تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

عمار علي حسن يتقصى سيرة قرية صعيدية في «ملحمة المطاريد»

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون
TT

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

في روايته الأحدث «ملحمة المطاريد»، يقدم الروائي والباحث المصري، الدكتور عمار علي حسن، جدارية روائية وحكائية ضخمة، عن عائلة مصرية تنتمي إلى صعيد مصر، هي عائلة «الصوابر» التي عانت صراعات عدة على مدار تاريخها الممتد: أولاً الصراع مع عائلة «الجوابر» المنافسة لها على السيطرة والهيمنة والنفوذ، وثانياً صراعات مع تصاريف القدر وقسوة الطبيعة، وفيضانات النيل المتعددة القاتلة، أو انحسار مياهه في سنوات أخرى، وما تخلفه من وضع الجميع على حافة المجاعة، بعد تهدم البيوت وموت الزرع، ومحاولة البدء من جديد، وثالثاً صراعات ضمنية مع التحولات السياسية وآثارها عليهم عبر العصور، وتعدد أنظمة الحكم التي يمارس أغلبها العسف على الفلاحين وأبناء القرى، ومص دمائهم بالضرائب الباهظة، ليظلوا مجرد أجراء صرعى للفقر والمرض.

الرواية -التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، في نحو 900 صفحة، مقسمة على 3 أجزاء- تبدأ من لحظة أسطورية، عبر شخص غامض أقرب إلى ولي صالح، يعيش داخل حديقة ضخمة، وحول الحديقة يعيش فقراء معدمون لا يعرفون عنه شيئاً سوى بعض الحكايات غير الموثقة. وفي لحظة مفصلية يفيض النيل كاسحاً كل ما حوله، فيموت الجميع، وينهدم كل شيء، ولا يبقى سوى الرجل الغامض الذي ينقذ أحد شباب القرية، واسمه رضوان، ويأخذه إلى ربوة عالية، لا تصلها مياه الفيضان، وفيها يوجد «عشة» يسكنها أحد المجاذيب، ويوجه الرجل الغامض مجموعة نصائح ووصايا لرضوان، وينصحه بأن يبني عالماً جديداً انطلاقاً من هذه الربوة، ويتركه في رعاية المجذوب، ويختفي للأبد، فيمنح المجذوب للشاب لقب «رضوان الصابر»، ويصير هو الجد الأكبر والأول، لكل أبناء عائلة الصوابر التي ستأتي من نسله.

من هنا تبدأ الملحمة مكانياً، ملحمة شاب وحيد ورجل مجذوب، في ربوة مرتفعة، تحيط بهما مياه النيل من كل ناحية، فيبدآن بناء قرية صغيرة، يسميانها بعد ذلك «نجع المجاذيب»، ومع الزمن تكبر القرية، وتكبر معها قوة أبناء وأحفاد رضوان الصابر، وتصبح تمثيلاً لقرى صعيد مصر كله، قرية تعاني قسوة الطبيعة وشظف العيش، وصراعات العائلات والقبلية المقيتة، بين «الصوابر» وأبناء «الجوابر» الذين يأتي جدهم الأول «إبراهيم الجابر» ضيفاً على القرية، وسرعان ما يتشاحن نسله مع أبناء الصوابر بناة القرية، بدءاً من الصراع على اسم القرية الذي أصبح «الصابرية» نسبة إلى الجد رضوان الصابر.

وعندما تتحول كفة النفوذ والقوة إلى الجوابر، ويتشتت أبناء العائلة المؤسِّسة في قرى ومحافظات أخرى، يغيِّر أبناء الجوابر اسمها إلى «الجابرية»، نسبة إلى جدهم الأول «إبراهيم الجابر»، ويصبح هدف الصوابر المشتتين وحلمهم الأكبر الذي يتوارثونه جيلاً بعد آخر، هو حلم العودة إلى الجذور، في قريتهم الأم، واستعادة اسمها السابق: «الصابرية»، فبه يستعيدون رمزية وجودهم وتجذرهم في الأرض التي شهد أجدادهم تأسيسها. ويظل هذا هو الصراع الرئيس المهيمن على الرواية في أجزائها الثلاثة، وعبر أجيال متعددة من الصوابر والجوابر.

