«مولد الحي الراقي»... معالجة غنائية للصراع بين الطبقات

مسرحية مصرية مستلهمة من الفلكلور وحلقات الذكر

تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
TT

«مولد الحي الراقي»... معالجة غنائية للصراع بين الطبقات

تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)
تتمحور المسرحية الغنائية حول التراث الغنائي المصري (الشرق الأوسط)

أسرة شعبية مصرية تنتقل إلى حي راقٍ، تحاول فرض طقوسها واحتفالاتها التقليدية وسط بيئة اجتماعية منغلقة؛ ما يكشف عن صراعات خفية بين الطبقات، حول هذه الفكرة يدور العرض الغنائي المسرحي «مولد الحي الراقي» الذي عُرض مساء الثلاثاء في «مكتبة الإسكندرية» (شمال مصر).

ويستلهم العمل أجواء الموالد وروح التراث، كاشفاً عن التوترات والتباينات بين الفئات الاجتماعية، ومسلطاً الضوء على فكرة قبول ثقافة الآخر، وذلك من خلال الجمع بين الغناء الحي والأداء التمثيلي، والتعمق في دواخل الشخصيات المرتبطة بالموالد، والأفراح الشعبية، وجلسات الذكر والحضرة.

وتعدّ الموالد الدينية في مصر جزءاً أساسياً من التراث الشعبي؛ حيث تمثل مناسبات يتقاطر فيها أعداد ضخمة من المصريين؛ للاحتفاء بالأولياء والقديسين، في احتفالات تتسم بالتنوع والثراء الثقافي، وتزين شوارع الأحياء القديمة والشعبية في المدن والقرى بطقوسها وتفاصيلها المختلفة.

جاء العمل مصمماً بروح حداثية تعكس توتر الشخصيات والتحولات الدرامية (الشرق الأوسط)

ومن هنا يحمل عنوان العرض مفارقة مقصودة؛ ذلك أن «المولد» هو رمز شعبي وثيق الصلة بالصخب والبهجة والمبالغة في العاطفة، في حين أن «الحي الراقي» الذي لا يشهد هذه الاحتفالات قد يكون رمزاً للرتابة والانضباط والتظاهر بالرقي، وفق إيمان زكي، مؤسس ومدير المركز الثقافي «Perform Arts» منتج العرض.

وتتابع زكي في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «الجمع بين الموالد والحي الراقي يطرح تساؤلاً مهماً: هل نحن فعلاً نجسد مجتمعاً واحداً، أم طبقات متجاورة لا تلتقي إلا في لحظة اصطدام؟!»، مشيرة إلى أن «العمل يستثمر هذه المفارقة؛ للكشف عن تناقضاتنا الداخلية، ويعيد صياغة مفاهيم مثل التدين، الفرح، والعار، من منظور إنساني جامع».

وخلال المسرحية التي تبلغ مدتها نحو ساعة ونصف الساعة تتبع قصة أسرة من الإقامة في حي شعبي إلى آخر راقٍ، ويغني فنانو العرض تارة أغنيات معروفة من التراث - يرددها معهم الجمهور - وتارة أخرى أغنيات جديدة مأخوذة من روح التراث، في إطار نص يجمع بين الحوار، الغناء، والارتجال.

وهذا التراث الموسيقي هو بالتحديد ما تتمحور عليه المسرحية الغنائية؛ فاللافت أن جميع الأغاني أُعيد تقديمها بشكل درامي معاصر يتماشى مع بنية العرض المسرحية، ويشمل ذلك أنماط فلكلورية مثل الموال والزفة وأغاني السوق والمولد.

الأغاني أُعيد تقديمها بشكل درامي معاصر يتماشى مع بنية العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وحظي العرض باهتمام المركز الثقافي Perform Arts؛ لانتمائه إلى المسرح الغنائي الذي يُعدّ أداة قوية للتعبير عن هموم المجتمع، وتحليل تناقضاته، بحسب زكي التي أضافت قائلة: «كما أنه وسيلة لإعادة تقديم التراث المصري بروح معاصرة، تمثل مساحة مفتوحة لطرح أسئلة عن الطبقية، الهُوية، والتغيرات التي نعيشها كمجتمع».

وتواصل: «علاوة على أن الاهتمام بهذا العرض نبع من رغبتنا في إحياء أشكال الفن الشعبي بشكل واعٍ وجاذب، يعكس نبض الشارع من دون أن يفرط في العمق أو الجودة الفنية».

