بين التشكيك بجدية ترمب والثقة بوعوده في معاقبة روسيا... هل تنجو أوكرانيا؟

روبيو يُعرب لنظيره لافروف عن «خيبة أمله وإحباطه»... والإدارة تستأنف إرسال شحنات الأسلحة إلى كييف

سيرغي لافروف ناقش مع نظيره الأميركي ماركو روبيو التسوية الأوكرانية (أ.ف.ب)
سيرغي لافروف ناقش مع نظيره الأميركي ماركو روبيو التسوية الأوكرانية (أ.ف.ب)
TT

بين التشكيك بجدية ترمب والثقة بوعوده في معاقبة روسيا... هل تنجو أوكرانيا؟

سيرغي لافروف ناقش مع نظيره الأميركي ماركو روبيو التسوية الأوكرانية (أ.ف.ب)
سيرغي لافروف ناقش مع نظيره الأميركي ماركو روبيو التسوية الأوكرانية (أ.ف.ب)

يشهد مجلس الشيوخ الأميركي حالة من التوتر، على خلفية التعديلات التي يمكن أن يُدخلها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وقادة آخرون من الحزب، على مشروع قانون العقوبات على روسيا، الذي كان قد حصل في وقت سابق على موافقة 85 سيناتوراً من الحزبين. وأشار غراهام إلى أنه يريد تعزيز اهتمام الرئيس دونالد ترمب للتوقيع على القانون، عبر إضافة إعفاءات تمنحه نفوذاً أكبر في تطبيق العقوبات الصارمة على شركاء روسيا التجاريين.

وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إن واشنطن بحاجة إلى توجيه «رسالة» إلى بوتين، وإنه سيتحدث إلى رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور جون ثون قريباً بشأن مشروع القانون.

المشاركون بمؤتمر إعادة الإعمار في روما (إ.ب.أ)

وأشار بعض المحللين إلى أن التشريع، في حال إقراره، قد يكون له تأثير أكبر بكثير من أي عقوبات فُرضت سابقاً على روسيا. لكنَّ محللين آخرين يحذّرون من أن عقوبات مشروع القانون ستستغرق وقتاً حتى تُلحق ضرراً كافياً بروسيا لإجبار بوتين على التفاوض، وأن ترمب قد لا يُنفّذ كثيراً منها.

عتب أميركي وتحذير روسي

ولا يبدو أن المسؤولين الروس قلقون من احتمال دعم ترمب للعقوبات، خصوصا أنه لم يُصدر أي عقوبات جديدة على روسيا تتعلق بأوكرانيا هذا العام، مما سمح لموسكو فعلياً بالحصول على الأموال والمواد التي تحتاج إليها. واتهم نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أعضاء مجلس الشيوخ الذين يرعون مشروع القانون بمحاولة تقويض «أسس التفاعل الطبيعي» بين الولايات المتحدة وروسيا.

ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو 8 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وقال، الخميس، إنهم يتخذون خطوات من شأنها أن «تضر بالولايات المتحدة نفسها». وأضاف أن روسيا ستحتاج إلى تحليل وفهم آثار أي تشريع عقوبات جديد محتمل، ولكن بالنظر إلى أن 30 ألف إجراء تقييدي قد تم تطبيقها بالفعل ضد روسيا، فإن ذلك «لن يغير الصورة جذرياً».

وكشف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، عن أنه أعرب لنظيره الروسي سيرغي لافروف، عن «خيبة أمله وإحباطه» بسبب عدم تحقيق تقدم في تسوية الحرب في أوكرانيا. وقال روبيو للصحافيين بعد اجتماعه مع لافروف على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، في ماليزيا: «لقد كررت ما قاله الرئيس (دونالد ترمب)، وهو خيبة الأمل والإحباط بسبب غياب التقدم».

المستشار الألماني مع زيلينسكي في مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا في روما (إ.ب.أ)

في المقابل نقل تلفزيون «آر تي» عن وزارة الخارجية الروسية القول إن الوزير لافروف ناقش مع روبيو التسوية الأوكرانية والوضع في سوريا وإيران في اجتماعهما. وأضاف التلفزيون أن الخارجية الروسية أوضحت أن لافروف وروبيو أكدا أهمية مواصلة العمل لتطبيع عمل البعثات الدبلوماسية بين البلدين. وقالت الخارجية الروسية في بيان، إن استئناف الطيران المباشر بين البلدين قد يساعد على استعادة التعاون الأميركي - الروسي. ونقل التلفزيون الروسي عن روبيو قوله إن المحادثات مع لافروف كانت «صريحة ومهمة»، وأن الوزير الأميركي أكد حرص بلاده على التواصل مع روسيا بأي طريقة ممكنة.

