واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

ترمب يؤكد عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً... وعراقجي يعرض تخصيباً «مطمئناً»

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانعقاد جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، بدا المشهد محكوماً بإيقاع مزدوج بين فتح نافذة دبلوماسية محدودة وتصعيد متواصل في الخطابين السياسي والعسكري، وسط شكوك عميقة بشأن إمكان تحقيق اختراق فعلي في الخلاف المزمن حول البرنامج النووي الإيراني وأجندة التفاوض الأوسع، التي من المفترض أن تشمل الصواريخ الإيرانية ودعم الحلفاء الإقليميين.

وعُقدت مفاوضات غير مباشرة، الجمعة، بين واشنطن وطهران في مسقط، شملت مصافحة مباشرة بين ممثلي البلدين، هي الأولى منذ أن شنَّت الولايات المتحدة، في يونيو (حزيران) 2025، ضربات على مواقع نووية رئيسية خلال حرب استمرت 12 يوماً، وبدأتها إسرائيل على إيران.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الولايات المتحدة أجرت محادثات «جيدة جداً» مع إيران، مؤكداً أن طهران «ترغب في التوصل إلى اتفاق»، ومشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات ستستأنف «في مطلع الأسبوع المقبل».

لكن ترمب شدد في المقابل على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية». وأعاد الرئيس الأميركي التذكير بإرسال أسطول عسكري كبير إلى المنطقة، في رسالة تؤكد أن خيار القوة لا يزال قائماً إلى جانب المسار الدبلوماسي، وفق تصريحات صحافية نقلها البيت الأبيض.

وفي تطور لافت، أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية، مساء السبت، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، زارا حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركي.

إيرانيون بجانب جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع بالعاصمة طهران يوم 7 فبراير 2026 (رويترز)

خطوط حمراء

وحرصت طهران على تثبيت خطوطها الحمراء. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات التي جرت الجمعة في سلطنة عُمان كانت «غير مباشرة»، لكنه أشار إلى أنه «على الرغم من ذلك، سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي»، في إشارة رمزية إلى كسر الجليد من دون تغيير طبيعة الوساطة العُمانية.

ووصف عراقجي جولة مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً لبناء الثقة، وأن استمرار المسار مرهون بمشاورات داخلية في العواصم المعنية.

وأوضح عراقجي أن طهران وواشنطن متفقتان على ضرورة عَقْد جولة جديدة «قريباً»، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن. وأكد استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق «مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم، لكنه شدَّد على أن «التخصيب حق غير قابل للتصرف، ويجب أن يستمر»، وأن فكرة «التخصيب بنسبة صفر» خارج إطار المفاوضات.

كما أكد عراقجي أن اليورانيوم المخصَّب «لن يخرج من البلاد»، مع استعداد إيران لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو صِيَغ فنية أخرى «مطمئنة»، من بينها إنشاء اتحاد إقليمي، وفق ما أفاد به دبلوماسيون مطلعون على موقف طهران.

وفيما يتعلَّق بأجندة الجولة المقبلة، قطع عراقجي الطريق على أي توسيع للملفات المطروحة، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي الإيراني «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأضاف في تصريحات نقلها التلفزيون الإيراني أن واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد محاولات ضغط وتهديد بشن هجمات عسكرية، عادّاً ذلك يعكس فشل سياسة التهديد في تغيير الموقف الإيراني.

وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

«لن نستهدف الجوار»

صعّد عراقجي لهجته، محذراً من أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، قائلاً: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة». وأكد في الوقت نفسه أن إيران «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وتزامنت هذه التصريحات مع رسائل عسكرية مباشرة؛ إذ نقل الإعلام الإيراني عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، قوله إن إيران «لن تبدأ الحرب أبداً»، لكنها «لن تتردد للحظة واحدة في الدفاع القاطع عن أمنها القومي ومصالحها الحيوية»، محذراً من أن أي «مغامرة» لفرض الحرب ستفشل، وتؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها.

وفي سياق موازٍ، انتقد عراقجي ما وصفه بـ«عقيدة الهيمنة» الإسرائيلية، معتبراً أنها تسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية بلا قيود، بينما تضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها أو تقليص قدراتها الدفاعية.

