«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

المغربية الفرنسية نجاة فالو بلقاسم تمزج بين المذكرات والتاريخ السياسي ــ الاجتماعي

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة
TT

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

في مقدمة كتاب «للحياة خيال أوسع» (La vie a plus d'imagination que toi) لنجاة فالو - بلقاسم، (منشورات ملتقى الطرق La croisée des chemins، الدار البيضاء، 2025)، تتوقف الكاتبة عند السبب الذي دعاها لإصدار طبعة مغربية، محددة إياه في الحرص على إبراز الوجه الفرنسي لهويتها الذي يجب أن يعرفه المغاربة، بعد أن اطلع الفرنسيون في طبعة غراسي، التي صدرت بباريس، على وجهها المغربي في أصوله الأولى. صحيح أن دار النشر المغربية المتحمسة للأدب المكتوب بالفرنسية، اضطلعت بدور أساسي في لفت انتباهها لأهمية جمهور الضفة الجنوبية، بالنسبة لمن هو في مثل وضعها (كما تؤكد بوضوح في المقدمة)؛ بيد أنها ستدرك بعد الصلات التي انتسجت تدريجياً مع بلدها الأصلي، إثر انتهاء مسؤولياتها السياسية، أنه من المهم ليس فقط تدوين شهادة مؤثرة عن مسيرة استثنائية من الاندماج والنجاح السياسي، بل أساساً الوقوف عند مفارقات هذا الاستثناء وما تخلله من أعطاب والتباسات، وجدران يبنيها الوجود خارج المحيط المرجعي. وبذا يضحى الكتاب متجاوزاً لوسم «سيرة ذاتية» الذي يبرز على الغلاف، ليتحول إلى مزيج من المذكرات والسجال السياسي، والسرد الشخصي، والتاريخ الاجتماعي، الذي يعيد بناء تقاسيم ذات، وهوية وانتماء فكري ولغوي وعرقي داخل جغرافيا بديلة، سيأخذها الشأن العام لتتقاطع مع قضايا ثقافية وعاطفية وسياسية كبرى في فرنسا كما في المغرب.

تبنى السيرة عبر المراوحة السردية بين وقائع مقرونة بزمنها، وبين لحظة إعادة إدراكها وكتابتها، أي بالتنقل الخطابي ما بين الذاكرة والوعي بها، وما يتخلل ذلك من فجوات يملؤها التأمل والتشخيص والنقد. لتنتهي إلى متن سردي يوثق الواقعة وطبيعة تمثلها، مع ما يقترن بها من رهانات سياسية. حيث تنطلق الساردة من استعاد الذاكرة لمرتع طفولتها المبكرة في قرية «بني شيكر» في منطقة الريف شمال المغرب، حيث وُلدت عام 1977، والتي لن تعود لزيارتها مرة أخرى إلا بعد مرور عشر سنوات، لتتمثل شيئاً فشيئاً الملامح المرزئة لاندثار الظلال، وتلاشي اللغة، والانمحاء التدريجي للمحيط العائلي. استرجاع يلوح في بداية السرد أشبه بومضات تونع من عمق الحلم المفارق الذي تحقق، لذا سرعان ما يتخلل التحول من المرتع إلى بلد الإقامة والانتماء، ما بعد الهجرة، وقفات تأملية تستدعي الطفولة مقرونة بوعي الهنا والآن، قبل السفر في الجغرافيا، ورحلة التعلم واكتساب اللغة، وانزياحات الانتماء، وإدراك مأزق الوجود في البين بين. في فقرة من السيرة نقرأ ما يلي: «بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة، عندما عدتُ إلى بني شيكر ثلاث مرات لقضاء الصيف، وجدتُ نفسي أغوص من جديد في عالم أدهشني. كانت قريتي قد تغيرت كثيراً، ولكن بقيت تلك الشمس الحارقة، وذلك البُعد عن كل شيء، والفقر أيضاً، وغياب الأطباء والرعاية والتعليم والأنشطة الاقتصادية. كانت الأيام تمضي ببطء، وكل ما كنت أنتظره هو العودة إلى فرنسا» (ص 35-36)

