تركيا تُعمّق حضورها في ليبيا عبر اتفاقيات تدريب وتعاون عسكريين

قُبيل مناقشة برلمانية لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية

جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
TT

تركيا تُعمّق حضورها في ليبيا عبر اتفاقيات تدريب وتعاون عسكريين

جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)
جانب من زيارة سابقة للدبيبة إلى تركيا (حكومة «الوحدة» الليبية)

تشهد الساحة السياسية الليبية تقارباً متزايداً مع تركيا في الآونة الأخيرة؛ مما يعمق حضورها في البلاد.

وقبل أيام قليلة وقّع عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، خلال زيارة رسمية إلى أنقرة، اتفاقية للتعاون العسكري، عُدّت تعزيزاً لما يربط بين تركيا وغرب ليبيا من تنسيق أمني واستراتيجي. وبالتوازي مع ذلك، برزت مؤشرات على استمرار انفتاح أنقرة على القيادة العامة لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، المتمركزة في شرق وجنوب البلاد، وذلك بعد خصومة اكتنفت علاقاتهما قبل سنوات. ويأتي ذلك قبيل مناقشة مجلس النواب الليبي اتفاقية ترسيم الحدود، التي وقعها فائز السراج، رئيس حكومة «الوفاق» السابقة، مع أنقرة عام 2019.

أهداف استراتيجية لأنقرة

وفقاً لتقديرات عدد من السياسيين والمراقبين، فإن حرص أنقرة على التنسيق وعقد اتفاقيات التعاون والتدريب العسكري مع مختلف القوى الليبية يحمل في طياته «أهدافاً استراتيجية» أعمق من المعلنة، تتصل بدورها المتنامي في بلد يعاني انقساماً حكومياً وسياسياً.

وعزا رئيس حزب «شباب الغد» الليبي، أحمد المهدوي، التقارب التركي مع سلطات شرق ليبيا، سياسياً وعسكرياً في السنوات الأخيرة، إلى الطابع البراغماتي الذي تتبعه أنقرة في البحث عن مصالحها وتعزيزها، سواء داخل ليبيا أو في المنطقة عموماً.

صدام حفتر خلال زيارة إلى تركيا في أبريل 2024 (رئاسة أركان القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)

وأشار المهدوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن زيارة الفريق صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية بـ«الجيش الوطني»، إلى أنقرة في أبريل (نيسان) الماضي، «شكّلت تحوّلاً مهماً في استعادة العلاقات بين بنغازي وتركيا، حيث جرت الزيارة بدعوة من العسكريين هناك»، عادّاً إياها «خطوة لمعالجة سياسة أنقرة السابقة التي اتسمت بالعداء للشرق الليبي».

وبحسب رؤية المهدوي، فإن هدف تركيا من هذا التقارب هو «الحصول على حصة من عقود التدريب، التي تحرص القيادة العامة للجيش على إبرامها مع دول عدة، وفق معايير تتعلق برفع قدرات المؤسسة العسكرية وجاهزيتها». مشيراً إلى ما يوفره أي انفتاح عسكري بين الشرق الليبي وأنقرة من تعزيز لنفوذ تركيا، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، لافتاً إلى أن الشركات التركية «تحظى بحصة من عقود مشاريع الإعمار الجارية».

ورغم خلو البيانات الرسمية الصادرة عن «الجيش الوطني» من أي إشارة إلى إبرام اتفاقيات تدريب وتعاون عسكري مع تركيا بشكل رسمي خلال زيارة صدام حفتر إلى تركيا، فإن عدداً من المراقبين والخبراء العسكريين تحدثوا عن «اتفاقيات مبدئية»، تتعلق ببرامج تدريب عسكري لقواته، خاصة بشأن «طريقة تشغيل الطائرات المسيّرة التركية الصنع».

شريك استراتيجي

في المقابل، يتحدث المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاجي، عن «مصالح وأهداف استراتيجية غير معلنة تسعى القوى المسلحة الليبية في شرق البلاد وغربها لتحقيقها من وراء عقد اتفاقيات التدريب والتعاون العسكري مع الجانب التركي، وعدّه شريكاً استراتيجياً لهما».

