الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين بحث مع عراقجي «سبل الخروج من الوضع الراهن» في الشرق الأوسط

TT

الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)
بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «العدوان المستفز» ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات، أو أعذار، وأوضح خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده ستسعى إلى «مساعدة الشعب الإيراني». لكن رغم الأجواء الدافئة وعبارات التضامن التي قوبل بها الوزير الإيراني في موسكو، بدا حرص الكرملين واضحاً على إقامة توازن دقيق بين متطلبات «الشراكة الاستراتيجية مع إيران»، وهدف تطوير العلاقات مع واشنطن، والذي توليه موسكو أهمية كبرى. وكان الكرملين قد التزم الصمت الأحد حيال الضربات الأميركية على مواقع إيرانية في الليلة السابقة، واكتفت القيادة الروسية بإصدار بيان باسم وزارة الخارجية أدان الهجوم. وبدا هذا الموقف متعمّداً بانتظار وصول عراقجي إلى موسكو، ومناقشة الوضع الراهن معه. وقال بوتين خلال استقبال الوزير الإيراني إن «موقف روسيا بشأن تصاعد التوتر حول إيران وإسرائيل معروف جيداً، وقد انعكس في بيان وزارة الخارجية الروسية»، متجنباً الإشارة إلى الدخول الأميركي على خط الهجوم على المنشآت النووية في إيران.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو اليوم (رويترز)

وشدد على أن «العدوان المستفز ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات أو أعذار»، مؤكداً أن روسيا «لديها علاقات طويلة الأمد وموثوقة مع إيران، وستعمل كل ما هو ممكن لتقديم المساعدة للشعب الإيراني». وأضاف الرئيس الروسي أن «زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا تتيح مناقشة كيفية الخروج من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، والتفكير فيه».

من جهته، قال عراقجي إن «طهران تعتبر أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران غير شرعية، والجانب الإيراني يحق له الدفاع عن نفسه... التوتر في الشرق الأوسط يتصاعد بسبب هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران». وأضاف: «تتزايد التوترات في الشرق الأوسط بسبب هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران»، ومضيفاً أن روسيا وإيران تواصلان التشاور باستمرار في جميع المجالات، وخاصةً في قضايا الأمن العالمي. وأعرب عن امتنان طهران لموسكو لإدانتها تصرفات إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران. وزاد: «أردنا أيضاً أن نشكر روسيا على إدانتها الشديدة لهذه التصرفات. روسيا اليوم على الجانب الصحيح من التاريخ والقانون الدولي. طلب مني المرشد (علي خامنئي) ورئيس إيران، السيد (مسعود) بزشكيان، أن أنقل إليكم أطيب تمنياتهما».

وفي وقت سابق، أعربت الخارجية الإيرانية على لسان متحدثها إسماعيل بقائي عن أمل طهران في أن تضطلع روسيا بدورها في وقف التصعيد بالشرق الأوسط، وذلك على خلفية الضربات الإسرائيلية والأميركية لإيران. وقال بقائي في مؤتمر صحافي أسبوعي إن «العدوان الصهيوني على إيران قد تمّ بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وأميركا شريكة في كل هذه الجرائم». وأضاف: «تربطنا علاقات صداقة طويلة مع روسيا، وبالطبع، فإن الأحداث في المنطقة تعني روسيا بصفة أنها لاعب أساسي على الساحة الدولية. تربطنا اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، ولدينا توقعات معينة من هذا البلد فيما يتعلق بدوره على المستوى متعدد الأطراف، سواء في مجلس الأمن الدولي، أو على المستوى الإقليمي».

وتابع: «تجري إيران مشاورات نشطة مع دول أخرى حتى مع دول لا تربطنا بها علاقات رسمية، لأننا نؤمن بأن أي هجوم عسكري على الأراضي الإيرانية ليس مجرد عدوان على دولة، بل إنه انتهاك واضح للقانون الدولي، وتهديد للنظام العالمي».

