لماذا ثار علي جواد الطاهر على البنيوية؟

اختطّ الأديب والناقد العراقي منهجاً نقديّاً واءم بين قراءاته التراثية وما تحصّل عليه في السوربون من علم ومعرفة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

لماذا ثار علي جواد الطاهر على البنيوية؟

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

نشر الدكتور علي جواد الطاهر الحاصل على الدكتوراه في جامعة السوربون مقالاً بعنوان (البنيوية أعلى مراحل السوء في ترف نظرية الفن للفن) في مجلة العرب عدد سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 1988، وأعادت جريدة «الوطن» نشره في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2024، ذهب فيه إلى أنه في أعوام الستينات الميلادية المنصرمة، انطلاقاً من باريس، قامت الدنيا في أوروبا وأميركا ولم تقعد، وكذلك في الشرق على علم وغير علم، حول تبني البنيوية وتفرعاتها... متسائلاً: ماذا جرى وماذا جد؟ أصوات ترتفع بالجديد، ونهاجم البحث (الأكاديمي) السائد حيث خلا الجو في باريس من أندريه جيد ومورياك ومورو وغياب أساطين السوربون، فثارت ثورة بحثاً عن تميز جديد، هذا ينادي برواية جديدة (يعني ألن روب جرييه وناتالي ساروت) وذاك ينادي بطلاب جدد - كأنه يشير إلى ثورة الطلاب سنة 1968 معتبرين أنفسهم في موقع الأساتذة! - كما عبّر عن ذلك بيار دوشين في روايته (الموت حباً) وقد تزوج الطالب ذو السبعة عشر عاماً أستاذته الثلاثينية، وآخر يطالب بسوربون جديدة ليست سوربوناً بتقاليدها الأكاديمية العريقة، التي درس الطاهر في أروقتها بين نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، على يدي أبرع الأكاديميين المستشرقين (ريجيس بلاشير في أطاريحه عن القرآن الكريم وشعر العرب الأقدمين - المتنبي خاصة - وشارل بيلا الذي لم يلفت نظره في مجمل التراث العربي سوى الجاحظ بأطروحته اللافتة عنه).

ويواصل الطاهر تساؤله النقدي الثقافي:

«لم يسأل أحد من المتحمسين المبشرين بالبنيوية عن التاريخ القريب... فأين كانت الأسماء الأوائل من مؤسسيها وما خطبهم (كأنه يقصد ميخائيل باختين الروسي وتزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا الفرنسيين من جذور بلغارية)؟ لمَ هاجر من هاجر من موسكو ولينينغراد وبراغ، ومنهم النقاد الشكلانيون الروس الذين نادوا بإفراغ الأدب من محتواه الاجتماعي تحت رعاية القيصر ومؤسساته، قبل انفجار ثورة 17 أكتوبر، بعدها برزت البنيوية التي قادها كلود ليفي شتراوس بدروسه الأنثروبولوجية (1908 - 2009)، مؤكداً أن البنيوية انطلقت من الوقوف على تأمل النص وتحليله، وهذا ما عمل عليه باختين (1895 - 1975) في تحليله البنيوي للخطاب الروائي الروسي، خاصة ديستوفسكي».

إذن، لماذا هذا التطرّف النقدي المطلق لها في باريس بعد ذلك بعقود، والتبشير بها نحو واشنطن مروراً بمغربنا العربي، حيث فُتن بها بعض نقّادها ومفكّريها وبغيرها من مناهج أدبية وفلسفية، افتتاناً سدّ منافذ تذوق المتلقّين المغاربة والمشارقة للنصوص الإبداعية، حداً جعل دكتور شكري محمد عيّاد - وهو أحد أبرز مفكري الأدب والنقد قديمه وحديثه - يكتب مقاله الأكاديمي الاحتجاجي المطوّل في أحد أوائل أعداد مجلة (فصول) المصرية بداية الثمانينات بعنوان (موقف من البنيوية)، وهو القارئ المتعمّق بالفرنسية وغيرها من مناهج النقد الأدبي الحديث.