على المستوى المكاني أيضاً الذي تُمثل فيه قرية الصوابر محور المركز مكانياً، نجد تطوافاً بين أماكن عدة في أثناء «تغريبة» هذه العائلة وتشتتها، فتتجه البؤرة شمالاً إلى المنيا وإحدى قراها؛ حيث يتنامى تاريخ العائلة على يد «سالم بن غنوم بن رضوان الصابر» الذي خطفه أحد الجوابر وهو طفل انتقاماً من والده، لينقطع نسل الصوابر، ولكن الطفل أحاطته العناية الإلهية وأصبح أحد وجهاء المنيا، وعاد إلى «الصابرية» وهو أحد الأعيان ليرى موطئ قدم أجداده. كما نرى امتداداً مكانياً في المحروسة، مع بعض أبنائها الذين اختاروا طريق العلم، ودرسوا في الأزهر الشريف، وأصبحوا من مشاهير الشيوخ والفقهاء، كما يتجه المكان جنوباً في مراحل الفقر والخمول، كما حدث في اختباء بعض أبناء الصوابر في مدينة إسنا بمحافظة قنا جنوبي مصر، أو في اتجاه بعض أبناء العائلة إلى الصحراء الغربية، على تخوم محافظة الوادي الجديد. في حين اتجه بعض الأبناء إلى الضفة الأخرى من النهر، في الجبال الواقعة شرق النيل، ليعيشوا مع المطاريد -أو «الفلاتية» كما تسميهم الرواية- وفي حمايتهم، في أثناء مطاردة الحكومة لهم على جرائم لم يرتكبوها، كما حدث مع «جعفر»، أو بحثاً عن الذهب في كهوف هذه الجبال لاستخراجه والتجارة فيه. فكان الاتجاه شمالاً قرين إعادة البناء على مهل استعداداً للعودة، والاتجاه جنوباً وشرقاً قرين الاختباء والكمون في لحظات الفقر والسقوط، والاختباء بعيداً عن أعين الحكومة.

تمتد الملحمة زمنياً عبر عدة قرون، منذ عصر المماليك وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، مروراً بدخول العثمانيين، والحملة الفرنسية، ثم حكم محمد علي باشا، ثم الخديوي إسماعيل، والثورة العرابية، ثم الاحتلال الإنجليزي، ونرى في الرواية طريقة استخدام كل مرحلة ونظام سياسي لفلاحي القرى واستنزافهم، فالقرية البعيدة النائية ليست بعيدة عن التأثيرات السياسية والعسكرية في العاصمة المحروسة، وليست بعيدة عن بنية الفساد ودفع الإتاوات لكبار المسؤولين، في عصر المماليك مع السناجق والملتزمين، والذي استمر أيضاً مع الحكم العثماني. كما نجد تأثيرات هذا الفساد أيضاً في استثناء فلاحي القرية من المشاركة في حفر قناة السويس، بعد أن دفع النبيل «زياد» رشوة للمسؤولين، كي يظل الفلاحون يعملون في أرضه. وعندما أراد ابنه المستهتر أن يبيع هذه الأرض دفع رشوة أخرى كي تأتي السلطة وتأخذ هؤلاء الفلاحين للسخرة في حفر القناة، كي لا تجد الأرض من يزرعها، وتبور، فيضطر الأب لبيعها ويعطيه نصيبه لينفقه على ملذاته في المحروسة.

في الجانب الآخر كان هناك أثر للمقاومة، سواء مقاومة ظلم «الجوابر» في القرية، أو ظلم حكام على مستوى القطر المصري، وهو ما نراه في شخصية «جعفر» الذي انضم لأنصار عرابي، وشارك في مواجهة الإنجليز، ومات في أثناء مواجهتهم في موقعة «التل الكبير»، كما أن ابنه «ناجي»، الأزهري المتعلم، أبعدته قوى الفساد عن مناصب القضاء عمداً؛ لأنه ينفذ القانون على الجميع، دون اعتبار لمحاباة أبناء الكبار وذوي النفوذ، وفي نهاية حياته قرر مواجهة الاستعمار سياسياً بانضمامه للجمعية التشريعية، وكان من أنصار سعد زغلول.

تتعدد شخصيات الرواية على مدار هذه القرون، حتى نصل إلى أصغر أحفاد الجد المؤسس للقرية، وهو الطفل «رضوان بن ناجي بن جعفر بن منصور بن خير الدين بن مهدي بن مالك بن عطا الله بن سالم بن غنوم بن وهدان بن رضوان الصابر»، وعلى مدار الملحمة يقدم السرد سيرة كل شخصية من هذه الشخصيات وصراعها مع الحياة والوجود، ومع قوى الشر الماثلة في العائلة الأخرى المناوئة لهم، وإن كان هناك شخصيات مركزية مهمة توقف عندها السرد كثيراً، مثل رضوان، ثم غنوم، ثم سالم، ثم مهدي، ثم جعفر، وأخيراً ناجي الذي يحتل تقريباً معظم الجزء الثالث، هو وأمه عبلة، وعمه عمر، فهذه الشخصيات بمنزلة العمود الفقري للملحمة التي تمثل أرض القرية مركزها الرئيس وعالمها الأثير.