كان للطفلة «نجاة» خمس سنوات حين التحقت العائلة بالأب المهاجر، في إطار خطة التجمع العائلي التي كفلتها قوانين الهجرة الفرنسية في ذلك الوقت، ولم تكن تطوي تحت أعطافها إلا كلماتها الأمازيغية، ومعانيها الزهيدة، ستترك وراءها المنزل والفناء المفتوح، والمراعي المقفرة، وقطيع الماعز، والبئر، وذاكرة اليباب. كما ستفارق كيانها الفطري الذي لم تستقم فتوته بعد، لتلتحق بضفة بعيدة، حيث «ستجرف الفرنسية الأسماء كلها» (ص22)... بدأت الرحلة سنة 1982، من إبحار السفينة إلى مرسيليا، مطوحة بالماضي في قعر المتوسط إلى الأبد. بالموازاة مع تخايل الضفة الأخرى. وتدريجياً ستسكن الضوضاء أرجاء الكون، مثلما المطر، مبددة أثر القرية المشمسة الهاربة. حيث يلتحق والدها بالعمل. وهي مع إخوتها بالمدرسة. لتتوالى شهور السعي للانتماء. قبل أن تطوي صفحة العودة نهائياً، حيث إن زوجها نفسه وأبناءها لن يعرفوا يوماً القرية الأصل.

والشيء الأكيد أن هذا الانتقال كان اللحظة الفارقة الأولى في مسار عبور الحواجز اللغوية والثقافية والعقائدية، بالنسبة لطفلة في الخامسة من عمرها. وبقدر ما مثلت تلك المحطة نقطة تحول حياتي راديكالي، غير أنها شكلت القاعدة الأساس للقدرة على التكيف والاندماج. هذه البداية المتواضعة شكلت الخلفية الدرامية لمسيرة نجاة فالو-بلقاسم اللاحقة، فوصولها إلى أعلى المناصب السياسية في فرنسا وزيرة للتعليم والشباب والرياضة، ثم وزيرة لحقوق المرأة، يمثل قصة نجاح ملهمة. يُبرز الكتاب كيف أن قدرة الحياة على «تجاوز الخيال» تجلت في مسارها، حيث لم تكن تلك المسيرة متوقعة بأي شكل من الأشكال في طفولتها.

وليس من شك أن الصدمة القاعدية الأولى لم تتمثل في لغة التخاطب ولا المجتمع ولا الفضاء المحيط فحسب، وإنما في الوجود الاسمي ذاته: «نجاة»، في سياق زمني كان الكل فيه يسمى «ماري» أو «أوليفيي» أو ما شابهاهما من أسماء، قبل أن تتحول الأسماء العربية إلى ملمح فرنسي. مثلما كانت الصدمة في وجود له امتناعاته المسترسلة في مدن «الجمهورية العلمانية»، المتصالحة مع «التعدد» في شعاراتها الكبرى، والرافضة له في مزاجها العميق. ذلك ما تؤكده الساردة مرة تلو أخرى في فصول السيرة، منذ الأيام والسنوات الأولى في أبوفيل Abbeville و أميين Amiens، قبل الانتقال لباريس وليون... إنما في الإقامة والترحال ما بين الهامش والمدن، لم يكن يخيم فقط الجدار العاطفي للعنصرية الكامنة، خلف رفض الأسماء والسحنات التي شرع اليمين المتطرف في تعرية عمقها تدريجياً، بل كان ثمة أيضاً وقبل كل اختلاف، «وطن الخيال» الساكن في الأدب والفكر والفلسفة والقانون، بين الحروف المرصوصة في المكتبات، القادمة في جوف عربات متنقلة بين شوارع القرى والمدن الصغيرة، وفي المباني العريقة للجامعات ودور الثقافة والمتاحف، وتلك التي تبيع الإصدارات القديمة على جنبات السين حيث «القراءة تنقذ، وتمنح حيوات أخرى» (ص 23).

 القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم وللتحول

لذا يبدو طبيعياً أن تعترف الساردة أن القراءة أنقذت كل شيء في داخلها. لقد كانت القراءة في اللحظات السعيدة أو الصعبة تتجلى دوماً بوصفها ملجأ. سيما أن السياسي، في فجوات الحياة، كان التلفاز هو رهابه الكبير لهذا كانت القراءة لا تقتصر فقط على ملأ الفجوات، وإنما باختصار المسافات. «القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم، وللتحول» (ص23). من هنا كان طبيعياً أن تخط المهاجرة النهمة للقراءة والتعلم مسار صعود لامع من المدرسة الثانوية في مدينة أميين Amiens ثم بعد الالتحاق بمعهد الدراسات السياسية في باريس (Science Po Paris) عام 2002. تلك المحطة الحاسمة، التي لم تكن مجرد إنجاز أكاديمي، بل بوابة ولوج عالم السياسة والعمل العام، لشخصية فذة ومحاربة وبذكاء استثنائي.

