​عودة التحشيد المسلّح للعاصمة الليبية... والمنفي يحضّ على التهدئة

وسط تخوّف من تجدّد الاشتباكات بين قوات للدبيبة وموالين لـ«كارة»

جانب من الإجراءات الأمنية في إطار تنفيذ خطة تأمين العاصمة طرابلس (وزارة الداخلية بغرب ليبيا)
جانب من الإجراءات الأمنية في إطار تنفيذ خطة تأمين العاصمة طرابلس (وزارة الداخلية بغرب ليبيا)
TT

​عودة التحشيد المسلّح للعاصمة الليبية... والمنفي يحضّ على التهدئة

جانب من الإجراءات الأمنية في إطار تنفيذ خطة تأمين العاصمة طرابلس (وزارة الداخلية بغرب ليبيا)
جانب من الإجراءات الأمنية في إطار تنفيذ خطة تأمين العاصمة طرابلس (وزارة الداخلية بغرب ليبيا)

عاد التحشيد المسلّح من جديد إلى شوارع العاصمة الليبية طرابلس، فيما حضّ رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي، المتناحرين على التمسّك بالتهدئة، وببنود وقف إطلاق النار.

وعلى خلفية الأوضاع المتوترة بالعاصمة، عقد المنفي بصفته «القائد الأعلى للجيش الليبي»، اجتماعاً موسعاً ليل الأربعاء - الخميس، بحضور رئيس الأركان العامة الفريق أول محمد الحداد، ولجنة متابعة تنفيذ الهدنة: رؤساء الأركان النوعية، وآمر المنطقة العسكرية الوسطى، ورئيس هيئة العمليات.

وأوضحت رئاسة الأركان العامة بغرب ليبيا، أن الاجتماع خُصِّص لمتابعة مستجدات الأوضاع الأمنية في المنطقة الغربية عامة، وفي العاصمة طرابلس على وجه الخصوص. وقالت إن «القائد الأعلى ناقش خلال اللقاء مدى التزام الأطراف المعنية ببنود وقف إطلاق النار، وضرورة عودتهم الفورية إلى مقارهم الأصلية، وفقاً لما نصّت عليه التفاهمات الأمنية القائمة».

ويشدد المنفي «على أهمية مواصلة العمل لتنفيذ مراحل الهدنة بكل دقة وشفافية»، داعياً إلى «الإسراع في معالجة التحديات الماثلة أمام اللجنة؛ بما يضمن الحفاظ على حالة التهدئة وتعزيز أجواء الطمأنينة في العاصمة، التي تُعد بيتاً جامعاً لكل الليبيين».

وسبق أن وقعت الأطراف السياسية والأمنية في العاصمة على اتفاق هدنة لاستعادة الاستقرار، بعد قتال عنيف بين قوات موالية لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعناصر مسلحة تابعة لجهاز «قوة الردع الخاصة»، بزعامة عبد الرؤوف كارة، وموالين له الشهر الماضي.

ومنذ توقف الاقتتال، تسود العاصمة حالة من الهدوء الحذر وسط تخوفات من تجدد الاشتباكات، بينما تواصل سبعة كتائب وألوية مسلحة المشاركة في فصل المتقاتلين عبر نقاط تماس تم الاتفاق عليها وسط طرابلس.

المنفي يترأس اجتماعاً أمنياً موسعاً لمتابعة تنفيذ الهدنة في طرابلس (رئاسة الأركان التابعة للوحدة)

وتتحدث مصادر سياسية بالعاصمة لـ«الشرق الأوسط» عن وجود «تسخين بين القوات والأجهزة الأمنية ممن يوالي الدبيبة من جهة، وجهاز قوة الردع الخاصة والموالين له من جهة أخرى»، مشيرة إلى «وجود تحركات وتحالفات جديدة».

كما أشارت المصادر إلى وجود «معركة مؤجلة» بين الدبيبة وكارة. وقالت إن كلا منهما يخطط «لمعركته الأخيرة»، وإن الأول «يسعى إلى استعادة قاعدة معيتيقة من قوة الردع، لكونها آخر معقل عسكري لا يخضع لسلطة حكومة الوحدة».

