هل يكتفي نتنياهو بالضربة الأميركية أم يجر ترمب لتدخل أكبر؟

الجيش الإسرائيلي: نستعد لمواصلة الحرب حتى تحقيق الأهداف بالكامل

قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ في موقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل يوم الأحد (أ.ف.ب)
قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ في موقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

هل يكتفي نتنياهو بالضربة الأميركية أم يجر ترمب لتدخل أكبر؟

قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ في موقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل يوم الأحد (أ.ف.ب)
قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ في موقع غارة إيرانية استهدفت تل أبيب في إسرائيل يوم الأحد (أ.ف.ب)

بعد ساعات من الضربة الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، ردت طهران بإطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه مناطق إسرائيلية، وأصيب ما لا يقل عن 16 شخصاً بجروح، وسقط صاروخ واحد على الأقل في وسط إسرائيل، على ما أفاد جهاز الإسعاف، وقناة تلفزيونية.

وقوبلت الضربة الأميركية بانتشاء إسرائيلي متوقع وظاهر، لكن بات السؤال الأكبر في تل أبيب: هل ستكون هناك ضربات أخرى؟ وهل سيقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من التدخل.

والانطباع السائد، هو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي حقق بهذه الضربة حلماً قديماً منذ سنوات طويلة سيكتفي ويفتش عن الاستثمار السياسي للحرب، لكن ثمة آراء بأنه ما زال ينظر لهذا التطور باعتباره فرصة تاريخية لتحطيم النظام الإيراني وسيرغب في المزيد.

ويرى نتنياهو أن إسرائيل لا تستطيع وحدها تدمير المشروع الإيراني، وأن دخول أميركا العظمى الحرب هو السبيل لإنهائه، ولقد دخل في مواجهة مباشرة مع الرئيسين الأميركيين السابقين، باراك أوباما، وجو بايدن، اللذين تجنبا الحرب المباشرة مع طهران، وسعيا إلى الاتفاق معها.

ويتضح الآن أن ترمب ونتنياهو كانا على اتصال وثيق طيلة المفاوضات، وأن الرئيس الأميركي وعد إسرائيل بالموافقة على الحرب في اليوم الحادي والستين إذا فشلت المفاوضات التي كان مقدراً لها 60 يوماً.

ويبدو أن نتنياهو وعد بأن تقوم إسرائيل وحدها بالعمل الأساسي، وأن يقتصر الدور الأميركي على «الخواتيم»، حتى يفهم القادة الإيرانيون أن إسرائيل ليست وحدها في المعركة.

لقد استغل نتنياهو الموقف الإيراني طيلة فترة المفاوضات، ففي طهران لم يقرؤوا المشهد جيداً، وحسبوا أنهم يستطيعون إدارة مفاوضات تقليدية مع ما تحتويه من مماحكات ومناورات، وكان هذا يثير عصبية ترمب ويزيد من كفة الترجيح الأميركي لضرب إيران.

وجاءت وقائع الحرب، في نظر واشنطن، لترجح الفكرة بأن إسرائيل تتفوق على إيران بدرجات كثيرة، وأنها فعلاً تدير الحرب وحدها، وتحتاج فقط إلى ختام يمكنه أن يُضيف إلى الرصيد الأميركي.

تساؤلات إسرائيلية عن مصير اليورانيوم

وعندما تمكن نتنياهو من جر قدمي الرئيس دونالد ترمب، في دورة حكمه الأولى، للمواجهة وأقنعه بالانسحاب من الاتفاق النووي في 2018، طمع في دورة حكم ثانية له لإقناعه بالتقدم خطوة أخرى نحو هذا الصدام، وراح يلعب على كل الأوتار حتى يجعل هذا الهدف محققاً.

ترمب يعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أ.ب)

ورغم المعارضة الجدية في الولايات المتحدة لهذه المغامرة، والضغوط العربية والغربية لمنعها، تمكن نتنياهو ومعه قطاع واسع من الأميركيين المؤيدين، من جر قدمي ترمب. واليوم، بعد أن دخل ترمب الحرب وقال إن الضربات الأميركية دمرت الطموحات الإيرانية للمشروع النووي، بدأ الخطاب السياسي الإسرائيلي في الإعلام العبري والعالمي يتحدث عن «مبالغة في الاستنتاج».

