الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

الفنان اللبناني يحوّل صفحته إلى ملجأ دافئ للمتعبين نفسياً

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
TT

الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)

لم تحظَ الصحة النفسية يوماً باهتمام كما هي الحال في هذه الآونة. بعد أن كانت موضوعاً يُعتبر من المحرّمات في الماضي القريب، ها هي تتحوّل إلى تريند. فمع كل تصفّحٍ لمنصات التواصل الاجتماعي تطالعك الفيديوهات والمقولات المحفّزة نفسياً إلى درجةٍ مبالغٍ فيها أحياناً. إذ يبدو وكأنّ الجميع بات خبيراً في الشأن النفسي، يوزّع نصائحه بأهميةِ تخطّي الأزمات، والاعتناء بالذات، مع العلم بأنّ فائض الإيجابية وكثرة النُّصح تضرّ بالمُتعَبين نفسياً أكثر ممّا تنفعهم.

من دون مبالغة ولا ضجيج، حمل الرسّام المتخصص في الفن البصري رفيق الحريري بيُمناه ريشته متعددة الألوان. وبيُسراه، التقط قلبَه المُثقل بالندوب. التحفَ موهبته الفنية ومعاناته النفسية ليجعل من صفحته مساحةً تنبت منها زهور الأمل واللطف. يطرح محتوىً مختلفاً عن السائد، من خلال فيديوهات تقدّم فناً هادفاً نفسياً.

رغم عدد متابعيه الذين فاقوا الـ110 آلاف على «إنستغرام»، يتجنّب الحريري ركوب موجة «تريند» الصحة النفسية. يخبر «الشرق الأوسط» كيف أن رحلته الشخصية مع اضطرابات الأكل ذات الخلفيّة النفسية أخذته إلى حيث هو الآن؛ مؤثّرٌ يتماهى مع محتواه الكثيرون، فيجدون «الدفء» في رسوماته، وعباراته العميقة، على بساطتها.

عناصر الرسم مألوفة، والخطوط واضحة. هنا يدان مضمّدتان تخترقهما زهور صفراء، ترافقها عبارة: «اكتشفت إنو كل الوجع كان زراعة كرمال ازدهر». وهناك فنجان قهوة تخرج منه حكمةٌ بسيطة: «تعلّمت إنو ما حدا بيخلّيك تعيس من دون إذنك»، ويُستكمل الفيديو بقلبٍ سقط أرضاً بعد أن تحطّم الإناء الذي كان يؤويه.

بالتزامن مع جائحة كورونا «التي عزّزت التكاتف الاجتماعي والشعور بالآخر»، وفق الحريري، وبالتوازي مع خضوعه لعلاجٍ نفسي بسبب معاناته مع اضطراب الأكل، بدأ الرسّام يسكب مشاعره وأفكاره على صفحات التواصل. كان الهدف الأساسيّ إفراغ ما في صدره من مشاعر، وما في رأسه من أفكار، الأمر الذي يساعد في العلاج.

«عندما بدأت بهذه المذكّرات البصرية، لم يكن الهدف التوعية النفسية بقدر ما كان سرد قصة شخصية. لكن الناس صاروا يتفاعلون بالقول إنهم اختبروا الأمر نفسه، وفهمت هنا أنهم جاهزون للتلقّي. ومثلما وجدت راحة نفسية في إخراج ما في داخلي من معاناة، وجد المتلقّون كذلك راحة نفسية عبر متابعة المحتوى». كلّما كان يغوص أكثر في العلاج النفسي، لاحظ أنّ الفن الذي يقدّم يزداد صدقاً، ويتخفف من المواربة، والخجل.

رفيق الحريري رسّام لبناني متخصّص في الفن البصري (الشرق الأوسط)

منشور تلو آخر، يتّضح أن الصحة النفسية باتت قضية الحريري الفنية. على طريقته، يمسّد على آلام الناس. من خلال فيديوهاته، يوجّه لهم رسائل محدّدة: «التركيز على الاعتناء بالنفس، اكتشاف الذات وعدم القسوة عليها، والاستمرار رغم الانكسار».