وصرح ترمب للصحافيين بأنه لديه موعداً نهائياً «في ذهنه» بشأن الموعد الذي قد يدعم فيه عقوبات جديدة، وألمح إلى أن المشرعين سيتبعون خطاه في النهاية.

لكنّ التعديلات التي يقترحها غراهام، تحتاج إلى موافقة الديمقراطيين. وقال السيناتور الديمقراطي، مارك كيلي، إنه يستطيع فهم فوائد بعض المرونة في فرض تلك العقوبات، سواءً لترمب أو للرئيس المستقبلي، لكنه أعرب عن تحفظه على عملية صنع القرار التي كانت وراء تعليق تسليم الأسلحة لأوكرانيا من البنتاغون.

ودعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حلفاءه إلى الإسراع في فرض عقوبات جديدة على روسيا، الخميس، بعدما شنت موسكو هجوماً ليلياً استمر لساعات على أوكرانيا بمئات المسيّرات والصواريخ. وقال زيلينسكي على وسائل التواصل الاجتماعي: «يجب فرض عقوبات بسرعة أكبر، ويجب أن يكون الضغط على روسيا قوياً بما يكفي حتى تشعر بعواقب إرهابها»، مشيراً إلى أن روسيا أطلقت نحو 18 صاروخاً و400 مسيّرة.

غضب من هيغسيث وكولبي

وتحولت هذه القضية إلى مشكلة يُتوقع أن تتواصل تداعياتها في واشنطن، بعدما اتخذ ترمب قراراً بإعادة تسليم تلك الأسلحة، في خطوة عُدَّت أكثر خطواته واقعية حتى الآن، متجاوزاً دعوة وزير الدفاع بيت هيغسيث مع إلبريدج كولبي، مسؤول السياسات في وزارة الدفاع، لوقفها مؤقتاً.

زيلينسكي مع رئيسة وزراء إيطاليا خلال مؤتمر إعادة الإعمار في روما (أ.ف.ب)

واستأنفت إدارة ترمب إرسال بعض شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا، وذلك بعد أسبوع من إصدار وزارة الدفاع توجيه بتعليق بعض عمليات التسليم مؤقتاً. وقال مسؤولان أميركيان لوكالة «أسوشييتد برس»، الأربعاء، إن الأسلحة التي يجري إرسالها حالياً تشمل قذائف عيار 155 ملم وصواريخ دقيقة التوجيه تُعرف باسم (جي إم إل آر إس). ولم يتضح بعد متى بدأ نقل هذه الأسلحة تحديداً.

وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد أصدر قرار التوقف المؤقت الأسبوع الماضي للسماح للبنتاغون بتقييم مخزوناته من الأسلحة، وهي خطوة فاجأت البيت الأبيض، إلا أن البنتاغون نفى أن يكون هيغسيث قد اتخذ هذا القرار دون التشاور مع الرئيس ترمب. وتحدث المسؤولان بشرط عدم الكشف عن هويتهما، لكون التفاصيل التي قدماها لم تعلَن بشكل رسمي بعد.

وتساءل السيناتور كيلي قائلاً: «من يدير الأمور؟ ينبغي على البيت الأبيض اتخاذ هذه القرارات. يبدو أن الرئيس لا يعلم ما يفعله وزير دفاعه».

وقال السيناتور الجمهوري، توم تيليس، «إنه أسوأ ما يمكن فعله في أوكرانيا. كان مجرد خطأ إداري. يسعدني أن أرى الرئيس يختلف مع هيغسيث بشأنه. آمل أن يُصلح الوضع».

وردّ المتحدث باسم البنتاغون، كينغسلي ويلسون، قائلاً: «من المؤسف أن يُعطي السيناتور تيليس فرصةً لترويج رواية كاذبة». وأضاف: «نتمنى له التوفيق في تقاعده المُقبل». وقال مسؤول في البنتاغون إن التناقض في الإدارة بشأن شحنة الأسلحة المتوقفة يعود «إلى الأجواء السائدة في البنتاغون»، وإنه من غير الواضح مدى تعاون هيغسيث الوثيق مع كولبي. وأضاف أن لكولبي «صوتاً قوياً في صياغة» التوصيات لترمب، مضيفاً أنه «يزداد نفوذاً من أي وكيل وزارة للسياسات في الذاكرة الحديثة».