ويتساءل محللون وعسكريون إسرائيليون عن مصير 400 كيلوغرامات من اليورانيوم الإيراني المخصب، وألوف أجهزة الطرد المركزي، ويقولون إن الرد الإيراني بقصف إسرائيل بعد ساعات من الاستهداف الأميركي، يدل على أن القيادة الإيرانية لم تتعلم الدرس وتخطط لحرب طويلة، لاستنزاف إسرائيل ومواصلة تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وعرضت قناة «كان 11» العامة صوراً لمبنى مدمر محاط بأكوام من الأنقاض، قالت إنه في وسط إسرائيل، عقب موجتين من الصواريخ أُطلقتا على الدولة العبرية، ودوّت صفارات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد بعدما أبلغ الجيش الإسرائيلي عن رصد إطلاق الصواريخ، وجرى تفعيل الدفاعات الجوية بُعيد ذلك، ما تسبب في انفجارات سُمع دويّها في تل أبيب والقدس.

قوات أمن إسرائيلية وفرق إنقاذ في موقع غارة إيرانية في تل أبيب يوم الأحد (أ.ف.ب)

وأفادت الشرطة الإسرائيلية بسقوط «شظايا أسلحة» وأن عناصرها انتشرت في موقعين شهدا سقوط صواريخ، أحدهما في حيفا في شمال البلاد، والآخر في نيس زيونا، جنوب تل أبيب.

وأظهرت صور التقطها مصورو «وكالة الصحافة الفرنسية» ساحة عامة في منطقة سكنية في حيفا تضيق بالأنقاض، فضلاً عن أضرار كبيرة لحقت بمتاجر ومنازل محيطة. أما المحال التجارية فتحطمت نوافذها وواجهاتها، وتدلت أجهزة التكييف من واجهات المباني ومثلها إشارات المرور.

ووسط كل ما تعرضت له المنطقة من دمار، لم تطلق صفارات الإنذار، وهو ما تحاول السلطات توضيحه. وأكد متحدث باسم الجيش أن «إمكان وجود خلل في نظام الاعتراض قيد التحقيق».

دخان يتصاعد من مبنى مستشفى «سوروكا» في مدينة بئر السبع بعد إصابته بصاروخ من إيران يوم الخميس (رويترز)

وتمنع الرقابة العسكرية الإسرائيلية وسائل الإعلام والعامّة من نشر أو تداول معلومات أو صور للأضرار التي لحقت بمنشآت البلاد الاستراتيجية. لكن جرى الإقرار رسمياً بحدوث ما لا يقل عن 50 ضربة صاروخية، أدت بحسب البيانات الرسمية إلى مقتل 25 شخصاً منذ بدء الحرب مع إيران في 13 يونيو (حزيران) الحالي.

وكانت مدن تل أبيب الساحلية في الوسط وبئر السبع في الجنوب وحيفا في الشمال، المناطق الثلاث الأكثر تعرضاً للاستهدافات الإيرانية. وفي رامات أفيف قرب تل أبيب، خرج السكان من الملاجئ ليفاجأوا بالدمار الذي حل بمنازلهم، وبينهم رجل وامرأة تعانقا وسط الدموع.

«لم تصل إلى النهاية»

ويبدو من الخطاب الإسرائيلي أن الحرب لم تصل إلى مرحلة النهاية، وأن هناك حاجة للمزيد. وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، إفي ديفرين، في مؤتمر صحافي، إن قواته «تستعد لمواصلة الحرب والعمليات حتى تحقيق أهدافه بالكامل».

ورفض ديفرين تحديد مصير اليورانيوم المخصب في منشآت إيران النووية، مكتفياً بالقول إن «نتائج الهجوم الأميركي لا تزال قيد الدراسة. من المبكر جداً تحديد ذلك. سنعرف لاحقاً».