وأوضح الحاجي لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة «الوحدة الوطنية»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تعد أنقرة في مقدمة الحلفاء الداعمين لبقائها في السلطة؛ ولذا تحرض على تعزيز ارتباطها بها عبر توقيع عدد من الاتفاقيات خلال السنوات الماضية في مجالات أمنية وعسكرية واقتصادية ونفطية.

أما فيما يتعلق بـ«الجيش الوطني»، فقد أوضح الحاجي أنه يحاول بدوره تجسير هوة الخلاف مع تركيا، في محاولة للظهور كطرف منفتح على الجميع، وغير محسوب على معسكر أو دولة بعينها مثل روسيا. مبرزاً المكاسب التي تصب في صالح أنقرة، من جراء توسع نفوذها في ملف التعاون العسكري شرقاً وغرباً، وموضحاً أن كسب تركيا لثقة الفرقاء المحليين سيعزز صورتها أمام المجتمع الدولي عامة، وواشنطن خاصة، بوصفها طرفاً محايداً ووسيطاً موثوقاً، يمكن الاعتماد عليه في أي حل للأزمة السياسية، مقارنة بأدوار دول أخرى، كما أنه قد يدفع حفتر إلى تقليص تحالفه مع موسكو.

وكانت وزارة الدفاع التركية، كشفت مطلع الشهر الحالي، عن زيارة ثلاثة وفود عسكرية من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» إلى تركيا، عقب زيارة صدام حفتر.

وبعد أيام من زيارة صدام حفتر إلى تركيا لبّى مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بالقوات التابعة لحكومة «الوحدة»، اللواء محمود حمزة، دعوة رسمية لزيارة أنقرة. وأُعلن عن بحث تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، ما دفع بعض المراقبين إلى ترجيح وجود تنسيق أميركي - تركي لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، عبر التنسيق بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها.

من جهته، دعا الناشط السياسي الليبي، عصام التاجوري، إلى ضرورة التفريق بين نتائج الانفتاح بين شرق ليبيا وتركيا على مدار العامين الماضيين، والاعتماد المتواصل للقوى المسلحة والسلطات في الغرب الليبي على تركيا بوصفها حليفاً رئيسياً.

وقال التاجوري لـ«الشرق الأوسط»: «رغم تقاربه مع تركيا سياسياً وعسكرياً، لم يهمل الشرق الليبي علاقاته مع باقي الدول، التي طالما ساندته؛ وهو يسعى دائماً للانفتاح على قوى ودول أخرى، وعقد الشراكات معها في المجالات ذاتها».

وأضاف التاجوري موضحاً: «في المقابل، فإن علاقة أنقرة منذ البداية مع بعض القوى والمؤسسات في طرابلس، وباقي مدن المنطقة الغربية تفتقر للتكافؤ؛ حيث تحوّلت تلك القوى إلى ما يشبه الأدوات المنفذة للأجندة التركية في الداخل الليبي والمنطقة».

ويتفق التاجوري مع ما يطرحه البعض بشأن إمكانية الاستفادة من الحضور التركي في المشهد الليبي للدفع نحو تشكيل «حكومة جديدة موحدة» للبلاد، وقال بهذا الخصوص: «بحكم علاقاتها القوية مع المنطقة الغربية، قد تنجح أنقرة في تحييد بعض المجموعات الرافضة لأي توجّه لإزاحة حكومة الدبيبة، وهو ما قد يفتح المجال فعلياً لتشكيل حكومة جديدة، مع الانتباه إلى أن هذه الحكومة لن ترى النور دون توافق روسي - أميركي».