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (إ.ب.أ)

ورغم تراجع ترمب عن موقفه تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علناً، فإنه لم يُبدِ غضبه صراحةً بشأن تعليق الأسلحة المخصصة لأوكرانيا. كما تجنب ترمب الأسئلة حول من أمر بوقف شحن الذخائر، بعد أن أشار في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى أنه لا يعرف من اتخذ القرار. قال ترمب: «سأعلم إذا اتُّخذ قرار؛ سأعلم. سأكون أول من يعلم. في الواقع، على الأرجح سأُصدر الأمر، لكنني لم أفعل ذلك بعد».

وحتى لو أيّد ترمب في النهاية سلطة العقوبات الصارمة التي يريد الكونغرس منحه إياها، فليس من الواضح كيف سيستخدمها ضد بوتين.

ووصف مايكل روبين، كبير الباحثين في الشأن الروسي في معهد «أميركان إنتربرايز»، خطوة ترمب بأنها مجرد تصحيح للموقف. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن قراره لا يعد تغييراً جذرياً في السياسة بقدر ما هو تصحيح. وأضاف قائلاً: «لقد دفع البنتاغون، وتحديداً الوزير هيغسيث، ووكيل الوزارة كولبي، بمشروع الحظر دون إبلاغ وزير الخارجية ماركو روبيو، أو ترمب. وهو ما أثار غضب الرئيس ودفعه إلى إعادة الأمور إلى وضعها السابق، متوقعاً أن تكون الخطوة التالية المرجحة، هي حصول تغييرات في الكادر الإداري في البنتاغون.

ويُلقي الوضع مزيداً من التدقيق على كولبي، الذي يعتقد البعض في الإدارة أنه وراء قرار وقف المساعدات لأوكرانيا. ولطالما صرح بأن على الولايات المتحدة التخلي عن التزاماتها الأمنية في أوروبا للتركيز على التهديد الذي تُشكله الصين.

كما أن له منتقدين داخل الإدارة وخارجها. وفي حين ينظر الصقور المؤيدون لإسرائيل سلباً إلى موقفه، فإن المسؤولين الأوروبيين ليسوا مُعجبين به. ومع ذلك، فهو يحظى بدعم كبير من نائب الرئيس، جيه دي فانس، وآخرين من مؤيدي السياسة الخارجية المُتمحورة حول «جعل أميركا عظيمة مجدداً».

تشدد ترمب رسالة مشفرة

غير أن بعض حلفاء ترمب يرون أن موقفه المتشدد من روسيا، هو جزء من خطته التفاوضية ورسالة مُشفرة إلى كلا طرفي الصراع، بوتين وزيلينسكي، وليس تحولاً ملموساً تجاه أوكرانيا، ولا يعتقدون أن انقلابه على بوتين يعني أن ترمب على وشك تقديم مساعدات جديدة لكييف. لكن صقور الحزب الجمهوري المتشددين مقتنعون بأن ترمب يميل نحوهم، بعد انحيازه الطويل إلى القوى الرافضة للتدخل من أنصار «أميركا أولاً».

وصرحت السيناتورة الجمهورية جوني إرنست، قائلةً: «لقد كان الرئيس أكثر جرأةً في مواجهة بوتين. ويسعدني حقاً رؤية ذلك، لأنني أعتقد أن بوتين يحاول فقط إطالة أمد هذه الأزمة». وأضافت إرنست: «بوتين يتلاعب بالولايات المتحدة. والرئيس ترمب يدرك ذلك. إنه دائماً ما يريد أن يمنح فرصة للسلام. لكن بوتين لا يتعاون». وبذل صقور الجمهوريين جهوداً حثيثة لإقناع ترمب بأن بوتين لا يريد السلام مع أوكرانيا ولا يمكن الوثوق به. الآن، وبينما يدرس ترمب اتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد روسيا، يراقب الجمهوريون مؤشرات توجهه المستقبلي، حتى مع تمسكه بأن السياسة الخارجية للرؤساء نادراً ما تكون في اتجاه واحد. وعلى سبيل المثال ورغم أنه قرر قصف المنشآت النووية الإيرانية، لكنه لم يعطِ بعد موافقته صراحةً وعلناً على مشروع قانون العقوبات ضد روسيا، على الرغم من أنه يقول إنه يفكر فيه، ويُصرّ السيناتور غراهام على أنه سيدعمه في النهاية.

