الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين بحث مع عراقجي «سبل الخروج من الوضع الراهن» في الشرق الأوسط

TT

الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)
بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «العدوان المستفز» ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات، أو أعذار، وأوضح خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده ستسعى إلى «مساعدة الشعب الإيراني». لكن رغم الأجواء الدافئة وعبارات التضامن التي قوبل بها الوزير الإيراني في موسكو، بدا حرص الكرملين واضحاً على إقامة توازن دقيق بين متطلبات «الشراكة الاستراتيجية مع إيران»، وهدف تطوير العلاقات مع واشنطن، والذي توليه موسكو أهمية كبرى. وكان الكرملين قد التزم الصمت الأحد حيال الضربات الأميركية على مواقع إيرانية في الليلة السابقة، واكتفت القيادة الروسية بإصدار بيان باسم وزارة الخارجية أدان الهجوم. وبدا هذا الموقف متعمّداً بانتظار وصول عراقجي إلى موسكو، ومناقشة الوضع الراهن معه. وقال بوتين خلال استقبال الوزير الإيراني إن «موقف روسيا بشأن تصاعد التوتر حول إيران وإسرائيل معروف جيداً، وقد انعكس في بيان وزارة الخارجية الروسية»، متجنباً الإشارة إلى الدخول الأميركي على خط الهجوم على المنشآت النووية في إيران.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو اليوم (رويترز)

وشدد على أن «العدوان المستفز ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات أو أعذار»، مؤكداً أن روسيا «لديها علاقات طويلة الأمد وموثوقة مع إيران، وستعمل كل ما هو ممكن لتقديم المساعدة للشعب الإيراني». وأضاف الرئيس الروسي أن «زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا تتيح مناقشة كيفية الخروج من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، والتفكير فيه».

من جهته، قال عراقجي إن «طهران تعتبر أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران غير شرعية، والجانب الإيراني يحق له الدفاع عن نفسه... التوتر في الشرق الأوسط يتصاعد بسبب هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران». وأضاف: «تتزايد التوترات في الشرق الأوسط بسبب هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران»، ومضيفاً أن روسيا وإيران تواصلان التشاور باستمرار في جميع المجالات، وخاصةً في قضايا الأمن العالمي. وأعرب عن امتنان طهران لموسكو لإدانتها تصرفات إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران. وزاد: «أردنا أيضاً أن نشكر روسيا على إدانتها الشديدة لهذه التصرفات. روسيا اليوم على الجانب الصحيح من التاريخ والقانون الدولي. طلب مني المرشد (علي خامنئي) ورئيس إيران، السيد (مسعود) بزشكيان، أن أنقل إليكم أطيب تمنياتهما».

وفي وقت سابق، أعربت الخارجية الإيرانية على لسان متحدثها إسماعيل بقائي عن أمل طهران في أن تضطلع روسيا بدورها في وقف التصعيد بالشرق الأوسط، وذلك على خلفية الضربات الإسرائيلية والأميركية لإيران. وقال بقائي في مؤتمر صحافي أسبوعي إن «العدوان الصهيوني على إيران قد تمّ بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وأميركا شريكة في كل هذه الجرائم». وأضاف: «تربطنا علاقات صداقة طويلة مع روسيا، وبالطبع، فإن الأحداث في المنطقة تعني روسيا بصفة أنها لاعب أساسي على الساحة الدولية. تربطنا اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، ولدينا توقعات معينة من هذا البلد فيما يتعلق بدوره على المستوى متعدد الأطراف، سواء في مجلس الأمن الدولي، أو على المستوى الإقليمي».

وتابع: «تجري إيران مشاورات نشطة مع دول أخرى حتى مع دول لا تربطنا بها علاقات رسمية، لأننا نؤمن بأن أي هجوم عسكري على الأراضي الإيرانية ليس مجرد عدوان على دولة، بل إنه انتهاك واضح للقانون الدولي، وتهديد للنظام العالمي».

وقال إن «جهود طهران منصبة على الدفاع الحازم عن سيادة البلاد، ولن نسمح لأي مسألة هامشية أن تثنينا عن هذا الهدف. الأولوية الآن هي الدفاع عن البلاد، ودحر العدو الذي أطلق بدعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حرباً ظالمة على الأمة الإيرانية»، مضيفاً أنه «يجب ألا ننسى أن هذا العدوان العسكري وقع في وقت كانت فيه إيران مستعدة للجولة السادسة من المفاوضات النووية مع دولة أصبحت الآن طرفاً في هذه الحرب».

وأعلن الكرملين، في وقت سابق من يوم الاثنين أن «دعم روسيا لإيران سيتحدد وفقاً لاحتياجات طهران». وفي ردّ على التصريحات الأميركية حول إمكانية تغيير النظام في إيران، شدد على أن «مصير القيادة في أي بلد يجب أن يقرره شعبه، لا أطراف خارجية». لكن اللافت في تصريحات المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، كان حرص موسكو على إبداء موقف معارض للهجمات على إيران، مع تجنّب انتقاد مباشر لواشنطن، والتشديد في الوقت نفسه على رغبتها في مواصلة تحسين العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. وأوضح بيسكوف هذا التوازن بالقول: «الشراكة الاستراتيجية مع إيران واستعادة العلاقات مع الولايات المتحدة تمثلان أولويتين لموسكو»، مضيفاً أن «مسار العلاقات الروسية - الأميركية والضربات الأميركية على إيران مسألتان منفصلتان، ومن غير المرجح أن تؤثر إحداهما في الأخرى».

