة، وإسهام في حفظ ذاكرة مدينة تُراهن على الضوء.

غبريال يمّين يرى في المسرح بيتاً للمؤمنين بأنّ الفنَّ تنفُّس ضروري (المونو)

ولعلّ في تخصيص المقعد «A1» لذكرى إيمي بولس رمزية كبيرة؛ فهو تخليد لمؤسِّسة، واحتفاء بكلّ مَن رأى أنّ الفنّ يستحق بيتاً حقيقياً في بيروت.

«المونو» كيانٌ حيّ يُشبهنا حين نبحث عن معنى وسط الفوضى، وعن جمال لا تُفسده القسوة. هو المساحة التي لا تخجل من أسئلتنا، فتستقبلها كما هي، على الخشبة وبين النظرات. إنه المكان الذي نرتاده لنُجرّب أن نكون.


مقالات ذات صلة

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح» أقيم عرض «مرسل إلى».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً لمساحة لكشف الأسرار والخوف، والرغبة في النجاة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة.

سوسن الأبطح (بيروت)

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: مطالبات بإعفاء المغتربين من «جمارك الجوال»

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)
مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

بينما كان يستعد محمد صدقي الموظف الأربعيني العامل في الرياض لشراء هاتف جديد لزوجته ليصطحبه هدية لها الصيف المقبل بعد عودته المقررة في الإجازة السنوية خلال شهر مايو (أيار) المقبل، قرر التراجع عن الخطوة بعد قرار الحكومة المصرية إلغاء الإعفاءات الشخصية على الهواتف الجوالة مع المصريين القادمين من الخارج.

يأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه المطالبات بإعفاء العاملين المغتربين من «جمارك الجوال» التي تصل إلى نحو 38.5 في المائة على بعض الأنواع من الهواتف، مع التأكيد على دور المغتربين في «إنقاذ الاقتصاد بتحويلاتهم الضخمة التي تسجل زيادة شهرية وفق البيانات الرسمية.

وسجلت تحويلات المصريين المغتربين من يناير (كانون الثاني) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي نمو بزيادة تقارب 42 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام قبل الماضي مع تسجيل 37.5 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية لتكون الأعلى على الإطلاق بحسب بيانات «المركزي المصري».

ومنذ مطلع 2025، طبقت الحكومة المصرية قراراً يقضي بالسماح للمصريين المقيمين بالخارج أو العائدين من رحلات سفر بالسماح باصطحاب هاتف شخصي واحد معفى من الرسوم الجمركية كل 3 سنوات مع تعديل اشتراطات التسجيل عدة مرات قبل أن يدخل قرار جديد بإلغاء جميع الإعفاءات لكافة المصريين اعتباراً من ظهر (الأربعاء).

ووفق بيان مشترك بين «مصلحة الجمارك» و«الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (الثلاثاء) فإن تطبيق «منظومة حوكمة أجهزة الهاتف الجوال الواردة من الخارج» ساهمت في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف الجوال بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنوياً، وهو ما يتجاوز احتياجات السوق المحلية.

هواتف الآيفون الأكثر تأثراً بالقرار الجديد (إ.ب.أ)

وقدرت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة سها الجندي في مارس (آذار) 2024 عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليون شخص.

وتوجد فروق سعرية لافتة في أسعار الهواتف الجوالة داخل مصر وخارجها، خصوصاً العلامات الشهيرة.

وتتيح الحكومة مهلة 90 يوماً لاستخدام الأجهزة للمصريين القادمين من الخارج على مدار العام مع إرسال بيانات رسمية تفيد بتوقيت الدخول حال حدوث مشكلة في عدم استجابة الهاتف للعمل على الشبكات المصرية، وفق التعديلات الأخيرة، مع إتاحة الفرصة لكل من يقوم بشراء هاتف من الخارج لسداد الرسوم المقررة خلال مهلة الـ90 يوماً قبل إيقاف الهاتف عن العمل.

وانتقد عدد من المصريين بالخارج عبر مواقع التواصل القرار الحكومي باعتباره يفرض عليهم رسوماً إضافية.