تفاؤل أوكراني أوروبي حذر

غير أن تغيير موقفه أثار تفاؤلاً حذراً في أوكرانيا، التي حاول مسؤولوها إقناع ترمب مراراً وتكراراً بأن الرئيس الروسي غير جاد بشأن المفاوضات لإنهاء حربه المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف. ويشعر الأوروبيون أيضاً بالسعادة لاستئناف ترمب شحنات الأسلحة. وأبلغ المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ونظراؤه في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، الرئيس ترمب علناً بأن العقوبات الجديدة قد تُجبر الرئيس بوتين على الدخول في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب، لأنه من دونها، سيُصعّد ويُطيل أمد هجمات روسيا، في محاولة لكسر دفاعات أوكرانيا. كما نقلت وسائل إعلام أميركية عن مستشار الأمن القومي التشيكي، توماس بوغار، قوله: «أنا دائماً على استعداد لمفاجأة إيجابية!». ومع ذلك، هناك أيضاً ما يدعوهم للقلق، حيث يخشى المسؤولون الأوروبيون من أن تُشير آراء أمثال فانس وكولبي إلى اتجاه أكثر استدامة من جانب الحزب الجمهوري بعيداً عن أوروبا.


مقالات ذات صلة

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
أوروبا جانب من استعراض عسكري سابق في شوارع موسكو بمناسبة «عيد النصر» - 9 مايو (رويترز)

روسيا لن تنشر معدات عسكرية في عرض 9 مايو

أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن روسيا لن تنشر معدات عسكرية في العرض العسكري لهذا العام الذي يحيي ذكرى مرور 81 عاما على انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا  القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا ستغادر منصبها

نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

خلاف أوكراني - إسرائيلي بشأن حبوب صدّرتها روسيا

تبادلت أوكرانيا وإسرائيل الانتقادات الدبلوماسية، إذ استنكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما قال إنها مشتريات حبوب من أراضٍ أوكرانية محتلة «سرقتها» روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - تل أبيب)

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
TT

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

للمرة الثانية على التوالي، تغادر ممثلة واشنطن لدى كييف منصبها الدبلوماسي بسبب خلافات مع الإدارة الأميركية حول الملف الأوكراني، ووعود الرئيس دونالد ترمب بإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس بغزو روسي في عام 2022، وفشله في التوصل إلى سلام، في حين يضغط ترمب على كييف من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وستغادر السفيرة جولي ⁠ديفيس ⁠​لدى أوكرانيا منصبها، الذي عينت فيه قبل أقل من عام، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، بسبب ‌خلافات ‌مع ​الرئيس ‌الأميركي، حسب تقارير إعلامية.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية اليومية، عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا. لكن وزارة الخارجية نفت وجود أي خلاف، وأشارت إلى أن ديفيس ستتقاعد.

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وعيّنت إدارة ترمب ديفيس التي لا تحمل رتبة سفيرة معتمدة من مجلس الشيوخ، في مايو (أيار) العام الماضي، بعد استقالة بريدجيت برينك التي كانت قد احتجت على ما اعتبرته «سياسة استرضاء» ينتهجها ترمب تجاه روسيا. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت: «من الخطأ التلميح إلى أن السفيرة ديفيس ستستقيل بسبب خلافات مع دونالد ترمب»، مضيفاً أنها «ستواصل بكل فخر الترويج لسياسات الرئيس ترمب حتى مغادرتها كييف رسمياً في يونيو (حزيران) 2026 وتقاعدها».

واشتكى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تزايد الهجمات الأوكرانية على مواقع مدنية داخل روسيا، مشيراً إلى ضربات حديثة استهدفت منشآت لتخزين النفط في مدينة توابسي المطلة على البحر الأسود. وقال بوتين، الثلاثاء، خلال اجتماع حول قضايا الأمن قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول)، إن «هجمات الطائرات المسيرة تنفذ بشكل متزايد ضد البنية التحتية المدنية».

وأعلنت أوكرانيا أنها استخدمت أنظمة اعتراض لإسقاط أكثر من 33 ألف طائرة مسيرة روسية بمختلف أنواعها خلال شهر مارس (آذار)، في رقم قياسي شهري منذ بدء الحرب، بحسب ما أفاد به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلوف يدوروف.

