«اتفاق السلام» بين رواندا والكونغو الديمقراطية... خفض للتوتر ينتظر تفاهمات

البلدان تعهدا بوقف مساندة «المتمردين» بدعم أميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع وزيري خارجية الكونغو الديمقراطية ورواندا عقب توقيع الاتفاق (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع وزيري خارجية الكونغو الديمقراطية ورواندا عقب توقيع الاتفاق (رويترز)
TT

«اتفاق السلام» بين رواندا والكونغو الديمقراطية... خفض للتوتر ينتظر تفاهمات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع وزيري خارجية الكونغو الديمقراطية ورواندا عقب توقيع الاتفاق (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع وزيري خارجية الكونغو الديمقراطية ورواندا عقب توقيع الاتفاق (رويترز)

اتفاق سلام برعاية أميركية، جمع الكونغو الديمقراطية ورواندا على مسار جديد «يطوى صفحة العنف والدمار»، حسب تأكيد واشنطن، وذلك بعد نحو 6 أشهر من تبادل الاتهامات بدعم حركات تمرد بالبلدين.

ذلك الاتفاق الذي تحدث على «تحييد» القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، ووقف أعمال متمردي «23 مارس» بشرق الكونغو، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه صفحة جديدة من مساعي خفض التوتر بين البلدين تجعلها معلقة بين فرص التقدم ومخاطر الانتكاس، خصوصاً أنها تحتاج إلى تفاهمات بين المتمردين وحكومات البلدين بما يجعل الاتفاق يدخل حيز التنفيذ بشكل قابل للاستمرار.

ووقعت كيغالي وكينشاسا، اتفاق سلام، الجمعة في واشنطن، ينص على إنشاء هيئة تنسيق أمني مشتركة لرصد التقدم، وتعهدتا فيه وقف الدعم للمتمردين بالبلدين، حسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدعو الاتفاق إلى «تحييد» القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، مع تأكيد وزير الخارجية الرواندي، أوليفييه اندوهوجيريهي، خلال التوقيع الذي حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «إنهاء الدعم الحكومي (من الكونغو الديمقراطية لتلك القوات) نهائياً وبشكل لا رجوع عنه، وقابل للتحقق»، ويجب أن يكون «أولوية قصوى».

وسلطت نظيرته الكونغولية، تيريزا كاييكوامبا واغنر، الضوء على الدعوة في الاتفاق لاحترام سيادة الدولة، وقالت إن الاتفاق «يتيح فرصة نادرة لطي صفحة الماضي، ليس بالكلام فحسب، بل بتغيير حقيقي على أرض الواقع»، في إشارة لأهمية وقف دعم رواندا لحركة «23 مارس» المتمردة التي حققت تقدماً سريعاً في شرق الكونغو منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، واستولت على بلدات رئيسية وأراضٍ شاسعة في اشتباكات أسفرت عن مقتل الآلاف.

ويستشري العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالموارد، الواقعة على الحدود مع رواندا، منذ ثلاثة عقود، وقد تجدد بعد أن شن متمرّدو الحركة هجوماً نهاية 2021، ومنذ نهاية ذلك العام أُقرَّ أكثر من 10 اتفاقات هدنة بتلك المنطقة، لكن كلّ المحاولات الدبلوماسية لإنهاء النزاع باءت بالفشل.

جنود في جيش الكونغو الديمقراطية قرب الحدود مع رواندا (رويترز)

الباحث المختص في قضايا الصراعات والأمن في أفريقيا، محمد تورشين، يرى أن مخرجات تفاهمات البلدين في واشنطن تعد «بمثابة اتفاق تاريخي ينهي فصولاً من الصراع والاقتتال والتوتر وعدم الاستقرار بين البلدين تجاوزت 3 عقود، خصوصاً أن الاتفاق المأمول تنفيذه نص على وقف دعم الحركات المناوئة لأنظمة الحكم في كيغالي وكينشاسا».

ويعتقد تورشين أن نص الاتفاق الواضح في عدم دعم المتمردين سيفتح صفحة جديدة من خفض التصعيد، تنتظر حدوث تفاهمات داخلية بين حكومات البلدين وأطراف التمرد لنرى اتفاقاً ينفذ على أرض الواقع، لافتاً إلى أن هناك مباحثات تستضيفها قطر بين تلك الأطراف لدعم الاتفاق الأميركي وتنفيذه على أرض الواقع، كما يشير إلى أن المعلومات الأولية ومخرجاتها ستكون مهمة جداً في دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن تداعيات الاتفاق مرشحة للتطور خلال الأشهر المقبلة بحسب التزام الأطراف ومواقف الفاعلين المحليين والدوليين، موضحاً أن الاتفاق أمني يشكل تهدئة ميدانية مؤقتة، وإذا التزمت كيغالي بسحب دعمها للمتمردين فعليّاً، فسيكون لذلك أثر فوري على خفض العنف.

