تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

عمار علي حسن يتقصى سيرة قرية صعيدية في «ملحمة المطاريد»

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون
TT

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

تمثيلات سردية لتاريخ مصر في 5 قرون

في روايته الأحدث «ملحمة المطاريد»، يقدم الروائي والباحث المصري، الدكتور عمار علي حسن، جدارية روائية وحكائية ضخمة، عن عائلة مصرية تنتمي إلى صعيد مصر، هي عائلة «الصوابر» التي عانت صراعات عدة على مدار تاريخها الممتد: أولاً الصراع مع عائلة «الجوابر» المنافسة لها على السيطرة والهيمنة والنفوذ، وثانياً صراعات مع تصاريف القدر وقسوة الطبيعة، وفيضانات النيل المتعددة القاتلة، أو انحسار مياهه في سنوات أخرى، وما تخلفه من وضع الجميع على حافة المجاعة، بعد تهدم البيوت وموت الزرع، ومحاولة البدء من جديد، وثالثاً صراعات ضمنية مع التحولات السياسية وآثارها عليهم عبر العصور، وتعدد أنظمة الحكم التي يمارس أغلبها العسف على الفلاحين وأبناء القرى، ومص دمائهم بالضرائب الباهظة، ليظلوا مجرد أجراء صرعى للفقر والمرض.

الرواية -التي صدرت عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، في نحو 900 صفحة، مقسمة على 3 أجزاء- تبدأ من لحظة أسطورية، عبر شخص غامض أقرب إلى ولي صالح، يعيش داخل حديقة ضخمة، وحول الحديقة يعيش فقراء معدمون لا يعرفون عنه شيئاً سوى بعض الحكايات غير الموثقة. وفي لحظة مفصلية يفيض النيل كاسحاً كل ما حوله، فيموت الجميع، وينهدم كل شيء، ولا يبقى سوى الرجل الغامض الذي ينقذ أحد شباب القرية، واسمه رضوان، ويأخذه إلى ربوة عالية، لا تصلها مياه الفيضان، وفيها يوجد «عشة» يسكنها أحد المجاذيب، ويوجه الرجل الغامض مجموعة نصائح ووصايا لرضوان، وينصحه بأن يبني عالماً جديداً انطلاقاً من هذه الربوة، ويتركه في رعاية المجذوب، ويختفي للأبد، فيمنح المجذوب للشاب لقب «رضوان الصابر»، ويصير هو الجد الأكبر والأول، لكل أبناء عائلة الصوابر التي ستأتي من نسله.

من هنا تبدأ الملحمة مكانياً، ملحمة شاب وحيد ورجل مجذوب، في ربوة مرتفعة، تحيط بهما مياه النيل من كل ناحية، فيبدآن بناء قرية صغيرة، يسميانها بعد ذلك «نجع المجاذيب»، ومع الزمن تكبر القرية، وتكبر معها قوة أبناء وأحفاد رضوان الصابر، وتصبح تمثيلاً لقرى صعيد مصر كله، قرية تعاني قسوة الطبيعة وشظف العيش، وصراعات العائلات والقبلية المقيتة، بين «الصوابر» وأبناء «الجوابر» الذين يأتي جدهم الأول «إبراهيم الجابر» ضيفاً على القرية، وسرعان ما يتشاحن نسله مع أبناء الصوابر بناة القرية، بدءاً من الصراع على اسم القرية الذي أصبح «الصابرية» نسبة إلى الجد رضوان الصابر.

وعندما تتحول كفة النفوذ والقوة إلى الجوابر، ويتشتت أبناء العائلة المؤسِّسة في قرى ومحافظات أخرى، يغيِّر أبناء الجوابر اسمها إلى «الجابرية»، نسبة إلى جدهم الأول «إبراهيم الجابر»، ويصبح هدف الصوابر المشتتين وحلمهم الأكبر الذي يتوارثونه جيلاً بعد آخر، هو حلم العودة إلى الجذور، في قريتهم الأم، واستعادة اسمها السابق: «الصابرية»، فبه يستعيدون رمزية وجودهم وتجذرهم في الأرض التي شهد أجدادهم تأسيسها. ويظل هذا هو الصراع الرئيس المهيمن على الرواية في أجزائها الثلاثة، وعبر أجيال متعددة من الصوابر والجوابر.

