«ديوانية حب» افتتحت «مهرجانات بيت الدين» بثلاث قامات نسائية

لا الغناء توقف ولا الجمهور يريد أن ينصرف

الفنانات الثلاث في «ديوانية حب» (خاص - الشرق الأوسط)
الفنانات الثلاث في «ديوانية حب» (خاص - الشرق الأوسط)
TT

«ديوانية حب» افتتحت «مهرجانات بيت الدين» بثلاث قامات نسائية

الفنانات الثلاث في «ديوانية حب» (خاص - الشرق الأوسط)
الفنانات الثلاث في «ديوانية حب» (خاص - الشرق الأوسط)

ليلة عامرة أحيتها الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة إلى جانب الفنانتين المصرية ريهام عبد الحكيم، والسورية لبانة القنطار. ثلاثة أصوات نسائية عربية، لكل منها ألقها وخصوصيتها، افتتحت «مهرجانات بيت الدين» لهذا الموسم، بحفل استثنائي حمل عنوان «ديوانية حب»، وجلب معه الفرح لحضور حاشد، توافد للاحتفاء بعودة المهرجانات.

أطلت جاهدة وهبة بصوتها الجهوري الذي تردد صداه في ساحة القصر التاريخي، وهو «يعانق الجبل بين الحكايا والينابيع»، تخاطب بيت الدين، قبل أن تنشد أغنيتها التي كتبتها ولحنتها من وحي قصيدة للشاعر بيار رستان: «أيها الحب افتح ذراعيك، فنحن في بيت الدين، نغني من القلب، وكل من جاء من جهة القلب، عهد الفن والأمل والإنسان»، ثم رحبت وهبة بـ«الصديقتين» ريهام ولبانة، اللتين جاءتا تشاركان في هذه الأمسية العذبة، ومعهما المايسترو المصري أحمد طه الذي قاد فرقة من موسيقيين لبنانيين وعرب.

وزير الثقافة غسان سلامة على المسرح مشاركاً جاهدة وهبة غناء في نهاية الحفل... وفي الوسط رئيس الوزراء نواف سلام وعقيلته (خاص - الشرق الأوسط)

أدارت جاهدة وهبة الديوانية بجدارة، كما لو أنها في مجلس شرقي بنكهة عفوية. ففكرة هذا «اللقاء الحنون» كما وصفته هي، كانت تتمنى تنفيذها منذ زمن بعيد. وها هو الوقت قد حان، ليصبح الحلم حقيقة. أدت أغنية «يطير الحمام، يغطّ الحمام»، تحية للغائب الحاضر محمود درويش، ثم استقبلت بمحبة لبانة القنطار التي أطلقت حنجرتها الماسية وهي تشدو «ليالي الأنس في فيينا». سليلة عائلة أسمهان، والمتخصصة في الأوبرا، قالت إنها استفادت من دراستها الأوبرالية ومعارفها، لتجوّد غناءها الشرقي.

بعد ذلك كان استقبال جاهدة لريهام عبد الحكيم التي أطربت وهي تطلق حنجرتها بأغنية «افرح يا قلبي». وهي المرة الثانية التي تستضاف فيها ريهام في بيت الدين، لتمتع الحضور بكلثومياتها. لكنها في هذه الأمسية تشارك في حفل يطلق فيه الغناء أحادياً أو بصوتين، وغالباً بالاشتراك بين القامات الثلاث. جالسات على كنباتهن أو واقفات، أدت كل منهن ببراعة أغنيات متنوعة، وتقاسمن الأدوار كما لو كانت حناجرهن آلات موسيقية بشرية في أوركسترا متناغمة، تتحاور في ما بينها.

الفنانات الثلاث تشاركن الغناء كأوركسترا منسجمة (خاص - الشرق الأوسط)

أجادت ريهام أيضاً وهي تغني شارة مسلسل «خاتم سليمان»: «عاشق سارح في الملكوت... ميهموش العمر يفوت، يدفع في الحرية حياتُه، ولو اتكتّف للحظة يموت». الحفل هو خلطة شرقية، فيها الشعر والموشح والطرب والأغنية الخفيفة، والمقامة والعتابا. توالت الأغنيات، فكانت فيروز في «ارجعي يا ألف ليلة»، غنتها الفنانات متناوبات ومتشاركات المقاطع، متداخلات الصوت. فيروز التي أحيت حفلات متوالية في بيت الدين في السنوات من 2000 ولغاية 2003، كان لها «من القلب تحية»، ومن الجمهور المشاركة الغنائية.

كذلك غنت جاهدة «قارئة الفنجان» لعبد الحليم حافظ، ولوردة «في يوم وليلة»، وبدأت بعدها لبانة بمطلع «زي العسل» للشحرورة صباح، وكان لداليدا حصة من خلال «حلوة يا بلدي»، ونجاة الصغيرة بأغنية «أمّا براوة، براوة، أما براوة... دوار حبيبي طراوة، آخر طراوة» بصوت ريهام. في الديوانية مكان يتسع لعمالقة الطرب كلهم. أحد الحاضرين كان يصفق بحرارة وهو يردد: «عظمة على عظمة... (أعدتمونا) خمسين سنة إلى الوراء... الله، الله».

