السلام يتحرك «تدريجياً» في تركيا... والبرلمان لإدماج «العمال» بحذر

إردوغان: انتصرنا وطوينا 47 عاماً من الإرهاب

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن المفاوضات مع حزب العمال لم تشهد أي مساومات (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن المفاوضات مع حزب العمال لم تشهد أي مساومات (الرئاسة التركية)
TT

السلام يتحرك «تدريجياً» في تركيا... والبرلمان لإدماج «العمال» بحذر

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن المفاوضات مع حزب العمال لم تشهد أي مساومات (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد أن المفاوضات مع حزب العمال لم تشهد أي مساومات (الرئاسة التركية)

كشف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن ملامح المرحلة التي ستعقب الخطوة الرمزية التي قام بها فصيل من حزب العمال الكردستاني بإلقاء وإحراق أسلحته، مشدداً على أن العملية غير مفتوحة للمساومات، وأن الخطوات التي ستُتخذ في إطارها وستراعي ما وصفها بـ«كرامة تركيا وحساسيات شعبها».

في الوقت ذاته، أكدت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط»، أن خطوات تدريجية ستبدأ داخل البرلمان هذا الأسبوع، قد تصل إلى تخفيف الأحكام أو العفو عن أعضاء الحزب.

وقال إردوغان، في خطاب ألقاه السبت، خلال اجتماع استشاري لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في ضاحية «كيزيلجا حمام» بالعاصمة أنقرة، إن «فجر تركيا العظيمة والقوية يبزغ اليوم مع دخول آفة الإرهاب التي استمرت 47 عاماً مرحلة النهاية، وفتحت صفحة جديدة عقب بدء تسليم مسلحي حزب العمال الكردستاني أسلحتهم، وفتحت أبواب تركيا العظيمة والقوية على مصراعيها».

وأضاف الرئيس التركي، تعليقاً على بدء مقاتلي حزب العمال الكردستاني بدء تسليم أسلحته في مراسم رمزية أُقيمت الجمعة في ضواحي مدينة السليمانية شمال العراق، أن تركيا بدأت فصلاً جديداً، مشدداً على أنه «لن يسمح لأحد بالمساس بكرامة تركيا وشرفها».

إردوغان يُحيِّي قيادات وأعضاء حزب «العدالة والتنمية» في مستهلّ اجتماع استشاري بأنقرة (الرئاسة التركية)

وتابع إردوغان: «أود أن أوضح أن مشروع (تركيا خالية من الإرهاب) الذي نتابعه مؤخراً ليس نتيجة مفاوضات أو مساومة أو عملية أخذ وعطاء. ليطمئن الجميع لن نسمح أبداً بانتهاك شرف الجمهورية التركية، ولن نسمح لها أبداً بالانحناء، ونواصل هذا المشروع بهذا الفهم».

كان مؤيدون لحزب العمال قد عدّوا حرق السلاح أمام الكاميرات «حركة رمزية» الهدف منها تأكيد عدم هدر كرامة ما يُعرف بـ«الكفاح المسلح»، على حد تعبيرهم، كما طالبوا بعد انتهاء المراسم في السليمانية بأن يسمح لهم بخوض العمل السياسي الديمقراطي في تركيا، وإطلاق سراح زعيمهم عبد الله أوجلان.

لجنة برلمانية

لكن الرئيس التركي تحدث عن الخطوات التالية، وأشار إلى خطوة أولى بتشكيل لجنة برلمانية لمناقشة المتطلبات القانونية الخاصة بعملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وقال: «نأمل أن يدعم البرلمان التركي العملية بنهج بنَّاء وميسَّر».

وقال إردوغان: «مع انتهاء الإرهاب، ستصبح جمهورية تركيا أقوى وأكثر ثقةً بنفسها من ذي قبل، وسنركز جهودنا على جوهر عملنا، وسنحشد مواردنا ليس لمكافحة الإرهاب، بل من أجل التنمية والازدهار».

وأضاف: «سنُسهل إتمام العملية بسرعة، ملتزمين بحساسيات المرحلة دون المساس بأحد، وسنراقب بدقة تسليم الأسلحة، بناءً على كل خطوة يتخذها التنظيم الإرهابي (العمال الكردستاني)، ستنمو تركيا بالأخوّة وتتعزز بالديمقراطية، وستمضي نحو المستقبل باستقرار وأمن».

وشدد إردوغان على أنه لا ينبغي لأحد أن يشكك في قوميته أو قومية دولت بهشلي»، وهو رئيس حزب «الحركة القومية» شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب» الذي طرح مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في البرلمان في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 التي أصدر بناء عليها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان نداءه لحل الحزب وإلقاء أسلحته.