على المستوى المكاني أيضاً الذي تُمثل فيه قرية الصوابر محور المركز مكانياً، نجد تطوافاً بين أماكن عدة في أثناء «تغريبة» هذه العائلة وتشتتها، فتتجه البؤرة شمالاً إلى المنيا وإحدى قراها؛ حيث يتنامى تاريخ العائلة على يد «سالم بن غنوم بن رضوان الصابر» الذي خطفه أحد الجوابر وهو طفل انتقاماً من والده، لينقطع نسل الصوابر، ولكن الطفل أحاطته العناية الإلهية وأصبح أحد وجهاء المنيا، وعاد إلى «الصابرية» وهو أحد الأعيان ليرى موطئ قدم أجداده. كما نرى امتداداً مكانياً في المحروسة، مع بعض أبنائها الذين اختاروا طريق العلم، ودرسوا في الأزهر الشريف، وأصبحوا من مشاهير الشيوخ والفقهاء، كما يتجه المكان جنوباً في مراحل الفقر والخمول، كما حدث في اختباء بعض أبناء الصوابر في مدينة إسنا بمحافظة قنا جنوبي مصر، أو في اتجاه بعض أبناء العائلة إلى الصحراء الغربية، على تخوم محافظة الوادي الجديد. في حين اتجه بعض الأبناء إلى الضفة الأخرى من النهر، في الجبال الواقعة شرق النيل، ليعيشوا مع المطاريد -أو «الفلاتية» كما تسميهم الرواية- وفي حمايتهم، في أثناء مطاردة الحكومة لهم على جرائم لم يرتكبوها، كما حدث مع «جعفر»، أو بحثاً عن الذهب في كهوف هذه الجبال لاستخراجه والتجارة فيه. فكان الاتجاه شمالاً قرين إعادة البناء على مهل استعداداً للعودة، والاتجاه جنوباً وشرقاً قرين الاختباء والكمون في لحظات الفقر والسقوط، والاختباء بعيداً عن أعين الحكومة.

تمتد الملحمة زمنياً عبر عدة قرون، منذ عصر المماليك وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، مروراً بدخول العثمانيين، والحملة الفرنسية، ثم حكم محمد علي باشا، ثم الخديوي إسماعيل، والثورة العرابية، ثم الاحتلال الإنجليزي، ونرى في الرواية طريقة استخدام كل مرحلة ونظام سياسي لفلاحي القرى واستنزافهم، فالقرية البعيدة النائية ليست بعيدة عن التأثيرات السياسية والعسكرية في العاصمة المحروسة، وليست بعيدة عن بنية الفساد ودفع الإتاوات لكبار المسؤولين، في عصر المماليك مع السناجق والملتزمين، والذي استمر أيضاً مع الحكم العثماني. كما نجد تأثيرات هذا الفساد أيضاً في استثناء فلاحي القرية من المشاركة في حفر قناة السويس، بعد أن دفع النبيل «زياد» رشوة للمسؤولين، كي يظل الفلاحون يعملون في أرضه. وعندما أراد ابنه المستهتر أن يبيع هذه الأرض دفع رشوة أخرى كي تأتي السلطة وتأخذ هؤلاء الفلاحين للسخرة في حفر القناة، كي لا تجد الأرض من يزرعها، وتبور، فيضطر الأب لبيعها ويعطيه نصيبه لينفقه على ملذاته في المحروسة.

في الجانب الآخر كان هناك أثر للمقاومة، سواء مقاومة ظلم «الجوابر» في القرية، أو ظلم حكام على مستوى القطر المصري، وهو ما نراه في شخصية «جعفر» الذي انضم لأنصار عرابي، وشارك في مواجهة الإنجليز، ومات في أثناء مواجهتهم في موقعة «التل الكبير»، كما أن ابنه «ناجي»، الأزهري المتعلم، أبعدته قوى الفساد عن مناصب القضاء عمداً؛ لأنه ينفذ القانون على الجميع، دون اعتبار لمحاباة أبناء الكبار وذوي النفوذ، وفي نهاية حياته قرر مواجهة الاستعمار سياسياً بانضمامه للجمعية التشريعية، وكان من أنصار سعد زغلول.

تتعدد شخصيات الرواية على مدار هذه القرون، حتى نصل إلى أصغر أحفاد الجد المؤسس للقرية، وهو الطفل «رضوان بن ناجي بن جعفر بن منصور بن خير الدين بن مهدي بن مالك بن عطا الله بن سالم بن غنوم بن وهدان بن رضوان الصابر»، وعلى مدار الملحمة يقدم السرد سيرة كل شخصية من هذه الشخصيات وصراعها مع الحياة والوجود، ومع قوى الشر الماثلة في العائلة الأخرى المناوئة لهم، وإن كان هناك شخصيات مركزية مهمة توقف عندها السرد كثيراً، مثل رضوان، ثم غنوم، ثم سالم، ثم مهدي، ثم جعفر، وأخيراً ناجي الذي يحتل تقريباً معظم الجزء الثالث، هو وأمه عبلة، وعمه عمر، فهذه الشخصيات بمنزلة العمود الفقري للملحمة التي تمثل أرض القرية مركزها الرئيس وعالمها الأثير.