في كل مرة كانت تشدو فيها لبانة القنطار أسمهان، يبدو وكأن هذا الصوت الذي ظنناه لا يتكرر، وُلد من جديد. «أنا قلبي دليلي» لليلى مراد لم تكن أقل سحراً من «ليالي الأنس في فيينا» أو «يا طيور مغردة» التي زقزقت فيها وأطربت. أما ريهام، فقد بدت في كل مرة تغني أم كلثوم، تتفوق على نفسها حتى وصلت في النهاية إلى «الأطلال». وأما جاهدة وهبة، فقد فازت بجدارة، ليس في الغناء فقط، وفي عيش العربية وتراثها وموسيقاها كأنها تتنفسها، وإنما أيضاً في استقبال ضيفتَيها بما يشبه الاحتضان، واقتراح أجمل الأغنيات عليهما، كما في مشاركتهما الأداء، حتى بدا أنه مع تقدم الوقت تزداد حماسة الجمهور، وهي تخيّر الحضور بين أغنية وأخرى، وتحثه على المشاركة. ودخلت جاهدة في العتابا، فوقف الحضور رقصاً وغناءً، لينزل إلى مقدمة المسرح الراقص حسان الصلح مواكباً الموسيقى بدبكة سريعة ومحترفة.

استراحة «مناقيش» على الصاج لرئيس الوزراء نواف سلام وعائلته (خاص - الشرق الأوسط)

في النهاية، مع كل هذا الحماس، قرر الحاضرون أن يكملوا السهرة وقوفاً، بعد أن دخل الغناء في الأجواء اللبنانية مع «طلوا حبابنا طلوا». هنا قرر رئيس الوزراء نوّاف سلام، وعقيلته سحر بعاصيري، أن يهنئا المشاركات على نجاحهن الباهر في هذه الأمسية، وقد امتد الحفل إلى أكثر من ساعتين، لا الغناء يتوقف ولا الجمهور يريد أن يغادر، وسط تصفيق وغناء وهتافات. لكن جاهدة وهبة طلبت من سلام وعقيلته أن يبقيا معها ويشاركاها المسرح، ثم التحق بالمسرح وزير الثقافة غسان سلامة للتهنئة، فأعطته جاهدة الميكروفون ليشارك في الغناء، وفعل باندماج ولطف شديدين، وكذلك انضمت إلى المجموعة وزيرة السياحة لور الخازن لحود، ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري. في حين كانت السيدة الأولى نعمت عون واقفة تصفق وتشجع من مكانها وسط الجمهور. الحفل لم ينتهِ هنا. تواصلت الأغنيات مع الوزراء بـ«نسّم علينا الهوا»، والجميع في حبور والجمهور يرقص. وحضر الحفل النائب السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وعقيلته نورا جنبلاط القيّمة الأولى على التنظيم المحترف لـ«مهرجانات بيت الدين».

ليلة من العمر في بيت الدين، لعلها جاءت على هذا النحو تعويضاً عن انقطاع. فإقامة المهرجانات في لبنان، وسط هذه الظروف القاسية، إشارة تحدٍّ، ووقفة أمل، ورغبة راسخة في تجديد العهد بأن الناس هنا يرفضون البشاعة، ويتعلقون بحبال الجمال والإبداع.


مقالات ذات صلة

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

يوميات الشرق الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

استقرت الحالة الصحية للفنان المصري هاني شاكر بعد فترة من إقامته في الرعاية المركزة عقب الأزمة الصحية التي تعرض لها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

كل الإشارات تدل على عودة قريبة للفنانة العالمية سيلين ديون بعد ابتعاد طويل بسبب إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبس». ويبدو أن باريس ستستضيف العودة الغنائية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنان الراحل عبد الحليم حافظ (صفحة منزل عبد الحليم حافظ على «فيسبوك»)

ورقة بخط يد «العندليب» تكشف كواليس جديدة من فترة مرضه

كشفت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، الملقب بـ«العندليب»، عن «ورقة بخط يده» لأول مرة، بالتزامن مع قرب ذكرى رحيله الـ49، التي توافق 30 مارس.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)

انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

الفريق الكوريّ الجنوبي يضيء ليل سيول في حفلٍ حضره الآلاف وشاهده الملايين على «نتفليكس»، احتفاءً بعودة «BTS» بعد 4 أعوام من الغياب بداعي الخدمة العسكرية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب وابنتها في إعلان شركة الاتصالات (يوتيوب)

ظهور شيرين المفاجئ يبدد شائعات تدهور صحتها

لفت الظهور «السوشيالي» المفاجئ للفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب رفقة ابنتها «هنا»، عبر فيديو بأول أيام عيد الفطر الأنظار أخيراً.

داليا ماهر (القاهرة )

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.