وشنت أوكرانيا ثلاث هجمات كبيرة على توابسي خلال الأسبوعين الماضيين. وبعد أحدث هجوم، وقع فجر الثلاثاء، اندلعت حرائق كبيرة مجدداً، ما دفع السلطات إلى إخلاء شوارع قريبة لأول مرة. وتحدث بوتين عن «عواقب محتملة خطيرة» على البيئة، لكنه نفى وجود خطر جدي حالياً على السكان، مؤكداً أن السلطات تسيطر على الوضع بعد اتصاله بحاكم إقليم كراسنودار فينيامين كوندراتيف.

وطورت أوكرانيا تكنولوجيا متقدمة للطائرات المسيرة أثبتت فاعليتها في ساحة المعركة، وأسهمت في صد الجيش الروسي الأكبر حجماً، كما أثارت اهتماماً عسكرياً من دول عدة حول العالم.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين، تسعى دول في الشرق الأوسط والخليج إلى الحصول على طائرات اعتراض مسيرة كجزء من أنظمة دفاع جوي متكاملة، في ظل تداعيات الحرب مع إيران. وقال فيدوروف في منشور على تطبيق «تلغرام» إن أوكرانيا تعمل على زيادة إمدادات طائرات الاعتراض المسيرة للتصدي للهجمات الجوية الروسية، كما أن الجيش أنشأ قيادة جديدة ضمن سلاح الجو لتعزيز قدراته الدفاعية.

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تستعد لتصدير الأسلحة إلى الخارج، في ظل إنتاج يفوق احتياجات قواتها المسلحة. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي، الثلاثاء: «في بعض مجالات الإنتاج لدينا حالياً فائض يصل إلى 50 في المائة من القدرة الإنتاجية». وأضاف أن «تصدير الأسلحة الأوكرانية سيصبح واقعاً، لكن الجيش الأوكراني سيبقى دائماً له الأولوية في الحصول على ما يحتاج إليه، بينما يذهب الفائض إلى التصدير».

مسيّرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا تعمل بالفعل مع دول في الشرق الأوسط وأوروبا والقوقاز ضمن صيغة تعاون خاصة تعرف باسم «صفقات الطائرات المسيرة».

كما لفت إلى أن «ثمة اقتراحاً مطروحاً أيضاً على شركائنا الأميركيين»، موضحاً أن الاتفاقات المحتملة قد تشمل تصدير طائرات مسيرة وأنظمة دفاع وأنواع أخرى من الأسلحة، بما يسهم في تحسين الوضع المالي للبلاد. وأكد أن شروط هذه الصفقات يجب أن تكون «مفيدة لأوكرانيا مع وجود رقابة واضحة، وأن تستخدم العائدات لتعزيز دفاعاتها». وتشهد أوكرانيا توسعاً كبيراً في إنتاج الأسلحة منذ بدء الحرب الروسية واسعة النطاق قبل أكثر من أربع سنوات.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، في وقت متأخر من الثلاثاء، أن العرض التقليدي الذي تنظمه روسيا بمناسبة الذكرى الـ81 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ستجري دون معدات عسكرية. وهذه ستكون أول مرة منذ أن شنت موسكو غزواً شاملاً على أوكرانيا في عام 2022، لا توجد معدات عسكرية في المسيرة التي تجوب الميدان الأحمر في موسكو في التاسع من مايو المقبل، وهو اليوم الذي تحتفل فيه روسيا بأهم أعيادها وتظهر قدرتها العسكرية.

جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب)

من جانب آخر، يدرس الاتحاد الأوروبي فرض شروط أكثر صرامة لقرض قدمته لأوكرانيا وتمت المصادقة عليه رسمياً في قمة قبرص، الأسبوع الماضي، قيمته ‌90 مليار ​يورو (105.35 ‌مليار ⁠دولار)، ​ويشترط الاتحاد ربط بعض دفعات القرض بتعديل ضريبي ⁠على الشركات، لكن الاقتراح لا يحظى بقبول ​كبير.

وقال ‌تقرير «بلومبيرغ نيوز»، نقلاً ​عن مصادر مطلعة، الأربعاء، إن الخطة ستؤثر على ما قيمته 8.4 مليار ‌يورو مما يسمى بالمساعدة المالية الكلية ⁠من ⁠المتوقع منحها هذا العام في إطار البرنامج.


تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
TT

تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

تنفّس البريطانيون الصعداء، الأربعاء، بعد مغادرة الملك تشارلز العاصمة الأميركية باتّجاه نيويورك، غداة إلقاء خطاب تاريخي أمام الكونغرس وعقد محادثات ناجحة إلى حدّ كبير مع الرئيس دونالد ترمب، في محاولة لتجاوز الخلافات بين البلدين على خلفية حرب إيران.