جاءت هذه التصريحات على خلفية حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، وشنت خلالها إسرائيل هجمات واسعة على أهداف نووية وعسكرية ومدنية داخل إيران، قبل أن ترد طهران بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة.

 

 

صورة أصدرتها البحرية الأميركية في 5 فبراير 2026 لبحارة أميركيين يوجهون طائرة عسكرية في بحر العرب (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية

إلى ذلك، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، السبت، أن بنيامين نتنياهو سيلتقي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن، الأربعاء المقبل.

وأوضح المكتب في بيان، أن الاجتماع مع ترمب سيركز على المفاوضات الأميركية مع إيران، مضيفاً أن نتنياهو يود التحدث مع ترمب بشأن مسألة الصواريخ الباليستية الإيرانية والجماعات التي تدعمها إيران.

وسادت في إسرائيل لهجة تشكيك واضحة حيال نتائج مفاوضات مسقط. ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن المحادثات «لن تؤدي إلى اتفاق»، بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، محذرين من أن أي استهداف لإسرائيل سيقابَل بردٍّ «مضاعف» على غرار عملية «الأسد الصاعد» التي نُفذت في يونيو الماضي.

كما أشارت القناة إلى ضغوط إسرائيلية لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لتنظيمات مسلحة ضمن جدول الأعمال، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.

أما في واشنطن، فأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن محادثات مسقط «لم تكن مصممة أساساً للتوصل إلى اتفاق»، بل كانت اختباراً للنيات، ومحاولة لمنع التصعيد. ورأى أن انتهاء الجولة من دون انهيار أو قطيعة «هو بيت القصيد»، مشيراً إلى مرحلة توقف لتقييم المواقف يعود خلالها الطرفان إلى عاصمتيهما لتحديد جدوى الاستمرار في الانخراط الدبلوماسي، مع التأكيد على أن الخيارات الأخرى «جاهزة بالفعل»، إذا لم تُبدِ إيران مرونة كافية.

وفي إطار «حملة الضغوط القصوى التي تشنّها الولايات المتحدة» على طهران، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد انتهاء جولة المفاوضات الأولى فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة. وفي الوقت ذاته، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً (دخل حيّز التنفيذ السبت)، وينصّ على فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وستؤثر هذه الرسوم على التجارة مع عدد من الدول، من بينها روسيا وألمانيا وتركيا. وبحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية»، فإن أكثر من ربع نشاط إيران التجاري في عام 2024 كان مع الصين.

وتشير معطيات مختلفة إلى أن الجولة المقبلة، إذا ما انعقدت قريباً، كما يتوقع الطرفان، ستتركز عملياً على الملفّ النووي وحده من وجهة نظر طهران، مع نقاش تقني حول مستويات التخصيب وضمانات تطمئن الغرب، في مقابل إصرار أميركي على تنازلات «ملموسة وكبيرة»، وربما محاولة جديدة لتوسيع جدول الأعمال. وبين هذين المسارين، تبقى الدبلوماسية قائمة على حافة دقيقة تحكمها حسابات الوقت وتوازن الردع، ومخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أُغلقت نافذة التفاوض.

 

 


مقالات ذات صلة

وزير الطاقة الأميركي يتوقع تراجع أسعار البنزين

الاقتصاد سيدة تملأ سيارتها بالوقود في محطة بلوس أنجليس 4 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وزير الطاقة الأميركي يتوقع تراجع أسعار البنزين

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، الأحد، إنه لو طُلب منه التخمين، لقال إن أسعار البنزين من المرجح أن تنخفض أكثر من أن ترتفع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)

ماذا تعني تهديدات ترمب بوقف التجارة إذا لم يخفض «الفيدرالي» الفائدة؟

لم يعد ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على «الاحتياطي الفيدرالي» يقتصر على المطالبة بخفض أسعار الفائدة، بل انتقل لربط السياسة النقدية مباشرة بالسياسة التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد جبل تمبلداون خلف ستانلي في جزر فوكلاند (أ.ب)