صورة ملتقطة بالأقمار الصناعية في 19 يونيو 2025 لمحطة فوردو لتخصيب الوقود النووي شمال شرقي مدينة قم (شركة ماكسار - أ.ف.ب)

وقالت مصادر عسكرية أخرى، بحسب ما أوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، إن «نتائج الهجوم لم تُحسم بعد ولا توجد حتى الآن خلاصات نهائية حول نتائجها العملياتية». وشددت على أنه «منذ دخول الولايات المتحدة إلى القتال، طرأ تغيّر جوهري في سلوك إيران، ما يحتاج إلى ضرب أهداف إضافية ستُهاجم في المراحل المقبلة».

وأضافت أن «من أهم نتائج الضربات الأميركية أنها تبين لواشنطن أنها قادرة على القيام بمهام كبرى، من دون أن يلحق بها أذى».


مقالات ذات صلة

ماذا سيحدث بعد إغلاق صناديق الاقتراع في إسرائيل؟

تحليل إخباري رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» بالقدس في يوليو 2026  (أرشيفية - أ.ف.ب)

ماذا سيحدث بعد إغلاق صناديق الاقتراع في إسرائيل؟

توزع مقاعد الكنيست على القوائم الحزبية وفق نظام التمثيل النسبي، ويتعين على الأحزاب تجاوز عتبة 3.25 بالمئة من الأصوات على المستوى الوطني للفوز بمقاعد.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية إعلان انتخابي لحزب «الليكود» يظهر فيه نتنياهو وترمب مع عبارة باللغة العبرية تقول: «لدينا فرصة واحدة للفوز» في القدس يوم الاثنين (أ.ب)

«يهود شرقيون وغربيون وعرب ومهاجرون»... مَن يحسم انتخابات إسرائيل؟

في إسرائيل تتشابك الفئات التي يمكنها حسم مصير الانتخابات خاصة بعدما فشلت الاستطلاعات في ترجيح كفة المتنافسين الرئيسيين... عرب ويهود شرقيون وغربيون ومهاجرون.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ) p-circle

الحملة الإسرائيلية في الخليل تفتح خلافاً بين الحكومة والجيش

عملية الخليل تتحول إلى محل خلاف بين نتنياهو والجيش الذي يطلب إنهاء العملية في ظل النتائج العملياتية الضعيفة.

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري إسرائيليان يحملان منشورات دعائية لحزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير في إحدى أسواق القدس - الأحد (أ.ف.ب) p-circle

تحليل إخباري انتخابات إسرائيل: أحزاب اليمين واليسار... هل هناك فارق؟

قد يخسر اليمين الإسرائيلي الحاكم راهناً الحكم في الانتخابات المقرر إجراؤها الثلاثاء؛ لكن أفكاره ونظرياته باتت متغلغلة حتى بين اليسار.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الجيش الإسرائيلي: احتجاز مدني مصري بعد تجاوزه السياج الحدودي

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي: احتجاز مدني مصري بعد تجاوزه السياج الحدودي

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي اليوم الثلاثاء إنه ألقى القبض خلال الليل على مدني مصري بعد أن عبر السياج الحدودي من الأراضي المصرية إلى إسرائيل قرب منطقة نيتسانا.

وأضاف الجيش «عقب رصده، هرعت القوات إلى المكان وأوقفته، وتم نقله لاستكمال التحقيق لدى قوات الأمن»، مشيرا إلى التعامل «مع الواقعة بجدية بالغة ونواصل إبقاء قواتنا على مستوى عال من الجاهزية الدفاعية في المنطقة».

ولم يقدم الجيش مزيدا من التفاصيل.


بدء التصويت في انتخابات إسرائيلية حاسمة تختبر شعبية نتنياهو بعد هجوم 7 أكتوبر

رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس (أ.ب)
رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس (أ.ب)
TT

بدء التصويت في انتخابات إسرائيلية حاسمة تختبر شعبية نتنياهو بعد هجوم 7 أكتوبر

رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس (أ.ب)
رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس (أ.ب)

بدأ الإسرائيليون اليوم (الثلاثاء) التصويت في أول انتخابات عامة تجرى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسط ترقّب لمعرفة موقف الناخبين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتوجّه البلاد المتزايد نحو اليمين. ومن المقرر أن تُغلق معظم مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة العاشرة مساء بالتوقيت المحلي (20:00 ت غ)، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتجه أكثر من 7 ملايين ناخب إسرائيلي إلى صناديق الاقتراع، لانتخاب 120 نائباً في البرلمان (الكنيست)، في واحدة من أكثر المنافسات حدة، ووسط ترقب واسع إقليمياً، ودولياً.