علي جواد الطاهر

في السياق نفسه، تساءل الطاهر قبل عيّاد متعجباً وكأن الوقوف النقدي على النص وتحليله لغويّاً وبلاغيّاً، وإعادة بنائه غير موجودة في نقدنا العربي القديم... الجرجاني في «دلائل الإعجاز»، والزمخشري في تفسيره القرآني الأدبي «الكشاف»، وحازم القرطاجني بعدهما في «مناهج البلغاء»، فهؤلاء كانوا بنيويين بمعنى من المعاني... هذا مع الإشارة إلى أن الطاهر في كتابه التعليمي الأكاديمي (مقدمة في النقد الأدبي الحديث) يحث تلامذته وقراءه على ضرورة الإلمام بالفكر الغربي، منتقداً اقتصار أقسام اللغة العربية وآدابها على تدريس طلابها مناهج قديمة جزئية، داعياً إلى الإفادة من فوائض التجارب العميقة والثرية في المناهج الغربية، بحيث يكون التثاقف الأدبي معها عن وعي دون تعجّل، وتأمّل دون استهلاك، واستيعاب دون جري وراء هذا «الموديل» النقدي أو ذاك، وصولاً إلى صياغة نظرية نقدية عربية.

من هنا جاء اشتغال الطاهر في تحليله النصوص الشعرية قديمها وحديثها، انطلاقاً من دراسة النص وفهم أبعاده ومراميه، آخذاً بأولوية النص في عمله النقدي، من ابن (حلّته) وأستاذه في دار المعلّمين العالية دكتور محمد مهدي البصير، حامل الدكتوراه في الأدب الفرنسي من سوربون أستاذه لوي ماسينيون وزملائه، فلطالما أكّد البصير في دروسه على إعطاء الأولوية لتحليل النص وتفكيك علاقاته الداخلية، قبل تمثّل هذا المنهج أو ذاك من مناهج النقد الأدبي الحديث، وهو ما جعل الطاهر يستجيب لتوجيه أستاذه في دراسة شعر الطغرائي، التي انطلق منها على يدي أستاذه ريجيس بلاشير في أطروحته الفرنسية للدكتوراه حول (الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي)، وقد خرج بنتائج بحثية مثيرة شجّعت عدداً من الأكاديميين والباحثين على دراسة تلك الفترة، التي أعقبها ما سُمّي «عصر الانحطاط»، وكان أستاذه الآخر شارل بيلا قد أوصاه في دراسة الطغرائي بالانطلاق من لاميّته الشعرية الشهيرة.

ومع ما عُرف عن منهج أسلوب الطاهر التأثري الانطباعي، فإنه لم يُبعده عن تحليله النصي، متأثراً بأستاذه مصطفى جواد في دروسه اللغوية والتحقيقية، محاولاً أن يختطّ لقلمه أسلوباً نقديّاً، موائماً بين قراءاته التراثية، وما تحصّل عليه في السوربون من علم ومعرفة، واستفاد من منهج بحث، دون أن يتناول هذا المنهج أو ذاك تناول المتبضّع من دكان هذا أو ذاك! فها هو يقف دارساً (اللوحة في الشوقيات) فيرى صور أحمد شوقي قد أوهنتها الأيام، لاستعانة شوقي بالمبالغة التي صرفته عن البلاغة، فلا يستوقفك من نظمه شعر له رواء، ولا تحسّ به ريًّا... إنما هو وصف نثري أقرب إلى الكليشيهات والفوتوغرافية منه برسم اللوحة، وإن وصف الطبيعة في شعره قد غلب عليه الجفاف، رغم أن الصفة الغالبة فيه هي التصوير، إلا أن تعلق شوقي بالماضي في حياته الشخصية، تعدّاه إلى حياته الاجتماعية، فإذا لوحاته غير متفاعلة مع الواقع المتغير خارج قصره الأنيق على ضفة نهر النيل، معللاً الطاهر ذلك بأن شوقي لم يُقدم على تصوير حياته والتعبير عن تجربته، خشية السخط الاجتماعي على سلوكه الشخصي بوصفه شاعر بلاط، لذلك حين يحاول وصف واقع الشعب المصري، يحاذر دون الوقوع في همومه وقضاياه، منصرفاً إلى وصف الماضي، فهو جنة ووقاء عن التورّط في أسئلة الحاضر... إن هذا التوقي هو ما جعل شوقي يعيش عزلة شخصية وهو يدرس في باريس، فإذا مسرحياته الشعرية التي كتبها تغدو قصائد مطوّلة، ما بعث فيها الحياة سوى صديقه سعيد عبده بإعادة كتابتها مسرحيّاً، وكأن شوقي لم يغشَ عروض المسرح الباريسي، التي غشيها طه حسين وهو يواصل دراساته الجامعية بين مونبلييه وباريس، فيأنس بها ويتفاعل معها، ولا يملّ متردداً عليها بعد ذلك في إجازاته، مستروحاً فصل الصيف والشتاء بين مشاهدها، كما جاء في كتاباته النقدية العديدة في بعض كتبه.