الأرجنتين تهدد بفرض عقوبات على مشروعات نفطية في جزر فوكلاند

أعلنت الأرجنتين أنها ستفتح تحقيقات بحق شركات نفط تعمل من دون ترخيص في محيط جزر فوكلاند وتفرض عقوبات عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار موريستاون (أ.ب)

محكمة تؤيد منع ترمب من الدخول على بيانات الجنسية لملايين الناخبين

رفضت هيئة ‌محكمة استئناف اتحادية أميركية طلب إدارة ترمب رفع الحظر المفروض على استخدام قاعدة بيانات للتحقق من دقة سجلات الجنسية في قوائم الناخبين بالولايات.

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

إيلي يوسف ( واشنطن)

نتنياهو يأمر بإزالة بؤر استيطانية في الضفة الغربية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يأمر بإزالة بؤر استيطانية في الضفة الغربية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال مصدران مطلعان لوكالة «رويترز»، اليوم (الأحد)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر بإزالة بؤر استيطانية أقيمت دون تصريح في الضفة الغربية، في ظل ضغوط أميركية على إسرائيل للتصدي لهجمات مستوطنين على الفلسطينيين.

وأضاف المصدران أن القرار ينطبق على بؤر استيطانية أقامها مستوطنون دون موافقة رسمية من الدولة. وعادة ما تتكون هذه البؤر من وحدات سكنية متنقلة جاهزة ويقطنها عدد محدود من المستوطنين. وهدمت إسرائيل من قبل بين الحين والآخر مثل هذه البؤر، في حين اعترفت رسمياً ببعضها الآخر، مما ‌أتاح لها الحصول ‌على تمويل حكومي.

ولم يتضح بعد موعد بدء ​تنفيذ ‌العملية. وتعتبر ⁠الأمم ​المتحدة ومعظم ⁠الحكومات أن جميع المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتعتبر الضفة الغربية أرضاً محتلة تخضع لسيطرة عسكرية. وتقول إسرائيل إن الأراضي محل نزاع وليست محتلة.

ضغوط أميركية

قال المصدران إن نتنياهو أصدر أمر إخلاء البؤر الاستيطانية غير المرخصة استجابة لضغوط من الولايات المتحدة، أقرب حلفاء إسرائيل.

وندّد السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، أمس، بالمستوطنين الذين ينتهجون العنف، ووصفهم بأنهم «إرهابيون»، ودعا إلى إنزال عقوبات صارمة بهم بعد ⁠اجتماع مع عدد من الأميركيين الفلسطينيين في بلدة فلسطينية بالضفة ‌الغربية.

وذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي في ‌وقت سابق أن التعليمات تستهدف نحو 100 بؤرة استيطانية ​في الأراضي المحتلة.

ولم يرد بعد مكتب ‌رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولا الجيش الإسرائيلي الذي يشارك عادة في إزالة البؤر ‌الاستيطانية في الضفة الغربية، على طلب للتعليق.

وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، رداً على سؤال خلال مؤتمر في القدس بشأن تقرير «واي نت»، إن نتنياهو أصدر «تعليمات بإخلاء أماكن أقيمت في المنطقتين (أ) و(ب)»، في إشارة إلى أجزاء من الضفة الغربية يقطنها معظم الفلسطينيين.

وبموجب اتفاقات أوسلو، ‌وهي اتفاقات انتقالية أُبرمت في تسعينيات القرن الماضي بين إسرائيل و«منظمة التحرير الفلسطينية»، قُسمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، هي «أ» ⁠و«ب» و«ج».

وقال ⁠سموتريتش، وهو شخصياً من المستوطنين، وأشرف على مشروعات إسكان استيطانية، ومنح اعترافاً رسمياً لمنازل أقيمت بصورة غير قانونية، إنه رغم معارضته لقرار نتنياهو فإن الحكومة حققت تقدماً كبيراً في توسيع الاستيطان بالمنطقة «ج».

مئات البؤر

وفقاً لمنظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للتوسع الاستيطاني والداعمة لحل الدولتين، يوجد في الضفة الغربية 340 بؤرة استيطانية إلى جانب 146 مستوطنة اعترفت بها الحكومة الإسرائيلية رسمياً.

