الغلاء يدفع مصريين للتخلي عن «ولائم الأفراح»

لجأوا إلى «قاعات الزفاف» لتخفيف الأعباء

ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

الغلاء يدفع مصريين للتخلي عن «ولائم الأفراح»

ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ولائم الأفراح من الطقوس القديمة في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

يستعد سعيد عطية (57 سنة)، شيخ قرية وقاضٍ عرفي، بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، لإتمام مراسم زواج ابنه الأوسط خلال الخريف المقبل، وبدأ في حجز قاعة الزفاف قبل الموعد المحدد بنحو 5 أشهر بسبب الضغط الهائل في عدد الحجوزات.

واضطر سعيد وكثيرون غيره إلى إقامة حفلات الزفاف في قاعات بالمدن الحضرية والريفية توفيراً للنفقات، وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل لافت خلال الأعوام الماضية، خصوصاً اللحوم.

وفي الوقت الذي كان يعادل فيه الدولار الأميركي 16 جنيهاً مصرياً في عام 2019، أقام سعيد فرحاً ضخماً لابنه الأكبر، حضره نحو 800 شخص عبر سرادق كبير تم تخصيص جزء منه لعمل مائدة غداء.

جانب من تجهيزات حفلات الزفاف بالريف (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويقول سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «من أجل استقبال وضيافة معارفي الكُثر قمت بشراء عجلَين كبيرين بنحو 50 ألف جنيه وقتها، بجانب لوازم الضيافة والمشروبات الأخرى، وثمن الفراشة والإضاءة، وهذا كله كلفني نحو 70 ألف جنيه»، مشدداً على أنه إذا أراد تكرار هذا الأمر في فرح ابنه القادم فلن يكفيه 300 ألف جنيه (الدولار الأميركي يعادل راهناً نحو 50 جنيهاً)، لذلك لجأ إلى إقامة فرح ابنه في قاعة أفراح بالقرب من قريته، يبلغ سعر إيجارها خلال 3 ساعات 15 ألف جنيه فقط، بالإضافة إلى 15 ألفاً أخرى «لزوم واجب المياه الغازية وقطع الجاتوه».

ويؤكد سعيد أن «ما لجأ إليه أخيراً بات يفعله قطاع كبير من العائلات» بمحافظته تحت وطأة «الغلاء والتضخم»، وقدّر نسبة من عزفوا عن إقامة شوادر الأفراح في الفضاءات الواسعة بالمدن والقرى بسبب ارتفاع تكلفتها، بنحو 80 في المائة، معتبراً أن قاعات الأفراح تشهد حالياً إقبالاً لافتاً من العائلات؛ لأن أسعارها مناسبة، وتؤدي الغرض من دون أي ضغوط على المنزل.

ارتفاع أسعار اللحوم بشكل خاص يدفع مصريين للتخلي عن ولائم الأفراح (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وتسارع معدل التضخم في مدن مصر بأقوى وتيرة منذ بداية العام في مايو (أيار) الماضي، ليبلغ 16.8 في المائة على أساس سنوي مقابل 13.9 في المائة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، متأثراً بزيادة في أسعار الأغذية، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في شهر يونيو (حزيران) من العام الجاري.

وجاء الصعود في الشهر الماضي مدفوعاً بارتفاع أسعار الفاكهة 13.4 في المائة على أساس سنوي، والخضراوات 2.1 في المائة، والأسماك 2.4 في المائة، والأجهزة والمعدات الطبية 6.9 في المائة.

ورفعت مصر خلال أبريل الماضي، للمرة الثانية في 6 أشهر، أسعار المواد البترولية، متوقعة أن تحقق وفراً قدره 35 مليار جنيه في موازنة السنة المالية الحالية 2024-2025، وشملت زيادة الأسعار جميع أنواع البنزين والسولار، وبلغت قيمة الزيادة جنيهَين للتر في المتوسط.

