بغداد وأربيل تتبادلان ورقتين لـ«حل مستدام»

مستشار الأمن العراقي يبحث تداعيات حل «العمال الكردستاني»

رئيس الحكومة محمد شياع السوداني ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني في أربيل (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني في أربيل (أرشيفية - إعلام حكومي)
TT

بغداد وأربيل تتبادلان ورقتين لـ«حل مستدام»

رئيس الحكومة محمد شياع السوداني ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني في أربيل (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الحكومة محمد شياع السوداني ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني في أربيل (أرشيفية - إعلام حكومي)

تبادلت بغداد، العاصمة الاتحادية، وأربيل، عاصمة إقليم كردستان الشمالي، ورقتين لحل مشكلات مزمنة تتعلَّق بموارد وأموال النفط ورواتب موظفي الإقليم، التي غالباً ما يتأخر دفعها إلى مستحقيها منذ نحو 15 عاماً نتيجة صراع سياسي حول النفوذ والصلاحيات.

يوم الأربعاء، وصل مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، إلى محافظة أربيل مكلفاً من رئيس الوزراء محمد السوداني لـ«عقد سلسلة من اللقاءات، السياسية والأمنية مع القيادات في إقليم كردستان»، طبقاً لبيان صادر عن المستشارية.

وتقول مصادر مطلعة إن لقاءات الأعرجي «ستُركز على قضايا أمنية بشكل أساسي، وكذلك على مضمون ورقتي الاتفاق والسعي لحل المشكلات بين الجانبين».

وبعد استقبال الأعرجي في أربيل، الأربعاء، قال مكتب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، إن الطرفين «بحثا استمرار التنسيق والتعاون بين الجيش العراقي والبيشمركة والقوات الأمنية، كما تطرقا إلى آخر الجهود والخطوات المتعلقة بعملية السلام في تركيا».

ومنذ سنوات تتبادل بغداد وأربيل زيارات سياسية وفنية ومالية لحل القضايا، من دون أن تسفر عن حلول مستدامة بين الجانبين.

وأعلن بيان صادر عن اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي، الثلاثاء، أنه «ناقش ورقتين، الأولى مقدمة من الجهات الاتحادية المعنية، والثانية من حكومة إقليم كردستان العراق، تخصان موضوع تسليم إيرادات الإقليم النفطية وغير النفطية وملف رواتب موظفيه وتوطينها».

وتحدّث البيان الحكومي عن قيام السوداني بالتوجيه لتشكيل لجنة برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير التخطيط محمد تميم، وعضوية وزراء؛ الإعمار والإسكان، والتعليم العالي، والعدل، والصحة، لمناقشة الورقتين مع جميع الجهات المعنية في الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم «على أن تُقدم اللجنة توصياتها إلى مجلس الوزراء، ليتمّ اتخاذ القرار المناسب بشأنها، في أقرب وقت ممكن».

وطبقاً لمسودة الورقتين التي نشرتهما شبكة «رووداو» الإخبارية الكردية، فإن الورقتين تتفقان على تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية (السيادية) إلى الحكومة الاتحادية، بيد أنهما تختلفان حول مقدار تلك الإيرادات.

مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي ووزير داخلية كردستان ريبر أحمد في أربيل (واع)

اتفاق الورقتين

تنص ورقة حكومة كردستان على تسليم النفط عبر شركة تسويق النفط «سومو» الاتحادية، أو من خلال الشركات العاملة داخل الإقليم، على أن تُستثنى الكميات المستهلكة محلياً، والمقدرة بـ65 ألف برميل يومياً.

في المقابل، تشترط ورقة الحكومة الاتحادية تسليم الكمية الكاملة المنتجة من الإقليم، والمقدّرة بـ282 ألف برميل يومياً، وتسليم 236 ألف برميل منها إلى شركة «سومو»، مع إبقاء الكمية المتبقية للاستهلاك المحلي، وتحمّل حكومة الإقليم تكلفة النقل والتوزيع.