مقالات ذات صلة

مشاورات مصرية-يونانية حول ليبيا

شمال افريقيا جانب من المشاورات المصرية-اليونانية الدورية حول ليبيا برئاسة السفير باسل صلاح (الخارجية المصرية)

مشاورات مصرية-يونانية حول ليبيا

احتضنت العاصمة المصرية، أمس الأربعاء، جولة المشاورات المصرية-اليونانية الدورية حول ليبيا، برئاسة السفير باسل صلاح.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مستقبلاً أعيان وعمداء وقيادات مدينة الزاوية (الوحدة)

مأدبة رئيس «الوحدة» الليبية لمسلحين تطرح تساؤلات حول تعهده بـ«انتهاء زمن الميليشيات»

على خلفية احتقان حاد بين مجموعات مسلحة بالزاوية الليبية وعماد الطرابلسي، وزير الداخلية بحكومة «الوحدة»، أقام الدبيبة مأدبة إفطار أثارت حالة من الانتقادات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)

حمّاد يدعو إلى حوار وطني لتشكيل «حكومة ليبية موحدة»

دعا أسامة حمّاد، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي، إلى «حوار وطني» بهدف تشكيل «حكومة موحدة»، وقال «إننا أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل الحسابات الضيقة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)

ليبيون مشاركون في «الحوار الأممي» يحذرون تيتيه من «مسارات موازية»

حذّرت 81 شخصية ليبية مشاركة في «الحوار المهيكل» الذي ترعاه الأمم المتحدة مما وصفته بـ«المسارات الموازية» لحل الأزمة في رسالة مباشرة إلى المبعوثة الأممية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مع وزير الدولة الجديد لشؤون المهجرين جمال أبو بكر أبو قرين في طرابلس (حكومة الوحدة)

ليبيا: الدبيبة يتمسك بتعديل حكومته وسط رفض وزيرة تسليم منصبها

تمسك رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بالمضي قدماً في تنفيذ تعديلات على تشكيلة حكومته، وسط رفض صريح من وزيرة الثقافة المقالة.

خالد محمود (القاهرة)

الحكومة المصرية: لا داعي للقلق على مخزون السلع الأساسية

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

الحكومة المصرية: لا داعي للقلق على مخزون السلع الأساسية

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

وجهت الحكومة المصرية تطمينات جديدة للمواطنين بشأن تداعيات الحرب الإيرانية. وأكدت أنها «تعمل وفق سيناريوهات مدروسة».

وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، الخميس: «لدى مصر مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية يكفي لعدة أشهر». وأضاف: «لا داعي لقلق المواطنين بشأن توافر السلع الأساسية في الأسواق خلال الفترة المقبلة».

فيما تتواصل جهود الوزارات للرقابة على الأسواق، ومنع حدوث أي نقص في السلع يؤدي إلى انفلات أسعارها. وقامت وزارة الزراعة، الخميس، بحملات رقابية على مخازن ومتاجر ومصانع الأعلاف في المحافظات المصرية لمنع الاحتكار.

ويشدد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي على «التصدي لأي محاولة لممارسات احتكارية للسلع ومواجهتها بكل حسم وشدة». ووجه خلال اجتماع الحكومة، مساء الأربعاء، بمواصلة انتظام عمليات متابعة الأسواق ميدانياً للتأكد من توافر مختلف السلع لاحتياجات المواطنين.

وقال الحمصاني إن «خطط الحكومة الواضحة التي تم إعدادها منذ عدة أشهر تهدف إلى ضمان عدم تأثر المواطنين بالتداعيات المحتملة للأزمة الإقليمية». وأكد في تصريحات متلفزة، الخميس، أن «الحكومة لديها سيناريوهات موضوعة، وتعمل على تطبيقها لضمان استقرار الأسواق، وتوفير السلع الغذائية للمواطنين بكميات كافية، بما يضمن عدم حدوث أي نقص في الاحتياجات الأساسية اليومية».

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، السبت الماضي، تراجع سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، ما ولّد مخاوف بمصر من ارتفاع أسعار السلع، وتجاوز سعر صرف العملة الأميركية مقابل الجنيه المصري عتبة 50 جنيهاً للدولار، الخميس.