لاقى النداء صدىً، فالرسائل التي تصل إلى الفنان الشاب تتحدّث عن «دفء» يشعرون به كلّما شاهدوا محتواه. في المقابل، يبوح بأنه يقظٌ إلى المسؤولية التي يحملها لناحية مراعاة مشاعر المتابعين: «أوّلاً أتجنّب فائض الإيجابية، فهذا لا يساعد كثيراً مَن يعانون نفسياً. وفي الوقت ذاته أضيء على فكرة عدم الهروب من المعاناة عندما نمر بها، بل الغوص فيها».

قلبٌ محطّم لكنه قابل للترميم (صفحة rafikillustration)

«حلو التخلّي عن الندم، عن العبء، عن الوجع، ونكفّي الطريق». بكلماتٍ أليفة ومطَمئنة، يحادث الحريري متابعيه. يتّخذ التخلّي هيئة يدٍ تلوّح للغيم العابر من نافذة السيارة، ثم يطير الندم مع بالون أحمر تحرّر من قبضة يد، يلحق به العبء الخارج من حقيبة المدرسة على شكل مغلّفات رسائل. أما الوجع فقلبٌ نابضٌ صغير تحتضنه كفّانِ بحنان، لتخفّفا من قلقه.

الرقّة هي أكثر ما يحتاجه المتألّمون نفسياً، وقد أدرك الفنان رفيق الحريري ذلك. يتواصل معهم بصرياً من دون أن يفلسف الأمور. «اللحظة التي أشعر فيها بأنني لست صادقاً، أو بأنني أُرغم نفسي على الرسم، أتوقّف وأتراجع خطوة إلى الخلف كي لا ألطّخ المحتوى الذي أقدّم».

قبل اختراق عالم السوشيال ميديا، انطلق مشوار الرسّام اللبناني على الورق. ففي عام 2018، نشر كتاباً بعنوان: «Indigo» موجّهاً إلى الأطفال، ويعالج موضوع التنمّر، مقدّماً اللطف كقوّة خارقة. لحقَه كتابٌ آخر اتّضحت فيه أكثر الرسائل النفسية الكامنة خلف الرسم. وضعَ «I Found a Heart» (وجدتُ قلباً) الحريري على قائمة «فوربس 30 تحت الـ30» عام 2021. «شكّل ذلك التصنيف نقطة تحوّل في مسيرتي، وقد غاص الكتاب في الأفكار، والتحليلات التي تراود المرء في وحدته».

كتاب I Found a Heart أدخل الحريري إلى قائمة فوربس 30 تحت الـ30 (صور الفنان)

أما في كتاب 3 AM، فعالج الحريري الأفكار التي تراود الإنسان قبل النوم، وخلاله، وتأخذه إلى عوالم نفسية موازية. أثمر هذا النتاج خبرةً أتاحت للفنان اللبناني التعاون مع منظّمات دولية، مثل الأمم المتحدة، و«أطباء بلا حدود»، ضمن مشاريع تحفّز على الاعتناء بالصحة النفسية في المجتمعات المهمّشة، والنامية.

يطمح الحريري إلى «المزيد في مجال الصحة النفسية»، كأن يطرح مواضيع أكثر جرأةً مثل التحرّش، والاضطرابات الغذائية، وضرورة وضع الحدود الجسدية مع الآخرين.

ساعدته موهبته على التخفّف من أحمالٍ كثيرة. الحِمل الوحيد الذي لم ينزل بعد تماماً عن كتفَيه اسمُه المُثقل بالخلفيّات السياسية. عن رئيس الحكومة اللبنانية الشهيد رفيق الحريري أخذ الفنان الشاب الاسم: «ثمة مَن يحبونني بسبب اسمي، فيما يكرهني آخرون لأنني أحمله. أما أنا فلا أريد أن أعلّم في ذاكرة الناس سوى من خلال فنّي».


