مليارديرات التكنولوجيا يخوضون رهاناً محفوفاً بالمخاطر بشأن مستقبل البشرية

يعِدون بالخلاص عبر جهود الابتكار... متجاهلين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأزمات

مليارديرات التكنولوجيا يخوضون رهاناً محفوفاً بالمخاطر بشأن مستقبل البشرية
TT

مليارديرات التكنولوجيا يخوضون رهاناً محفوفاً بالمخاطر بشأن مستقبل البشرية

مليارديرات التكنولوجيا يخوضون رهاناً محفوفاً بالمخاطر بشأن مستقبل البشرية

لطالما أسَرَتْ الرؤى المستقبلية العظيمة عبر التاريخ خيالَ البشرية. لكن قلة من العصور شهدت محاولات حثيثة لتحقيق تلك الرؤى، كما هي الحال الآن... في عصر الهيمنة التكنولوجية لـ«وادي السيليكون».

«رؤى» مليارديرات التكنولوجيا

ويتصدر طليعة هذا الحراك عمالقة التكنولوجيا، أمثال سام ألتمان وجيف بيزوس وإيلون ماسك، الذين تتجاوز طموحاتهم مجرد جمع الثروات... إذ يسعون لإعادة رسم مسار الإنسانية، واعدين بالخلاص عبر جهود الابتكار والتكنولوجيا، ومقدمين أنفسهم على أنهم «مهندسو مستقبل أنصع إشراقاً وأعلى سمواً».

وتدور الخطط الطموحة لهؤلاء الأشخاص حول مواءمة الذكاء الاصطناعي مع مصالح البشرية، وابتكار أنظمة فائقة الذكاء قادرة على حل أعقد المشكلات، بل ودمج وعي الإنسان مع الذكاء الاصطناعي، في مسعى نحو تحقيق حلم الخلود، وفقاً للكاتب بريان ستوفر في مجلة «تكنولوجي ريفيو».

أما خارج كوكب الأرض، فإنهم يحلمون بإنشاء مستعمرة ذاتية الاكتفاء على كوكب آخر، ونشر البشر في مختلف أرجاء الكون. ولا تُطرح هذه الأهداف بوصفها محطات تكنولوجية فقط، بل أيضاً بوصفها خطوات ضرورية لضمان بقاء الإنسانية وازدهارها.

مرتكزات فلسفية

وأصبح القول الشهير للمفكر ألان كاي إن «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل ابتكاره»، مبدأً توجيهياً لهؤلاء الرواد، يدفع بهم لاستخدام التكنولوجيا أداة لإعادة تشكيل الواقع.

وقد طرح آدم بيكر، أحد العلماء والكتّاب المختصين بمجال الفيزياء الفلكية، دراسة نقدية بعنوان: «مزيد من كل شيء إلى الأبد: أسياد الذكاء الاصطناعي... إمبراطوريات الفضاء... وحملة (وادي السيليكون) للسيطرة على مصير البشرية». وفي إطار الدراسة، أوضح أن هذه الحركة ترتكز إلى 3 معتقدات أساسية: الإيمان بأن التكنولوجيا قادرة على حل جميع المشكلات، والالتزام الراسخ بفكرة النمو المتواصل، والسعي الحثيث لتجاوز حدود الطبيعة البشرية.

* الإيمان المطلق بالتكنولوجيا: يأتي في قلب هذه الآيديولوجيا اعتقاد راسخ بقدرة التكنولوجيا على إحداث تحولات. ومن وجهة نظر ألتمان وبيزوس وماسك ومعاصريهم، فإن التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة، بل هي دواء شامل يعالج حتى أعقد وأخطر التحديات التي تواجه البشرية.

من ناحيته، يرى بيكر أن هذا الإيمان يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبسيط مفرط للمشكلات العالمية، وتحويلها إلى ألغاز تكنولوجية، بدلاً من النظر إليها بوصفها مشكلات متعددة الأبعاد تتطلب حلولاً متنوعة.