ضغط مستمر

الحكومة المصرية تشدد على مواصلة عمليات متابعة الأسواق ميدانياً للتأكد من توافر السلع (وزارة التموين المصرية)

الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله يرى أن «الحكومة المصرية تعمل تحت ضغط مستمر، وفي ظل ذلك كان لها كثير من المشاريع التي تعزز قدرتها في التعامل مع الصدمات، مثل التوسع في صوامع تخزين القمح، والتوسع في إنشاء المناطق اللوجيستية ومناطق تخزين السلع الرئيسية».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «إذا استمرت الحرب الإيرانية لمدة أربعة أو خمسة أسابيع، فلا أتصور أنه ستكون هناك أي مشكلة، وسيستطيع الاقتصاد المصري امتصاص ذلك؛ لكن إذا تجاوز الأمر ذلك لعدة أشهر، فإن الحكومة لن تعتمد فقط على أرصدتها من السلع والمنتجات البترولية، لكن لديها أدوات متنوعة للتعامل مع هذه الأزمة».

ويتابع: «حينها لن يكون التحدي في توفير السلع من الدول؛ لكن في ارتفاع تكلفة الحصول عليها وكذا منتجات الطاقة المختلفة، مما سيشكل ضغطاً مالياً على الحكومة»، مرجحاً أن «يحدث وقتها تحريك جزئي لبعض الأسعار على سبيل الاستثناء». وفيما يتعلق بإمدادات الغاز والكهرباء، قال متحدث مجلس الوزراء المصري، الخميس، إن «الدولة حرصت على تنويع مصادر توريد الغاز الطبيعي وعدم الاعتماد على مصدر واحد، بالإضافة إلى وجود احتياطي يتم استخدامه في الطوارئ والأزمات».

ويضيف أن «وزارة الكهرباء لديها خطط لإدخال مزيد من الطاقات الجديدة والمتجددة، ومن المتوقع أن يتم إدخال طاقات متجددة في الصيف المقبل حوالي 2500 ميغاواط حتى يتم استيعاب الزيادات المتوقعة في الطلب على الكهرباء».

وكانت وزارة الطاقة الإسرائيلية قد أعلنت، السبت الماضي، وقف صادرات الغاز إلى مصر... وتستورد مصر، الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم تم تعديله في الآونة الأخيرة لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

«أرصدة استراتيجية آمنة»

السيسي خلال اجتماع مع رئيس الوزراء لمتابعة مستجدات ملف الطاقة مساء الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء الأربعاء، أهمية الحفاظ على «أرصدة استراتيجية آمنة» من المنتجات البترولية، وذلك لتأمين إمدادات الغاز اللازمة بالكميات المطلوبة، سواء لاستخدامات المواطنين أو لتلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية.

وبشأن التعهدات الحكومية المتكررة بعدم زيادة الأسعار في مصر، يرى الخبير الاقتصادي أنه «ما دام لا توجد (سوق سوداء) للعملة الأجنبية، فإن الحكومة ستكون قادرة على ضبط السوق والأسعار».

ويفسر أن «إجراء تثبيت سعر صرف الجنيه وما ترتب عليه من (آثار وخيمة) في وقت سابق، لن تُقدم عليه الحكومة مرة أخرى، فسعر الصرف الآن في البلاد، مرن، والتجار والمستوردون يحصلون على احتياجاتهم من العملة الأجنبية، وما دام استمر ذلك فلا توجد أي مشاكل على الإطلاق». لكنه يؤكد أنه «إذا ارتفعت الأسعار عالمياً فسوف ترتفع محلياً، والحكومة وقتها ستقوم بتدابير لتوفير السلع الأساسية الكفيلة بمعيشة المواطن، لكن سلع الرفاهية مثل الذهب والفضة والسيارات والجوالات لن تضمنها، فإذا ارتفع سعرها عالمياً فسترتفع في مصر».

مصر تؤكد أن لديها مخزوناً استراتيجياً من السلع الغذائية يكفي لعدة أشهر (وزارة التموين المصرية)

وقال مدبولي أخيراً إن «سعر الصرف المرن، هو قرار الدولة في إطار الإصلاح الاقتصادي، ويستند إلى سياسة العرض والطلب»، ونفى «وجود أزمة دولارية في البلاد».