وقال إردوغان: «لم ولن ننخرط في أي عمل لا يخدم مصلحة تركيا، وموقفنا اليوم وسياستنا وتوجهاتنا موجهة فقط لمصلحة تركيا، انتصرت تركيا وانتصر الأتراك والأكراد والعرب وكل فرد من مواطنينا البالغ عددهم 86 مليون نسمة».

ولفت الرئيس التركي إلى أنه «على مدى 41 عاماً، انتصر بارونات الإرهاب، ومن يتغذون على الدماء، وأولئك الذين يدبرون مخططات قذرة ضد الأتراك والكرد والعرب، واليوم نعطل هذه اللعبة القذرة ونقلبها رأساً على عقب».

عناصر من «العمال الكردستاني» في أثناء إلقاء أسلحتهم (أ.ف.ب)

وأضاف: «التغيرات التي حصلت في سوريا والعراق ساعدتنا على التعامل مع الإرهاب، قضية مواطنينا الكرد، بل قضية إخواني وأخواتي الكرد في العراق وسوريا أيضاً، هي قضيتنا، نناقش هذه العملية معهم، وهم في غاية السعادة، إذا كانت لدى أخي الكردي مشكلة، فسنجلس ونتحدث، وإذا كان لدى أخي العلويّ مشكلة، فسنحلها بالحوار».

وأوضح إردوغان أن تركيا تواصل العمل مع الحكومة السورية وشركائها الدوليين، وأن لديه إيماناً راسخاً بأن ملف الإرهاب سيُطوى هناك، وستسود روح الأخوة».

وأوضح إردوغان أن «المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة ناجمة عن عدم تحالف الأتراك والكرد والعرب. وجودهم (القوميات الثلاث) مرتبط بتضامنهم ووحدتهم، أما إذا تفرّقوا وانقسموا، فلا يكون هناك إلا الهزيمة والانكسار والحزن».

رفض قومي

بينما يستعد البرلمان للبدء في مشاورات تشكيل لجنة لوضع التدابير القانونية لعملية نزع أسلحة «العمال»، وصف رئيس حزب «الجيد» القومي التركي، مساوات درويش أوغلو، العملية الجارية بأنها «مشروع خيانة للجمهورية التركية»، مشدداً على أن حزبه لا يمكن أن يشارك فيها.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو أعلن رفض حزبه أن تكون تركيا موطئاً لمنظمة إرهابية (إكس)

وقال درويش أوغلو، خلال فعالية لحزبه في إدرنه (عرب تركيا) تعليقاً على مراسم تسليم 30 من عناصر العمال أسلحتهم: «لقد أصدرت المنظمة الإرهابية بياناً، وقالوا إنهم ينتظرون أن تفي الجمهورية التركية بالتزاماتها، إنهم ينتظرون تعديلات دستورية من الجمهورية التركية والبرلمان، ما يحدث هو كشفٌ عمَّا حذرنا منه منذ البداية، الجمهورية التركية يجب ألا تكون موطئاً لمنظمة إرهابية إجرامية. على من سهَّلوا ذلك أن يخجلوا من أنفسهم».

وأضاف: «لقد تشبثنا بالجمهورية على مدى قرن من الزمان. سنحمي قيمنا الجمهورية، وسنحافظ إلى الأبد على جمهورية تركيا العظيمة، التي ورثناها عن مصطفى كمال أتاتورك. بغضّ النظر عمّن يكنّ أي عداء لهذا البلد، فإننا، كأمة تركية، أقسمنا على تدمير كل مشروع خيانة يواجهنا».

كيف ستسير العملية؟

يطرح كثيرون تساؤلات حول الخطوات التي ستعقب نزع أسلحة «العمال الكردستاني». وقالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط» إنه سيتم تشكيل لجنة برلمانية خلال الأسبوع الحالي، وستستمر العملية «تدريجياً» في البرلمان بالتوازي مع ملاحظات يقدمها جهاز المخابرات والقوات المسلحة التركية.

وأضافت المصادر أنه «في مقابل كل خطوة إيجابية يتخذها حزب العمال الكردستاني، ستتخذ تركيا خطوات جديدة على الصعيدين السياسي والقانوني، وسيغطي نطاق عمل اللجنة مواضيع مثل مصير أعضاء المنظمة الذين يلقون أسلحتهم والوضع القانوني لمن لم يتورطوا في جرائم ومن يُعدون مذنبين؛ وكيفية دمج الأعضاء العائدين إلى تركيا اجتماعياً».