ورغم نجاحها، فإن الزيارة لم تخلُ من المزحات المتبادلة بين القائدين والرسائل المبطّنة، كما شهدت خرقاً دبلوماسياً أثار بعض الجدل في المملكة المتّحدة؛ فخلال مأدبة عشاء رسمية أُقيمت، الثلاثاء، تكريماً للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، قال الرئيس الأميركي إن العاهل البريطاني وافقه، خلال اجتماع خاص، على أنه لا ينبغي السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وقال ترمب للحضور: «نقوم ببعض العمل في الشرق الأوسط حالياً... ونحقق تقدماً جيداً للغاية. لقد هزمنا عسكرياً ذلك الخصم تحديداً، ولن نسمح أبداً لذلك الخصم - تشارلز يوافقني، بل أكثر مني - لن نسمح له أبداً بامتلاك سلاح نووي».

جانب من مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض مساء 28 أبريل (أ.ف.ب)

ورغم أن كثيرين في بريطانيا قد يتفقون مع هذا الطرح، فإن تصريح ترمب أثار قدراً من الاستغراب بين المعلقين في المملكة المتحدة؛ إذ يُعدّ ذلك خرقاً واضحاً للبروتوكول. وبحسب الأعراف، لا يُفترض كشف تفاصيل المحادثات الخاصة مع الملك، وذلك جزئياً؛ لأنه يتوقّع من الملك البقاء فوق التجاذبات السياسية، وأيضاً لأن العاهل لا يستطيع الدخول في نقاش عام لتصحيح ما قد يُنقل عنه إذا أسيء اقتباسه.

وقال كريغ بريسكوت، الخبير في القانون الدستوري وشؤون الملكية في جامعة رويال هولواي بلندن، لوكالة «أسوشييتد برس» إنه «بشكل عام، ومن حيث البروتوكول، أتوقع أن تبقى المناقشات بين رؤساء الدول خلف الكواليس، في تلك الاجتماعات المغلقة، وأن تُحفظ سريتها». وأضاف: «هذا أمر كانت الحكومة البريطانية ترغب في تجنبه».

توتّر بين الحليفين

تأتي زيارة تشارلز وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، في اليوم الثالث من زيارتهما ⁠الرسمية للولايات المتحدة، في ظل توتر في العلاقات بين البلدين، بعد ‌أن انتقد ترمب مراراً رئيس الوزراء البريطاني ‌كير ستارمر لما يصفه سيد البيت الأبيض بـ«التقاعس» عن المساعدة في ​الحرب على إيران.

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

وكما هو الحال في جميع الزيارات الملكية، تُعدّ هذه الزيارة حدثاً دبلوماسياً منظماً بعناية، ويتم بناءً على طلب الحكومة البريطانية التي تأمل أن تسهم العلاقات الودية بين الملك وترمب، الذي يُظهر إعجاباً بالمؤسسة الملكية، في إصلاح هذا التوتر.

لكن ترمب يُعرف بأسلوبه غير التقليدي وميله إلى خرق الأعراف، ما أثار تساؤلات بشأن ما قد يقوله أو يفعله. وفي هذه الحالة، بدا أن تصريحات الملك - كما نقلها ترمب - تقع ضمن حدود السياسة البريطانية القائمة.

وقال قصر باكنغهام، في بيان يهدف إلى وضع تصريحات الرئيس في سياقها، إن «الملك يدرك بطبيعة الحال موقف حكومته الراسخ والمعروف جيداً بشأن منع انتشار الأسلحة النووية». وقال بريسكوت: «بطبيعة الحال، كان هذا هو التحدي دائماً: ماذا سيفعل ترمب أو يقول؟ هل سيضع الملك في موقف محرج؟». وأضاف: «كان هناك دائماً احتمال لما قد ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي... وأعتقد أن الأمر كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير».

خطاب تاريخي

وقبل مأدبة العشاء الرسمية، ألقى الملك تشارلز خطاباً أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، قوبل بتصفيق حار ومتكرر، حيث أشاد بالعلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، مع الإشارة إلى بعض نقاط الخلاف بشأن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والدعم لأوكرانيا، وضرورة مواجهة التغير المناخي.