مقالات ذات صلة

«تريتونيكس»... لماذا نشتري «متعاً» صغيرة عندما نشعر بالضغط المالي؟

يوميات الشرق «تريتونيكس» وهو الإنفاق على متع صغيرة وبأسعار معقولة خلال الفترات الصعبة (بكسلز)

«تريتونيكس»... لماذا نشتري «متعاً» صغيرة عندما نشعر بالضغط المالي؟

مع ارتفاع الضغوط المالية وتزايد مشاعر القلق وعدم اليقين، قد يجد البعض أنفسهم يبحثون عن طرق بسيطة للشعور بالسعادة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك البالغون الذين تناولوا عصير الفاكهة بنسبة 100 % قالوا إنهم شعروا بالقلق في أيام أقل (بكسلز)

هل يساعد عصير الفاكهة على خفض الشعور بالقلق؟ دراسة تكشف مفاجأة

قد يبدو عصير الفاكهة خياراً صحياً وسهلاً للحصول على الفيتامينات والمعادن، لكن دراسة بحثت في علاقته بالصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك ثقافات متعددة حول العالم مارست أشكالاً مختلفة من التأمل على مدى آلاف السنين (بيكسلز)

هل يكفي أسبوع من التأمل لتغيير الدماغ؟ دراسة تقدم إجابة لافتة

قد لا يحتاج التأمل إلى سنوات من الممارسة حتى يترك أثراً يمكن رصده في الدماغ؛ فقد كشفت دراسة أن 7 أيام فقط من التأمل المكثف قد تكون كافية لإحداث تغييرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك نوبة الهلع تبدأ عادةً بصورة مفاجئة ثم تصل الأعراض إلى ذروتها في غضون نحو عشر دقائق (بيكسلز)

نوبة هلع مفاجئة... 7 أعراض قد تشعر بها

قد تبدأ نوبة الهلع من دون سابق إنذار، وفي لحظة لا تتوقع فيها حدوثها؛ فقد تظهر وأنت تمشي في الشارع، أو تؤدي أعمالك المنزلية، أو حتى تستيقظ بسببها من نوم عميق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ما يؤلمنا لا يملك دائماً الكلمة الأخيرة (جامعة كيبيك)

كيف ندرّب أدمغتنا على ألّا تغرق بالمشاعر السلبية؟

كشفت دراسة أميركية عن أنّ تدريباً يستهدف تنظيم المشاعر يمكنه مساعدة طلاب الجامعات على التعامل بصورة أفضل مع الأحداث السلبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
TT

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)

اسمه «ذيل الحصان»، وهو نبات قد يصمد أمام كلّ شيء. للوهلة الأولى، يبدو مثل فرشاة لتنظيف المرحاض، لكنه أقدم من الديناصورات. ولا يستطيع المرء مقاومة تمرير يده على شعيراته إلى جانب الطريق، حتى لو رمقه المارّة بنظرات مستغربة.

تروي «الغارديان» الحكاية، وتقول إنَّه على جانبي الطريق الريفي يمتدّ بساط من الخضرة الناعمة، كأنَّ المشهد اقتُطع من غابة استوائية؛ خضرة يانعة وسط طبيعة أكلها الجفاف، فصبغها بالبني والأصفر.

يبدو نبات ذيل الحصان الحقلي ناعماً ومنتفشاً، لكن ما إن تلمسه حتى تكتشف خشونته وصلابته. ويمكن استخدام سيقانه مثل فرشاة فعّالة لتنظيف المرحاض؛ فشعيراته غنية بالسيليكون الكاشط، مما يمنحها ملمساً خشناً أشبه بورق الصنفرة. ولعلّ هذا ما يفسر أحد أسمائه الشائعة، «فرشاة الجلي»، إذ كان يُستخدَم قديماً لتنظيف الخشب وتلميع المعادن.

وإذا تعاملتَ معه برفق، فيمكنك فصل ساقه المجوفة ذات العقد عند إحدى وصلاتها، ثم إعادة تركيبها بسهولة، مثل الأنابيب التي كان الأطفال يستخدمونها لبناء الأشكال، فتعود إلى موضعها بانسجام يبعث على الرضا.