اللجنة البرلمانية التركية ستناقش أوضاع مسلحي حزب العمال الكردستاني بعد إلقاء أسلحتهم (أ.ب)

وذكرت المصادر أنه مع بدء الدورة التشريعية الجديدة للبرلمان في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفي حال التوصل إلى استنتاج مفاده أن حزب العمال الكردستاني قد نزع سلاحه بالكامل وتم القضاء عليه، سيتم إدخال بعض التعديلات القانونية في البرلمان بالتوازي مع بعض الخطوات السياسية، دون المساس بالسمات الأساسية للدولة وقيم الأمة.

وأشارت المصادر إلى أنه في حال نجاح العملية والقضاء على جميع المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني، بمن فيهم الموجودون في سوريا وأوروبا، يُمكن مناقشة تخفيف الأحكام الصادرة بحق أعضاء الحزب، بما في ذلك إصدار العفو، مع مراعاة الحساسيات العامة.

مصير قيادات «العمال الكردستاني» يثير تساؤلات في تركيا (أرشيفية - إعلام تركي)

في السياق، لفت الكاتب البارز والمحلل السياسي، مراد يتكين، إلى أنه من الواضح أن قيادات العمال الكردستاني، الذين تتراوح أعمارهم بين 70 و75 عاماً لن يرغبوا في تسليم أنفسهم لقضاء أحكام السجن المؤبد المحتملة التي تنتظرهم في تركيا، ويجري البحث عن دول تقبلهم كلاجئين سياسيين.

ولفت إلى أن هناك تساؤلات عمّا إذا كان يمكن إطلاق سراح شخصيات بارزة مثل الزعيم الكردي، الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، سابقاً، صلاح الدين دميرطاش، والناشط المدني عثمان كافالا، من خلال تطبيق أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية، اللتين تعملان وفقاً لنفس مبادئ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، دون الحاجة إلى إصدار عفو.

هل يفرَج عن سياسيين كرد؟

وفي أعقاب أحدث حكم أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في 8 يوليو (تموز) 2025، بشأن انتهاك حقوق دميرطاش، تقدم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي قاد المفاوضات التي أدت إلى حل حزب العمال الكردستاني، بطلب للإفراج عن دميرطاش، والرئيسة المشاركة لحزب «الشعوب الديمقراطية»، فيجان يوكسيكداغ، وسياسيين آخرين محتجزين في «قضية كوباني».

وقالت لجنة القانون وحقوق الإنسان في حزب«الديمقراطية والمساواة للشعوب»، على حسابها في «إكس»: «لقد طالبنا بالإفراج عن الرؤساء المشاركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطية وأعضاء اللجنة التنفيذية المركزية، الذين احتُجزوا رهائن غير قانونيين لسنوات في قضية كوباني».

وأضاف: «قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مجدداً، بأن قضية مؤامرة كوباني غير قانونية، وأن احتجاز صلاح الدين دميرطاش، وزملاءنا السياسيين الآخرين، ذو دوافع سياسية، وقد خلص قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن القضية تفتقر إلى أي أساس قانوني، ويجب الإفراج الفوري عن جميع زملائنا وفقاً لمبدأ سيادة القانون».

وفي حكمها، قضت المحكمة، ومقرها ستراسبورغ، بأن اعتقال دميرطاش، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، كان لأسباب سياسية، في انتهاك للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

متظاهرون كرد في تركيا يرفعون صوراً لدميرطاش ويوكسداغ مطالبين بالإفراج عنهما (أرشيفية - إعلام تركي)

وأشار الحكم إلى حرمان دميرطاش من حقه في الدفاع والاطلاع على ملفه، وعدم تقديم مبررات قانونية كافية لاحتجازه، ووجود مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء خلال هذه العملية.

وعقب إلقاء مجموعة من عناصر حزب العمال الكردستاني أسلحتهم، أجرى رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، اتصالاً هاتفياً مع محامي دميرطاش، طلب منه فيه إبلاغه بشكره على المساهمات الجدية الكبيرة التي قدمتها لمبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، ورد دميرطاش برسالة كتبها بخط يده عبّر فيها عن الشكر لبهشلي على مبادرته والجهود التي قام بها من أجل تحقيق السلام والتضامن بين الأتراك والكرد.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يعلن تمديد مدة الممر الإنساني بشرق حلب يوماً آخر تسهيلاً لعبور المدنيين

المشرق العربي نازحون سوريون يسيرون لعبور معبر نهري بالقرب من قرية جريرة الإمام في ريف حلب الشرقي بالقرب من خط المواجهة بين القوات الحكومية و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في دير حافر 15 يناير 2026 (أ.ب)