ويعتقد عيسى أن تعهد البلدين بوقف مساندة المتمردين خطوة إيجابية على الورق، وأن تحقيق التزام فعلي يتوقف على عوامل متعددة، منها مدى الجدية السياسية، ووجود آليات رقابة شفافة، وتوازن المصالح بين الأطراف، إذا كانت مصالح الأطراف لا تزال مرتبطة بوجود المتمردين.

وعقب الاتفاق الذي ينص على «إطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي» في غضون ثلاثة أشهر، قال ترمب: «اليوم تُطوى صفحة العنف والدمار وتبدأ المنطقة بأكملها فصلاً جديداً من الفرص والازدهار»، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستتمكن من الحصول على «الكثير من حقوق التعدين في الكونغو»، بحسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأواخر مايو (أيار) الماضي، نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، عن مصدرين مقربين من المفاوضات، أن «مسؤولين من الكونغو الديمقراطية متفائلون بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن في نهاية يونيو (حزيران) الحالي، لتأمين استثمارات أميركية في المعادن الحيوية، فضلاً عن دعم الولايات المتحدة جهود إنهاء التمرد في شرق الكونغو».

وزير الخارجية الأميركي يتوسط نظيريه الكونغولي والرواندي (أ.ف.ب)

واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان، الاتفاق «خطوة بارزة نحو نزع فتيل التصعيد والسلام والاستقرار»، داعياً الأطراف إلى الوفاء الكامل بالتعهدات»، فيما أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تصريحات صحافية، بالاتفاق ووصفه بـ«خطوة تاريخية إلى الأمام»، مضيفاً أن «السلام يجب أن يصمد».

ويعتقد تورشين أن الجانب الاقتصادي كان مفتاح التوصل إلى هذا الاتفاق، خصوصاً أن واشنطن لديها تطلعات اقتصادية بشأن معادن الكونغو الديمقراطية، وكانت حريصة على إتمام هذا الاتفاق بشكل سريع ضماناً لمصالحها، متوقعاً أن يسهم الترحيب الدولي في تهيئة الأمور لتنفيذ الاتفاق شريطة وجود تفاهمات داخلية.

ويرى عيسى أن دعم واشنطن للاتفاق يأتي من منطلق حماية مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً فيما يتعلق بالوصول إلى المعادن الحيوية مثل الكوبالت والليثيوم، التي تعد ضرورية لصناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، لا سيما أن الكونغو الديمقراطية تملك نسبة كبيرة من احتياطي هذه الموارد، وهو ما يجعل استقرارها أولوية اقتصادية للولايات المتحدة التي تسعي نحو صفقة معادن تمنح واشنطن حافزاً قويّاً لضمان تنفيذ الاتفاق، سواء عبر الضغط الدبلوماسي أو من خلال تقديم الدعم التنموي مقابل الالتزام السياسي.

ويتوقع أن يُستخدم الاتفاق لفتح المجال أمام استثمارات دولية في قطاع التعدين، خصوصاً تحت رعاية الولايات المتحدة، التي تسعى لتقليل اعتمادها على سلاسل توريد مرتبطة بالصين، مؤكداً أن «السلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا سيبقى مُعلَّقاً بين فرص التقدم ومخاطر الانتكاس، وسط تعقيدات ميدانية وسياسية لا تزال تُضعف أي مسعى نحو تسوية شاملة».

ويوضح عيسى أن «المبادرات الإقليمية والدولية تبذل جهوداً ملموسة للتهدئة، إلا أن نجاحها يظل مشروطاً بمدى استعداد الطرفين لتجاوز الخطابات العدائية والانخراط في حوار صريح يعالج الجذور العميقة للصراع، وعلى رأسها مسألة إنهاء الدعم للجماعات المسلحة، من خلال مفاوضات سياسية مشروطة بوقف إطلاق النار، وضمانات أمنية، وربما إدماج تدريجي لبعض الفصائل في الحياة السياسية أو العسكرية».