وينص الاتفاق على ضرورة تسليم 50 في المائة من الإيرادات (الضرائب والرسوم الجمركية والضرائب الداخلية) غير النفطية، لكن الحكومة الاتحادية حدّدت سقفاً لا يقل عن 200 مليار دينار شهرياً، وهو ما يُعادل 4.7 تريليون دينار سنوياً.

وبشأن «معضلة» رواتب الموظفين في كردستان المزمنة، فإن أربيل تطالب في مسودتها بصرف رواتب شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 2025 بشكل استثنائي، استناداً إلى قرار المحكمة الاتحادية رقم «269/اتحادية/2023»، الذي ينص على عدم جواز ربط صرف الرواتب بأي خلاف سياسي أو إداري بين الطرفين.

في حين تضع الحكومة الاتحادية آلية تنفيذ مشروطة، تتضمن تسلم الموافقات الرسمية من الإقليم على الاتفاق، وتسلُّم النفط والإيرادات حسب الجداول المتفق عليها، وتشكيل لجان مشتركة فنية وقانونية لمتابعة التطبيق، إضافة إلى تشكيل لجنة بين بغداد وأربيل لاستكمال توطين رواتب الموظفين وفقاً لقانون المحكمة الاتحادية، وخلال 90 يوماً، وبعدها يكون التمويل للرواتب الموطّنة حصراً.

رئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس البرلمان العراقي محمود المشهداني في أربيل (شبكة رووداو)

حلول ترقيعية

بدوره، يقول كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب «الديمقراطي»، مسعود بارزاني: «لست متشائماً ولا متفائلاً بشكل كامل بشأن اتفاق الورقتين».

ويعتقد محمود في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة الوزارية التي شكلها رئيس الوزراء محمد السوداني، وفي حال نجاحها المفترض، فإن «حلولها للمشكلات ستكون ترقيعية كما حدث في السنوات السابقة، لأن الخلافات تتعلق بالعقائد السياسية التي تتعامل مع مفهوم الدولة الديمقراطية والفيدرالية».

ويعتقد محمود أن «قوى سياسية في بغداد لا تؤمن مطلقاً بالنظام الفيدرالي والديمقراطي، وتؤمن فقط بأن الغالبية من طائفة واحدة، وتسعى لإدارة نظام حكم شمولي بإكسسوارات ديمقراطية».

ويُشير إلى أن الخلافات سياسية في جوهرها، ولا تتعلق بمسألة النفط والرواتب، فبعض القوى في بغداد «تسعى بشدة إلى تجريد الإقليم من صلاحياته لحين إلغاء نظامه السياسي».

وبشأن زيارة مبعوث رئيس الوزراء إلى أربيل، يعتقد محمود أن الأعرجي «المقبول كردياً» سيناقش «أهم ملفين أمنيين، يتعلق الأول بالاتفاقية الأمنية بين بغداد وطهران وأربيل المتعلقة بوجود المعارضة الإيرانية، ووجودها قرب الحدود العراقية الإيرانية في كردستان».

وإلى جانب ذلك، «سيناقش الأعرجي ملف حزب (العمال الكردستاني) التركي، خصوصاً أنه من نقاط الخلاف بين أنقرة وبغداد، لأن بعض الأذرع التابعة لحزب (العمال) الموجودة في مناطق سنجار ومخمور رفضت بيان عبد الله أوجلان بنزع أسلحة الحزب العمالي».

ويشير محمود إلى أن تلك الأجنحة «واجهة من واجهات (العمال)، وتتقاضى معاشاتها وأسلحتها وتدريباتها من قبل قيادة الحشد الشعبي، وهي واحدة من العقد الخلافية بين أنقرة وبغداد».