وتتنافس على عضوية البرلمان 37 قائمة انتخابية تمثل أحزاباً، وتحالفات مختلفة، غير أن المعركة الرئيسة تكاد تنحصر بين رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش الأسبق، غادي آيزنكوت، بينما لم تحسم الاستطلاعات السابقة الأغلبية (60 مقعداً + واحد) لأي منهما. ويُنظر إلى نتائج الانتخابات باهتمام واسع، خصوصاً ما يتعلق بتداعياتها على جبهات الحروب والهجمات التي شنتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر عام 2023، في غزة، والضفة، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران.

وأعربت حركة «حماس» في رسالة وجهتها إلى وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وكشف عنها مصدران لـ«الشرق الأوسط»، عن تعويل على نتائج تصويت تُحرك الاتفاق الذي تماطل إسرائيل في تنفيذ بنوده.

أجواء تنافسية

وتأتي الانتخابات التي تشهد منافسة محتدمة فيما تبدو إسرائيل أكثر عزلة على الساحة الدولية، بفعل حملتها العسكرية المدمّرة في غزة، وتسارع البناء الاستيطاني، وتصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة، وتنامي النزعة القومية الدينية اليمينية المتشدّدة. وأظهرت آخر استطلاعات الرأي المنشورة تعادلاً بين نتنياهو، صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، ومنافسه الرئيس الوسطي غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق، والوافد حديثاً إلى السياسة، والذي يُنظر إلى طباعه الهادئة باعتبارها نقيض أسلوب رئيس الوزراء الحالي. ويُقدّر أن عشرات الآلاف من الإسرائيليين عادوا جواً من الخارج للمشاركة في انتخابات يُنظر إليها باعتبارها حاسمة في تحديد هوية بلادهم مستقبلاً.

عمال يجهزون مركزاً للاقتراع تزامناً مع إجراء انتخابات وطنية في البلاد وذلك في مدينة أم الفحم العربية بشمال إسرائيل (رويترز)

وقال أورييل براندلر، وهو وكيل عقاري يبلغ 58 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس عشية الاقتراع: «أعتقد أن هذا أحد أهم أيام الانتخابات في تاريخ دولة إسرائيل». وأضاف أن «البلاد تحتاج بالتأكيد إلى تغيير نحو الأفضل على كل المستويات». وتولّى نتنياهو البالغ 77 عاماً رئاسة الوزراء على فترات متقطّعة لأكثر من 19 عاماً. وركّز السياسي المحنّك بكثافة خلال حملته على خبرته الأمنية، مستثمراً علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومؤكّداً أنه الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين. وفي السنوات التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر، قاد نتنياهو حروباً عدّة حوّلت خلالها القوات الإسرائيلية غزة إلى ركام، واحتلّت جنوب لبنان، وشنّت للمرة الأولى ضربات عنيفة على إيران بمساعدة أميركية.

ناخبون يصطفون قبل فتح أحد مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العامة الإسرائيلية في القدس (أ.ب)

«لا يخشى التحرّك»