مقالات ذات صلة

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

أفريقيا أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

غرقت عبارة حاولت الوصول إلى بلدة على نهر النيجر في إقليم تمبكتو بشمال مالي بعد اصطدامها بالصخور، ما أسفر عن وفاة عشرات الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
شمال افريقيا نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

أكدت مصر تمسكها بتحقيق المصالح التنموية لدول حوض النيل، مع الحفاظ على أمنها المائي، وذلك من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والأُطر الحاكمة لنهر النيل.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
تحليل إخباري عناصر شرطة مكافحة المخدرات يصطحبون رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو عقب نقله إلى نيويورك في 3 يناير 2026 (لقطة من فيديو - رويترز)

تحليل إخباري لماذا تخشى دول غرب أفريقيا «سيناريو فنزويلا»؟

يتخوف محللون ومراقبون في الغرب الأفريقي ودول الساحل من تكرار «سيناريو فنزويلا» بالمنطقة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (أرشيفية - د.ب.أ)

الاتحاد الأفريقي يدعو إسرائيل إلى إلغاء اعترافها بأرض الصومال

دعا مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، اليوم الثلاثاء، إلى «الإلغاء الفوري» لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
أفريقيا رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فوستين أرشانج تواديرا (يسار) يحضر مؤتمر حركة «القلوب المتحدة» في بانغي (أ.ف.ب)

تواديرا يفوز بولاية رئاسية ثالثة في أفريقيا الوسطى

أظهرت النتائج الأولية أن رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، فوستين أرشانج تواديرا، فاز بولاية ثالثة في انتخابات الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (بانغي )

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
TT

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)

غرقت عبارة حاولت الوصول إلى بلدة على نهر النيجر في إقليم تمبكتو بشمال مالي بعد اصطدامها بالصخور، ما أسفر عن وفاة عشرات الأشخاص، وفقا لما ذكره مسؤولون محليون وأقارب الضحايا يوم الثلاثاء.

وأوضح المسؤولون أن الحادث وقع يوم الخميس في بلدة ديري. ولم تصدر السلطات المحلية بعد حصيلة رسمية للقتلى، لكن المقيم الإقليمي ونائب الجمعية الوطنية السابق الكايدي توريه، قال إن 38 شخصاً لقوا حتفهم ونجا 23 آخرون.

وقال المقيم في ديري موسى أج ألمبارك تراوري، إنه فقد 21 من أفراد أسرته في الحادث، وأضاف أنه ساعد المسؤولين المحليين في انتشال الجثث وحصر القتلى.

وأضاف تراوري بحسب ما نقلته وكالة «أسوشيتد برس»: «جمعت الجثث المتناثرة في النهر، وبعضها كان قد بدأ يتحلل. وما زلت أشم رائحة الجثث وأنا أتحدث إليكم الآن».

وأشار شهود عيان إلى أن العبارة كانت تقل عائلات ومزارعين أنهوا جني محصول الأرز، ووصلت بعد حلول الظلام، رغم أن الرسو ليلاً محظور بسبب إجراءات أمنية تهدف إلى منع هجمات من متشددين مرتبطين بتنظيم القاعدة في المنطقة، لكن تراوري قال إن قائد العبارة لم يرغب في الانتظار حتى الصباح وحاول الوصول إلى ضفة أخرى، حيث اصطدمت العبارة بالصخور وغرقت.


نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة، بينما قرر أحد المقربين من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، استثمار 11.7 مليون دولار في شركة نيجيرية ناشئة للطائرات المسيَّرة؛ ما ينذر بتغير في ملامح الحرب على الإرهاب في بلد يقطنه ربع مليار نسمة، ويعدّ أكبر منتج للنفط في القارة الأفريقية.

وقالت صحيفة «بريميوم تايم» النيجيرية في برقية إخبارية نشرتها الثلاثاء، إنها اطلعت على «تقرير أمني سري» يحذّر من تخطيط «داعش» «لاستخدام طائرات مسيَّرة ضد تشكيلات عسكرية ودوريات عاملة في مناطق صراع رئيسية عبر ولايتي يوبي وبورنو».

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطّلعة قولها إن «قادة (داعش) أكملوا ترتيبات تنفيذ هجمات باستخدام طائرات مسيَّرة عدة في وقت واحد ضد أهداف مختارة»، وأضافت الصحيفة أن «مقاتلين موالين للتنظيم في محور (مثلث تمبكتو) وغابة سامبيسا تسلّموا مؤخراً دفعة جديدة تُقدَّر بنحو 35 طائرة مسيَّرة».