فيما تحدث الإعلامي عمرو أديب عن «غضب كبير» بسبب القرار بين المصريين بالخارج.

وطالب الإعلامي أحمد موسى بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف واحد سنوياً معفى من الجمارك والضرائب لدورهم في دعم الاقتصاد.

ولعبت الزيادات «القياسية» في تحويلات المصريين بالخارج دوراً في توفير موارد للنقد الأجنبي خلال الفترة الماضية مع تراجع عائدات قناة السويس تأثراً بحرب غزة وما تبعها من اضطراب لحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وأعلنت وكيل لجنة «الاتصالات» بمجلس النواب (البرلمان) مها عبد الناصر عن انعقاد اللجنة قبل نهاية الشهر الجاري لمناقشة القرار مع المسؤولين الحكوميين لبحث توقيته، وتداعياته، ودوافع اللجوء إليه.

وقالت عبد الناصر لـ«الشرق الأوسط» إن أقل شيء يمكن تقديمه للمصريين المغتربين هو إعفاؤهم من الرسوم والجمارك لهاتف واحد سنوياً تقديراً لدورهم ودعمهم للاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن «كافة دول العالم تمنح المغتربين استثناءات، وسبق للحكومة المصرية أن أعدت تشريعاً مماثلاً في امتيازات الإعفاء للسيارات التي يقومون باستيرادها من الخارج».

وأكدت أنه يوجد «تفهم لبعض دوافع الحكومة نتيجة ممارسات لما وصفته بـ(مافيا استيراد الهواتف) الذين استغلوا ثغرات قانونية لإدخال هواتف دون رسوم عبر استغلال المسافرين لإدخال الهواتف بأسمائهم وبيعها بالأسواق، لكن في الوقت نفسه لا يتوجب معاقبة الجميع بسبب هذه السلوكيات».

مغتربون مصريون بالخارج يطالبون بمنحهم تسهيلات (إ.ب.أ)

وأكد «نائب رئيس شعبة الاتصالات والجوال بغرفة القاهرة التجارية» وليد رمضان لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حالة استثناء المصريين بالخارج بالسماح بإدخال هاتف كل عام أو عامين فإن الأمر لن يشكل مشكلة بالنسبة لقطاع الاتصالات»، مشيراً إلى أن «القرار يمكن إصداره تقديراً لدورهم في دعم الاقتصاد والعملة الصعبة التي يقومون بإدخالها عبر التحويلات الدورية».

وأوضح أنه يوجد «ترحيب داخل الأوساط التجارية بالقرار، لكونه يحد من عمليات التهريب والثغرات التي جرى استغلالها في الفترة الماضية»، مشيراً إلى «أن هواتف (الآيفون) تعد الأكثر تأثراً بالقرار، وهي لا تصنع في مصر بالوقت الحالي».

وأعرب متابعون عن تعجبهم من القرار الذي تم اتخاذه بداعي دعم المنتجات المحلية، وانتقدوا ارتفاع أسعار الهواتف الجوالة المصنعة داخل مصر مقارنة بأسعار الأنواع نفسها ببقية الدول العربية الأخرى، حيث تسجل فارقاً لافتاً في السعر. معتبرين أن القرارات السابقة لم تصب في مصلحة المواطنين المصريين.


«القاهرة للكتاب» يُذّكر بأصحاب «التجارب المنسية»

فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
TT

«القاهرة للكتاب» يُذّكر بأصحاب «التجارب المنسية»

فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)
فعاليات متنوعة يضمها معرض «القاهرة الدولي للكتاب» في دورته 57 (وزارة الثقافة)

افتتح رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الدورة الـ57 من معرض «القاهرة الدولي للكتاب»، الأربعاء، بحضور وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، والفنان حسين فهمي، وعدد من المسؤولين والشخصيات العامة والسفراء الأجانب، على أن يفتح المعرض أبوابه للجمهور من العاشرة صباح الخميس، ويستمر يومياً حتى 3 فبراير (شباط) المقبل.