مقالات ذات صلة

تضارب مواقف الفصائل العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة

المشرق العربي رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني ووزير الدفاع ثابت العباسي يقرآن الفاتحة أمام نصب الجندي المجهول في بغداد (المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء)

تضارب مواقف الفصائل العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة

يبدو التضارب حاضراً في المواقف المختلفة التي تصدر عن قادة الفصائل والجماعات الشيعية المسلحة بشأن دعوات نزع السلاح وحصره بيد الدولة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

القضاء العراقي «لا يتبنى» أي مرشح لرئاسة الحكومة

شدد مجلس القضاء الأعلى في العراق، السبت، على أن السلطة القضائية لا تتدخل مطلقاً في ملف اختيار المرشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي قادة «الإطار التنسيقي» وقّعوا على بيان لإعلانهم «الكتلة الأكثر عدداً» في البرلمان العراقي الجديد (واع)

سافايا يضغط لإنهاء «الميليشيات والتدخل الخارجي» في العراق

يتصاعد الضغط الأميركي لإنهاء الميليشيات والسلاح المنفلت في العراق، بالتزامن مع مفاوضات بطيئة داخل «الإطار التنسيقي» لحسم اسم المرشح النهائي لرئاسة الحكومة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (إ.ب.أ)

الخلافات السياسية تهيمن على الجلسة الأولى للبرلمان العراقي

انتخاب رئيس البرلمان لا يزال موضع تنافس شديد داخل القوى السنية بين حزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، و«تحالف عزم» بزعامة مثنى السامرائي.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

السوداني يؤكد تلقي العراق تهديدات «عبر طرف ثالث»

أكد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني تلقي بغداد تهديدات إسرائيلية «مستمرة» وصلت عبر طرف ثالث، في أول إقرار رسمي من هذا المستوى.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الجيش السوري يستهدف مواقع «قسد» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي

عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
TT

الجيش السوري يستهدف مواقع «قسد» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي

عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)
عناصر من قوات الأمن السورية يقفون بجوار مركبات محترقة وذخيرة ملقاة على الأرض في حي الشيخ مقصود حيث اندلعت الاشتباكات الثلاثاء 6 يناير بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد بمدينة حلب السورية - 12 يناير 2026 (أ.ب)

أفاد تلفزيون «الإخبارية» السورية، اليوم (الثلاثاء)، بأن الجيش استهدف بقذائف المدفعية مواقع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في محيط مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي شمال البلاد.

ونقلت القناة الرسمية عن مصدر عسكري لم تسمّه، القول إن القصف المدفعي جاء رداً على استهداف «قسد» محيط قرية حميمة في ريف حلب الشرقي بالطائرات المسيّرة.

كانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد قالت، أمس (الاثنين)، إنها رصدت وصول مزيد من المجموعات المسلحة إلى نقاط انتشار «قسد» في ريف حلب الشرقي قرب مسكنة ودير حافر، فيما أفادت «الوكالة العربية السورية للأنباء» بوصول تعزيزات جديدة للجيش إلى تلك النقاط رداً على تحركات «قسد».

سيارات متضررة عقب اشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد وقوات الحكومة السورية في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب - 11 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ونفت «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها الأكراد، وجود أي تحركات أو حشد عسكري لقواتها في مناطق مسكنة ودير حافر، وقالت إن تلك المزاعم «لا أساس لها من الصحة».

ويوم الأحد الماضي، ذكرت وسائل إعلام سورية أن آخر مقاتلي «قسد» غادروا حلب بعد اتفاق التهدئة الذي سمح بعملية الإجلاء عقب اشتباكات دامية استمرت لأيام مع القوات الحكومية.


أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

لم يتلقَ وسام (اسم مستعار) المقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت، أي إجابة على موعد صرف تعويضات بدل الإيواء للسنة الثانية من «حزب الله». أبلغه المسؤول عن التعويضات بأنه «حتى الآن لا موعد محدداً لصرف التعويضات»، وأنه «حين تجهز الدفعة، سنبلغك هاتفياً».