وحسب المصدر نفسه، فإن الطائرات المسيَّرة وصلت إلى معاقل التنظيم الإرهابي، عبر ممر في بحيرة تشاد، وهو مسار لوجيستي معروف تستخدمه الجماعات الإرهابية التي تنشط على حدود شمال شرقي نيجيريا، مع تشاد والكاميرون والنيجر.

شركة تصنيع «الدرونز» يوجد مصنعها الرئيسي في العاصمة النيجيرية أبوجا (موقع الشركة الناشئة)

وقال مسؤولون أمنيون إن التنظيم الإرهابي أخضع الطائرات المسيّرة التي حصل عليها لرحلات اختبار، وتبيّن أنها جاهزة للاستخدام العملياتي؛ ما أثار مخاوف داخل الجيش من تصعيد مرتقب في استخدام التنظيم لتكتيكات «الحرب غير المتكافئة».

وتشير التقارير الأمنية منذ سنوات إلى أن تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» طوَّر برنامجه الخاص للطائرات المسيَّرة، وأصبح يعتمد عليها بشكل كبير في مهام الاستطلاع أو العمليات الهجومية؛ ما شكل تحولاً جوهرياً في الحرب الدائرة في شمال نيجيريا منذ 2009.

وحسب التقارير، فإن التنظيم الإرهابي كان يستخدم طائرات مسيّرة تجارية جرى تعديلها لمراقبة تحركات القوات، وتصحيح نيران الهاون، وفي حالات محدودة لإلقاء عبوات ناسفة محلية الصنع على مواقع عسكرية.

ولكن هنالك مخاوف من تطور برنامج الطائرات المسيّرة لدى «داعش»، حيث بدأت المؤشرات تؤكد أن التنظيم الإرهابي لديه توجه مشابه لما تشهده جماعات متطرفة في مناطق صراع أخرى، حيث يُعاد توظيف طائرات منخفضة التكلفة لتعويض أوجه القصور أمام الجيوش النظامية.

وحقق الجيش النيجيري مكاسب كبيرة في حربه على الإرهاب خلال السنوات الأخيرة؛ ما أدى إلى إضعاف عدد من معاقل المسلحين وقتل أو اعتقال قادة بارزين، غير أن التنظيمات الإرهابية بما في ذلك «داعش» و«بوكو حرام»، واصلت تكييف تكتيكاتها، فيما يتعلق باستخدام العبوات الناسفة البدائية، وتنفيذ كمائن على طرق الإمداد، ومؤخراً توجهت بصورة متزايدة، نحو الاستطلاع الجوي.

وأفادت مصادر أمنية بأن المعلومات الاستخباراتية الأخيرة، أسفرت عن ظهور مطالب داخل الجيش النيجيري باتخاذ إجراءات عاجلة وقوية لمكافحة الطائرات المسيّرة، من أجل تحييد التهديد الناشئ وحماية الجنود على خطوط المواجهة.

في المقابل، لا يبدو أن التوجه نحو برامج الطائرات المسيَّرة مقتصر على التنظيمات الإرهابية، حيث ظهرت في نيجيريا شركات خاصة ناشئة في مجال تطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، من أبرزها شركة «Terrahaptix»، التي أسسها مهندسان نيجيريان عام 2024 وحققت نجاحات كبيرة في أقل من عامين.

مهندسون في الشركة النيجيرية الناشئة يختبرون طائرة مسيَّرة جديدة (موقع الشركة الناشئة)

الشركة تأسست على يد ناثان نواتشوكو (22 عاماً) وماكسويل مادوكا (24 عاماً)؛ بهدف مواجهة الإرهاب الذي يهدد الأمن في أفريقيا عموماً، ونيجيريا على وجه الخصوص، ولكنها نجحت في لفت انتباه رجل الأعمال الأميركي جو لونسديل، أحد أكثر الداعمين صخباً وثراءً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، حسب ما نشرت صحيفة «بلومبرغ» في تقرير، الاثنين.

لونسديل، هو مؤسس شركة «Palantir Technologies» عام 2004، قبل أن يغادرها ليؤسس عام 2015 شركة «8VC»، واشتهر بكونه أحد أبرز الداعمين لترمب، ويخاطر بالاستثمار في مشاريع ريادية؛ وذلك ما قاده ليكون أحد المستثمرين في الشركة النيجيرية الناشئة، وعيّن منذ العام الماضي أحد المقربين منه (أليكس مور) عضواً في مجلس إدارة الشركة النيجيرية.