ووفق جاب الله، فإن «مصر متأثرة بالحرب؛ لكن هناك تطمينات حكومية بالقدرة على التعامل مع تأثيرات الحرب الإيرانية بأقل قدر من الأضرار»، ويوضح أن «الحكومة تتعامل مع الموقف الراهن دون تهويل له أو تخفيف من تداعياته».

وكان مصطفى مدبولي قد وجه رسائل طمأنة للمواطنين والمستثمرين ورجال الأعمال، الثلاثاء؛ لكنه عبّر عن قلق حكومي من إطالة أمد الصراع وانعكاسه على الأوضاع الاقتصادية بوجه عام، وتأثيراته السلبية على أسعار السلع.


مصر تعيد رسم خريطة معادنها بمسح جوي شامل

وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر تعيد رسم خريطة معادنها بمسح جوي شامل

وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي (وزارة البترول المصرية)

وافقت الحكومة المصرية على إجراء مسح جوي لكل الأراضي بهدف تحسين دقة الاستكشافات التعدينية، وذلك لأول مرة منذ 40 عاماً، وهو ما عدّه خبير تحدث لـ«الشرق الأوسط» خطوة على طريق جذب مزيد من الاستثمارات في مجالات استخراج المعادن المصرية واحتفاظ الجهات الحكومية بخرائط وجودها وتوظيفها في طرح المزادات العالمية وتسهيل مهمة عمل شركات التنقيب.

وبحسب بيان صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، الخميس، فإن الحكومة وافقت على قيام «هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية» (تتبع وزارة البترول) بالتعاقد مع شركة «X-Calibur» لتنفيذ أعمال المسح الجوي الجيوفيزيقي الشامل لجميع أراضي مصر بإجمالي 6 مناطق جغرافية وباستخدام أحدث التقنيات العالمية في هذا المجال.

ومن المقرر أن يتم المسح «باستخدام أحدث الطائرات والتقنيات التابعة للشركة التي تم التعاقد معها» إلى جانب الاستعانة بطائرات «هيئة المواد النووية» (حكومية) وكذلك شركة «درون تك» (شركة مصرية متخصصة في تكنولوجيا الطائرات دون طيار)، وفقاً لبيان وزارة البترول المصرية، التي أكدت أن خطوتها تأتي «في إطار استراتيجيتها لتطوير قطاع التعدين وتعظيم مساهمته في الناتج القومي».

وكان وزير البترول المصري كريم بدوي، أعلن في أكثر من مناسبة سابقة استعداد وزارته لإجراء مسح جوي لإعادة رسم خريطة المعادن المصرية، فيما أشار البيان الصادر الخميس، إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إجراء مسح جوي منذ 40 عاماً، وعدّت الوزارة أن «هذا النهج يستهدف تحسين دقة الاستكشافات التعدينية الواعدة، وتقليل مخاطر الاستكشاف، وخفض التكاليف، فضلاً عن تعظيم القيمة الاقتصادية للبيانات الناتجة عن المشروع».

وتمتلك مصر احتياطيات كبيرة من الثروات المعدنية مثل الذهب والنحاس والفضة والزنك والبلاتين والحديد والفوسفات والعديد من المعادن الثمينة والأساسية الأخرى، ما يؤهلها لأن تكون واحدة من أهم وجهات التعدين عالمياً، وفق وزارة البترول المصرية.