وقالت المتقاعدة تسيبورا بينيت البالغة 85 عاماً إنها ستصوّت لنتنياهو «لأنه يملك خبرة قيادة البلاد خلال مراحل صعبة كثيرة». وأضافت: «إنه يحظى بالدعم الكامل من الحكومة الأميركية، وأعتقد أنه رجل لا يخشى التحرّك». وعاد نتنياهو إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2022، مُدخلاً في ائتلافه قوميين متشدّدين من اليمين المتطرّف، وقد تعاظم نفوذهم السياسي منذ ذلك الحين. وانتقدت المعارضة بشدّة دعمه للأحزاب اليهودية المتشدّدة التي تسعى إلى الإبقاء على إعفاء طلاب المعاهد الدينية اليهودية من التجنيد في الجيش الذي يعاني نقصاً في العدد. لكن أحد أبرز الانتقادات الموجّهة إلى نتنياهو يتمثّل في عدم تحمّله المسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر. وتعهّد آيزنكوت، البالغ 66 عاماً، بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلّة في الإخفاقات الأمنية التي أفضت إلى الهجوم، وهو ما عارضته حكومة نتنياهو. ويسعى تكتّل غير رسمي من الأحزاب، يقوده حزب «ياشار» بزعامة آيزنكوت، ويضمّ قوى من اليمين إلى يسار الوسط، إلى إطاحة رئيس الوزراء.

غادي آيزنكوت زعيم حزب «ياشار» (مستقيم) يزور مركزاً للاقتراع في أوفاكيم بجنوب إسرائيل (أ.ب)

وتعهّد آيزنكوت منع قيام دولة فلسطينية، وأعرب عن دعمه للمستوطنات الإسرائيلية، لكنه وعد بالتصدي بحزم لعنف المستوطنين. ولم يعلن أي من آيزنكوت أو نتنياهو استعداده للتحالف مع القوائم ذات الغالبية العربية التي تمثّل نحو 21 في المائة من سكان إسرائيل، وقد تؤدّي دوراً حاسماً في تشكيل الحكومة إذا جاءت النتائج متقاربة كما هو متوقّع. وقد يستغرق صدور النتائج النهائية أياماً، فيما يُستبعد بشدّة أن يقترب أيّ حزب بمفرده من حصد المقاعد الـ61 اللازمة لضمان الغالبية في البرلمان المؤلّف من 120 مقعداً. وقد يستغرق تشكيل أيّ ائتلاف أسابيع، أو أشهراً، مع احتمال إجراء انتخابات جديدة إذا فشلت المفاوضات.


أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
TT

أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)

يحسم الناخبون الإسرائيليون الثلاثاء مواقفهم بشأن ملفات رئيسية، لعلّ أبرزها التحقيق في الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم حماس عام 2023، والتجنيد الإجباري للمتدينين والاقتصاد.

في ما يأتي أبرز الملفات التي تشكّل محور الانتخابات البرلمانية:

المساءلة عن هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)

طالب العديد من الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلّة للنظر في أسباب الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 غير المسبوق من غزة على جنوب إسرائيل.

وتسبّب الهجوم، وهو الأكثر حصدا للضحايا في تاريخ إسرائيل (1221 قتيلا)، بصدمة وطنية عميقة لا تزال تداعياتها ظاهرة على الحياة السياسية والمجتمع والوعي الجماعي في البلاد. وتقول أحزاب المعارضة إنها ستجعل من تشكيل هذه اللجنة أولويتها القصوى حال وصولها الى السلطة، مشيرة الى أن إسرائيل اعتمدت من قَبل لجان تحقيق مماثلة عقب أزمات وطنية سابقة.

لكن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ترفض هذا المقترح، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق في منع الهجوم.

واقترحت بدلا من ذلك تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها. ورأى زعيم المعارضة يائير لابيد أن الهدف من اللجنة المقترحة «تبرئة (المسؤولين) ومنع إجراء تحقيق حقيقي في أكبر كارثة تعرّض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة».

الاستراتيجية الأمنية

على مدى عقود، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: قوة الاستخبارات، والردع، وخوض حروب قصيرة. لكن ذلك تغيّر بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ودخلت الحكومة في حملات عسكرية طويلة الأمد، فهي لا تزال تحتلّ أجزاء واسعة من قطاع غزة بعد أكثر من سنتين على بدء الحرب التي تسبّب بها هجوم حماس، ورغم إعلان وقف لإطلاق النار يبقى هشّا.

وتحتلّ أجزاء واسعة من جنوب لبنان، بعد حربين متتاليتين خاضتهما فيه ضد «حزب الل»ه، على خلفية الحرب في قطاع غزة والحرب ضد إيران. كما تقدّمت الى مناطق في سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد، وأعلنت نيتها البقاء فيها.