هناك حضور قوي ومؤثر للشخصيات النسائية، مثل شخصية «عبلة»، ابنة الجوابر التي انحازت لزوجيها جعفر ثم عمر من بعده، وهما من الصوابر، انحيازاً لأبنائها منهما، وما تراه من حق هذه العائلة، فكانت نموذجاً للعقل الراجح المعين لكل من حولها. كما نرى شخصيات بديعة وعزة ورقية وغيرهن من الشخصيات النسائية الفاعلة في متن الحكاية. أيضاً نرى حضوراً كبيراً وفاعلاً لشخصيات المجاذيب الذين يتناوبون عبر العقود والقرون على الزاوية الأولى الصغيرة التي بدأت منها الحكاية كلها، بما يقدمون للطيبين من أحلام ورؤى ونصائح تبدو مسكونة بالرموز، فالتصوف حاضر هنا بقوة، وفاعلية. ويمثل المجاذيب نموذجاً إيجابياً، في مواجهة المشايخ الرسميين الذين يفعلون ما يأمرهم به صاحب السلطة.

اعتمدت الرواية في معظمها على الراوي العليم الذي يتخذ سمت الراوي الشعبي، يحكي حكايات الأولين التي يغلب عليها تقسيم العالم إلى مملكة الخير ومملكة الشر، وكثيراً ما ذكر سيرة أبو زيد الهلالي، مع تشبيه عائلة الصوابر بالهلالي، وأبناء الجوابر بدياب بن غانم. كما اعتمد أيضاً على إنهاء كل فصل ببيتَي شعر شعبيين، يلخصان ما فات من أحداث، ويمهدان لما ستؤول إليه الأحداث في الفصل التالي.

ونجد أن ثمة نزوعاً إلى الحكي الدائري، وكأن تاريخ القرية يعيد نفسه، فإذا كان قد بدأ بشخصية رضوان الجد، فإنه انتهى أيضاً بـ«رضوان»، آخر أحفاد العائلة، وهو بمنزلة المستقبل المخطوف المنتظر عودته، هذا الخطف أيضاً الذي سبق حدوثه مع الجد «سالم»، حتى أن المخطوفَين الاثنين يشتركان في علامة واحدة تجمعهما، رغم أن بينهما قروناً تفصلهما، وهي وجود وحمة على هيئة كف كبير مطبوع على صدر كل منهما. كما تتجلى دائرية الأحداث في تكرارية الفيضان الذي يكتسح القرية، وإعادة بنائها من جديد، فهو زمن دائري تكراري، يعيد نفسه كل فترة.

مع امتداد الزمن الطويل للملحمة، وبعيداً عن الأحداث السياسية الكبرى، استطاعت الرواية أن تعكس تطور المجتمع المصري والقرية المصرية في هذه القرون الطويلة، من حيث أنظمة الحياة، سواء في تطور شكل الملابس، وأنماط الإنتاج الذي تحول رويداً من الزراعة إلى دخول الصناعة، ثم ازدهار التجارة والوكالات التجارية، وكذا أنواع المأكولات والمشروبات، ومنها دخول الشاي مع الاحتلال الإنجليزي، ولم يكن معروفاً قبلها في المجتمع المصري، واعتماده فقط على الينسون والقرفة، والقهوة التي دخلت مع العثمانيين، وكذا تطور البناء من البيوت الطينية إلى بيوت بالحجر، وتطور قطع الأثاث؛ خصوصاً في بيوت الأغنياء والموسرين، وغيرها من التفاصيل اليومية والحياتية الصغيرة التي تمثل تأريخاً للحياة اليومية والمعيشية للمصريين.

هذه رواية كبيرة وعريضة، تمثل تاريخاً من الحب والكراهية، وصراع الخير والشر، والأهم أنها تقدم تأريخاً اجتماعياً واقتصادياً للمجتمع المصري وفقرائه وفلاحيه، وأنظمته السياسية والاقتصادية، على مدار 5 قرون، ويمكن حملها رمزياً على كفاح كل أصحاب أرض وحق، اضطروا لمغادرة أرضهم والتشتت في الأرض، تحت وطأة الظلم والحيل الخبيثة، وإمكانية عودتهم لها بكثير من العمل والعلم والتخطيط.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.