وبسطت قوات الدبيبة نفوذها نسبياً على العاصمة، بعدما فكّت ارتباطها بتشكيلات مسلّحة، من بينها جهاز «دعم الاستقرار» برئاسة عبد الغني الككلي، الذي قُتل في عملية وُصفت بأنها «أمنية معقّدة».

ويسعى الدبيبة إلى التخلص من كارة بعد إصدار قرار بتفكيك جهازه، لكنه فشل في ذلك، إذ اندلعت معارك انتهت إلى «هدنة»، فيما بقي الجمر متقداً تحت الرماد.

وكان الدبيبة، وهو يستعرض كيف دانت له العاصمة بعد سيطرة الميليشيات، قال إن «عصر الحاج والشيخ في الأجهزة الأمنية والعسكرية قد انتهى، ولن يبقى في الصفوف إلا من هو مؤهل، ومنضبط، وخاضع للسلطة، وخادم للقانون». في إشارة إلى الككلي الملقب بـ«الحاج»، و«الشيخ» كارة ذي الآيديولوجية السلفية.

وتقول وزارة الداخلية بحكومة الدبيبة، إن «الإدارة العامة للدعم المركزي» تواصل جهودها الميدانية من خلال تكثيف التمركزات، وتسيير الدوريات في مختلف المناطق الحيوية داخل العاصمة، في إطار تنفيذ الخطة الأمنية المشتركة لتأمين طرابلس.

وأشارت الداخلية الخميس، إلى أن هذه الجهود «تأتي في سياق تعزيز الأمن والاستقرار، وضبط المخالفين والمطلوبين، بما يضمن سلامة المواطنين وحماية الممتلكات العامة والخاصة».

عنصرا أمن في طرابلس في إطار تنفيذ خطة لتأمين العاصمة (وزارة الداخلية بغرب ليبيا)

وتشارك شعبة الاحتياط برئاسة مختار الجحاوي، في فض النزاع بين المتقاتلين بالإضافة إلى «جهاز القوة المساندة»، بإمرة أحمد عيسى، و«الكتيبة 603» بإمرة محمد الحصان، و«اللواء 53» بإمرة صلاح القذافي، و«اللواء 222 مجحفل» بإمرة حسين شواط، بالإضافة إلى وجود فرق طب الطوارئ والدعم.

الدبيبة مستقبلاً عدداً من متضرري حرب طرابلس

في غضون ذلك، استقبل الدبيبة، بمكتبه في ديوان رئاسة الوزراء ممثلين عن متضرري الحرب التي شهدتها العاصمة عام 2019، وأعرب بحسب بيان لمكتبه، عن تعاطفه مع المتضررين، مؤكداً «تفهمه لمعاناتهم وضرورة إنصافهم بما يليق بحجم الأضرار التي لحقت بهم»، داعياً إلى «التعبير عن القضية أمام الرأي العام بشكل منظّم وموحّد، بما يضمن إيصال صوت المتضررين بطريقة فعّالة».

وكان «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، شن حرباً على العاصمة الليبية في أبريل (نيسان) 2019 توقفت بعد قرابة 13 شهراً مخلفة آلاف القتلى والجرحى.

وتعهد الدبيبة من باب المناكفات السياسية «بدراسة ملف جبر الضرر وتعويض المتضررين؛ وفق أولويات واضحة، وبأسس سليمة وواقعية تراعي الإمكانات المتاحة»، مشدداً «على التزام الحكومة بمتابعة هذا الملف، وتكليف الجهات المعنية بوضع تصورات عملية لمعالجته، بما يحقق العدالة ويستجيب لتطلعات المتضررين».

كان المنفي استقبل وفداً من وزارة الخارجية الهولندية، ترأسه نائب وزير الخارجية مارسال دي فينك، وتناول اللقاء آخر المستجدات على الساحة الليبية، وبحث سبل دعم العملية السياسية، ودفع جهود الاستقرار.

وقالت مكتب المنفي إن الجانبين أكدا على أهمية دعم مسارات الحوار الوطني والانتخابات، بالإضافة إلى مناقشة ملف حقوق الإنسان والتعاون في مجال العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة.


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».