«كمين بيت حانون» يثير أسئلة صعبة ومخاوف في إسرائيل

هجوم حاد على نتنياهو لإبقاء الجيش هناك «بلا سبب»

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
TT

«كمين بيت حانون» يثير أسئلة صعبة ومخاوف في إسرائيل

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)
جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)

أثار كمين قُتل فيه 5 جنود إسرائيليين، وأصيب 14 آخرون في بيت حانون بشمال قطاع غزة الكثير من الأسئلة في إسرائيل حول الحرب الدائرة في القطاع، ووضع الجيش بها، ومستقبل هذه الحرب، وفتح أيضاً باب مخاوف قوية من احتمال انزلاق القوات في حرب استنزاف منهكة مع «حماس».

وعلى الرغم من أن الكمين الذي نفذته «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، لم يكن الأول من نوعه، فقد أحدث عاصفة وموجة غضب وصدمة في إسرائيل.

كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، صباح الثلاثاء، مقتل 5 من جنوده وإصابة 14 آخرين جراء انفجار عبوة ناسفة على الطريق في بيت حانون الليلة السابقة.

وبحسب تحقيق أولي للجيش، انفجرت العبوة بعد العاشرة مساءً بقليل خلال عمليات برية. ولم يكن الجنود داخل مركبة، بل كانوا يتحركون سيراً على الأقدام حين وقع الانفجار الذي أعقبه إطلاق وابل من النيران خلال محاولات إجلاء المصابين، بحسب التحقيق.

ومن بين الجرحى الأربعة عشر، وُصفت حالة اثنين منهم بالخطيرة.

وقال الجيش إن منطقة الهجوم شهدت أيضاً استهدافاً جوياً قبل بدء عمليات القوات البرية، وإن عناصر «حماس» وصلوا عبر أنفاق.

كتيبة الحريديم

كان الجيش قد بدأ عملية في بيت حانون، وهي مدينة سيطر عليها مرات عدة خلال القتال، ومشَّط المنطقة جواً قبل دخولها.

دبابة إسرائيلية تتحرك قرب الحدود مع غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويشارك في العملية لواءان هما اللواء 646 (قوة احتياط المظليين)، واللواء الشمالي من فرقة غزة الذي يضم الكتيبة المستهدفة، الكتيبة 97 (نيتسح يهودا)، والهدف المعلن هو حماية الحدود الشمالية قرب سديروت وكيبوتس نير عام.

وتتكون كتيبة «نيتسح يهودا» في معظمها من جنود الحريديم (المتشددين دينياً)، وقد تأسست عام 1999 لاستيعاب هذه الفئة من الجنود مع احتفاظهم بنمط حياة ديني. ويُشار إليها أيضاً بـ«شباب الحريديم العسكريين»، وهي تحمل اسم يهودا دوفدفاني، أحد مؤسسي الكتيبة.

وقالت «القناة 12» إن هذه الكتيبة تلقت أشد ضربة في تاريخها في كمين بيت حانون. فمن بين القتلى الخمسة، هناك 4 من الكتيبة، وكذلك معظم المصابين.

وأضافت: «هذا هو أدمى حادث تتعرض له كتيبة نيتسح يهودا منذ تأسيسها قبل 26 عاماً». وتابعت القناة في التقرير الذي بثته صباح الثلاثاء: «الخسائر الفادحة التي تكبدتها الكتيبة الليلة الماضية تعادل عدد الضحايا الذين تكبدتهم في جميع أشهر القتال الأخرى منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».

جنود إسرائيليون في جنازة زميل لهم بالقدس الثلاثاء بعد مقتله بقطاع غزة في الليلة السابقة (إ.ب.أ)

ويرفع حادث بيت حانون عدد قتلى الجنود الإسرائيليين إلى 449 جندياً في الهجوم البري في غزة، وإلى 888 جندياً منذ بداية الحرب عموماً.

«القسام» تتوعد بالمزيد

توعدت «كتائب القسام» الجنود الإسرائيليين بالمزيد من «كمائن الموت» ما بقوا في قطاع غزة.

وقال الناطق باسمها، أبو عبيدة، في تدوينة: «إن معركة الاستنزاف التي يخوضها مقاتلونا ستكبّد الاحتلال كل يومٍ خسائر إضافية... وربما أسرى».

وأضاف: «إن القرار الأكثر غباءً الذي يمكن أن يتخذه نتنياهو سيكون الإبقاء على قواته داخل القطاع». وتوعَّد: «جنائز وجثث جيش العدو ستصبح حدثاً مستمراً».

«دروس الماضي»

تحولت مسألة إبقاء القوات في غزة، والثمن المدفوع فعلاً، إلى مثار جدل كبير في إسرائيل بعد الكمين.