* الهوس بالنمو: تتمثل ركيزة أخرى لهذه الفلسفة في الالتزام بالنمو الدائم. وتتوافق هذه الفكرة على نحو وثيق مع مبادئ الرأسمالية، حيث يجري النظر إلى التوسع والتراكم بوصفهما ضرورة أخلاقية. وفي إطار «وادي السيليكون»، يجري تصوير النمو بوصفه مهمة أخلاقية تُبرر التوسع المستمر وزيادة النفوذ. إلا إن هذه النظرة، وفق التحليل، قد تقود إلى تدمير البيئة، والتهرب من اللوائح التنفيذية، وإهمال القضايا المعاصرة الملحّة.

* التجاوز والهروب (Transcendence and Escape): ربما يكون الجانب الأكبر إثارة في هذه الآيديولوجيا هو هوسها بالتجاوز، أي الرغبة في التحرر من قيود الجسد، والمكان، وحتى الموت. يتخيل هؤلاء الأثرياء، المعنيون بمجال التكنولوجيا، مستقبلاً لا تخضع فيه البشرية للحدود المادية، حيث يُعد الاندماج مع الذكاء الاصطناعي أو استعمار كواكب أخرى هروباً نهائياً من هشاشة الأرض. ويقارن بيكر هذا الجانب من فلسفتهم بالعقائد الدينية المرتبطة بيوم القيامة، حيث يُوعَد بالخلاص من يتبع المسار المرسوم.

مخاطر كامنة

* عواقب الخلاص التكنولوجي: رغم أن هذه الرؤى قد تبدو مُلهمة، فإن بيكر يحذر من المخاطر الكامنة في فكرة الخلاص عبر التكنولوجيا. ويرى أن هذه الآيديولوجيا تُستخدم لتبرير ممارسات كان من الممكن أن تُقابَل بانتقادات شديدة، مثل الإضرار بالبيئة، والتحايل على القوانين، وازدياد تركّز الثروة والنفوذ. ومن خلال التركيز على مستقبَلات متخيلة، يتمكن رواد التكنولوجيا من صرف الأنظار عن الأزمات الآنية، وصياغة سردية تُصوّر مساعيهم على أنها نبيلة وضرورية.

* تبسيط حلول القضايا المعقدة: من أبرز الانتقادات الموجهة لهذه الآيديولوجية ميلها إلى التبسيط المفرط. وغالباً ما يختزل أصحاب هذه الرؤى مشكلات كبرى، مثل «التغييرات» المناخية، والفجوة الطبقية، واضطراب الأوضاع السياسية، في إطار مسائل الابتكار التكنولوجي، متجاهلين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذه الأزمات... الأمر الذي قد يؤدي إلى حلول مبهرة من الناحية التكنولوجية، لكنها غير ناجعة في معالجة الجذور الحقيقية للمشكلات.

ثمن بيئي باهظ وتمركز للسلطة

* الأثر البيئي: إن الإيمان بالنمو المستمر والسعي إلى تجاوز الطبيعة لا يأتيان من دون ثمن بيئي باهظ؛ سواء من خلال استخراج الموارد الطبيعية لتطوير التكنولوجيا، وتجاهل العواقب البيئية، وطموحات «وادي السيليكون» غالباً ما تتعارض مع متطلبات الاستدامة. ويحذر بيكر بأن هذه الممارسات قد تزيد من تفاقم الأزمات البيئية التي يدّعي هؤلاء أنهم يعملون على حلها.

* تمركز السلطة: تكمن مسألة أخرى مثيرة للقلق في ازدياد تركّز السلطة في أيدي قلة من أثرياء التكنولوجيا، إذ إن تقديم أنفسهم على أنهم منقذون للبشرية يمنحهم نفوذاً على صعيد السياسات العامة والاقتصاد، وحتى السرديات الثقافية. ويرى بيكر أن هذا التمركز يمكن أن يؤدي إلى مزيد من غياب المساواة وانعدام المساءلة، في عالم تُحدّد فيه قلة قليلة مصير الأغلبية.