وقال إن «جهود طهران منصبة على الدفاع الحازم عن سيادة البلاد، ولن نسمح لأي مسألة هامشية أن تثنينا عن هذا الهدف. الأولوية الآن هي الدفاع عن البلاد، ودحر العدو الذي أطلق بدعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حرباً ظالمة على الأمة الإيرانية»، مضيفاً أنه «يجب ألا ننسى أن هذا العدوان العسكري وقع في وقت كانت فيه إيران مستعدة للجولة السادسة من المفاوضات النووية مع دولة أصبحت الآن طرفاً في هذه الحرب».

وأعلن الكرملين، في وقت سابق من يوم الاثنين أن «دعم روسيا لإيران سيتحدد وفقاً لاحتياجات طهران». وفي ردّ على التصريحات الأميركية حول إمكانية تغيير النظام في إيران، شدد على أن «مصير القيادة في أي بلد يجب أن يقرره شعبه، لا أطراف خارجية». لكن اللافت في تصريحات المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، كان حرص موسكو على إبداء موقف معارض للهجمات على إيران، مع تجنّب انتقاد مباشر لواشنطن، والتشديد في الوقت نفسه على رغبتها في مواصلة تحسين العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. وأوضح بيسكوف هذا التوازن بالقول: «الشراكة الاستراتيجية مع إيران واستعادة العلاقات مع الولايات المتحدة تمثلان أولويتين لموسكو»، مضيفاً أن «مسار العلاقات الروسية - الأميركية والضربات الأميركية على إيران مسألتان منفصلتان، ومن غير المرجح أن تؤثر إحداهما في الأخرى».

وأضاف أن فرص التوصل إلى تسوية في عدد من الملفات تعتمد بشكل كبير على تطوير الحوار بين روسيا والولايات المتحدة. كما حرص بيسكوف على التأكيد أن زيارة عراقجي كانت مجدولة مسبقاً، ولا علاقة لها بتوقيت الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية. لكنه أشار إلى أن الزيارة «اكتسبت أهمية إضافية بعد الضربة الأميركية». وفي السياق نفسه، شدد بيسكوف على أن عراقجي لم يحمل أي رسالة خطية من خامنئي إلى بوتين، خلافاً لما أوردته بعض وسائل الإعلام الغربية. وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت في وقت سابق، نقلاً عن مصادر، بأن عراقجي سلم بوتين رسالة من المرشد الإيراني يطلب فيها دعماً. إلا أن بيسكوف نفى ذلك قائلاً: «كما رأيتم، (عراقجي) جاء دون رسالة». ولم تذكر المصادر طبيعة المساعدة التي تريدها طهران.

وذكرت مصادر إيرانية للوكالة أن طهران غير راضية عن الدعم الروسي في الوقت الحالي، وتريد من بوتين بذل المزيد من الجهود لمساندتها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ونصح المتحدث الرسمي للكرملين وكالة «رويترز» بتوضيح ما «قصدته بحديثها عن الرسالة المزعومة المُعدّة للرئيس الروسي». لكنه أضاف: «من المرجح بطبيعة الحال أن يكون لديه ما ينقله إلى بوتين عن المرشد والرئيس الإيراني، ولذلك يُجرى هذا النقاش المستفيض».

وفي سؤال حول الدعم المحدد الذي قد تُقدمه روسيا، قال بيسكوف: «الأمر كله رهنٌ بما تحتاج إليه إيران. لقد عرضنا خدماتِ وساطة». وقال بوتين، الأسبوع الماضي، إن إيران لم تطلب أي دعم. وفي الوقت ذاته، أكد بيسكوف أنّ «روسيا تصر على حق جميع الدول في تطوير صناعة نووية سلمية». وأضاف: «نحن نؤمن بحق الدول في امتلاك الطاقة الذرية لأغراض سلمية، وتشغيل محطات الطاقة النووية، وتطوير صناعة نووية مدنية، وهذا موقف ثابت نتمسّك به». كما أعرب عن «أسف عميق» إزاء موجة التصعيد الأخيرة، في إشارة إلى الضربات الأميركية على إيران التي وصفها بأنها «غير مسبوقة، وحتى الآن لا أحد يدرك تماماً ما العواقب التي قد تترتب عليها، لكنها ستكون بالتأكيد عواقب سلبية».