وكتب عوفر شيلح، أحد أبرز كُتاب الأعمدة والباحث في معهد دراسات الأمن القومي، مقالاً نشرته «القناة 12» يتهم فيه القيادة الإسرائيلية بعدم تعلم الدروس المستفادة من أحداث لبنان بعد الحرب هناك عام 1982 ضد «حركة فتح» و«منظمة التحرير الفلسطينية».

وقال شيلح في مقاله: «من لبنان إلى غزة... 40 عاماً... ما الذي تغير؟».

واستطرد: «في ذلك الوقت، بعدما حقق الجيش هدفه في لبنان، لم يغادر، وبقي هناك مُتكبداً خسائر فادحة، وقد أُنهك حتى النخاع. واليوم يكرر نفس الأمر في قطاع غزة، ويسوق نفس الأسباب بشكل مؤلم: الردع، ومنع العدو من الشعور بالنصر، وعودة الرهائن؛ مع اعتقاد أن الضغط العسكري وحده سيحقق النصر، وبالطبع الادعاء بأن الآن ليس الوقت المناسب».

وأضاف: «هذه هي الأسس الدائمة للجمود الأمني ​​الإسرائيلي الذي يقوم على أساسين: غياب تحرك سياسي مُكمّل يُحدد الإنجازات العملياتية التي تُصبح غايةً في حد ذاتها لا وسيلة، وفكر عسكري ضيق الأفق يتجاهل دروس الماضي وينسجم مع المصالح السياسية للقيادة السياسية».

ويرى شيلح أنه على الرغم من روايات «فككنا، دمّرنا» التي تُروّج لها وسائل الإعلام يومياً، فإن الجيش الإسرائيلي «لم يُحقق أي إنجاز منهجي في قطاع غزة. وخلافاً لتقارير الجيش، فإن تحقيق هذا الإنجاز مُستحيل».

وأضاف: «هناك جهل طوعي بما نفعله في غزة».

مخاوف من «حرب استنزاف»

يخشى الإسرائيليون أن يكلفهم البقاء في غزة خسائر فادحة يومية في «حرب استنزاف لا داعي لها».

وأشار أمير بوحبوط، المراسل العسكري في موقع «واللا»، إلى أن الكمين يثير تساؤلات بالغة الصعوبة وقلقاً كبيراً في المنظومة الأمنية.

وكتب: «في الخلفية، تُثار مزاعم عن استنزاف متزايد للقوات النظامية والاحتياطية».

وأكدت إذاعة الجيش هذا الاستنزاف، وقالت إن نحو 70 في المائة من قتلى الجيش في غزة سقطوا نتيجة الكمائن والألغام.

ولم يسلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو من الهجوم بعد الكمين، فتلقى انتقادات قاسية من عائلات جنود وأسرى، وكذلك من مسؤولين ووسائل إعلام.

وقال موقع «واللا» إن العالم كله يريد إنهاء الحرب إلا الحكومة الإسرائيلية «هي الوحيدة غير المهتمة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم في القدس الثلاثاء بعد مقتله في غزة (رويترز)

وخرج الإعلامي إيال بيركوفيتش في بداية برنامجه الإذاعي على قناة «103 إف إم» قائلاً: «الجنود يموتون بلا سبب، وأيدي نتنياهو ملطخة بدمائهم». وأضاف: «يرسلهم إلى غزة لمجرد حماية نفسه؛ بينما زوجته، التي تعلم بوجود جنود قتلى، تنشر صورة على (إنستغرام) لباقة زهور أهداها إياها ترمب».

أما الوزراء المتطرفون فاستغلوا الكمين، وطالبوا بوقف المباحثات مع «حماس».

وقال وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، إنه تجب إعادة الوفد الإسرائيلي من مفاوضات الدوحة، مضيفاً: «لا ينبغي التفاوض مع من يقتل جنودنا، بل تقطيعه وتجويعه حتى الموت وعدم إنعاشه بمساعدات إنسانية تمنحه الأكسجين. حصار مطلق، ضربات عسكرية، تشجيع الهجرة، والاستيطان... هذه هي مفاتيح الانتصار المطلق، وليس صفقة تنازلات».

وأيده وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى «تطويق مناطق القتال، وإنهاك العدو فيها».


مقالات ذات صلة

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

شمال افريقيا جانب من إسعاف المصابين الفلسطينيين بواسطة «الهلال الأحمر المصري» الاثنين (هيئة الاستعلامات المصرية)

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

أشاد شعث بالكفاءة العالية التي شاهدها في «مستشفى العريش العام»، واصفاً الخدمات الطبية وتجهيزات استقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين بأنها «ممتازة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

أعاد تحفظ لرئيس حركة «حماس» في الخارج، خالد مشعل، بشأن نزع سلاح الحركة في قطاع غزة، تساؤلات عن تداعياته.

محمد محمود (القاهرة )
العالم متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

استخدمت الشرطة بمدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم، مع متظاهرين مشاركين بمَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتوالت الاتهامات عليه بالكذب

نظير مجلي (تل أبيب)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.