وتنفّذ عمليات عسكرية متتالية في الضفة الغربية المحتلة. ولا تزال في حرب مع إيران الى جانب الولايات المتحدة، رغم عدم مشاركتها في الأعمال القتالية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان). وتشنّ ضربات ضد الحوثيين المدعومين من طهران في اليمن.

في الداخل الإسرائيلي، تثير هذه العقيدة الجديدة تساؤلات حول قدرة الدولة على الإبقاء على قواتها العسكرية في حالة تعبئة على جبهات عدّة في الوقت نفسه. ومنذ عام 2023، تمّ استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط مرّات عدّة، غالبا بتكاليف عائلية ومهنية كبيرة، في حين يواصل القادة العسكريون التحذير من وجود نقص في عدد أفراد الجيش.

وقال الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عوفر شيلاح لوكالة الصحافة الفرنسية «انتقلنا من سياسة تقوم على الردع والازدهار في الفترات بين الحروب، إلى مجتمع يعيش في حالة حرب واستنفار دائمين».

وأثّرت هذه الحملات سلبا على سمعة إسرائيل، إذ تجاوز عدد القتلى في قطاع غزة 73800. وقتل الآلاف في لبنان وإيران.

وتكثّف إسرائيل عملياتها العسكرية في الضفة الغربية المحتلة. واتهمت لجنة تحقيق دولية مكلّفة من الأمم المتحدة إسرائيل الاثنين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة، من بينها «الإبادة».

وحذّرت المنظمة الدولية من أن العملية العسكرية الإسرائيلية الجارية في مدينة الخليل في الضفة حاليا تثير مخاوف جدية من «تطهير عرقي».

الدين والهوية والتجنيد الإجباري

في ظلّ ما يعانيه الجيش الإسرائيلي من نقص في عديده، تطوّر الجدل حول إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية ليصبح نقاشا أوسع بشأن هوية إسرائيل وطبيعة الدولة.

وتسعى الأحزاب المتشدّدة دينيا إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، وتحظى بذلك بدعم حزب الليكود بزعامة نتانياهو، إلى جانب شركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف. في المقابل، تؤيد معظم أحزاب المعارضة وضع حدّ لهذه الإعفاءات، وأعلنت أنها سترفض المشاركة في أي حكومة تضمّ أحزابا حريدية.

ولا يقتصر الخلاف على قضية الخدمة العسكرية. فقبل أيام قليلة من حلّ الكنيست، طرحت الحكومة المنتهية ولايتها إجراءات تُشجّع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، كما أقرّت تشريعا يؤكد أهمية دراسة التوراة.

ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها تعزز الطابع اليهودي لإسرائيل. أما منتقدوها فيعتبرون أنها تدفع البلاد نحو تعزيز النفوذ الديني في الحياة العامة، ولا تعكس آراء غالبية السكان.

ارتفاع تكاليف المعيشة

يشكّل الاقتصاد مصدر قلق رئيسيا لكثير من الناخبين. ورغم النمو الاقتصادي القوي، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من مرتين منذ العام 2000، مع بقاء معدّل البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيا، فإن الإسرائيليين ما زالوا يواجهون واحدة من أعلى تكاليف المعيشة في العالم.

ووفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُعد إسرائيل من بين أغلى ثلاث دول من حيث كلفة الحاجات الأساسية اليومية، لا سيما الغذاء والسكن. في الوقت نفسه، لا يزال متوسط الأجور أقل من متوسط دول المنظمة، ما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر.

ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع الأسعار يعود إلى مشكلات هيكلية مزمنة، من بينها نقص المساكن، والقيود التجارية، وضعف المنافسة في قطاعات رئيسية. كما أضافت الحروب تحديا جديدا. فمنذ عام 2023، تضاعفت ميزانية الدفاع الإسرائيلية، ما زاد الضغوط على المالية العامة، وجعل تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني والحاجات الداخلية تحدّيا حقيقيا.