الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

الفنان اللبناني يحوّل صفحته إلى ملجأ دافئ للمتعبين نفسياً

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
TT

الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)

لم تحظَ الصحة النفسية يوماً باهتمام كما هي الحال في هذه الآونة. بعد أن كانت موضوعاً يُعتبر من المحرّمات في الماضي القريب، ها هي تتحوّل إلى تريند. فمع كل تصفّحٍ لمنصات التواصل الاجتماعي تطالعك الفيديوهات والمقولات المحفّزة نفسياً إلى درجةٍ مبالغٍ فيها أحياناً. إذ يبدو وكأنّ الجميع بات خبيراً في الشأن النفسي، يوزّع نصائحه بأهميةِ تخطّي الأزمات، والاعتناء بالذات، مع العلم بأنّ فائض الإيجابية وكثرة النُّصح تضرّ بالمُتعَبين نفسياً أكثر ممّا تنفعهم.

من دون مبالغة ولا ضجيج، حمل الرسّام المتخصص في الفن البصري رفيق الحريري بيُمناه ريشته متعددة الألوان. وبيُسراه، التقط قلبَه المُثقل بالندوب. التحفَ موهبته الفنية ومعاناته النفسية ليجعل من صفحته مساحةً تنبت منها زهور الأمل واللطف. يطرح محتوىً مختلفاً عن السائد، من خلال فيديوهات تقدّم فناً هادفاً نفسياً.

رغم عدد متابعيه الذين فاقوا الـ110 آلاف على «إنستغرام»، يتجنّب الحريري ركوب موجة «تريند» الصحة النفسية. يخبر «الشرق الأوسط» كيف أن رحلته الشخصية مع اضطرابات الأكل ذات الخلفيّة النفسية أخذته إلى حيث هو الآن؛ مؤثّرٌ يتماهى مع محتواه الكثيرون، فيجدون «الدفء» في رسوماته، وعباراته العميقة، على بساطتها.

عناصر الرسم مألوفة، والخطوط واضحة. هنا يدان مضمّدتان تخترقهما زهور صفراء، ترافقها عبارة: «اكتشفت إنو كل الوجع كان زراعة كرمال ازدهر». وهناك فنجان قهوة تخرج منه حكمةٌ بسيطة: «تعلّمت إنو ما حدا بيخلّيك تعيس من دون إذنك»، ويُستكمل الفيديو بقلبٍ سقط أرضاً بعد أن تحطّم الإناء الذي كان يؤويه.

بالتزامن مع جائحة كورونا «التي عزّزت التكاتف الاجتماعي والشعور بالآخر»، وفق الحريري، وبالتوازي مع خضوعه لعلاجٍ نفسي بسبب معاناته مع اضطراب الأكل، بدأ الرسّام يسكب مشاعره وأفكاره على صفحات التواصل. كان الهدف الأساسيّ إفراغ ما في صدره من مشاعر، وما في رأسه من أفكار، الأمر الذي يساعد في العلاج.

«عندما بدأت بهذه المذكّرات البصرية، لم يكن الهدف التوعية النفسية بقدر ما كان سرد قصة شخصية. لكن الناس صاروا يتفاعلون بالقول إنهم اختبروا الأمر نفسه، وفهمت هنا أنهم جاهزون للتلقّي. ومثلما وجدت راحة نفسية في إخراج ما في داخلي من معاناة، وجد المتلقّون كذلك راحة نفسية عبر متابعة المحتوى». كلّما كان يغوص أكثر في العلاج النفسي، لاحظ أنّ الفن الذي يقدّم يزداد صدقاً، ويتخفف من المواربة، والخجل.

رفيق الحريري رسّام لبناني متخصّص في الفن البصري (الشرق الأوسط)

منشور تلو آخر، يتّضح أن الصحة النفسية باتت قضية الحريري الفنية. على طريقته، يمسّد على آلام الناس. من خلال فيديوهاته، يوجّه لهم رسائل محدّدة: «التركيز على الاعتناء بالنفس، اكتشاف الذات وعدم القسوة عليها، والاستمرار رغم الانكسار».

لاقى النداء صدىً، فالرسائل التي تصل إلى الفنان الشاب تتحدّث عن «دفء» يشعرون به كلّما شاهدوا محتواه. في المقابل، يبوح بأنه يقظٌ إلى المسؤولية التي يحملها لناحية مراعاة مشاعر المتابعين: «أوّلاً أتجنّب فائض الإيجابية، فهذا لا يساعد كثيراً مَن يعانون نفسياً. وفي الوقت ذاته أضيء على فكرة عدم الهروب من المعاناة عندما نمر بها، بل الغوص فيها».