باختين

أما حين يؤكد الطاهر على انطباعيته وتأثره في نقده الأدبي، فلأن هذا يجعله يغوص على لآلئ بحار النصوص فيصطاد منها الأصيل ويترك الزائف، مستعيناً بعدّته التراثية والحديثة، المدجّجة بفنون الأدب وتيارات الفكر ومذاهب الفلسفة، التي انبسطت أمامه في دار المعلّمين العالية ببغداد، ثم في دار المعلمين بباريس، مستوعباً مناهجها النفسية والاجتماعية والتاريخية والأدبية، وهذا ما تبدّى واضحاً في كتابه (مقدمة في النقد الأدبي الحديث)، فلا يكون فقهه للفكر الغربي كفقه أهله، وهذا ما حفّزه - ذاتيّاً وموضوعيّاً - على أن يختطّ له (إجراء) نقديّاً تذوّقيّاً - نظريّاً وعمليّاً - في كتاباته النقدية، مستفيداً من فوائض تلك المناهج الحديثة، دون أن يطبقها حرفيّاً في دراسة النصوص الشعرية أو القصصية أو المسرحية - عراقيّاً وعربيّاً - فباتخاذه هذا (الإجراء) أصبحت له سيميائية أسلوبية في نقده تدل عليه، خاصة في مقالاته الأدبية، بوصفهما إبداعاً ثانياً تالياً على النص الأول محل التشريح النقدي، معبّراً فيهما عن تذوّقه الجمالي لما يقرأ من نصوص ويكتب من نقود... هذا ما نراه كذلك في كتابات طه حسين النقدية الانطباعية التأثرية، التي فُتن بها الطاهر أيّما افتتان، فالعميد هو من ترجم نظام الأثينيين وكتب عن قادة فكرهم، وتملى شعرهم، ودرس نقدهم، واستوعب ما استوعب من مناهج أسلافهم الأوروبيين، وما كان يستجد في ساحاتها الأدبية من فنون وآداب، أبلى في تحصيلها - خاصة الفرنسية - بلاءً حسناً، دون أن يرتهن لهذا المنهج أو ذاك، سوى ما جرّ عليه تمثّله للمنهج الديكارتي من مآزق في دراسة الشعر الجاهلي... والشأن التأثري الانطباعي نفسه مع عبد الفتاح كيليطو بلسانه المفلوق بين العربية (التراثية) والفرنسية (الحداثية)، حيث يستمتع قارئ كتاباته النقدية بـ«لذّة بارتية»! في قراءته النصوص العربية القديمة، دون اتّكاء ميكانيكي على هذا المنهج التفكيكي، أو تماهٍ استعراضي مع ذاك الألسني، وكأنه بذلك بدا متجاوباً مع دعوة علي جواد الطاهر المبكرة، في تجاوز مساوئ تبعات التقليد البنيوي الأعمى.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.