ويصل متوسط سعر كيلو اللحم البلدي حالياً إلى نحو 400 جنيه في مصر، وهو ما يعتبره سعيد سبباً رئيسياً في عزوف العائلات عن إقامة الولائم؛ فاللحوم تعد العمود الفقري لأي دعوة، رغم ارتفاع أسعار الأرز والخضراوات والسلع الأخرى.

أعداد كبيرة في حفلات الزفاف بالقرى (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وعلى غرار سعيد عطية، يسعى عادل حمدي، أحد شيوخ قرية عرب جهينة بمركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية (دلتا مصر)، في طريقه لتجاوز صعوبات فرح ابنته الصغرى في نهاية العام الجاري، ويقول حمدي لـ«الشرق الأوسط»: «أفكر في هذا الأمر منذ عام، فبعيداً عن فاتورة جهاز العروس الضخمة التي سوف أدفعها، أبحث عن حل مثالي لحفل حنة ابنتي، ولا سيما أنه قد سبق لي أن زوّجت 4 من أبنائي، وذبحت في فرح كل منهم جملاً ليكفي المدعوين، لكن ثمن الجمل الواحد ذي الوزن المتوسط سيصل إلى 70 ألف جنيه، وهذا رقم كبير بسبب أعباء المعيشة».

ويشدد على أن إقامة الأفراح في الشوادر الضخمة انخفضت بنسبة 90 في المائة في المنطقة التي يعيش فيها، مشيراً إلى أن «عائلة ثرية بالمنطقة كان لا يكفيها ذبح 5 عجول في أفراحها الماضية لجأت مؤخراً إلى إقامة أحدث فرح لديها في قاعة من دون تقديم الولائم رغم شهرة وكثرة المدعوين».

مصريون يلجأون إلى قاعات الزفاف لخفض تكاليف الزواج (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد أن النسب الباقية التي تحافظ على طقس الولائم من العائلات قد تقترض الكثير من الأموال من أجل ذلك الغرض. ويوضح أن بعض أسر الفتيات كانوا يحتفلون بليلة الحناء وتقديم الولائم خلالها، لكنهم حالياً في ظل الغلاء يكتفون بإحيائها على مستوى العائلة. ويلفت إلى أنه يعيش هذه الحيرة: «أعزم من وأترك مَن مِن دائرة معارفي الكبيرة!».

وشهدت مصر زيادات لافتة في أسعار المواد الغذائية خلال السنوات الماضية، وتوجهت الحكومة العام الماضي لرفع أسعار العديد من السلع والخدمات؛ إذ زادت أسعار تذاكر المترو والقطارات في أغسطس (آب) 2024 بنسب تراوحت بين 12.5 في المائة و25 في المائة، وذلك ضمن مساعي البلاد إلى تقليص الدعم على الكثير من الخدمات والسلع الرئيسية.

وفي مايو 2024، رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز المدعم 300 في المائة، في خطوة هي الأولى منذ أكثر من 3 عقود، ثم جاء الإعلان عن رفع أسعار الإنترنت الأرضي وخدمات الهاتف الجوال، ثم زيادة في أسعار الكهرباء، ومواد البناء، وتحديداً الأسمنت والحديد.

انخفاض أعداد شوادر الأفراح بالقرى بفعل الغلاء في مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وبنبرة ساخرة يقول أحمد عبد الفتاح (32 سنة)، وهو «مندوب مبيعات» من محافظة الشرقية (دلتا مصر): «باحمد ربنا إني لحقت نفسي واتجوزت في 2022 قبل ما الأسعار تولع، كيلو اللحمة وقتها كان بـ150 جنيهاً، الآن بـ400 جنيه».

كما اضطر محمد عطية (30 عاماً)، من محافظة الجيزة، إلى إقامة حفل زفافه قبل عدة أشهر في إحدى القاعات توفيراً للنفقات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أستطع إقامة حفل زفاف أمام المنزل بـ300 ألف جنيه، ودعوة المئات من دائرة المعارف والأقارب، لكنني اكتفيت بدعوة العشرات بسبب ضيق مساحة قاعة الزفاف، حيث كلفني إجمالي ما أنفقته في تلك الليلة 30 ألف جنيه فقط».