قلبٌ محطّم لكنه قابل للترميم (صفحة rafikillustration)

«حلو التخلّي عن الندم، عن العبء، عن الوجع، ونكفّي الطريق». بكلماتٍ أليفة ومطَمئنة، يحادث الحريري متابعيه. يتّخذ التخلّي هيئة يدٍ تلوّح للغيم العابر من نافذة السيارة، ثم يطير الندم مع بالون أحمر تحرّر من قبضة يد، يلحق به العبء الخارج من حقيبة المدرسة على شكل مغلّفات رسائل. أما الوجع فقلبٌ نابضٌ صغير تحتضنه كفّانِ بحنان، لتخفّفا من قلقه.

الرقّة هي أكثر ما يحتاجه المتألّمون نفسياً، وقد أدرك الفنان رفيق الحريري ذلك. يتواصل معهم بصرياً من دون أن يفلسف الأمور. «اللحظة التي أشعر فيها بأنني لست صادقاً، أو بأنني أُرغم نفسي على الرسم، أتوقّف وأتراجع خطوة إلى الخلف كي لا ألطّخ المحتوى الذي أقدّم».

قبل اختراق عالم السوشيال ميديا، انطلق مشوار الرسّام اللبناني على الورق. ففي عام 2018، نشر كتاباً بعنوان: «Indigo» موجّهاً إلى الأطفال، ويعالج موضوع التنمّر، مقدّماً اللطف كقوّة خارقة. لحقَه كتابٌ آخر اتّضحت فيه أكثر الرسائل النفسية الكامنة خلف الرسم. وضعَ «I Found a Heart» (وجدتُ قلباً) الحريري على قائمة «فوربس 30 تحت الـ30» عام 2021. «شكّل ذلك التصنيف نقطة تحوّل في مسيرتي، وقد غاص الكتاب في الأفكار، والتحليلات التي تراود المرء في وحدته».

كتاب I Found a Heart أدخل الحريري إلى قائمة فوربس 30 تحت الـ30 (صور الفنان)

أما في كتاب 3 AM، فعالج الحريري الأفكار التي تراود الإنسان قبل النوم، وخلاله، وتأخذه إلى عوالم نفسية موازية. أثمر هذا النتاج خبرةً أتاحت للفنان اللبناني التعاون مع منظّمات دولية، مثل الأمم المتحدة، و«أطباء بلا حدود»، ضمن مشاريع تحفّز على الاعتناء بالصحة النفسية في المجتمعات المهمّشة، والنامية.

يطمح الحريري إلى «المزيد في مجال الصحة النفسية»، كأن يطرح مواضيع أكثر جرأةً مثل التحرّش، والاضطرابات الغذائية، وضرورة وضع الحدود الجسدية مع الآخرين.

ساعدته موهبته على التخفّف من أحمالٍ كثيرة. الحِمل الوحيد الذي لم ينزل بعد تماماً عن كتفَيه اسمُه المُثقل بالخلفيّات السياسية. عن رئيس الحكومة اللبنانية الشهيد رفيق الحريري أخذ الفنان الشاب الاسم: «ثمة مَن يحبونني بسبب اسمي، فيما يكرهني آخرون لأنني أحمله. أما أنا فلا أريد أن أعلّم في ذاكرة الناس سوى من خلال فنّي».


مقالات ذات صلة

ما يجب أن يعرفه الرجال عن الخصوبة... وهل يؤثر التوتر على الحيوانات المنوية؟

صحتك يستغرق إنتاج الحيوانات المنوية ونضجها وظهورها في السائل المنوي نحو شهرين إلى ثلاثة أشهر (بيكسلز)

ما يجب أن يعرفه الرجال عن الخصوبة... وهل يؤثر التوتر على الحيوانات المنوية؟

يدرك معظم الرجال أن التوتر يؤثر على المزاج والرغبة الجنسية والانتصاب. لكن ما لا يدركونه هو أن الشعور المستمر بالضغط قد يؤثر أيضاً على صحة الحيوانات المنوية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)

ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

لم يعد التوتر المرتبط بالاختبارات مجرد حالة عابرة، بل أصبح ظاهرة تستحق الانتباه لما قد تتركه من آثار طويلة الأمد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك لماذا ينصح الخبراء بجعل الحركة جزءاً أساسياً من الروتين اليومي؟ (بكسلز)

5 أضرار صادمة... ماذا يحدث لجسمك عندما تتوقف عن المشي يومياً؟

ماذا يحدث للجسم عند التوقف عن المشي أو قلة الحركة؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الضغط بالقدمين على الأرض من الحيل البسيطة للسيطرة على التوتر (مجلة ريل سمبل)

6 حيل نفسية بسيطة للتخلص من التوتر

في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، أصبحت القدرة على تهدئة النفس مهارة أساسية يحتاج إليها كل شخص بالغ للتعامل مع الضغوط والتوترات اليومية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.