التحرر من الوهم

رغم أن أحلام «وادي السيليكون» قد تأسر الخيال، فإن بيكر يدعو إلى نظرة أكبر واقعية، ويحث البشرية على إدراك أن هذه الرؤى ما هي في حقيقتها إلا ذريعة مناسبة لإعطاء الأولوية لأحلام المستقبل على الحقائق الحاضرة. ومن خلال تفكيك سردية الخلاص التكنولوجي، يمكن للمجتمع التركيز على مواجهة التحديات المباشرة وتعزيز مسار أفضل إنصافاً واستدامة.

* إعادة ترتيب الأولويات: للخروج من وهم الخلاص المستقبلي، يؤكد بيكر على ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، فبدلاً من السعي وراء فردوس بعيد، ينبغي على البشرية أن تواجه الأزمات الحالية، مثل التدهور البيئي، وعدم العدالة الاجتماعية، والاضطراب السياسي. ويتطلب ذلك التزاماً بنهج شامل في حل المشكلات، واستعداداً لمساءلة الوضع القائم.

* مزيد من المساءلة: كما يدعو بيكر إلى تعزيز مساءلة أصحاب القرار في عالم التكنولوجيا. ورغم أن الابتكار له قيمته، فإنه ينبغي ألا يكون على حساب الأخلاقيات، والشفافية، والشمول. ومن خلال محاسبة هؤلاء على أفعالهم وتأثيراتهم، يمكن ضمان أن يكون التقدم في خدمة الجميع؛ لا نخبة محدودة.

* الابتكار في إطار أخلاقي: تشكل آيديولوجيا الخلاص التكنولوجي، كما تجسدها أسماء مثل ألتمان وبيزوس وماسك، وعوداً مثيرة، لكنها تنطوي كذلك على مخاطر كبيرة. وفي الوقت الذي تلهم فيه أحلامُهم بشأن الذكاء الاصطناعي والخلود والاستيطان الكوني البعضَ، فإنها تثير تساؤلات عميقة عن السلطة والمساءلة وأولوية المستقبل على حساب الحاضر.

ويقدّم تحليل بيكر تذكيراً بأن علينا أن نُقبل على الابتكار بحذر، من دون أن نغفل المبادئ الأخلاقية وقيم الاستدامة.


مقالات ذات صلة

الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

صحتك حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة

الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

بناء خرائط أو نماذج تمثل العلاقات بين الأسباب والنتائج داخل النظام المدروس

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد يجلس أشخاص بالقرب من لوحة إلكترونية في بورصة إندونيسيا بجاكرتا (رويترز)

ارتفاع حاد في خروج رؤوس الأموال الأجنبية من الأسهم الآسيوية بداية فبراير

شهدت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الخارجة من الأسهم الآسيوية ارتفاعاً حاداً في الأسبوع الأول من فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
تكنولوجيا دراسة تحذر من استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالات صحية (رويترز)

أدوات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي تُقدّم نصائح طبية سيئة

أظهرت دراسة نُشرت الاثنين أن النصائح الطبية التي تسديها برامج الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للمستخدمين ليست جيدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد الجلسة الختامية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة حيث تظهر غورغييفا وهي تتحدث إلى الحضور (الشرق الأوسط)

غورغييفا: الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الأسواق الناشئة أصبحت لاعباً مهماً في الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد حاويات مُكدّسة في ميناء كيلونغ بشمال تايوان (أرشيفية - رويترز)

صادرات تايوان في يناير تسجل أسرع نمو شهري منذ 16 عاماً

ارتفعت صادرات تايوان في يناير (كانون الثاني) بأكثر من المتوقع، مسجلة أسرع وتيرة نمو شهرية لها منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.