ويعود وجود نبات «ذيل الحصان» على الأرض إلى ما قبل ظهور الديناصورات بوقت طويل. وكانت هذه النباتات، التي لا تزهر، عملاقةً في ذلك الزمن، إذ تجاوز ارتفاعها 20 متراً، ويُرجَّح أنَّها كانت من بين النباتات التي تغذَّت عليها الديناصورات آكلة النباتات.

كلّما ضاقت به الأرض وجد تحتها طريقاً آخر (بكسلز)

ولعل بقاءها منذ عصور ما قبل التاريخ ونجاتها من موجات انقراض جماعي خير دليل على قدرتها الاستثنائية على التَّكيُّف والصمود. وهي صفات جعلت منها نباتاً عشبياً شديد النجاح، وإن كان غازياً في بعض المناطق.

وتُفسّر قدرتها على الازدهار رغم شحّ الأمطار في شرق إنجلترا بامتداد جذورها تحت الأرض؛ إذ تمتلك شبكةً واسعةً من الجذامير يمكن أن تتعمّق أمتاراً، بل تمتدّ تحت الطرق أو أساسات المباني. ولهذا يصعب التخلّص منها؛ فهي تنتشر سريعاً عبر الأبواغ، وتمضي في الانتشار خفية تحت سطح الأرض.

ولحُسن الحظ، لا يبدو أنّ هذه الرقعة الصغيرة، في قلب منطقة نائية، تُسبّب أيّ ضرر. فنباتات «ذيل الحصان» لا تؤذي الأشجار، بل يوفر غطاؤها الكثيف مأوى لكائنات لافقارية، من بينها السوس ويرقات ذباب المنشار وأنواع عدّة من العناكب. وأكثر من ذلك، هذا النبات يمكن استخدامه للعناية بالشَّعر ومنحه لمعاناً، بفضل ما يحتويه من سيليكون.


سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
TT

سباق يخوت يتحوّل إلى مهمّة إنقاذ بومة في عرض البحر

في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)
في مكان لا شجرة فيه صار سطح القارب غصناً أخيراً (رويترز)

وجد طاقم إبحار تابع للجيش البريطاني، كان يشارك في أحد أصعب سباقات اليخوت، نفسه أمام مهمّة مُفاجِئة لإنقاذ الحياة البرّية على بُعد 70 ميلاً بحرياً من الشاطئ، بعدما حاولت بومة حظيرة منهكة الانضمام إلى الطاقم.

ووفق «رويترز»، أثار وصول البومة إلى متن اليخت «فوجيتسو بريتيش سولجر»، خلال سباق «آر أوه آر سي» حول بريطانيا وآيرلندا، الذي يُقام احتفالاً بالذكرى الـ50 لانطلاقه، عملية تنسيق معقّدة بين البحارة العسكريين وعدد من هيئات إنقاذ الحياة البرّية، في وقت واصل فيه الطاقم الإبحار نحو خط النهاية في كاوز.

وقال القبطان ويل نايلور لمسؤولي السباق: «لدينا عضو إضافي في الطاقم خلال الجزء الأخير من السباق. إنها بومة حظيرة منهكة نعمل على استعادة عافيتها»، مضيفاً بنبرة ساخرة، في إشارة إلى قلق الطاقم من إنهاء السباق بعدد أفراده الأصلي: «سيتعيّن على شخص ما أن يمشي فوق لوح السفينة!».

ولم يكن صعود البومة إلى القارب سلساً على الإطلاق؛ فبعدما أخفقت في الهبوط فوق رأس أحد أفراد الطاقم، وسقطت من السارية إلى البحر 3 مرات، انهارت أخيراً على سطح القارب، حيث أمسك بها البحّارة وثبّتوها بمنشفة.

وقال الرقيب مارك بيتر بريدج، من الكتيبة الثانية في فوج المظليين: «اعتقدنا أننا فقدناها، لكنها واصلت الكفاح للعودة إلى القارب».