وقادت شركة «8VC» جولة استثمارية لصالح الشركة النيجيرية الناشئة، أسفرت عن جمع 11.7 مليون دولار، لدعم خططها في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة، وأبراج المراقبة الثابتة، والمركبات الأرضية غير المأهولة، والتي تخصص عادة لرصد التهديدات التي تستهدف أصول البنية التحتية وإبلاغ الأجهزة الأمنية بها فوراً.

الشركة الناشئة توجد مصانعها في العاصمة النيجيرية أبوجا، وسبق أن حصلت على عقود تتجاوز قيمتها 12 مليون دولار لحماية أصول بنية تحتية في أفريقيا، حتى أغسطس (آب) 2025.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن ناثان نواتشوكو، أحد مؤسسي الشركة النيجيرية، قوله: «أفريقيا تشهد وتيرة تصنيع أسرع من أي منطقة أخرى، مع ظهور مناجم ومصافٍ ومحطات كهرباء جديدة كل شهر. لكن كل هذا التقدم لن يكون ذا جدوى إذا لم نعالج أكبر نقطة ضعف في القارة، وهي انعدام الأمن والإرهاب».

وأضاف أن مهمة شركته هي «تزويد أفريقيا بالتفوّق التكنولوجي اللازم لحماية الموارد ومكافحة الإرهاب»، مشيراً إلى أن التمويل الجديد سيُستخدم لتوسيع عملياتها في مختلف أنحاء أفريقيا، وأكد أن الشركة حتى الآن تقدّم حلولاً أمنية لمنشآت الطاقة الكهرومائية في نيجيريا ولمصانع تعدين الذهب والليثيوم في غانا.

وختم نواتشوكو بالقول: «اليوم، تمتلك شركتنا عقوداً تجارية وحكومية بملايين الدولارات. وبهذا التمويل سنُسرّع إنتاج أنظمة الدفاع في أفريقيا ونوسّع نطاق نظام تشغيل استخبارات البيانات لدينا».


اختطاف 10 نساء في ولاية نيجيرية قصفها الأميركيون

سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
TT

اختطاف 10 نساء في ولاية نيجيرية قصفها الأميركيون

سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)

اختطف مسلحون مجهولون 10 نساء، خلال هجوم استهدف مساء الأحد قرية واقعة في ولاية سوكوتو شمال غربي نيجيريا، استهدفتها القوات الأميركية بضربات عسكرية عشية ليلة عيد الميلاد قبل أكثر من أسبوعين.

وتصاعدت وتيرة العنف في الولاية المذكورة منذ أن استهدف الأميركيون، بالتنسيق مع نيجيريا، مواقع تابعة لتنظيم «داعش»، وميليشيات محلية موالية للتنظيم الإرهابي، وفق ما أكدت مصادر حكومية وعسكرية في نيجيريا.

وقال مصدر أمني إن مسلحين مجهولين اقتحموا قرية تودون مَلّام في وقت متأخر من الليل، وأطلقوا النار على السكان المحليين، ما أسفر عن إصابة شخصين على الأقل، فيما انسحبوا بعد اختطاف عشرة من نساء القرية. وذكرت مصادر محلية أن المسلحين «اختطفوا أكثر من عشر نساء، ونهبوا معدات زراعية»، مشيرة إلى أن «الهجمات وعمليات الاختطاف لا تزال مستمرة رغم الادعاءات بتحسن الوضع الأمني. فأين تحديداً ذلك التحسن الأمني الذي يتم الترويج له؟».

وتقع ولاية سوكوتو في أقصى شمال غربي نيجيريا، على الحدود مع النيجر، ورغم أنها تشكل معبراً مهماً للمسلحين القادمين من منطقة الساحل، ونقطة استراتيجية لشبكات الجريمة المنظمة، إلا أن معاقل «داعش» و«بوكو حرام» توجد في الجانب الآخر من نيجيريا، وتحديداً في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد.

أحد المعاقل الإرهابية تشتعل فيه النيران بعد تدميره من طرف الجيش النيجيري (الجيش النيجيري)

ويخوض تنظيم «داعش» حرباً شرسة ضد جماعة «بوكو حرام» للسيطرة والنفوذ في منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين التنظيمين يوم الخميس الماضي، أسفرت عن مقتل 10 من مقاتلي «بوكو حرام» على يد «داعش».