ويتضمن المعرض هذا العام فعاليات عدّها مثقفون ونقاد «رداً لاعتبار أصحاب التجارب المنسية» في مجالات مختلفة من الإبداع الأدبي والموسيقى والنقد والفلسفة، مثل اختيار الرسام ومصمم الأغلفة الراحل محيي الدين اللباد ليكون شخصية معرض كتاب الطفل، فضلاً عن استعادة واحدة من أكثر تجارب الغناء عذوبة وجمالاً عبر احتفالية مئوية الموسيقار والمطرب النوبي أحمد منيب.

ويتضمن المعرض برنامجاً ثقافياً وفنياً متنوعاً يشمل 400 فعالية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وأكثر من 1500 مثقف ومبدع. يشارك في المعرض 1457 ناشراً من 83 دولة، ويستضيف دولة رومانيا بوصفها ضيف شرف لهذه الدورة، وتم اختيار اسم أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ شخصية المعرض، بالتزامن مع مرور 20 عاماً على رحيله، كما تم اختيار الفنان محيي الدين اللباد شخصية معرض كتاب الطفل.

ومن الأمثلة الأخرى اللافتة في هذا السياق المؤتمرات والندوات المخصصة لمناقشة تراث المفكر الراحل لطفي السيد الملقب بـ«أستاذ الجيل»، و«الكتابات المجهولة» للمفكر الراحل سلامة موسى الذي تأثر به نجيب محفوظ، وتطرق مراراً إلى فضله عليه ومكانته الكبيرة، فضلاً عن إعادة قراءة المنجز الثقافي للناقد الأدبي شكري عياد، وتكريم كل من الشاعر عمر نجم الذي رحل 1995 وترك إرثاً لافتاً في كل من شعر العامية والنقد الفني، والروائي عبد الوهاب الأسواني الذي رحل في 2019، ومن أبرز أعماله «سلمى الأسوانية»، و«اللسان المر»، و«النمل الأبيض».

«القاهرة للكتاب» اختار نجيب محفوظ شخصية للمعرض (وزارة الثقافة)

وأشاد الناقد الأدبي والأكاديمي، عبد الكريم الحجراوي، بما سمّاها «لفتة عظيمة تستوجب التحية والتقدير من القائمين على الدورة الجديدة من المعرض»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر شهدت تجارب مدهشة لرواد منسيين في مجالات مختلفة في القرن العشرين تستوجب إعادة تقديمها للأجيال الجديدة؛ حفاظاً على الذاكرة الوطنية قبل أن تتوه في الزحام ويعلوها غبار النسيان».

ووُلد محيي الدين اللباد في 1940، وعرف خلال مسيرته الفنية بوضعه أطراً ابتكارية جديدة لكتب الأطفال، سواء على مستوى الرسومات والأغلفة أو المضمون القصصي التربوي، ويتم الاحتفاء به من خلال فعاليات متنوعة، مثل «اللباد وتجربته في تأسيس دار الفتى العربي»، فضلاً عن إقامة معرض يضم أعماله الأصلية النادرة، وكذلك تنظيم أنشطة تفاعلية للأطفال تستلهم أسلوبه وأفكاره، مع إعادة طباعة عدد من أعماله الأيقونية، مثل «المراهقون فوق سن الحادية عشرة»، و«الرسم والتلوين الزيتي»، و«كروان»، وأيضاً إصدار «كتاب تذكاري» شامل يوثق مسيرته التي تُوّج خلالها بلقب «فيلسوف الصورة».

ويعد التكريم هو الأول من نوعه رسمياً بهذا الحجم داخل مصر لمحيي الدين اللباد الذي سبق تكريمه في بيروت 1979، وألمانيا 1985، وسلوفاكيا 1989، وفرنسا 1993 عبر فعاليات مختلفة من معارض الكتب والجوائز.