لم يكشف المسؤول عن الأسباب التي حالت، حتى الوقت الراهن، دون صرف تعويضات بدل الإيواء المحددة بـ4800 دولار سنوياً، كبدل إيواء عن كل وحدة سكنية دُمرت خلال الحرب، وترك هذا الغموض آلاف الأسر من سكان الضاحية في حيرة، ما يكرر الأسئلة على لسان السكان: «هل سيوقف (حزب الله) الدفعات أم أنها ستتأخر فقط؟»، و«هل التأخير ناتج عن أزمة مالية، أم عن أسباب تقنية؟».

51 ألف وحدة سكنية مدمرة تماماً

ويتخطى عدد الوحدات السكنية المدمرة بالكامل جراء الحرب، الـ51 ألف وحدة سكنية، حسب تقديرات شركة «الدولية للمعلومات» الإحصائية، بينها 9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1500 وحدة في البقاع، و22 ألفاً في منطقة الشريط الحدودي. وازداد هذا الرقم خلال العام الماضي، إثر الضربات الإسرائيلية والتفجيرات التي طالت منازل في منطقة الشريط الحدودي، فضلاً عن الاستهدافات بعد إنذارات إخلاء على دفعتين طالت الضاحية الجنوبية لبيروت.

صورة للأمينين العامّين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين على مبنى استُهدف في عملية اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - رويترز)

وبعد أقل من شهر على توقف الحرب، بدأ «حزب الله» بصرف تعويضات بدل إيواء للسكان، وخصص مبالغ 400 دولار شهرياً للمتضررين في الضاحية الجنوبية، و300 دولار للمتضررين في الجنوب والبقاع، إضافة إلى صرف بدل أثاث يتراوح بين 6 و8 آلاف دولار تُدفع مرة واحدة، بينما تُصرف تعويضات بدل الإيواء سنوياً، أو على دفعات، كما دفع الحزب مبالغ تُقدر بعشرات ملايين الدولارات، بدل ترميم المباني المتضررة وغير المهدمة كلياً.

وبعدما تلقى معظم السكان بدلات الإيواء عن السنة الماضية، لم يتلقَّ هؤلاء، حتى الآن، أي إشعار بالقبض عن السنة الثانية. يقول وسام لـ«الشرق الأوسط»: «لا يملك من نراجعهم إجابة واضحة، كما لا يجيبون عن التساؤلات التي نسمعها في الشارع عن أن الحزب سيوقف الدفع نهائياً، أو سيؤخره».

تحقيقات في دفوعات السنة الأولى

في أوسط جمهور الحزب، تتردد قصة تتحدث عن تحقيقات يجريها الحزب في دفعات العام الماضي. ويقول أحد هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات الأولى، أفضت إلى وجود «محسوبيات» في الدفعات، حيث «حصل بعض المتضررين على تعويضات تتخطى قيمة الأضرار الفعلية، نتيجة سوء تقييم، أو محاباة لبعض الناس». ويضيف: «لم تكن الدفعات متناسبة مع حجم الأضرار، فمثلاً بلغت تقديرات بعض المنازل 800 دولار، لكن حصل في النهاية على نحو 1500 دولار... وفي المقابل، صُرفت بدلات ترميم أقل من قيمتها الفعلية، فلجأ أصحاب المنازل السكنية إلى الاعتراض، وبالفعل، تم دفع مبالغ إضافية». ووضع المصدر هذا الأمر في إطار «الفوضى»، و«المحسوبيات»، لافتاً إلى أن هناك تحقيقات تتم لتسوية الأمر، وهو ما أدى إلى التأخير في الدفوعات.

أزمة مالية

لكن التحقيقات في ملفات إعادة الترميم، يُفترض ألا تعرقل دفع بدلات الإيواء، بالنظر إلى أن الحزب حدّد قيمتها الشهرية أو السنوية، كما أن المنازل المدمرة أُجريت كشوفات عليها، حسبما تقول مصادر معارضة لـ«حزب الله»، واضعة التأخير في صرف تعويضات بدل الإيواء، إلى «الأزمة المالية التي يعاني منها (حزب الله)».