وفي الشهر الماضي، حاصر مستوطنون إسرائيليون منازل فلسطينيين في قرية مجاورة، من بينها منزل يملكه أميركي - فلسطيني، قبل أن يجبرهم الجيش الإسرائيلي على مغادرة المنطقة. وقال سكان البلدة الفلسطينيون إنهم ما زالوا يواجهون مضايقات وترهيباً من المستوطنين الإسرائيليين.

وندّدت الحكومة الإسرائيلية بأعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون، لكن ​نادراً ما يتم اعتقال مرتكبيها، ​وتقل بصورة أكبر ملاحقتهم قضائياً.

وقال هاكابي أمس إنه من مصلحة إسرائيل نفسها اتخاذ إجراءات بحق المستوطنين الذين يرتكبون ما وصفه بأنه «سلوك إجرامي وإرهاب».


طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
TT

طهران تنشئ «مقر الحرب الاقتصادية» لمواجهة الخناق الأميركي

حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)
حمائم قرب لوحة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنوب طهران 24 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

أنشأت وزارة الاقتصاد الإيرانية «مقراً للحرب الاقتصادية» لتسريع معالجة تداعيات الحرب والعقوبات والحصار الأميركي، مع تصاعد الضغوط على صادرات النفط والعملات الأجنبية والتجارة، وتزايد التحديات المرتبطة بالوقود والأسعار ومعيشة السكان.

وتأتي الخطوة بعد ستة أشهر من الحرب. وتصر إدارة الرئيس دونالد ترمب على تكثيف الضغط الاقتصادي بالتوازي مع الحصار البحري، في محاولة لتقليص عائدات طهران النفطية وقدرتها على الوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقال مرتضى زمانيان، نائب وزير الاقتصاد الإيراني، إن «مقر الحرب الاقتصادية» أُنشئ لتنسيق معالجة المشكلات الاقتصادية الناجمة عن ظروف الحرب وتسريع حلها، بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وأوضح أن المقر سيركز في المرحلة الأولى على الملفات الواقعة ضمن صلاحيات وزارة الاقتصاد، وسيتولى التنسيق مع المؤسسات الأخرى عندما يتطلب حل مشكلة ما مشاركة أكثر من جهة، لمنع بقائها عالقة في الإجراءات البيروقراطية.

وتزامن إنشاء المقر مع تجدد الضربات الأميركية والإيرانية بعد هدوء نسبي خلال معظم أغسطس (آب). وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، السبت، ضرب ثلاث ناقلات إيرانية رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه سفينتين حربيتين أميركيتين.

«الخزانة» تقود المواجهة

وصعّدت إدارة ترمب خطابها بشأن الحملة الاقتصادية على إيران. ونقلت شبكة «فوكس نيوز» عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قوله إن واشنطن تفرض عقوبات «لم يسبق لها مثيل»، بهدف «خنق النظام». وشدد على أن حملة «عملية المنبوذ الاقتصادي» تستهدف فرض عزلة غير مسبوقة على طهران، مضيفاً: «سنخنق هذا النظام».

وأشار بيسنت إلى أن الصين لا تزال المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وقال إن الحصار البحري منع خروج شحنات جديدة، مقدراً أن ما تبقى من الخام الإيراني المتاح للبيع الذي لم تشتره بكين بعد يبلغ «نحو 30 مليون برميل فقط».

وأضاف أنه مع نفاد هذه الكمية «لن تبقى مسألة استمرار الصين في شراء النفط الإيراني قائمة، لأنه لن تكون هناك كميات متاحة للشراء».

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال اجتماعات مجموعة العشرين المالية في آشفيل بولاية نورث كارولاينا، 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ووصف بيسنت، في تصريحات أخرى، الاستراتيجية الأميركية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أقسى العقوبات في التاريخ». وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «ستنجح في إيران وسنسقط هذا النظام».

وتستهدف الحملة صادرات النفط الإيرانية وقنوات الوصول إلى العملات الأجنبية والشبكات المالية التي استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات، بالتوازي مع الحصار الأميركي المفروض على صادرات النفط منذ منتصف أبريل (نيسان).