مقالات ذات صلة

القائمة الكاملة للفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

يوميات الشرق جيسي باكلي تتألق مع جائزة أفضل ممثلة في فيلم درامي عن دورها في فيلم «هامنت» خلال حفل توزيع جوائز «غولدن غلوب» السنوي الثالث والثمانين في بيفرلي هيلز (د.ب.)

القائمة الكاملة للفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

حصد فيلم الكوميديا السوداء «معركة واحدة تلو الأخرى» وفيلم «هامنت» أكبر جائزتين في حفل «غولدن غلوب» في دورتها الثالثة والثمانين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق زوار يمرون بجوار الروبوتات المعروضة في أول متجر بيع بالتجزئة (أ.ف.ب)

مخاوف «فقاعة الذكاء الاصطناعي» غابت عن أكبر معرض تكنولوجي

سيطرت الروبوتات على أرض المعرض في أكبر حدث تكنولوجي سنوي في العالم. لقد شاهدتُ روبوتاً بشريّ الهيئة، شاهق الطول، يتقدّم بخطوات واثقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ينتظر المسافرون مع أمتعتهم بعد تأخير الرحلات الجوية (رويترز)

هل إنفاق 345 جنيهاً إسترلينياً مقابل شراء حقيبة سفر أمر مبرر؟

في سلسلة جديدة بعنوان «إذن، هل يستحق الأمر؟»، يختبر خبراء السفر لدينا منتجات وتجارب مختلفة لمعرفة ما إذا كانت تستحق فعلاً ما يُنفق عليها من أموال أم لا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ليس كلّ ما يُكتب في البدايات يُشبه ما يُخلَّد لاحقاً (غيتي)

شاعر كبير مُتّهم بالسرقة الأدبية

نَسَخ أعمال شعراء آخرين ونشرها باسمه عندما كان تلميذاً في المدرسة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمومة تُدار بقوانين البقاء (شاترستوك)

لماذا تفترس بعض الحيوانات صغارها؟

يؤكد متخصّصون في علوم الحيوان أنّ ظاهرة افتراس بعض الحيوانات لصغارها متفشّية في حقيقة الأمر لدى كثير من أنواع الثدييات والحشرات والأسماك...

«الشرق الأوسط» (لندن)

8 عادات صباحية تصنع الأثرياء

العمل على مهمة مفيدة قبل الانشغالات من العادات الصباحية التي تميز الأثرياء (مجلة VegOut)
العمل على مهمة مفيدة قبل الانشغالات من العادات الصباحية التي تميز الأثرياء (مجلة VegOut)
TT

8 عادات صباحية تصنع الأثرياء

العمل على مهمة مفيدة قبل الانشغالات من العادات الصباحية التي تميز الأثرياء (مجلة VegOut)
العمل على مهمة مفيدة قبل الانشغالات من العادات الصباحية التي تميز الأثرياء (مجلة VegOut)

يشير الخبراء إلى أن بناء الثروة لا يحدث عادة خلال لحظات أو عبر صدفة مالية مفاجئة، بل يتشكل تدريجياً من خلال العادات الصغيرة التي يلتزم بها الإنسان في الصباح قبل أن يبدأ يومه، فالطريقة التي تستيقظ بها وأين توجه انتباهك يمكن أن تدفعك نحو النمو المالي طويل الأمد أو تبقيك في حالة ركود مالي مستمرة.

ويعتقد كثيرون أن الثروة تُبنى من خلال فرص كبيرة مثل وظيفة ذات دخل مرتفع، أو فكرة ناجحة تنتشر بسرعة، أو استثمار مفاجئ مربح. لكن الحقيقة، وفقاً للخبراء والتجارب الشخصية، أن مسار الثروة يُحدد غالباً قبل ظهور تلك اللحظات، من خلال اختيارات متكررة وعادات صغيرة تبدو غير مهمة أحياناً، لكنها تؤثر على قراراتك المالية على المدى الطويل، حسب مجلة «VegOut» الأميركية.