وقال إن الإجراءات الأميركية زادت من عدد الأطراف المشارِكة في الصراع، وأدت إلى دوامة جديدة من التصعيد. وأضاف أنه «لم يجرِ إبلاغنا بالتفصيل من قِبل أميركا قبل الضربات الأميركية على إيران».

بوتين والسوداني

في سياق متصل، أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أكدا خلاله اهتمامهما بإنهاء النزاع في الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن.

وجاء في بيان نُشر على موقع الكرملين أنّ الطرفين أجريا «تبادلاً مستفيضاً للآراء حول الوضع في الشرق الأوسط في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، وكذلك الضربة الجوية والصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد المنشآت النووية الإيرانية».

وأضاف البيان: «أكد الجانبان أن هذه الإجراءات التي تُعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وللقوانين الدولية الأخرى تنطوي على عواقب خطيرة وغير متوقعة لاستقرار المنطقة، ولأمن النظام العالمي بأسره. كما عبّرا عن اهتمام مشترك بضرورة إنهاء المواجهة المسلحة بشكل عاجل، والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي».

كما أعرب بوتين والسوداني عن قلقهما من المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، وشددا على أهمية مواصلة التعاون النشط في إطار تحالف «أوبك+».


مقالات ذات صلة

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
TT

خامنئي: لا نريد الحرب وسنحاسب مثيري الشغب

 المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)
المرشد الإيراني يتحدث خلال اجتماع في طهران أمس (مكتب خامنئي - رويترز)

اتَّهم المرشد الإيراني علي خامنئي الولاياتِ المتحدة بإشعال الاضطرابات في بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أنَّ طهران «لا تريد حرباً»، لكنَّها «لن تتسامح مع المجرمين في الداخل».

وقال خامنئي، في ثالث ظهور له منذ اندلاع أحدث موجةِ احتجاجات، إنَّ واشنطن أطلقت «الفتنة» بعد تحضيرات وأدوات عديدة لخدمة أهدافها الخاصة، لكنَّه أضاف أنَّ ذلك «لا يكفي»، وأنَّ على الولايات المتحدة «أن تحاسَب».

ونقل الموقع الرسمي لخامنئي قوله: «نعدّ رئيس الولايات المتحدة مجرماً بسبب الضحايا والخسائر، وبسبب الاتهامات التي وجهها إلى الشعب الإيراني». وأقرَّ خامنئي للمرة الأولى بأنَّ «آلافاً عدة من الأشخاص» لقوا حتفهم في الاحتجاجات.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لموقع «بوليتيكو»، أمس، إنَّ الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران، واتَّهم خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بالتدمير الكامل لبلاده.


نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يعترض على تركيبة ترمب لـ«مجلس السلام»

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

أثار إنشاء مجلس السلام في غزة، بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استياء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي عدّه متعارضاً مع السياسة الإسرائيلية.

وأعلن مكتب نتنياهو، أمس، ‌أنَّ إعلان ترمب تشكيل مجلس لإدارة غزة «‌لم يتم ‍بالتنسيق ‍مع إسرائيل، ‍ويتعارض مع سياستها».

وحسبما قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، فقد تم تشكيل المجلس التنفيذي التأسيسي من قادة يتمتَّعون بالخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية، وذلك بغرض تفعيل رؤية «مجلس السلام».

ويضمّ المجلس كلاً من: ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، واللواء حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير جاباي، وسيغريد كاغ.

من جهة أخرى، أعطت إسرائيل «حماس» مهلة شهرين لنزع سلاحها، ملوِّحة بالحرب مجدداً لتنفيذ هذه المهمة.


خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».