وتدريجياً تنتقل السيرة الحافلة بالسجال السياسي حول قيم العدالة والحرية والمساواة، والدفاع عن فكر اليسار، وتعرية مفارقات المجتمع الفرنسي تجاه المهاجرين، إلى التأريخ لمرحلة مفصلية في فرنسا، شهدت تناميا تدريجياً لأحزاب اليمين في مرحلة ما بعد جاك شيراك، هكذا تروي الساردة في مقاطع عديدة من النص كيف بدأت مسيرتها السياسية بالانخراط في العمل المحلي، مستشارة لمكتب رئيس بلدية ليون، جيرار كولومب؛ حيث تعرفت من كثب على آليات العمل البلدي وتحديات الإدارة المحلية. وسرعان ما لمع اسمها داخل الحزب الاشتراكي، باعتبارها امرأة من أصول مغاربية مقنعة وجذابة، ويحتاجها الحزب لاستقطاب الناخبين من أوساط المهاجرين. وتتوقف السيرة ملياً عند لحظات الانتخابات البلدية والتشريعية التي خاضتها نجاة بلقاسم مع مناضلي الحزب الاشتراكي عبر أقاليم الجمهورية، سيما لحظة اختيارها ناطقة باسم سيغولين رويال خلال حملتها الرئاسية عام 2007، وذلك لتضمين النص العديد من رؤى وخيبات الساسة الفرنسيين اليوم؛ تقول مثلاً في أحد المقاطع: «يمتلك الفرنسيون علاقة متناقضة مع السياسة؛ فهم يعتقدون في آنٍ واحد أننا (أي الساسة) عديمو الفائدة، وفي الوقت نفسه يحمّلوننا مسؤولية كل شيء، هذه المعضلة يصعب فكها عندما تواجهها بوصفك سياسياً» (ص 60). ومباشرة بعد فوز فرنسوا هولاند بالانتخابات الرئاسية عام 2012، عُينت نجاة فالو بلقاسم في مناصب وزارية رفيعة: وزيرة لحقوق المرأة والناطقة باسم الحكومة (2012-2014): في هذا المنصب، عملت على قضايا المساواة بين الجنسين ومكافحة التمييز. ثم وزيرة للمدن والشباب والرياضة (2014-2014): قبل أن تصبح وزيرة للتربية الوطنية والتعليم العالي: (2014- 2017)، وهي المحطة الأبرز في مسيرتها، حيث أصبحت أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ فرنسا. وقد قادت خلال هذه الفترة، إصلاحات تعليمية جذرية، وواجهت معارضة شرسة من اليمين، ومن الصحافة، ومن المجتمع الشعبوي أساساً، وهو ما تتوقف عند آثاره الموجعة على شخصيتها وعلى تفكيرها وعلى ممارستها السياسية بعد ذلك، وكذا على مسارها العائلي.

والحق أنه بقدر ما تجلت سيرة: «للحياة خيال أوسع»، بوصفها محكية صعود سياسي، فإن نبرتها في نقد مآل الممارسة السياسية المرتهنة للمشهدية التواصلية والإعلامية، سرعان ما هيمنت على مبنى استرجاع الوقائع، وتبيين المواقف والأفكار. وهو ما يضع القارئ أمام مشهد مرعب لرأي عام كيفته مطحنة الصحافة، وأعادت صياغة صوره ورموزه ومفاهيمه السياسية، مكرسة قاعدة الاتهام تجاه كل مسؤولية في تسيير الشأن العام. الأمر الذي جعل النص يتجلى في غير ما موضع بما هو رثاء للسياسية، وتحديداً في مصيرها الفرنسي. ولا يخفف من قتامة المشهد إلا الفقرات المفردة للحديث عن العائلة؛ عن الأم الأمازيغية العصامية، التي تعلمت الفرنسية على كبر، والزوج بوريس فالو الذي «يجسد فرنسا في روعتها وإنسانيتها» (ص 46)، ثم الأبناء الذين لم يعرفوا تلك الأصول البعيدة لأمهم في قرية بني شيكر في الريف المغربي، والذين أضحو في النهاية يجسدون عبقرية الحياة، وخيالها الواسع: «أبناء طفلة مهاجرة، وأبناء صعود اجتماعي، وأبناء وزيرة، وأبناء فرنسا» (ص 134).


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.