الجيش السوري يعلن تمديد مدة الممر الإنساني بشرق حلب يوماً آخر تسهيلاً لعبور المدنيين

أعلن الجيش السوري، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين، لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية نازحون سوريون بجوار معبر إنساني أعلنه الجيش السوري في قرية حميمة بريف حلب الشرقي قرب خط المواجهة مع «قسد» (أ.ب)

أنقرة تأمل حلاً سلمياً لمشكلة «قسد»... وتدعم دمشق إذا اختارت القوة

أكدت تركيا أنها ستدعم الحكومة السورية حال اختارت استخدام القوة ضد «قسد»، معربة عن أملها في أن تُبدي الأخيرة حسن نية وأن تتجه إلى الحوار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي حشد من جنود الجيش السوري على الطريق السريع M4 باتجاه دير حافر بريف حلب الشرقي حيث حشود مقابلة لقسد    (إ.ب.أ)

الجيش السوري يرسل تعزيزات إلى الشرق من مدينة حلب

استقدم الجيش السوري الأربعاء تعزيزات إلى ريف حلب الشرقي، كما أعلن أنه سيفتح ممراً إنسانياً للمدنيين مع تصاعد التوتر بمواجهة «قسد».

«الشرق الأوسط» (حلب (سوريا))
المشرق العربي قائد الأمن الداخلي في حلب يلتقي وجهاء أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد الثلاثاء بعد خلو الأحياء من «قسد» (سانا)

دمشق تسعى إلى إخراج «قسد» من ريف حلب إلى شرق الفرات

أشارت «هيئة العمليات في الجيش» إلى «استمرار حشد (قسد) مجاميعها مع فلول النظام البائد في هذه المنطقة التي أصبحت منطلقاً للمسيرات الانتحارية الإيرانية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة في حي الشيخ مقصود بحلب بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد من مدينة حلب السورية يوم الأحد عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي سمح بعمليات الإجلاء بعد أيام من الاشتباكات الدامية 12 يناير 2026 (رويترز)

الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق سيطرتها شرق حلب

طلب الجيش السوري، الثلاثاء، من القوات الكردية الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

تراجعت الاحتجاجات الشعبية في إيران، أمس، بينما تواصل الولايات المتحدة مراقبة التطورات من دون الإعلان عن خطوات حاسمة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط السياسية، وفرض عقوبات جديدة.

وخفف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نبرته الحادة تجاه إيران، وعبّر عن أمله في استمرار امتناع طهران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين، مشيراً إلى معلومات تفيد بتراجع حدة القتل. وقال ترمب إن إدارته تتابع الوضع «من كثب»، مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

جاء ذلك، بعدما حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خفض حدة التوتر، ونفى في مقابلة مفاجئة مع قناة «فوكس نيوز» «أي خطة للإعدام شنقاً»، ودعا إلى تغليب الدبلوماسية.

وتراجعت وتيرة الاحتجاجات في طهران، ومدن أخرى. وأفاد أشخاص من داخل إيران بأن انقطاع الإنترنت، وتشديد الإجراءات الأمنية أسهما في خفض زخم التحركات، مقابل تصاعد الاعتقالات.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقادة في «الحرس الثوري»، على خلفية اتهامهم بالضلوع في قمع الاحتجاجات.


سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
TT

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

وأفادت وزارة الخارجية السويسرية، اليوم (الخميس)، بأن مدير إدارة الأمن الدولي ونائب وزير الخارجية، غابرييل لوشينغر، أجرى اتصالاً هاتفياً مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

وأوضحت الوزارة أن لوشينغر عرض، خلال المحادثة، أن تتولى سويسرا دور الوساطة للمساعدة في تهدئة الوضع الراهن.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران قبل أكثر من أسبوعين، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بإمكانية التدخل عسكرياً.

وفي وقت سابق، قال مكتب لاريجاني، في بيان، إن الاتصال تناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية، مشدداً على الدور البنّاء لسويسرا وسجلها الإيجابي في تسوية الأزمات بالطرق السلمية، لكنه قال إن بلاده «لن تكون غير فعّالة إزاء الخطاب التهديدي الأميركي».

وأضاف البيان الإيراني أن مستشار الأمن القومي السويسري أعلن استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور بناء يسهم في خفض التوتر في الظروف الراهنة.

وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران، في ظل غياب تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن هناك منذ عام 1980، عقب قطع العلاقات بين البلدين بعد أحداث عام 1979.


استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».