جاء الغناء أداةً درامية تعبّر عن الصراع الداخلي للشخصيات (الشرق الأوسط)

من جهته، أكد مخرج المسرحية الفنان حازم مكاوي أنه حرص على تقديم عرض لا يكتفي بالشكل التقليدي للمسرح الغنائي، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «عملنا على تقديم تجربة مسرحية مركبة تجمع بين الغناء والحكي؛ حيث يأتي الغناء أداةً درامية تعبّر عن الصراع الداخلي للشخصيات، وليس مجرد فاصل استعراضي».

وحول فلسفة العمل يقول: «يدور حول التوتر بين المظهر والحقيقة، بين الطموح الطبقي والارتباط بالجذور؛ فهو يطرح تساؤلات حول الهوية والانتماء، ويحمل رسالة مفادها أن الإنسان، مهما غير مظهره أو طبقته الاجتماعية، فإنه يظل يحمل تاريخه بداخله، وأن محاولة التنكر للماضي لا تلغي وجوده، بل تُعمق التناقض».

العمل يبرز الصراع بين الطبقات (الشرق الأوسط)

وعن تناول هذه القضية من خلال قالب «الموالد المصرية» فقد نبع من اقتناع صناع العمل بكون الموالد في ثقافتنا هي فضاءات غنية بالحياة، يتداخل فيها الروحاني مع الشعبي، والاحتفال مع الفوضى، وحول ذلك يضيف المخرج موضحاً: «إن (مسرحة) الموالد خصوصاً تسمح بإعادة قراءة هذه الفضاءات بصفتها رمزاً للتنوع والتناقض في المجتمع المصري»، وتابع: «هي مرآة للهوية الجمعية، وفي الوقت نفسه وسيلة فنية تتيح اللعب البصري والموسيقي، وطرح أسئلة عن الجسد، الجماعة، والطقس الشعبي».

ويُحسب للعمل أنه لا يقدم الفوارق بين الطبقات بأسلوب مباشر أو توعوي، بل تركها لتنكشف تلقائياً عبر التفاعل الدرامي؛ إذ يستطيع المُشاهد استشعارها من خلال لغة الشخصيات، أزيائهم، طبقات صوتهم، وتفاعلهم مع الفضاء المسرحي، كما أن الموسيقى نفسها تتحول أحياناً أداةً طبقية، تعبّر عن الهوية الاجتماعية لكل شخصية.

ويعلق مكاوي على ذلك قائلاً: «كان ذلك ضرورياً؛ لأن المسرحية تحمل رسائل ثقافية واجتماعية وإنسانية عدة؛ وكان ينبغي تجنب الوقوع في فخ الأسلوب المباشر، وساعدنا على ذلك المسرح الغنائي، لكنه على أهميته ودوره الكبير في نجاح العرض تطلب جهداً كبيراً؛ حيث اقتضى تدريباً خاصاً للممثلين على الأداء الصوتي، بالتوازي مع التمثيل الدرامي؛ وهو ما يشكل تحداً مزدوجاً».

يستلهم العمل أجواء الموالد وروح التراث (الشرق الأوسط)

ويضيف: «يحتاج العمل المسرحي الغنائي كذلك إلى مخرج واعِ، وتجهيزات صوتية دقيقة؛ لضمان وضوح الغناء وانسجامه مع السرد المسرحي، فضلاً عن التنسيق بين الغناء، التمثيل، والإيقاع الزمني للنص؛ ما يقتضي بدوره دقة وجهداً مستمرين، كما أن هذه العناصر تجعل الإنتاج أعلى تكلفة وتعقيداً مقارنة بالأعمال الحوارية التقليدية».

وجاءت سينوغرافيا العرض استلهاماً من أجواء خيام الموالد التقليدية، لكنها في الوقت نفسه مصممة بروح حداثية تعكس توتر الشخصيات والتحولات الدرامية؛ حيث تم فيها استخدام الإضاءة المتقطعة، والعناصر القابلة للحركة؛ لخلق فضاء حي ومتغير، كما أن المشهد المسرحي لم يكن مجرد خلفية، بل شريك أساسي في التعبير الدرامي، ساهم في صنع الإيقاع البصري والنفسي للعمل.


مقالات ذات صلة

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح» أقيم عرض «مرسل إلى».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً لمساحة لكشف الأسرار والخوف، والرغبة في النجاة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة.

سوسن الأبطح (بيروت)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».