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «المنطق يقول إن تحديد بدلات الإيواء لا تشوبه محسوبيات ولا محاباة ولا زبائنيّة، خلافاً لتعويضات الأضرار والترميم، ويجب أن تُصرف من دون عوائق... لكن المرجح أن الحزب يعاني من أزمة مالية، وهو ما يجعله يؤخر الدفعات».

وتضيف المصادر: «منذ العام الماضي، بدأت الضغوط على الحزب تشتد، وبدأت من إغلاق الحدود السورية، ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار بيروت، وتشديد الإجراءات في المطار والمرافئ، إضافة إلى الضغوط على (مؤسسة القرض الحسن)، كلها تدابير قلصت قدرة وصول الأموال الإيرانية إلى الحزب»، مشيرة إلى أن الأعباء المالية التي ترتبت على الحزب «تضاعفت بشكل غير مسبوق، حيث بات ملزماً بدفع رواتب عناصره الذين قُتلوا في الحروب، ودفع تقديمات اجتماعية إضافية لعائلاتهم، إضافة إلى زيادة الإنفاق على الطبابة للجرحى جراء الحرب، في وقت تعاني فيه إيران من مشكلات مالية إضافية تمنعها من زيادة مخصصات الحزب، وهو ما يفاقم الأزمة المالية عنده».

البحث عن بدائل

بمعزل عن الحالتين (الأزمة المالية أو التحقيقات الداخلية)، لم تُصرف بدلات الإيواء لهذا العام، ولم يستكمل الحزب دفع بدلات الترميم المتبقية للمتضررة منازلهم من الحرب؛ ما وضع السكان في حيرة، ودفع بعضهم للبحث عن بدائل. ويقول لبناني من البقاع لـ«الشرق الأوسط» إنه تخلى عن المنزل المُستأجر قبل 3 أشهر، وانتقل إلى بلدة ثانية في البقاع ليقيم في منزل قريب له، لعصر النفقات، وتحسباً لئلا يُدفع بدل الإيواء. ويضيف: «كانت الأمور واضحة منذ الصيف، حين توقف الحزب عن استكمال دفع بدلات الترميم؛ ما يشير إلى أزمة تعتريه، فاتخذت القرار قبل بدء الموسم الدراسي، لتجنب أي تقصير في دفع بدل إيجار منزلي».

مواطنون يتجمعون أمام مبنى مدمّر بالضاحية الجنوبية لبيروت إثر غارات إسرائيلية استهدفته قبل أشهر (أرشيفية - إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، ضغط سكان في منطقة المريجة بالضاحية، على الحزب لتدعيم أساسات مبنى تعرض لضربة عنيفة لكنه لم يسقط، كما ضغطوا على «جهاد البناء» لتركيب مصعد للبناية، لتجنب هدمه وبقائهم خارج منازلهم أوقاتاً طويلة، وتولى السكان إصلاح منازلهم على نفقتهم الخاصة، كي يتمكنوا من العودة، تحسباً لئلا يتلقوا بدلات الإيواء. وقال أحدهم إنه استدان نحو 20 ألف دولار، لإصلاح منزله، وذلك «لتخفيف الإيجارات في ظل تراجع إمكاناتي المادية».

وسدد «حزب الله» قسماً كبيراً من بدلات إعادة الترميم، في معظم المناطق، لكن الدفوعات اقتصرت على الوحدات السكنية نفسها، ولم تشمل الأقسام المشتركة، مثل إعادة طلاء المباني من الخارج، أو ترميم مداخل الأبنية، لكن الناس، لا تجد بديلاً سوى العودة إلى المنازل «لتجنب دفع الإيجارات».