وأضاف أن فرص التوصل إلى تسوية في عدد من الملفات تعتمد بشكل كبير على تطوير الحوار بين روسيا والولايات المتحدة. كما حرص بيسكوف على التأكيد أن زيارة عراقجي كانت مجدولة مسبقاً، ولا علاقة لها بتوقيت الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية. لكنه أشار إلى أن الزيارة «اكتسبت أهمية إضافية بعد الضربة الأميركية». وفي السياق نفسه، شدد بيسكوف على أن عراقجي لم يحمل أي رسالة خطية من خامنئي إلى بوتين، خلافاً لما أوردته بعض وسائل الإعلام الغربية. وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت في وقت سابق، نقلاً عن مصادر، بأن عراقجي سلم بوتين رسالة من المرشد الإيراني يطلب فيها دعماً. إلا أن بيسكوف نفى ذلك قائلاً: «كما رأيتم، (عراقجي) جاء دون رسالة». ولم تذكر المصادر طبيعة المساعدة التي تريدها طهران.

وذكرت مصادر إيرانية للوكالة أن طهران غير راضية عن الدعم الروسي في الوقت الحالي، وتريد من بوتين بذل المزيد من الجهود لمساندتها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ونصح المتحدث الرسمي للكرملين وكالة «رويترز» بتوضيح ما «قصدته بحديثها عن الرسالة المزعومة المُعدّة للرئيس الروسي». لكنه أضاف: «من المرجح بطبيعة الحال أن يكون لديه ما ينقله إلى بوتين عن المرشد والرئيس الإيراني، ولذلك يُجرى هذا النقاش المستفيض».

وفي سؤال حول الدعم المحدد الذي قد تُقدمه روسيا، قال بيسكوف: «الأمر كله رهنٌ بما تحتاج إليه إيران. لقد عرضنا خدماتِ وساطة». وقال بوتين، الأسبوع الماضي، إن إيران لم تطلب أي دعم. وفي الوقت ذاته، أكد بيسكوف أنّ «روسيا تصر على حق جميع الدول في تطوير صناعة نووية سلمية». وأضاف: «نحن نؤمن بحق الدول في امتلاك الطاقة الذرية لأغراض سلمية، وتشغيل محطات الطاقة النووية، وتطوير صناعة نووية مدنية، وهذا موقف ثابت نتمسّك به». كما أعرب عن «أسف عميق» إزاء موجة التصعيد الأخيرة، في إشارة إلى الضربات الأميركية على إيران التي وصفها بأنها «غير مسبوقة، وحتى الآن لا أحد يدرك تماماً ما العواقب التي قد تترتب عليها، لكنها ستكون بالتأكيد عواقب سلبية».

وقال إن الإجراءات الأميركية زادت من عدد الأطراف المشارِكة في الصراع، وأدت إلى دوامة جديدة من التصعيد. وأضاف أنه «لم يجرِ إبلاغنا بالتفصيل من قِبل أميركا قبل الضربات الأميركية على إيران».

بوتين والسوداني

في سياق متصل، أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أكدا خلاله اهتمامهما بإنهاء النزاع في الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن.

وجاء في بيان نُشر على موقع الكرملين أنّ الطرفين أجريا «تبادلاً مستفيضاً للآراء حول الوضع في الشرق الأوسط في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، وكذلك الضربة الجوية والصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد المنشآت النووية الإيرانية».

وأضاف البيان: «أكد الجانبان أن هذه الإجراءات التي تُعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وللقوانين الدولية الأخرى تنطوي على عواقب خطيرة وغير متوقعة لاستقرار المنطقة، ولأمن النظام العالمي بأسره. كما عبّرا عن اهتمام مشترك بضرورة إنهاء المواجهة المسلحة بشكل عاجل، والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي».

كما أعرب بوتين والسوداني عن قلقهما من المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، وشددا على أهمية مواصلة التعاون النشط في إطار تحالف «أوبك+».


مقالات ذات صلة

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

شؤون إقليمية خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت المكاسب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

لوّحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية لاستقبال عراقجي لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران اليوم

حراك لإزالة الفجوة بين أميركا وإيران

تسارعت التحركات لتمديد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات بينهما قبل انتهاء وقف إطلاق النار، مع مساعٍ لتضييق الفجوة. وجاء ذلك تزامناً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية لاستقبال عراقجي لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران اليوم

عاصم منير في طهران… والهدنة على حافة التمديد

وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، الأربعاء، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حديث إلى الصحافيين في البيت الأبيض: «يبدو أننا سنتوصل إلى اتفاق مع إيران» ينهي ستة أسابيع من الحرب.

وأضاف أن «الاجتماع التالي مع إيران قد يُعقَد مطلع الأسبوع المقبل»، لافتاً إلى أن إيران «مستعدّة، اليوم، لفعل أمور رفضتها بالأمس»، كاشفاً أنها وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب بقوله: «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا». وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وفيما أكد تحقيق «تقدم كبير» في السعي إلى حل، استدرك أنه ليس «متأكداً مما إذا كان يتعين تمديد وقف إطلاق النار» مع طهران.

وأوضح أنه ​إذا ‌تم ⁠التوصل ​إلى اتفاق ⁠مع إيران ⁠والاتفاق على ‌توقيعه ‌في ​إسلام ‌أباد، فإنه ‌قد يذهب ‌إلى العاصمة الباكستانية، مشيرا إلى ⁠أن إيران ⁠وافقت على كل شيء تقريباً.

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.