استقبال ملك بريطانيا تشارلز أمام الكونغرس في واشنطن 28 أبريل 2026 (رويترز)

وقال تشارلز أمام الجلسة المشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب، إن «التحديات التي نواجهها أكبر من أن تتحملها أي دولة بمفردها»، داعياً الشركاء إلى الدفاع عن القيم المشتركة. وأضاف: «مهما كانت اختلافاتنا، ومهما كانت خلافاتنا، نحن نقف متحدين في التزامنا دعم الديمقراطية».

وألقى تشارلز الثالث خطابه تزامناً مع احتفال الولايات المتحدة بـ250 عاماً على إعلان استقلال المستعمرات الأميركية عن التاج البريطاني في 4 يوليو (تموز) 1776. وتابع: «أصلّي من كل قلبي أن يستمر تحالفنا في الدفاع عن قيمنا المشتركة... وأن نتجاهل الدعوات إلى مزيد من الانغلاق على أنفسنا»، مُشيراً إلى أن «هناك حاجة إلى عزيمة لا تلين للدفاع عن أوكرانيا وشعبها الشجاع، من أجل ضمان سلام عادل ودائم».

وكان الرئيس الأميركي قد أكّد، الثلاثاء، أن ليس لدى الولايات المتحدة «أصدقاء أقرب من البريطانيين»، خلال مراسم استقبال تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض.

وهذه ثاني مرة فقط يلقي فيها عاهل بريطاني كلمة في الكابيتول في واشنطن، بعد خطاب الملكة إليزابيث الثانية عام 1991.

وبعد تصفيق حار من المشرّعين، دان الملك البريطاني العنف السياسي، وأعرب عن أسفه لإطلاق النار الذي وقع، السبت، خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، معتبراً أن ما حدث هو محاولة لـ«إثارة المزيد من الخوف والفتنة»، لكنه أضاف: «لن تنجح مثل هذه الأعمال العنيفة أبداً» في ذلك. كما دعا الملك المعروف بدفاعه عن الطبيعة، إلى حماية البيئة.

محطة نيويورك

وصل تشارلز الثالث وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية التي استهدفت المدينة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وبدأ ملك وملكة بريطانيا يومهما في نيويورك بحضور مراسم في النصب التذكاري للضحايا ‌في جنوب مانهاتن، حيث دمر انتحاريون من تنظيم «القاعدة» برجي مركز التجارة العالمي، في هجوم أودى بحياة ما يقرب من 2800 شخص. والتقى تشارلز برئيس بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني خلال المراسم.

الملك تشارلز والملكة كاميلا برفقة رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ خلال زيارة نصب تذكاري لضحايا 9/11 يوم 29 أبريل (أ.ف.ب)

ويتوجه الملك ‌بعد ذلك إلى هارلم لزيارة منظمة مجتمعية محلية أطلقت مبادرة زراعية بعد الدوام الدراسي بهدف مكافحة انعدام الأمن الغذائي. ومثلت ⁠هذه المشاريع شغفاً ⁠للملك على مدى عقود. وفي الوقت نفسه، ستحتفل كاميلا بالذكرى المئوية لميلاد شخصية «ويني ذا بو» الخيالية التي ابتكرها إيه إيه ميلن، نيابة عن مؤسستها الخيرية «غرفة قراءة الملكة» في فعالية يصفها قصر بكنغهام بأنها «أدبية».


تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)

قطعت تركيا وأرمينيا خطوة جديدة على طريق تطبيع العلاقات بينهما، بعد عقود من قطع العلاقات وخلاف عميق بشأن مزاعم «الإبادة الجماعية للأرمن» عام 1915 خلال فترة الدولة العثمانية، التي تحييها أرمينيا وكثير من الدول الغربية في 24 أبريل (نيسان) من كل عام.

واستبدلت أنقرة ويريفان، هذا العام، بحالة التوتر والتراشق التي كانت تصاحب إحياء ذكرى الإبادة المزعومة، التي لا تعترف بها تركيا وتؤكد أنها كانت أحداثاً وقعت في شرق الأناضول إبان الحرب العالمية الأولى خلفت ضحايا من الجانبين، العملَ على مشروعات تعاون تسهم في دفع جهود تطبيع العلاقات المجمدة منذ عام 1993 بسبب النزاع على إقليم ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.