برودة في علاقة عون و«حزب الله»... والتواصل عند «الحدّ الأدنى»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
TT

برودة في علاقة عون و«حزب الله»... والتواصل عند «الحدّ الأدنى»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صور أمنائه العامّين في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - رويترز)

تتسم علاقة الرئيس اللبناني، جوزيف عون، بـ«حزب الله» ببرودة؛ إذ يجري التواصل بين الطرفين ضمن «الحدّ الأدنى»، وفق ما قالت مصادر وزارية، في وقت عمّقت فيه تصريحات عون بشأن سلاح «الحزب» الهوة بين الطرفين، وهو ما ظهر في انتقادات سجلها «الحزب» ضد الرئيس اللبناني.

وكان عون قال في مقابلة تلفزيونية، بمناسبة الذكرى الأولى لتسلمه مهامه الرئاسية، إن «دور السلاح خارج الدولة انتفى بوجود الجيش، وبقاؤه صار عبئاً على بيئته وعلى لبنان ككل، ولم يعد له من دور رادع». وفي المقابل، أشار وزير «حزب الله» السابق، محمد فنيش، في مقابلة تلفزيونية، إلى أن «لدى (الحزب) ملاحظات على مواقف الرئيس الأخيرة»، قائلاً: «نختلف معه شكلاً ومضموناً في بعض الفقرات... فنحن لسنا طرفاً آخر؛ نحن قوة مقاومة أسهمت إسهاماً كبيراً في تحرير لبنان».

تواصل بارد

وشددت مصادر وزارية، مطلعة على موقف عون، على أن «المواقف التي أطلقها ليست جديدة، لكن الظروف الحالية قد تكون مختلفة عن تلك السابقة»، لافتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه المواقف تنطلق من قناعة لدى الرئيس بأن السلاح خارج إطار الدولة لم يعد له أي منفعة، وانتفى دوره، وبات عبئاً على الجميع، وضمناً على الطائفة الشيعية وبيئة (الحزب)، وهذا بنهاية المطاف توصيف لواقع موجود».

وعدّت المصادر أن «ردود الفعل من جمهور (الحزب) منتظرة، لكنها لا تمنع أن يبقى التواصل قائماً، فذلك بنهاية المطاف مصلحة للفريقين، خصوصاً لـ(الحزب)، بغض النظر عن الأصوات القريبة من (الحزب) التي تخرج من هنا وهناك»، كاشفة عن أنه «في الفترة الأخيرة لم يكن هناك تفعيل للتواصل أو حماوة معينة».

عون - سلام

وطوال الفترة الماضية، حرص «حزب الله» على الحفاظ على علاقة جيدة بالرئيس عون، فصوّت نواب «الحزب» لمصلحته في جلسة انتخابه بعد دعمهم أشهراً طويلة انتخاب سليمان فرنجية، حتى إن قيادة «الحزب» بدأت حواراً معه بعيداً عن الأضواء بخصوص ما عُرفت بـ«استراتيجية الأمن الوطني»، لكنه لم يصل إلى أي نتائج. ولا تزال قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين لمعالجة ملف السلاح شمال الليطاني في ظل رفض «الحزب» التعاون في هذا المجال.

وتركّز هجوم قيادة وجمهور «حزب الله»، منذ إقرار مجلس الوزراء في أغسطس (آب) الماضي حصرية السلاح بيد الدولة، على الحكومة التي يتمثل فيها، كما ساءت العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة، نواف سلام، الذي لم يصوّت «الحزب» له في الاستشارات النيابية.

رد فعل طبيعي

ويعدّ الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، أن رد فعل جمهور «الحزب» على مواقف عون الأخيرة «رد فعل طبيعي، لا سيّما بسبب عدم أخذه في الحسبان دور المقاومة في حماية لبنان، والدعوة إلى إنهاء دور السلاح من دون تقديم أي ضمانات لما بعد تسليمه وخيارات بديلة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ورأى قصير، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «موقف جمهور (الحزب) لا يعني بالضرورة أنّه يمثّل موقف القيادة... فوفق المعلومات، لا تزال قنوات التواصل قائمة بين الطرفين، لكن المشكلة أن الاتصالات لم تُفضِ إلى رؤية موحدة بينهما»، مضيفاً: «هناك ملاحظات من قبل (حزب الله) بشكل رسمي على أداء الحكومة وأداء الدولة، لا سيّما على صعيد المفاوضات وتقديم تنازلات من دون أي ضمانات أو نتائج ملموسة».