فيما يلي 8 عادات صباحية تميز الأشخاص الذين يبنون ثرواتهم عن أولئك الذين يظلون عالقين مالياً:

1- الاستيقاظ بنية واضحة

الأغلبية يبدأون يومهم بردود فعل، مثل التحقق من الهاتف، وتصفح الإشعارات، وقراءة الأخبار قبل أن يلمسوا الأرض بأقدامهم. وهذه العادة البسيطة تؤثر على كامل اليوم، بينما الأشخاص الذين يبنون ثروتهم يبدأون صباحهم بنية واضحة، فيتحكمون في بداية يومهم بدلاً من أن يقرر العالم لهم.

2- تحريك الجسم مبكراً

الحركة الصباحية ليست مسألة انضباط أو مظهر، بل طريقة لتنشيط الذهن والجسم. الأشخاص الذين يركزون على بناء الثروة يبدأون يومهم بطاقة ونشاط، مما يساعدهم على اتخاذ قرارات مالية واضحة وطويلة الأمد، بينما يظل الذين لا يتحركون عالقين في ضباب ذهني مستمر.

3- مراجعة الوضع المالي بانتظام

تجنب متابعة الأمور المالية يرسّخ الشعور بالعجز. لكن الأغنياء يجعلون من متابعة المال عادة صباحية طبيعية، سواء من خلال مراجعة الرصيد، أو متابعة النفقات، أو النظر في الفواتير القادمة.

4- استهلاك المعلومات بوعي

ما تتغذى عليه ذهنياً في الصباح يؤثر على طريقة تفكيرك في الفرص والمخاطر والوقت. والأغنياء يختارون مصادر معلومات تعزز النمو الشخصي والمالي، مثل قراءة كتب تطوير الذات أو الاستماع لبودكاست تعليمي، بدلاً من الانغماس في أخبار سلبية أو وسائل التواصل الاجتماعي.

5- تأجيل المكافآت الفورية

تضعف عادة البحث عن المتعة الفورية، مثل تصفح الهاتف بلا هدف أو تناول السكريات، قدرة العقل على تأجيل الإشباع. لكن الأشخاص الذين يبنون ثرواتهم يدربون أنفسهم يومياً على تأجيل المتعة حتى بعد بذل الجهد، ما يعكس سلوكيات مالية أكثر استدامة.

6- العمل على مهمة مفيدة قبل الانشغالات

بدء اليوم بمهمة ذات قيمة شخصية أو مهنية قبل الانغماس في المشتتات يعزز الشعور بالإنجاز والسيطرة على الحياة. وهذه العادة تعطي دفعة للثقة بالنفس وتؤثر إيجابياً على قرارات الإنفاق والاستثمار.

7- ممارسة أشكال صغيرة من احترام الذات

العناية بالجسم، والتغذية الصحية، وشرب الماء، والاعتناء بالنفس في الصباح يعكس تقدير الشخص لمستقبله، ويؤثر على اختياراته المالية.

8- التفكير على المدى الطويل

الأغنياء يخصصون لحظات صباحية لتذكير أنفسهم بأهدافهم الطويلة الأمد. والتفكير بعقلية سنوات وليس أيام يعزز الادخار الواعي، والاستثمار المدروس، والسعي المستمر للتعلم والنمو، على عكس التفكير اليومي الضيق الذي يركز فقط على البقاء أو التكيف مع الظروف.


فنانو «طويق للنحت» يشكّلون أعمالهم في قلب الرياض

يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)
يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)
TT

فنانو «طويق للنحت» يشكّلون أعمالهم في قلب الرياض

يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)
يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)

بدأ فنانون من 18 دولة العمل على تشكيل منحوتاتهم وأعمالهم الإبداعية في قلب مدينة الرياض، وذلك ضمن مشاركتهم في النسخة السابعة من ملتقى «طويق للنحت».