وأطلق أفراد الطاقم على ضيفتهم اسم «ليتل ريج»، قبل أن يكتشفوا أن اسمها يجب أن يتغيّر إلى «ليتل ريجينا».

وشاركت في عملية الإنقاذ «مؤسّسة بومة الحظيرة»، ومنظمة «إنقاذ الحياة البحرية والحياة البرّية»، وقارب «كايستر إندبندنت لايفبوت» للإنقاذ، الذي تولّى تسلُّم البومة تمهيداً لنقلها إلى مركز متخصّص في رعاية الحياة البرّية. وفي المقابل، واصل طاقم جمعية الإبحار التابعة للجيش رحلته حول بريطانيا وآيرلندا، البالغ طولها 1805 أميال بحرية.

وكان يخت «بيس» من طراز «فولفو 70»، المملوك لجوني فينسنت، قد تفوق في وقت سابق على «بالاناد 4»، وفق التوقيت المصحّح، ليحصد الجائزة الكبرى للانتصار الإجمالي في تصنيف «آي آر سي» في السباق، الأربعاء، بعدما أحرز في وقت سابق من الأسبوع لقب أسرع قارب أحادي الهيكل.

وانطلق السباق من السرب الملكي لليخوت في كاوز، في 9 أغسطس (آب) الحالي، بمشاركة 33 قارباً و182 فرداً من أفراد الطواقم، يمثّلون 22 دولة.


منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
TT

منتظر صالح يرسم وجوهاً لذاكرة عربية غابت عنها الصور

ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)
ابن سينا... في الوجه شيء من سهر المعرفة (منتظر صالح)

بدأ العراقي منتظر صالح مشروعه عام 2022 بعدما لاحظ خلال بحثه على الإنترنت أنّ كثيراً من العلماء والشعراء العرب والمسلمين الذين تركوا أثراً في التاريخ لا يملكون حضوراً بصرياً يوازي حضورهم الفكري. بعضهم يظهر في رسوم متكرّرة، ومبسطة، وبعض الصور المُتداولة لا تنسجم مع الأوصاف التي حفظتها كُتب التراث والتراجم. هكذا انطلق «برنامج إحياء التراث الثقافي»، الذي يعمل من خلاله صالح -وهو صيدلاني، وكاتب، وفنان- على رسم شخصيات من الطب، والشِّعر، والفلك، والعلوم، من بينها المتنبّي، والفرزدق، والبيروني، والخوارزمي. وقد نُشِر عدد من أعماله على منصة «ويكي آرت»، فيما اعتُمدت لوحتاه للمتنبّي والفرزدق صورتَيْن لهما على صفحات «ويكيبيديا». ويواصل العمل على المجموعة التي يعتزم استكمالها ونشرها مطلع 2027.

يرسم ما تركه التاريخ بلا صورة (منتظر صالح)

يقول صالح لـ«الشرق الأوسط» إنّ الدافع الأول كان ما رآه من «فقر في الذاكرة البصرية العربية على الإنترنت»، خصوصاً حين يتعلَّق الأمر بأسماء أسهمت في التاريخ الإنساني، وبقيت صورها أسيرة تصوّرات نمطية، أو بعيدة عن الأوصاف المُتوارَثة عنها. لذلك أراد أن يمنح الأجيال الجديدة فرصة لرؤية هذه الشخصيات على هيئة أناس عاشوا وتركوا أثراً، لا أسماء محفوظة في الكتب.

بشار بن برد... أغمض الرسم عينيه وأبقى أثر الحياة (منتظر صالح)

لكن كيف يمكن رسم وجه لم تُحفَظ له صورة حقيقية؟ يبدأ صالح من كتب التراجم، والمصادر التي تتضمَّن أوصافاً جسدية، ثم ينتقل إلى ما تركته الشخصية من شِعر، أو علم، أو مواقف. ويوضح أنّ «الكلمات التي يتركها الإنسان تُسهم في تكوين صورته في أذهاننا»، لذلك لا يفصل مثلاً شِعر المتنبّي عن الطريقة التي يتخيَّل بها نظرته، وملامحه، ولا قصيدة الفرزدق «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» عن الهيبة والكبرياء اللذين يحاول التقاطهما في وجهه.