تفاهمات بترحيب أميركي

ووسط ترحيب أميركي، عُقد في مدينة كارص الحدودية مع أرمينيا في شمال شرقي تركيا، اجتماع لـ«مجموعة العمل المشتركة» بين البلدين، التي تشكلت بهدف إعادة تأهيل وتشغيل خط السكك الحديدية بين كارص ومدينة غيومري الأرمينية.

جانب من اجتماع تركي - أرميني في مدينة كارص الحدودية لبحث إعادة تشغيل خط سكة حديد بين البلدين (الخارجية التركية)

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن الاجتماع، الذي عقد الثلاثاء، جاء في إطار تفاهمات جرى التوصل إليها ضمن مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي انطلق منذ عام 2021.

ووفق البيان، فقد أكد الجانبان أهمية إعادة تفعيل خط السكك الحديدية بين كارص وغيومري في أسرع وقت ممكن، في إطار تعزيز روابط النقل الإقليمية.

ورحب السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، بالاجتماع، ووصفه، عبر حسابه على منصة «إكس»، بأنه «نقطة تحول مهمة» من حيث الترابط الإقليمي والسلام. وذكر برّاك أن خط كارص - غيومري كان ممراً تجارياً محورياً وحيوياً يربط المنطقة لأكثر من قرن، إلا إن آخر قطار مر عبره كان في يوليو (تموز) 1993.

وأضاف: «أُثمن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها تركيا وأرمينيا لتقريب اقتصاديهما وشعبيهما من جديد»، لافتاً إلى أن هذا التقدم يعكس الرؤية التي طرحها «مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، وقمة السلام «التاريخية» التي عُقدت (بين أميركا وأذربيجان وأرمينيا) في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس (آب) 2025.

وأطلقت تركيا، التي دعمت أذربيجان بقوة في حربها في ناغورنو قره باغ عام 2020، مباحثات لتطبيع العلاقات وحل القضايا الخلافية العالقة مع أرمينيا في عام 2021، وعينت سفيرها السابق لدى الولايات المتحدة، سردار كيليتش، ممثلاً خاصاً لها، كما عينت أرمينيا نائب رئيس برلمانها، روبن روبينيان، ممثلاً خاصاً لها، في إطار عملية الحوار بينهما، التي لا تزال مستمرة حتى الآن.

مصافحة بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال قمة بالبيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

وتوصلت أذربيجان وأرمينيا، العام الماضي، إلى اتفاق بشأن نص اتفاقية سلام؛ مما أسهم في دفع العلاقات الأرمينية - التركية. وفُتح معبر «أليكان- مارغارا» الحدودي بين البلدين، لأول مرة منذ 35 عاماً، لعبور المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى تركيا بعد زلزال 6 فبراير (شباط) 2023.

تقدم على مسار التطبيع

وحضر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، حفل تنصيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لولاية رئاسية جديدة في يونيو (حزيران) 2023، وبعد عامين أجرى أول زيارة عمل لتركيا بدعوة من إردوغان في 20 يونيو 2025، كانت الأولى على هذا المستوى بعد كثير من اللقاءات السابقة بين مسؤولي البلدين في محافل مختلفة.

ولم يطبق البروتوكول المعمول به في الزيارات الرسمية بالنسبة إلى رؤساء الدول والحكومات الآخرين على باشينيان، الذي التقى إردوغان بالمكتب الرئاسي في «قصر دولمه بهشه» بإسطنبول.

جانب من مباحثات إردوغان وباشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 بحضور وزيرَي خارجية البلدين (الرئاسة التركية)

لكن رئيس البرلمان الأرميني، ألين سيمونيان، وصف زيارة باشينيان بـ«التاريخية»؛ لأنها أول زيارة على مستوى رئيس وزراء أرميني، مؤكداً أن اجتماعه مع إردوغان اكتسب أهمية بالغة في سياق عملية التطبيع التي تجريها تركيا وأرمينيا، اللتان لم تُقما علاقات دبلوماسية بعد.

وقيّم باشينيان العلاقات بتركيا، خلال زيارة لاحقة لجمهورية التشيك، قائلاً: «عقدنا اجتماعات عدة بناءة للغاية مع الرئيس إردوغان، ورغم عدم تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حتى الآن، فإننا قد أحرزنا تقدماً ملحوظاً».

وأضاف: «على سبيل المثال، قبل 3 سنوات، عندما أرادت أرمينيا معرفة موقف تركيا من قضية ما، لم يكن بإمكانها ذلك إلا من خلال وساطة أطراف ثالثة، أما اليوم، فنجري اتصالات مباشرة، بل يومية، مع جيراننا».