ويعكف 25 مشاركاً من نخبة الفنانين السعوديين والدوليين على إنتاج أعمال إبداعية عامة بأحجام فنية كبيرة، في طريق الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، أهم شوارع العاصمة السعودية، الذي تحول إلى وجهة للإبداع والفنّ، حتى الثاني والعشرين من فبراير (شباط) المقبل، هي عمر الملتقى الذي يأتي تحت شعار «ملامح ما سيكون» لاستكشاف مفهوم التحوّل بوصفه عملية مادية وفكرية تعكس التغيّرات الحضرية.

تعكس قائمة الفنانين المشاركين خريطة المشهد الفني العالمي التي تلتقي في قلب العاصمة السعودية (الرياض آرت)

خريطة للمشهد الفني العالمي في الرياض

وتتضمن نسخة هذا العام مسارَين رئيسيين للأعمال النحتية، يشمل الأول استخدام الغرانيت مع إمكانية دمج الفولاذ المقاوم للصدأ، فيما يركّز المسار الآخر على المعادن المعاد تدويرها، وذلك في إطار التزام الملتقى بالاستدامة، والاستكشاف المادي، والابتكار الفني.

وتعكس قائمة الفنانين المشاركين خريطة المشهد الفني العالمي التي تلتقي في قلب العاصمة السعودية للمشاركة في حدث سنوي، نجح منذ انطلاقه عام 2019 في استضافة أكثر من 150 فناناً من مختلف دول العالم، وأسهم في إنتاج أكثر من 150 عملاً فنياً دائماً، مما عزّز مكانته بصفته منصة دولية للحوار الفني، وأحد المكونات الرئيسية للمشهد الثقافي المتنامي في مدينة الرياض.

وفي نسخة هذا العام يشارك الفنان جيلفيناس بالكيفيتشيوس، من ليتوانيا، وتركز ممارسته على استكشاف المواد، مستخدماً الحجر والفلز والزجاج والخشب والأسمنت للتعبير عن أفكار مفاهيمية، وتُحفظ أعماله في مجموعات متحفية دائمة في آيسلندا، بما في ذلك التركيبات في متحفَي «كاكالاسكالي» و«بيرلان».

ومن السعودية يشارك الفنان البصري سعيد قمحاوي، الذي قضى عقدَين من الزمن مدرساً للفن، قبل أن يكرس نفسه بالكامل للممارسة الفنية، وقد تطورت أعماله من الواقعية إلى الأساليب المفاهيمية التي تستكشف السرد الثقافي والديني والاجتماعي من خلال موضوعات يومية.

الملتقى يستكشف مفهوم التحوّل بوصفه عملية مادية وفكرية تعكس التغيّرات الحضرية (الرياض آرت)

ومن توغو، يشارك الفنان متعدد التخصصات كوملان صامويل أولو الذي تُعرض أعماله في المتحف الوطني في أوسلو، وغانا، ومالي، والأمم المتحدة في نيويورك.

ومن إيران تشارك النحاتة زهرة رحيمي التي تستوحي ممارستها للنحت من الأشكال والمناظر الطبيعية، والحركة العضوية، من خلال تركيبات نحتية سلسة مصنوعة من الحجر، والفولاذ، ومواد يدوية الصنع. ويشارك كل فنان من الفنانين المرشحين في نسخة هذا العام، في تقديم منظور فني مميز، لتعكس الأعمال مجتمعة تفاعلاً عميقاً مع شعار الملتقى وتنوعاً لافتاً في ممارسات النحت المعاصرة.

وبلغ عدد المتقدمين للمشاركة في النسخة السابعة من «طويق للنحت» أكثر من 590 متقدماً؛ مما يعكس التنوع الثقافي الواسع، في حين تولت لجنة التحكيم التي تضم خبراء ومتخصصين اختيار 25 فناناً للمشاركة، مركزين في اختيارهم على جودة الطرح الفني ومدى انسجام الأعمال مع الشعار.