هناك حضور قوي ومؤثر للشخصيات النسائية، مثل شخصية «عبلة»، ابنة الجوابر التي انحازت لزوجيها جعفر ثم عمر من بعده، وهما من الصوابر، انحيازاً لأبنائها منهما، وما تراه من حق هذه العائلة، فكانت نموذجاً للعقل الراجح المعين لكل من حولها. كما نرى شخصيات بديعة وعزة ورقية وغيرهن من الشخصيات النسائية الفاعلة في متن الحكاية. أيضاً نرى حضوراً كبيراً وفاعلاً لشخصيات المجاذيب الذين يتناوبون عبر العقود والقرون على الزاوية الأولى الصغيرة التي بدأت منها الحكاية كلها، بما يقدمون للطيبين من أحلام ورؤى ونصائح تبدو مسكونة بالرموز، فالتصوف حاضر هنا بقوة، وفاعلية. ويمثل المجاذيب نموذجاً إيجابياً، في مواجهة المشايخ الرسميين الذين يفعلون ما يأمرهم به صاحب السلطة.

اعتمدت الرواية في معظمها على الراوي العليم الذي يتخذ سمت الراوي الشعبي، يحكي حكايات الأولين التي يغلب عليها تقسيم العالم إلى مملكة الخير ومملكة الشر، وكثيراً ما ذكر سيرة أبو زيد الهلالي، مع تشبيه عائلة الصوابر بالهلالي، وأبناء الجوابر بدياب بن غانم. كما اعتمد أيضاً على إنهاء كل فصل ببيتَي شعر شعبيين، يلخصان ما فات من أحداث، ويمهدان لما ستؤول إليه الأحداث في الفصل التالي.

ونجد أن ثمة نزوعاً إلى الحكي الدائري، وكأن تاريخ القرية يعيد نفسه، فإذا كان قد بدأ بشخصية رضوان الجد، فإنه انتهى أيضاً بـ«رضوان»، آخر أحفاد العائلة، وهو بمنزلة المستقبل المخطوف المنتظر عودته، هذا الخطف أيضاً الذي سبق حدوثه مع الجد «سالم»، حتى أن المخطوفَين الاثنين يشتركان في علامة واحدة تجمعهما، رغم أن بينهما قروناً تفصلهما، وهي وجود وحمة على هيئة كف كبير مطبوع على صدر كل منهما. كما تتجلى دائرية الأحداث في تكرارية الفيضان الذي يكتسح القرية، وإعادة بنائها من جديد، فهو زمن دائري تكراري، يعيد نفسه كل فترة.

مع امتداد الزمن الطويل للملحمة، وبعيداً عن الأحداث السياسية الكبرى، استطاعت الرواية أن تعكس تطور المجتمع المصري والقرية المصرية في هذه القرون الطويلة، من حيث أنظمة الحياة، سواء في تطور شكل الملابس، وأنماط الإنتاج الذي تحول رويداً من الزراعة إلى دخول الصناعة، ثم ازدهار التجارة والوكالات التجارية، وكذا أنواع المأكولات والمشروبات، ومنها دخول الشاي مع الاحتلال الإنجليزي، ولم يكن معروفاً قبلها في المجتمع المصري، واعتماده فقط على الينسون والقرفة، والقهوة التي دخلت مع العثمانيين، وكذا تطور البناء من البيوت الطينية إلى بيوت بالحجر، وتطور قطع الأثاث؛ خصوصاً في بيوت الأغنياء والموسرين، وغيرها من التفاصيل اليومية والحياتية الصغيرة التي تمثل تأريخاً للحياة اليومية والمعيشية للمصريين.

هذه رواية كبيرة وعريضة، تمثل تاريخاً من الحب والكراهية، وصراع الخير والشر، والأهم أنها تقدم تأريخاً اجتماعياً واقتصادياً للمجتمع المصري وفقرائه وفلاحيه، وأنظمته السياسية والاقتصادية، على مدار 5 قرون، ويمكن حملها رمزياً على كفاح كل أصحاب أرض وحق، اضطروا لمغادرة أرضهم والتشتت في الأرض، تحت وطأة الظلم والحيل الخبيثة، وإمكانية عودتهم لها بكثير من العمل والعلم والتخطيط.


مقالات ذات صلة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

ثقافة وفنون العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها،

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون 
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

الحرب... اختفاء الجبهات

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون  فيليب سادجروف

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

ثقافة وفنون المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية،

محمد رضا نصر الله
ثقافة وفنون حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة

«الشرق الأوسط» (تونس)

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.