وقال بيسنت هذا الأسبوع إن الخطة الأميركية ترمي إلى جعل مضيق هرمز خلال عامين «قطعة مياه عديمة القيمة»؛ في إشارة إلى استراتيجية واشنطن لتقليص أهمية الممر في إمدادات الطاقة.

وأبلغت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة «رويترز» أن الحملة الأميركية باتت أكثر صعوبة في تحملها، بعدما قيدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة طهران على الحصول على العملات الأجنبية واستيراد السلع والوصول إلى شبكات التمويل الدولية.

وقالت المصادر إن الضغوط المالية بدأت أيضاً تعرقل آليات الالتفاف على العقوبات، مع تقلص السيولة اللازمة لدفع العلاوات المرتفعة لشركات الواجهة وناقلات «أسطول الظل» ومسارات التهريب.

الكلفة ليست استسلاماً

ووصل وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إلى موسكو، الأحد، لإجراء محادثات مع مسؤولين روس حول التفاهمات السابقة وتوسيع العلاقات المالية، قائلاً إن «انفراجات جيدة في الطريق». ورفض أن تؤدي العقوبات إلى تغيير خيارات طهران، وقال إن الرد على الضغوط الأميركية سيكون عبر «المقاومة الاقتصادية والإصلاحات الاقتصادية». وقال: «يتحدثون عن الضغط الاقتصادي والعزلة، وعن قطع العلاقات المالية، ويعتقدون أن الضغط على اقتصاد بلد ما يمكن أن يغير قرارات شعبه».

وأضاف: «مسؤولية إصلاح الاقتصاد الإيراني تقع على عاتق حكومته وشعبه، وليس على وزارة الخزانة الأميركية». وقال إن هناك «مسافة كبيرة جداً بين الكلفة الاقتصادية والاستسلام الاقتصادي»، مضيفاً أن الإيرانيين «دفعوا الكلفة، لكنهم لن يستسلموا أبداً». وتابع: «نحن ندير اقتصاد إيران من أجل حياة الناس، لا من أجل رضا واشنطن». وأضاف أن الولايات المتحدة إذا كانت تعتقد أنها تستطيع عبر العقوبات أن «تقرر للاقتصاد الإيراني»، فإن «اقتصاد إيران سيبنيه الإيرانيون، ومستقبل إيران سيحدده الإيرانيون بإرادتهم وبرامجهم ولمصالحهم».

من جانبه، قال المتحدث باسم اللجنة الاقتصادية في البرلمان فتح الله توسلي إن الولايات المتحدة وأوروبا «لا تستطيعان استخدام العقوبات والتهديد لإجبار إيران على التفاوض من موقع ضعف»، مضيفاً أن طهران لن تتراجع عن «مصالحها الوطنية».

من جانبه، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي إن «أميركا إذا أرادت إلحاق ضرر اقتصادي بإيران بقيمة دولار واحد، فقد تتكبد هي عدة دولارات من الكلفة والخسائر».

وأضاف محبي لوكالة «مهر» أن تشديد الحصار الاقتصادي «لن يؤدي بالضرورة إلى انتصار الطرف الذي يفرض العقوبات»، محذراً من أنه قد يرتب تكاليف أكبر على الولايات المتحدة.

«المعركة الرئيسية»

وكان رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قد وضع، الأحد، الإنتاج ومعيشة السكان في صدارة التحديات الداخلية، قائلاً إنهما أصبحا «المعركة الرئيسية» إلى جانب المواجهة العسكرية.

وأشار قاليباف إلى تقلبات العملة والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق، وقال إن الإيرانيين يستطيعون تحمل الصعوبات، لكنهم «لن يتحملوا سوء الإدارة والتقصير».

وقال إن تشديد العقوبات يستهدف «شل دورة تأمين السلع وإدارة الطاقة»، داعياً إلى تحسين إدارة الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي.

وترأس الرئيس مسعود بزشكيان، الأحد، اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود، بعد أسابيع من الجدل بشأن عجز البنزين وخيارات خفض الاستهلاك، في أحد الملفات الأكثر تأثراً بالحصار ونقص الموارد.