ازدواجية في الخطاب

من جهته، يشير الأستاذ الجامعي والمحامي علي مراد إلى أن «بعض جمهور (حزب الله) على وسائل التواصل الاجتماعي يعتمد خطاب التخوين الأقصى مع كل من يخالفه الرأي، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك، فلدى هذا الجمهور لا وجود لألوان رمادية. لكن هذا لا يعني أن الأزمة أزمة جمهور بقدر ما أنها أزمة الخطاب السياسي والتعبئة التي اعتمدها (حزب الله) طيلة عقود، والذي رسّخ ثقافة لا تميّز بين الأسود والأبيض، وكرّس، بشكل مباشر أو غير مباشر، خطاب التخوين؛ فإمّا أنت معنا بالكامل، وإما أنت ضدنا بالكامل».

لاجئة سورية إلى مخيم للاجئين أقامه «حزب الله» في الهرمل شرق لبنان... وتظهر صور للمرشد الإيراني علي خامنئي وزعيم «الحزب» نعيم قاسم وأمينه العام الأسبق (إ.ب.أ)

ويرى مراد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية خطاب (حزب الله)، فهو يدرك تماماً أنّ الواقع بات شديد الصعوبة بعد الخسارة الكبيرة التي مُني بها والهزيمة العسكرية من جهة، وبعد تراجع المحور عموماً من جهة أخرى؛ لذلك نشهد تناقضاً واضحاً بين ما يقوله (الحزب) وما يؤمن به فعلياً». ويضيف مراد: «هذا التناقض يظهر بوضوح في خطابات الأمين العام لـ(الحزب) الشيخ نعيم قاسم، حيث نرى خطابين: الأول يعترف بالواقع نسبياً ولا يزال متمسكاً بعدم تسليم السلاح. والخطاب الآخر (تعبوي) ينتمي إلى زمن سابق؛ ما قبل عملية البيجر و(حرب الإسناد)»، لافتاً إلى أن «ما قاله رئيس الجمهورية يذهب في هذا الاتجاه، لجهة أن (الحزب) بوضعه السابق انتهى، وبات عبئاً على لبنان والشيعة وأهل الجنوب». ويضيف: «بالتالي، التمسك بالخطاب نفسه اليوم، لا يعني سوى رفض الواقع وممارسة الإنكار، وهو نوع من العنجهية السياسية التي يترجمها الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تعكس قناعات (الحزب) ودوائره الإعلامية أيضاً».

لا مصلحة في «كسر الجرّة»

ويعدّ مراد أن «ما أزعج جمهور (الحزب) في كلام الرئيس، هو الحقيقة التي لا يراد له أن يعترف بها، ألا وهي انتهاء دور (حزب الله) وخروجه من معادلة الردع، ومن قدرته على تحقيق أي من أهداف لبنان اليوم بمعزل عن كل التقييم السابق... فالرئيس قال الحقيقة، وهي حقيقة يجب أن تقال».

وعما إذا كانت العلاقة شارفت على الانكسار بين «الحزب» وعون، يقول مراد: «ليس من مصلحة (حزب الله) إطلاقاً أن يكسر الجرّة سياسياً مع رئيس الجمهورية، ولا حتى مع رئيس الحكومة، خصوصاً أنه يعي أن ما يقومان به يصبّ في مصلحة لبنان، ويخدم مصلحة الجنوب تحديداً، وفي مكان ما يجنّب (حزب الله) وبيئته مخاطر خيارات قاتلة قد تقود إلى مصير أسود إذا سلكوا طريق الإنكار أو خيار الانتحار السياسي».