يستخدم الفنانون في إنجاز أعمالهم مواد محلية تشمل الغرانيت السعودي والمعادن المعاد تدويرها (الرياض آرت)

تعزيز حضور الفن في الفضاء العام

يستخدم الفنانون في إنجاز أعمالهم مواد محلية تشمل الغرانيت السعودي والمعادن المعاد تدويرها، تمكّنهم من إنتاج أعمال إبداعية عامة بأحجام فنية كبيرة، في حين تُتاح فرصة مشاركة الجمهور أعمال النحت الحي المفتوحة، حيث يتيح ملتقى «طويق للنحت» للزوّار فرصة متابعة العملية الفنية كاملة مع تشكيل الأعمال تدريجياً، عبر تحويل المواد الخام إلى منحوتات إبداعية مكتملة، ما يوفّر تجربة ثقافية تفاعلية تعزّز حضور الفن في الفضاء العام، وتقرّب الجمهور من الممارسة النحتية المعاصرة.

ويأتي تنظيم الملتقى في طريق الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، المرتبط تاريخياً بأولى محطات تحلية المياه في مدينة الرياض، بما يعكس بعداً مفاهيمياً متصلاً بشعار الملتقى، ويعزّز حضوره بوصفه مكاناً ارتبط بالتحوّل والابتكار البيئي، وهو ما يشكّل مرجعية فكرية للأعمال الفنية المنفذة خلال فترة الملتقى.

وستنضم جميع الأعمال المنتَجة خلال ملتقى «طويق للنحت 2026» إلى مجموعة «الرياض آرت» الدائمة، حيث سيجري تركيبها لاحقاً في عدد من المواقع العامة البارزة في مدينة الرياض، دعماً لرؤية البرنامج الهادفة إلى دمج الفن المعاصر في النسيج الحضري، وجعل المدينة معرضاً فنياً مفتوحاً.


عودة «المهرجان القومي للسينما»... هل يضيف للمشهد الفني بمصر؟

المخرجة إيناس الدغيدي رئيسة لجنة تحكيم الأفلام الروائية وأعضاء اللجنة في الدورة الأخيرة للمهرجان قبل توقفه (وزارة الثقافة)
المخرجة إيناس الدغيدي رئيسة لجنة تحكيم الأفلام الروائية وأعضاء اللجنة في الدورة الأخيرة للمهرجان قبل توقفه (وزارة الثقافة)
TT

عودة «المهرجان القومي للسينما»... هل يضيف للمشهد الفني بمصر؟

المخرجة إيناس الدغيدي رئيسة لجنة تحكيم الأفلام الروائية وأعضاء اللجنة في الدورة الأخيرة للمهرجان قبل توقفه (وزارة الثقافة)
المخرجة إيناس الدغيدي رئيسة لجنة تحكيم الأفلام الروائية وأعضاء اللجنة في الدورة الأخيرة للمهرجان قبل توقفه (وزارة الثقافة)

مع إعلان وزير الثقافة المصري عودة المهرجان القومي للسينما المصرية بعد 4 سنوات من التوقف منذ دورته الـ24 التي عُقدت في يونيو (حزيران) 2022، برزت تساؤلات حول ما تمثله عودة المهرجان من إضافة للمشهد الفني في مصر، وهل يساهم في دفعة جديدة لصناعة السينما المصرية؟

وكان المهرجان شهد في دوراته الأخيرة مشكلات عدة من بينها ضعف الميزانية، ومن ثم ضعف قيمة الجوائز المالية التي يمنحها وتمثل تشجيعاً للأفلام الفائزة، وعدم تحديد موعد ثابت له حيث تغير موعده مراراً، كما شهد إحجام بعض صناع الأفلام عن المشاركة بأفلامهم رغم إقامته تحت مظلة وزارة الثقافة.

وكان وزير الثقافة، أحمد فؤاد هنو، أعلن خلال الاحتفال بعيد الثقافة عن عودة انعقاد مهرجان الفيلم القومي، وأبدى سينمائيون ونقاد سعادتهم بذلك مشددين على ضرورة التغلب على المشكلات التي واجهها ليحقق رسالته في تشجيع الإنتاج السينمائي المتميز.