ومن المحتفى بهم أيضاً الموسيقار والمطرب أحمد منيب المولود في أسوان 1926، حيث مزج الإيقاعات النوبية بالموسيقى الحديثة ببراعة لافتة جعلت منها فناً محبباً للأجيال الجديدة منذ السبعينات من القرن الماضي، كما أسهم في اكتشاف وإطلاق نجومية عدد من المطربين الجدد في زمنه، مثل محمد منير وحميد الشاعري وعمرو دياب، فضلاً عن الأغاني التي قدمها بصوته مثل «مشتاقين»، و«بلاد الذهب»، و«كان وكان»، و«يا عشرة تهوني ليه».

رئيس الوزراء يفتتح الدورة 57 لمعرض «القاهرة الدولي للكتاب» (وزارة الثقافة)

ويعد المفكر والكاتب سلامة موسى (1887 - 1958) من أبرز أعلام النهضة العربية في القرن العشرين، وعرف بكتاباته الرصينة التي تدعو إلى التحديث وربط العلم بالتقدم، عبر كثير من المؤلفات، ومن أبرزها «تربية سلامة موسى»، و«هؤلاء علموني»، و«ما هي النهضة؟» و«الإنسان قمة التطور».

ويعد الدكتور شكري عياد (1921 - 1999) مؤسس علم الأسلوب في النقد العربي الحديث، وأحد أبرز من مزجوا بين التأصيل الثقافي والانفتاح الحداثي في الثقافة العربية من خلال كتابه الشهير «مدخل إلى علم الأسلوب»، فيما يُنظر إلى نقده لترجمة أرسطو في كتابه «فن الشعر» بوصفه واحداً من أدق المراجع التي أبرزت أثر الفلسفة اليونانية في الفكر النقدي العربي.

ويلفت الحجراوي إلى أن «الأسماء التي يستعيد المعرض مسارها الفكري الثقافي تعد امتداداً طبيعياً لتيار الحداثة والنهضة الذي أطلقت شرارته الأولى الحملة الفرنسية على مصر في 1798، ثم تبلور على يد محمد علي وتأسيسه للدولة الحديثة»، مشيراً إلى أنه «كان يتمنى الاقتصار على عدد محدود من تلك الأسماء المحتفى بها بما يقارب الثلاثة أو الأربعة فقط في الدورة الجديدة من المعرض، بحيث تكون هناك فرصة أفضل للتعمق في تجربتها».


«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
TT

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية
الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية

استعاد الملتقى العربي «للعرائس والدمى والفنون المجاورة» نشاطه مجدداً بعد توقف دام 8 سنوات، منذ دورته الرابعة التي أقيمت عام 2018، إذ افتتحت دورته الخامسة في القاهرة، الأربعاء، وتستمر حتى 23 يناير (كانون الثاني)، الحالي، بتنظيم «الهيئة العربية للمسرح»، وبالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، وبمشاركة دولية واسعة شملت: مصر، وفلسطين، والعراق، والجزائر، وتونس، ولبنان، والإمارات، والكويت، وتنوعت بين العروض العرائسية والحكواتي، والندوات الفكرية.

وفي كلمته خلال حفل الافتتاح الذي أقيم في «المجلس الأعلى للثقافة» بدار الأوبرا المصرية، الأربعاء، وصف الأمين العام «للهيئة العربية للمسرح»، الكاتب الإماراتي إسماعيل عبد الله، عودة الملتقى بالقاهرة التي صنعت تاريخاً لهذه الفنون، بأنها «عودة حميدة».

وكشف إسماعيل عبد الله عن أن «الملتقى سيكون موعداً للإبداع وتبادل الخبرات والمهارات، ولترسيخ ثقافة فن كان الصورة الأولى لكل ما تفتق عنه العقل البشري ووصل إليه من إبداع مسرحي وسينمائي»، مؤكداً أن الهيئة العربية للمسرح أوصت بضرورة الاهتمام بهذه الفنون، وإحياء ما تراجع منها، وإنقاذ ما هو عرضة للاندثار.

الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام (الهيئة العربية للمسرح)

وبدوره، أشاد مدير مسرح العرائس، الدكتور أسامة محمد علي، في كلمته خلال حفل الافتتاح، بجهود «الهيئة العربية للمسرح»، وبفنون العرائس، لافتاً إلى «أنها كائنات لا تشيخ لأنها تستمد عمرها، وتجدد شبابها من دهشة وفرحة الأطفال، ونبض قلوب فنانيها، وأنها ليست مجرد دمية، بل هي وسيط إنساني بليغ يحمل هويتنا وقيمنا ولغتنا إلى أجيال المستقبل».

ومن جانبه، أكد الكاتب والمخرج الفلسطيني غنام غنام، مدير التدريب والتأهيل والمسرح المدرسي بالهيئة العربية للمسرح، أن الملتقى ليس تنافسياً ولن يكون ولا يوجد به جوائز للأفضل، بل هدفه تبادل الخبرات، والبحث عن العروض التي تتضمن الثيمة التي تحقق الغرض وتعتمد على التكنولوجيا، دون الوقوع تحت سطوة المنافسة.

وأوضح غنام في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الملتقى عادة يقام كل عامين، وكان من المفترض إقامته مطلع عام 2020، ولكن انتشار فيروس (كورونا)، حينها حال دون ذلك»، موضحاً أن آلية الاختيار تضمنت أسس صناعة الدمى وتحريكها، ومدى إتقانها، وأن الكثير من العروض الدولية التي تقدمت لم يقع الاختيار عليها لعدم جودتها وحرفيتها في التحريك والتصنيع، مؤكداً أن «العروض الأكثر مشاركة كانت من دولتين ينتعش بهما فن العرائس، وهما مصر وتونس».

وكشف غنام عن أن «تقديم نماذج مسرحية بارزة هو هدف الملتقى»، بجانب ندوات الخبراء الذين تميزت أعمالهم في هذا الجانب، ولديهم «سر الصنعة»، وذلك من أجل استفادة محبي هذا المجال، من بينهم سعيد أبو رية الخبير المصري في فن العرائس، والأخوان كريم ووليد دكروب من لبنان.

وأطلقت النسخة الأولى من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى»، عام 2013 من إمارة الشارقة بالإمارات، بينما تجول الملتقى فيما بعد في تونس، والقاهرة، وطنجة بالمغرب، ثم عاد مجدداً للقاهرة، حيث تقام فعالياته عبر عدة مواقع، وهي «المجلس الأعلى للثقافة»، ومسارح «الهناجر»، و«القاهرة للعرائس»، و«المتروبول»، و«الحديقة الثقافية بالسيدة زينب»، و«بيت السحيمي»، كما يمتد من خلال «المعرض الثالث للدمى والعرائس»، الذي يشرف عليه الفنان وليد بدر، في قاعة آدم حنين بمسرح الهناجر، بجانب تكريم كل من الفنان المصري محمد كشك، والفنان الجزائري قادة بن سميشة، والفنان الفلسطيني عبد السلام عبده.

إلى ذلك، يشارك «البيت الفني للمسرح»، التابع لقطاع المسرح بمصر، في الدورة الـ5 بعرضين من إنتاج فرقة القاهرة للعرائس، وهما «ذات الرداء الأحمر»، أداء صوتي لعدد من الفنانين من بينهم إسعاد يونس، وهالة فاخر، وإخراج نادية الشويخ، وعرض «قطرة ندى»، والمستوحى من المسرحية العالمية «هبط الملاك في بابل» للكاتب فريدريش دورينمات، ويشارك في الأداء الصوتي، إيهاب فهمي، مروة عبد المنعم، وإخراج رضا حسنين.

وحسب بيان البيت الفني للمسرح، فإن هذه المشاركة تؤكد دور مسرح القاهرة للعرائس في «دعم وتطوير فنون العرائس»، وتقديم عروض تجمع بين «القيمة الجمالية والرسالة الثقافية والتربوية»، وتسهم في «تطوير خطاب مسرح الطفل»، و«تعزيز حضور فنون العرائس»، بوصفه أحد أهم أشكال التعبير المسرحي القادرة على مخاطبة الوجدان.