إنفوغراف يوضح مساهمة قطاع التعدين في الناتج القومي المصري (وزارة البترول المصرية)

أستاذ التعدين والبترول في جامعة القاهرة، حسام عرفات، أكد أن قدرة الحكومة المصرية على جذب الاستثمارات في مجالات استكشاف المعادن تتطلب خرائط دقيقة، وأن خطواتها السابقة بشأن تحويل «هيئة المعادن» إلى هيئة اقتصادية لمنحها مرونة وقدرة أكبر على جذب الاستثمارات اللازمة إلى جانب تقديم حوافز لجذب المستثمرين كانت تتطلب معلومات دقيقة بشأن المناطق التي يتم العمل فيها وفقاً لأحدث الخرائط.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المسح يتضمن المناطق الصحراوية وخاصة في الصحراء الشرقية والغربية، وتطول مناطق «الأراضي الرسوبية»، وأن نتائج البحث تبقى متاحة أمام «هيئة الثروة المعدنية» لإمداد المستثمرين بها، إلى جانب توظيف هذه المعلومات في طرح «مزادات عالمية» للتنقيب والاستكشاف مع توفير الإرشادات المتاحة بشأن طبيعة المشروع ونوعية المعادن والحدود الجغرافية لها.

وتعتمد وزارة البترول هذه المرة على «النظم الرقمية الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح إنتاج خرائط تحليلية شاملة قابلة للاستخدام في أعمال الاستكشاف ودعم اتخاذ القرار»، بحسب الوزارة التي أكدت أنها تستهدف «إعداد وطرح فرص استثمارية قائمة على أسس علمية وفنية متقدمة، بما يعزز من تنافسية قطاع التعدين المصري إقليمياً ودولياً».

ويرى عرفات أن الحكومة بإجراء المسح الجوي تكون قد استكملت عوامل جذب الاستثمارات الأجنبية في مجال استكشاف المعادن، مشيراً إلى أن معدن «الحديد» يعد الأبرز والأكثر توفراً إلى جانب «الفوسفات».

وأعلنت مصر، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حزمة حوافز استثمارية لشركات التعدين العاملة في مجال البحث عن المعادن في مصر، تضمنت تخفيض القيمة الإيجارية لعقود التنقيب عن المعادن، وإعفاءات ضريبية وجمركية لمعدات البحث والتنقيب والخدمات المصاحبة للنشاط، وإصدار رخصة واحدة لأكثر من معدن بدلاً من تعدد الرخص، لتسهيل إجراءات الشركات.

وسبق أن أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، عن «تكليفات رئاسية واضحة لوضع استراتيجية وطنية شاملة لقطاع التعدين، لتحويل مصر إلى مركز إقليمي رائد لمعالجة وتصنيع المعادن النادرة»، مشيراً إلى «أن الاستراتيجية تستهدف تعظيم القيمة المضافة للمعادن بدلاً من تصديرها كخامات أولية».

وأوضح في تصريحات إعلامية، الشهر الماضي، أن الاستراتيجية ستغطي جميع مراحل العمليات التعدينية بدءاً من الكشف والاستكشاف والتقييم، وصولاً إلى الاستخراج والعمليات التحويلية والتصنيعية، وأن الخطة ترتكز على عدة محاور تبدأ من المسح الجيولوجي الدقيق للوقوف على حجم الاحتياطيات.


هل تتحرك مصر لوساطة في حرب إيران؟

السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تتحرك مصر لوساطة في حرب إيران؟

السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)

مع تصاعد التوترات في المنطقة على وقع حرب إيران، تتجه الأنظار إلى أدوار القوى الإقليمية القادرة على فتح مسارات للتهدئة، وفي مقدمتها مصر للدفع نحو إبرام تهدئة. وقال مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»، إن القاهرة لم توقف اتصالاتها بأطراف الأزمة العسكرية الحالية، والأطراف ذات الصلة القادرة على معالجة هذه الأزمة.

وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه: «الاتصالات ما زالت جارية مع إيران رغم المعارك، ومعظم الجهود المصرية تركز على فكرة الوصول إلى مائدة التفاوض وإيقاف التصعيد، وعدم توجيه ضربات للدول العربية، باعتبار أن هذا الأمر سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقات بين الجانبين».

اتصالات مكثفة

ومنذ اندلاع الحرب، أجرت مصر اتصالات مكثفة مع عدد من أطراف المنطقة، وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان، الخميس، «الأهمية القصوى لخفض التصعيد، وتغليب مسار الدبلوماسية والحلول السياسية»، محذرين من «التداعيات الكارثية لاستمرار دائرة العنف وانعكاساتها المدمرة على السلم والأمن الإقليميين والدوليين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية.