ويؤكد الناقد الفني، كمال رمزي، الذي ترأس الدورة الأخيرة للمهرجان، على أهميته وضرورة عودته، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «كل دول العالم التي لديها صناعة سينما تُقيم مهرجاناً لأفلامها، وهذا مهرجان قومي للسينما المصرية وما كان يجب أن يتوقف، ولم أقتنع في أي وقت بتوقفه تحت أي مبررات، كما أدهشني كيف لم يطالب السينمائيون باستمراره، فالمهرجان يعكس الإنتاج السينمائي المصري خلال عام من أفلام روائية وتسجيلية ورسوم متحركة طويلة وقصيرة».

وحول عدم إقبال بعض المنتجين على المشاركة بأفلامهم، يقول رمزي: «من المفترض زيادة قيمة الجوائز التي كانت تقدم للأفلام الفائزة لتكون تشجيعاً حقيقياً لصناع الأفلام، لا سيما المخرجين في تجاربهم الأولى، خصوصاً في ظل ارتفاع ميزانيات الأفلام في السنوات الأخيرة».

ملصق آخر دورات المهرجان التي أقيمت عام 2022 (وزارة الثقافة)

وأسس فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، مهرجان الفيلم القومي في تسعينات القرن الماضي لتشجيع الإنتاج السينمائي بتقديم جوائز مالية لكل عناصر الفيلم السينمائي وإتاحة مشاركة جميع الأفلام المنتجة خلال العام الذي سبقه بغض النظر عن مستواها، وترأس لجان تحكيمه كبار الكتاب على غرار سعد الدين وهبة وكامل زهيري ويوسف القعيد.

ويُبدي المخرج هاني لاشين حماسه لعودة المهرجان، مؤكداً أنه «مهرجان مهم جداً كونه يعكس تقييماً للسينما المصرية في عام سلباً وإيجاباً؛ ليظهر حجمها وموقعها ويكون مجالاً لتصحيح الأخطاء والدفع بعجلة الإنتاج».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «على المهرجان أيضاً تشجيع التجارب الواعدة ذات التوجه الفني للمخرجين الشباب، وهذا يشعر السينمائيين بأن الدولة تحتضن الفن الراقي»، مشدداً على أهمية رفع قيمة الجوائز المالية التي ستكون نقطة جذب لصناع الأفلام للمشاركة بأفلامهم، مع ضرورة التواصل مع الجمهور لأنه لا ينجح مهرجان دون حضور جماهيري.

وواجه المهرجان القومي للسينما المصرية أزمة في عام 1993 حين تقرر فجأة تكوين لجنة لاختيار الأفلام التي تشارك في مسابقة المهرجان والتي استبعدت فيلم «ناجي العلي» للفنان نور الشريف وإخراج عاطف الطيب من المهرجان، ما أثار ضجة كبيرة وقتها وتساؤلات حول أسباب استبعاد الفيلم.

ويشير الناقد الفني المصري، أسامة عبد الفتاح، إلى ضرورة تفادي السلبيات التي عانى منها المهرجان، الذي كان من المفترض أن يكون عيداً سنوياً للسينما المصرية، وأهمها أن يكون له توقيت محدد ثابت يُعقد خلاله؛ لأن لائحته تنص على إقامته في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، بينما أقيمت دورته الأخيرة قبل توقفه في مايو (أيار)، مطالباً بإسناد مهمة إقامته للمركز القومي للسينما المختص بكل ما يتعلق بالفن السابع، ليس فقط لأنه جهة اختصاص، بل لأنه يجيد أيضاً تنظيم المهرجانات وأسابيع الأفلام كما يجيد الترويج لفعالياته.

ويقول عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم إقامة المهرجان القومي للسينما ليكون بمنزلة عيد للسينما المصرية، في ظل وجود بعض المهرجانات التي بات مستواها ضعيفاً جداً في مصر»، لافتاً إلى أن جوائز الأوسكار التي تحظى بسمعة عالمية هي مهرجان وطني (قومي) للسينما الأميركية بالدرجة الأولى يمنح جائزة دولية واحدة (لأفضل فيلم دولي).