وقال الخبير الأمني زغازولا ماكاما، في منشور على منصة «إكس»، إن المواجهات بين التنظيمين وقعت في منطقة دابر لِدّا، ضمن محور دورون - نايرا في منطقة كوكَوا التابعة لولاية بورنو. ونقل الخبير عن مصادر عسكرية قولها إن مقاتلي تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» شنّوا هجوماً مباغتاً على نقطة تفتيش تابعة لجماعة «بوكو حرام»، تُعرف محلياً باسم «إيراسا»، في منطقة دابر لِدّا، وتمكنوا من السيطرة عليها بعد اشتباك قصير لكنه عنيف. وأضاف نفس المصدر أن الهجوم انتهى بشكل حاسم لصالح تنظيم «داعش»، الذي انسحب مقاتلوه بعد نهاية الهجوم نحو معقلهم الرئيسي الواقع بين كانغاروا ودوجون تشوكو، ضمن منطقة كوكَوا نفسها.

وأفادت صحيفة «ديلي بوست» المحلية بأن الجماعتين، وهما فصيلان من جماعة «بوكو حرام»، أحدهما بايع تنظيم «داعش» والآخر بقي على بيعة تنظيم «القاعدة»، اشتبكا مرات عديدة في إطار سعي كل طرف إلى إضعاف قدرات الطرف الآخر. وأضافت الصحيفة أن الفصيلين يقتتلان من أجل السيطرة على ممرات استراتيجية رئيسية في محيط بحيرة تشاد، إضافة إلى غابة سامبيسا الاستراتيجية في شمال شرقي نيجيريا.

وهناك مخاوف لدى السكان المحليين والمراقبين الأمنيين، من «رد فعل عنيف» على الهجوم الأخير، إذ تشير تقارير إلى أن قيادة «بوكو حرام»، وبناءً على توجيهات يُزعم أنها صدرت عن أحد قادتها يدعى أبو أُميمة، أمرت بتعبئة المقاتلين في الأجزاء الشمالية والوسطى من منطقة بحيرة تشاد بولاية بورنو، استعداداً لهجمات انتقامية.

وقد يؤدي الهجوم المضاد المرتقب إلى تصاعد الهجمات واسعة النطاق خلال الأيام والأسابيع المقبلة، لا سيما في ممر كانغاروا-دوجون تشوكو، وهو منطقة شهدت معارك متكررة بين التنظيمين الإرهابيين، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في مجالات الإمداد والتجنيد وطرق الوصول.

ورغم أن الاقتتال الداخلي أسهم تاريخياً في إضعاف تماسك «بوكو حرام» و«داعش» عموماً، يحذّر الخبراء من أن اشتداد هذه المواجهات غالباً ما يترتب عليه ثمن باهظ للمدنيين، إذ تعمد الجماعات المسلحة إلى مداهمة القرى بحثاً عن الإمدادات والمجندين والمعلومات.

في غضون ذلك، أعلن الجيش النيجيري أنه في إطار عملية «هادين كاي» لمحاربة الإرهاب، تمكن من تحييد ثمانية عناصر إرهابية من جماعتي «بوكو حرام» و«داعش»، فيما سلّم 11 عنصراً آخرين أنفسهم مع أسلحتهم، خلال عملية في ولاية بورنو.

وقال ضابط الإعلام في عملية «هادين كاي»، المقدم ساني أوبا، في بيان الأحد: «في 9 يناير (كانون الثاني) الحالي نفذت القوات عملية تمشيط واسعة في تجمع بولاالغادا، أسفرت عن تدمير عدة معاقل ومخيمات نشطة للإرهابيين في مناطق داغومبا وبوني وياغاناري وغوسوري وأومتشيلي»، مضيفاً أن مخيمي أبو نذير وأبو أحمد جرى تدميرهما أيضاً على يد القوات. وأضاف أوبا أن القوات، خلال العملية، فككت هياكل الدعم اللوجستي، وأضعفت منظومة إمدادات الإرهابيين، واستعادت مواد شملت أعلاماً تابعة للتنظيمات الإرهابية وأسلحة ومخازن ذخيرة.

وأشار المقدم إلى تنفيذ عمليات هجومية مماثلة في منطقتي يالي وبولا غايدا، ما أجبر عدداً من العناصر الإرهابية على الفرار في حالة من الفوضى. وأوضح أن ذلك أدى إلى تدمير منشآت لوجستية إضافية، وضبط أسلحة وذخائر.