وفي حالات أخرى، تصبح التفاصيل الجسدية الموثَّقة نقطة انطلاق مباشرة. عند رَسْم الشاعر بشار بن برد استند إلى كونه أعمى، وإلى إصابته بالجدري، فرسمه مُغمَض العينين، وأظهر آثار المرض بخطوط دقيقة، محاولاً نقل ما عاشه من دون مبالغة.

ولا يكفيه الوصف الجسدي، إذ يقول إنه يبحث عمّا يُسمّيه «الجوهر النفسي» للشخصية، محاولاً التقاط حدّة طباع الفرزدق في نظرته، وصرامة الباحث في عينَي البيروني، وآثار السهر والإرهاق على وجه ابن سينا. بالنسبة إليه تصبح هذه التفاصيل وسيلة لإظهار شيء من شخصية صاحب الوجه، وتجاربه.

وكان المتنبّي أصعب الشخصيات التي عمل عليها. يشرح صالح أنّ الصعوبة ارتبطت بـ«ثقل الشخصية، وتناقضاتها»، أكثر من ارتباطها بالمعلومات المتوافرة عنها. كان عليه أن يجد ملامح تستوعب صاحب «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي»، من دون اختزاله في الغرور. ويقول إنّ الجمع بين كبريائه ورقَّة شِعره وطموحه وعمقه جعل رسم نظرة العين وتفاصيل الوجه عملاً استغرق منه وقتاً طويلاً.

المتنبّي... ملامح لكبرياء لم تسعه القصيدة (منتظر صالح)

اللوحة الواحدة قد تتطلَّب شهراً من البحث، والرسم، وهو ما يدفع صالح إلى التمييز بين تجربته والصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي خلال ثوانٍ. لا ينكر سرعة هذه الأدوات، وقدراتها، لكنه يرى أنّ ما تفتقد إليه هو التجربة الإنسانية التي تسبق الصورة. ويقول إنّ «اليد البشرية تُخطئ، وتمحو، وتُعيد المحاولة، وتعيش مع الشخصية خلال العمل عليها»، وهذا الوقت يدخل في تكوين معنى اللوحة، ولا يقتصر على كونه مرحلة في إنتاجها.

واعتماد بعض أعماله على «ويكيبيديا» غيَّر أيضاً موقع المشروع بالنسبة إليه. يقول إنّ ذلك منحه شعوراً بالسلام، والطمأنينة، بعدما انتقلت اللوحات من اجتهاد فنّي فردي إلى مرجع بصري مُتاح للآخرين: «أسعدني أن يجد طالب في مكان ما من العالم وجهاً يحمل ملامح عربية قريبة من المصادر التي قرأها».

جلال الدين الرومي... وجه يبحث عن المعنى خلف المرئي (منتظر صالح)

ولا يقتصر نشاط صالح على هذا المشروع، فهو يمارس الصيدلة السريرية، ويُبرمج تطبيقات للرعاية الطبّية، من بينها تطبيق لحساب جرعات الأطفال، كما صمَّم خطاً عربياً تقليدياً أُحادي المسار مخصَّصاً لآلات النحت، والطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب جداريات خشبية هندسية، وألَّف كتاباً تفاعلياً عن فنّ الوهم البصري.

ويرى في هذا التنقُّل محاولة لاستعادة فكرة «الإنسان الموسوعي». فالصيدلة تمنحه الدقّة العلمية، والعمل على الخطوط يفتح أمامه العلاقة بين الهندسة والتراث، فيما تقوده الكتابة إلى أسئلة الإدراك والبصر. ويختصر فكرته قائلاً: «المعرفة لا تنقسم في ذهني إلى جُزُر منفصلة. العلوم والفنون طرق مختلفة لمحاولة فَهْم العالم».