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود الأحد (الرئاسة الإيرانية)

وشدد بزشكيان على ضرورة أن تقترن جميع مراحل وضع سياسة استهلاك الوقود بخطة إعلامية «دقيقة وشفافة»، مشيراً إلى أن اجتماعات الحكومة تستهدف أيضاً مكافحة التهريب والفساد في القطاع.

وأعلن أنه سيجتمع شخصياً مع ممثلي اتحادات سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة ومنصات النقل عبر الإنترنت لمناقشة السياسات المقترحة والإجابة عن مخاوفهم.

وبحث الاجتماع حزمة إجراءات غير سعرية تشمل تنظيم بطاقات الوقود، ومراقبة المصافي الصغيرة، وتحسين النقل العام، وإغلاق مسارات التهريب، وربط الحصص بالاستهلاك الفعلي، والتعامل مع السيارات القديمة ومرتفعة الاستهلاك.

وقال بزشكيان إن نحو 37 في المائة من المركبات التي تستخدمها الحكومة أصبحت متهالكة، ودعا إلى حسم وضعها ضمن إجراءات خفض استهلاك الوقود.

وكان الرئيس الإيراني قد قال في أغسطس (آب) إن الحصار البحري أغلق طرقاً كانت تستخدم لإدخال السلع إلى البلاد وإن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.

وبحسب تقديرات حكومية سابقة، تراوح العجز في البنزين بين نحو 14 و20 مليون لتر يومياً. وعارض قاليباف الشهر الماضي زيادة الأسعار، داعياً إلى خفض الاستهلاك بأقل قدر ممكن من الاستياء لدى السكان.

نفي استقالة وزير النفط

وجاء اجتماع بزشكيان وسط تداول تقارير عن خلافات داخل الحكومة بشأن إدارة قطاع الطاقة واستقالة وزير النفط محسن باك نجاد تحت تأثير الضغوط والانتقادات، وهو ما نفته الوزارة الأحد.

وقال المتحدث باسم وزارة النفط سامان قدوسي إن باك نجاد يواصل عمله ومتابعة زيادة الإنتاج والمبيعات و«تحييد العقوبات» وإدارة اختلالات الطاقة.

وكانت قنوات إيرانية قد زعمت أن بزشكيان وافق على استقالة باك نجاد بعد مشادة في اجتماع للحكومة بشأن قرارات الوزارة، لكن المتحدث لم يتطرق إلى تفاصيل تلك المزاعم.

وفي مقابلة بثها التلفزيون الرسمي، الأحد، قال باك نجاد إن جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي، تعرضت لنحو 550 ضربة خلال الأشهر الماضية، مضيفاً أن العمل فيها لم يتوقف.

وكانت إيران تصدر نحو 90 في المائة من خامها عبر خرج قبل الحرب، قبل تعطل التدفقات مع بدء الحصار الأميركي على صادرات النفط في منتصف أبريل.

الريال يترنح

وأقرت الحكومة الإيرانية في الأيام الماضية، بتزايد وطأة الحرب والعقوبات على الاقتصاد. وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني الجمعة، إن السلطات «لا تنكر الضغوط الاقتصادية على الناس ولا حالات النقص». وأضافت أن العقوبات الأميركية أثرت في تأمين الموارد وتمويل مشروعات البنية التحتية وتنفيذها.

وتراجع الريال في السوق الحرة إلى نحو 2.2 مليون ريال للدولار، وهو أدنى مستوى مسجل، فيما تعهد محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بالتدخل «في الوقت المناسب وبقوة» لمواجهة ما سماه «التقلبات غير الطبيعية».

وقال همتي إن الحرب مع الولايات المتحدة تسببت في اضطرابات غير طبيعية في سوق الصرف، لكنه نفى وجود نقص حاد في العملات الأجنبية المخصصة للاستيراد.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية 69.9 في المائة، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بوتيرة تقارب مثلي هذا المعدل.

وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المائة في الربيع، وانخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق.