والأربعاء، بحث عبد العاطي خلال سلسلة اتصالات هاتفية مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، والعماني بدر البوسعيدي، والسوري أسعد الشيباني، ووزير خارجية ودفاع آيرلندا هيلين ماكينتي، الرفض الكامل لاستهداف أمن وسلامة وسيادة الدول العربية، وضرورة بذل الجهود لخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية.

وعقب اندلاع الحرب، جرت اتصالات هاتفية بين عبد العاطي مع نظرائه في السعودية وقطر والإمارات وتركيا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإسبانيا وبلغاريا والجبل الأسود وسلوفاكيا، تناولت سبل خفض التصعيد وتغليب الحل الدبلوماسي.

وسيط نزيه

ويرى رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، والنائب بمجلس الشيوخ، السفير محمد العرابي، أن «مصر وسيط نزيه لديه علاقة بكل الأطراف، وتستطيع أن تلعب دوراً، وخاصة أن المنطقة لا تتحمل تصعيداً أكثر مما هي عليه، ومصر مؤهلة لذلك»، لافتاً إلى أنه «في ظل ذلك التصعيد لم تتبلور مقترحات بعد».

وشدد على أن أي دور مصري للوساطة يتضمن التأكيد على أن استهداف الدول الخليجية مرفوض تماماً، وهو خطأ إيراني استراتيجي يجب أن يتوقف فوراً لنجاح أي جهود للتهدئة، لافتاً إلى أن العلاقات الخليجية - الإيرانية تضررت كثيراً، وستأخذ وقتاً لمحاولة ترميمها بسبب عدوان طهران، وسيكون الموقف المصري حريصاً على وقف التصعيد في كامل المنطقة بشكل رئيسي.

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن مصر لها رصيد يمكن البناء عليه في هذا الملف للعب دور الوساطة، لكن الوسيط يحتاج لأجواء تمهد وإرادة سياسية لدى الطرفين، لافتاً إلى أن ما يمكن فعله من جانب الوسطاء هو لعب دور الممكن، واستكشاف مدى إمكانية ورغبة كل طرف لإنهاء الجولة التصعيدية.

وقبل اندلاع حرب إيران، لعبت مصر دوراً لافتاً حتى عشية المواجهات، ودعت «الخارجية» المصرية في بيان إلى تسوية «القضايا العالقة» بين واشنطن وطهران، بعد انتهاء مفاوضات رعتها سلطنة عمان، في مدينة جنيف بعد جملة اتصالات بين أطراف الأزمة الأميركية والإيرانية.

اتفاق مع «الطاقة الذرية»

كما نجحت القاهرة في إبرام اتفاق بين طهران ووكالة الطاقة الذرية في سبتمبر (أيلول) لم يستمر طويلاً وسط خلافات أميركية - إيرانية، وعادت مصر لتحرك الجهود لإحيائه مجدداً قبل اندلاع الحرب.

ويرى العرابي أنه «بالفعل نجحت مصر في التوصل لاتفاق بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، ولكن الوضع الآن توسع ومعقد تماماً، وهناك أطراف كثيرة وآثار اقتصادية صعبة وقاسية، وبالتالي الجهود ستكون أكبر».

ويعتقد العرابي أن «مصر مؤهلة، ولديها مصداقية، ومقبولة من جميع الأطراف، وستساعد الآثار الاقتصادية الصعبة على جميع الأطراف، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا، لدعم جهود مصر في أي تهدئة ستحدث، وخاصة أن دول العالم ستنشد وقف الحرب لوقف التداعيات».

في حين يرى أنور أن مصر لديها قنوات اتصال، ولديها ثقل في المنطقة، وتراكم سابق بناء على جولات واتصالات، وأنه لا حل عسكري لأي أزمة، لكن الأمر يتوقف على إرادة كل طرف، وإلا فلن تستطيع أي دولة أن تصل إلى نتائج حال تمسك كل طرف بموقفه.