وقال بزشكيان في وقت سابق إن إجمالي حجم التجارة الإيرانية تراجع بين 25 و35 في المائة، وإن الواردات تضررت بوتيرة أكبر من الصادرات.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن شحنات الخام الإيراني هبطت إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام، مع خروج كميات محدودة من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار.

وقال أحد المصادر الإيرانية التي تحدثت إلى «رويترز» إن البلاد تملك مخزونات من البنزين تكفي لنحو شهرين إضافيين، فيما تضطر إيران إلى استيراد الوقود رغم إنتاجها الخام بسبب محدودية قدراتها التكريرية.

وتخشى القيادة الإيرانية أن يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والضغط على دخول الأسر إلى تجدد الاضطرابات الداخلية.

وكانت زيادة مفاجئة في أسعار البنزين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 قد فجرت احتجاجات واسعة، بينما شهدت إيران احتجاجات جديدة بسبب المصاعب الاقتصادية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل اندلاع الحرب.

وتدرس الحكومة حالياً بدائل لخفض استهلاك البنزين من دون زيادة مباشرة للأسعار، تشمل تعديل نظام الحصص وربطه بالاستهلاك الفعلي، بالتزامن مع إجراءات لمكافحة التهريب وتقليص استهلاك المركبات الحكومية والسيارات القديمة.


ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

ورقة «هرمز» تتآكل مع اشتداد الخناق الأميركي على طهران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة شاطئ بندر عباس في إيران 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

بعد ستة أشهر من صراع هز الأسواق ودفع المنطقة إلى حافة حرب أوسع، تتعرض ورقة «هرمز» التي راهنت عليها طهران لضغوط متزايدة، مع تشديد واشنطن الحصار والعقوبات في محاولة لتقليص قدرتها على استخدام المضيق ورقة ضغط.

وبعد سنوات من الصمود أمام العقوبات، تواجه طهران الآن واحداً من أشد الضغوط في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مع تقليص الحصار البحري الأميركي وتشديد العقوبات على صادرات النفط، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية، وكشف ضغوط متزايدة على الاقتصاد، بحسب مصادر إيرانية مطلعة وأخرى إقليمية تحدثت إلى «رويترز».

ودفعت الحملة مسؤولين أميركيين وإقليميين إلى الرهان على أن تصاعد الضغط الاقتصادي يمكن أن يجبر طهران على السماح بحرية المرور عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

ويستند هذا الرهان إلى حساب مفاده أن إيران تتكبد أضراراً اقتصادية أكبر من تلك التي تلحقها بالآخرين. فقد قلصت محاولات خنق صادرات النفط إيرادات الدولة، فيما لم تحدث محاولات تعطيل الملاحة عبر هرمز الصدمة الاقتصادية العالمية التي كانت طهران تأمل أن تدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات. وتكيفت أسواق الطاقة، واستمرت الإمدادات البديلة في التدفق.

وقالت المصادر الإقليمية إن من غير الواضح ما إذا كانت الضغوط ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات. ولم تتمكن طهران من فرض الكلفة التي كانت تراهن على أن تكسر بها إرادة واشنطن، لكنها لم تظهر مؤشرات تذكر على التخلي عن مطالبها برفع العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، والاعتراف بدورها الأمني في مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن صيغة جديدة لحل المواجهة باتت موضع نقاش بين الوسطاء وإيران.

هل تستطيع طهران الصمود؟

وأقرت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة بأن حملة واشنطن تزداد صعوبة على التحمل، بعدما قيّدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية واستيراد السلع والاستفادة من شبكات التمويل العالمية التي ساعدت في إبقاء الاقتصاد واقفاً.

ويخشى القادة الإيرانيون أن يؤدي تدهور الوضع الاقتصادي، مع ارتفاع الأسعار وتراجع التجارة والضغط على دخول الأسر، إلى إشعال اضطرابات على مستوى البلاد مجدداً، بعدما شكلت موجات احتجاج سابقة تحدياً متكرراً للجمهورية الإسلامية.

وقال مسؤولون إن نقص الواردات الأساسية، بما فيها الوقود والقمح، أصبح مصدر قلق متزايد.

ووصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الاستراتيجية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أشد العقوبات في التاريخ». وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «ستنجح في إيران، وسنسقط هذا النظام».

لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين الخميس (رويترز)

ويرى بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين والإقليميين أن تفاقم الضغوط الاقتصادية قد يقود في نهاية المطاف إلى تداعيات سياسية داخل إيران، عبر إشعال اضطرابات، وتوسيع الانقسامات داخل القيادة، وإضعاف قبضتها على السلطة.

لكن آخرين يشككون في أن يؤدي الإكراه الاقتصادي والعسكري إلى تصدع سياسي، مستندين إلى عقود من المحاولات الفاشلة لزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية، واستعداد طهران لقمع المعارضة. ويرون أن حكام إيران قد يثبتون مجدداً أنهم أكثر قدرة على الصمود مما يتوقعه خصومهم.

تقديم تنازلات

وقال دينيس روس، المفاوض الأميركي السابق، إن واشنطن ربما تفسر الضائقة الاقتصادية الإيرانية على أنها دليل على نجاح استراتيجي، لكن الواقع أكثر تعقيداً. ولا تزال طهران مصممة على إظهار قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز، لكنها تبدو حريصة على ضبط استخدام القوة مع إبقاء مزيد من التصعيد في الاحتياط.

وقال روس إن «الحرس الثوري» ربما يعتقد أن إيران تستطيع تحمل الألم الاقتصادي والصمود أمام الضغوط بدلاً من تقديم تنازلات.

وأضاف: «لقد فاجأنا الإيرانيون باستمرار بقدرتهم على الصمود»، معرباً عن شكوكه في أن تكون الضغوط الاقتصادية والعسكرية وحدها كافية لإجبار إيران على التراجع. وقال إن المتشددين ربما يعتقدون أنهم قادرون على التحمل والحصول في النهاية على ما يريدون.

وقالت بورجو أوزجيليك، الباحثة البارزة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن قدرة طهران على الصمود قد تعتمد على مدى تحمل الرأي العام بقدر اعتمادها على قدرة الدولة على استيعاب المصاعب الاقتصادية.

سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في الشرق الأوسط (سنتكوم)

وقالت أوزجيليك: «بالطبع، يزيد الضغط الاقتصادي خطر الاضطرابات الشعبية، لكن في الوقت الراهن يبدو أن عقلية زمن الحرب تسيطر بدرجة كبيرة على السكان».

وأضافت: «التدخل العسكري الأجنبي، وسقوط ضحايا مدنيين، والتصور بوجود مواجهة حضارية أوسع مع نظام تقوده الولايات المتحدة، كلها عوامل تحافظ على قدر من التأييد الوطني القائم على مبدأ (إيران أولاً)، أو التسامح، أو ببساطة الصبر تجاه النظام».

والنتيجة هي مأزق أكثر استعصاء مما ربما توقعته واشنطن. فالضغط الاقتصادي يزيد المعاناة، لكن «الحرس الثوري» النافذ قد ينظر إلى الصمود، المدعوم بالتهديد بالتصعيد، باعتباره ورقة ضغط لا سبباً للتراجع.

وقالت المصادر الإقليمية إن السؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت إيران تتضرر، بل ما إذا بلغ الضرر مستوى يكفي لدفعها إلى تقديم تنازلات قبل أن ينزلق أي من الطرفين نحو مواجهة جديدة.

وقال روس إن أوضح طريق إلى اتفاق قد يكمن في الخلاف بشأن رسوم عبور السفن عبر مضيق هرمز. ويمكن لإيران، حسب روس، التخلي عن المطالبة بفرض رسم عبور، مع الاحتفاظ بحقها في تحصيل رسوم مقابل خدمات مشروعة تتعلق بالملاحة أو الأمن أو البيئة.

ومن شأن ترتيب كهذا أن يتيح للطرفين إعلان الانتصار، ويسمح لطهران بالتراجع من دون أن تبدو وكأنها تستسلم. وقال روس: «إذا أمكن الإعلان عن إعادة فتح المضيق، فأعتقد أن ترمب سيبرم اتفاقاً».