ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)

شنَّت إسرائيل هجمات على إيران لليلة السابعة على التوالي، اليوم (الخميس)، في حين لم يستبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إمكان دخول الولايات المتحدة الحرب؛ للقضاء على البرنامج النووي لطهران. ولدى سؤاله عمّا إذا قرَّر توجيه ضربات أميركية إلى إيران، أشار ترمب إلى أنه لا يسعى للقتال، لكنه أضاف: «إذا كان الخيار هو القتال أو حيازتهم قنبلة نووية، فيجب أن أفعل ما يلزم. وربما لا نحتاج إلى القتال».

وسيتم إطلاعه على مستجدات الحرب اليوم، وهو يوم عطلة رسمية في الولايات المتحدة، في غرفة العمليات، حيث تُتَّخذ غالبية القرارات العسكرية حساسية.

ويقول تحليل إخباري لشبكة «سي إن إن» الإخبارية، إنّ تهويل الرئيس الأميركي قبل اتخاذ أصعب قرار أمني قومي في أيٍّ من ولايتيه الرئاسيتين لا يُقارن بتاتاً بالمناورات الحربية المعقدة، والتحريك الدقيق للرأي العام الذي يتطلبه معظم القادة العسكريين قبل إرسال الأميركيين للقتال.

وتبدو خطب ترمب وتعليقاته غامضة، أمام الكاميرات وعلى الإنترنت، سطحية، بل ومُهملة، نظراً للعواقب الوخيمة المحتملة لهجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية، وفقاً لما وصفه التحليل الإخباري.

لكن هكذا يتصرف. يُريد أن يُبقي الأصدقاء والأعداء في حيرة. لقد أثبت أنه يعتقد أن عدم القدرة على التنبؤ، والتقلب - وهما عاملان يسعى معظم الرؤساء إلى تجنبهما في أزمات الأمن القومي - يمنحانه ميزةً رئيسيةً.

هل يُخطط ترمب لحالات الطوارئ؟

لقد خشِي منتقدو ترمب اللحظة التي سيواجه فيها نوع الأزمة الدولية الذي تجنَّبه إلى حدٍ كبير خلال ولايته الأولى. ولأسلوبه عيوبٌ خطيرة.

لم تكتسب إدارته ثقة الشعب الأميركي بعد، ولم تشرح سبب تغييرها المفاجئ لرأيها بأن إيران لا تُصنّع سلاحاً نووياً. والآن، يقول ترمب إنه على بُعد أسابيع من ذلك. ولا توجد أي إشارة إلى أن الإدارة تنوي طلب تفويض من الكونغرس لشنِّ حرب جديدة محتملة ضد إيران - كما ينصّ الدستور.

كما أنها ترفض الإفصاح عمّا إذا كانت قد حسمت أمرها بشأن كيفية تأثير هجوم على محطة «فوردو» النووية الإيرانية على منطقة خطرة، وما إذا كانت لديها أي استراتيجية للخروج.

ويشير التحليل لشبكة «سي إن إن» إلى أنه قد تكون خطط الرئيس الأميركي غامضة. لكن حساباته بسيطة.

وعليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بقدراتٍ فريدةٍ لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المحتملة

أفادت شبكة «سي إن إن»، أمس (الأربعاء)، بأن ترمب منشغل بإيجاد طريقة لضرب أهداف رئيسية للبرنامج النووي الإيراني دون الانجرار إلى حرب شاملة. وذكرت مصادر مطلعة على الأمر أنه يريد تجنب الصراعات المفتوحة مثل تلك التي شهدها العراق وأفغانستان، التي تعهد بتجنبها.

هناك بعض المنطق في موقفه. لا أحد يتوقع من ترمب إرسال قوات أميركية إلى الميدان، فقد تكون هدفاً مباشراً في إيران، كما حدث في العراق وأفغانستان. فلم تُثر غارة اغتيال ترمب، التي أودت بحياة رئيس الاستخبارات الإيراني قاسم سليماني، خلال ولايته الأولى، غضباً عارماً تجاه الأهداف الأميركية كما توقع كثير من المحللين. كما أن القواعد الأميركية في المنطقة مُحصَّنة بشكل كبير ضد الهجمات الصاروخية. وهناك أيضاً بعض التساؤلات حول مدى قدرة الجيش الإيراني المُنهك على توجيه ضرباته الآن للولايات المتحدة وإسرائيل.

سيكون هذا الأمر مُقلقاً في حد ذاته. ولكن بعد تاريخ واشنطن الكارثي في ​​الغرق في مستنقعات ناجمة عن تخطيط غير كافٍ لليوم التالي بعد بدايات صادمة ومرعبة، فلاشك أن القلق يزداد.

كما أن خداع ترمب المُتكرر وأسلوب قيادته المُتّبِع «سياسة الأرض المحروقة» يعنيان أن ملايين الأميركيين سيحتاجون إلى أكثر من مجرد كلامه للثقة في أي قرار بشنِّ عمل عسكري.

قد تكون خططه غامضة... لكن حساباته بسيطة

يشير التحليل إلى أنه عليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية بقدرات فريدة لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المُحتملة؛ مثل هجمات إيرانية على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، وهجمات إرهابية مُحتملة على أهداف أميركية، وموجة صادمة قد تزعزع استقرار العالم في حال انهيار النظام في طهران.

التطورات الأخيرة تُنذر بالسوء. مجموعة ثالثة من حاملات الطائرات الأميركية تتجه نحو الشرق الأوسط. تتصاعد حدة حرب كلامية شرسة بين ترمب وقادة إيران الدينيين. ويجتمع الرئيس يومياً في غرفة العمليات مع كبار مساعديه للأمن القومي.

«قد أفعل ذلك... وقد لا أفعل»

لم يعد العالم المُراقب أكثر حكمةً بعد الظهور العلني للرئيس، أمس (الأربعاء)، قائلاً: «أعني، أنتم لا تعلمون أنني سأفعل ذلك. أنتم لا تعلمون. قد أفعله، وقد لا أفعله. أعني، لا أحد يعلم ما سأفعله»، هذا ما قاله ترمب للصحافيين الذين سألوه عن خططه تجاه إيران في أثناء كشفه عن ساريتي علم ضخمتين في البيت الأبيض. «لا شيء ينتهي حتى ينتهي. كما تعلمون، الحرب معقدة للغاية. يمكن أن تحدث أشياء سيئة كثيرة. تحدث الكثير من المنعطفات».

لاحقاً، في المكتب البيضاوي، صرَّح ترمب لمراسلة شبكة «سي إن إن»، كايتلان كولينز، بأنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن ما سيفعله، إذ تحاصره ضغوط من الإسرائيليين للتحرك، وتحذيرات مؤيديه للبقاء بعيداً عن الحروب الخارجية.

وأضاف: «لديّ أفكار بشأن ما سأفعله، لكنني لم أتخذ قراراً نهائياً بعد. أحب أن أتخذ القرار النهائي قبل ثانية واحدة من موعده، كما تعلمون، لأن الأمور تتغير».

قلق الديمقراطيين من افتقار ترمب للدقة

قال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، آدم شيف، في برنامج «غرفة العمليات»: «من الواضح أن تفكيره غير واضح حالياً. أعتقد أنه كان متردداً بعض الشيء بشأن إيران، وهو أمر أفهمه».

وصرَّح شيف، رداً على أحد تصريحات ترمب الصحافية المتقطعة: «هذا قرار صعب. لكنني لا أعتقد أننا حصلنا على كثير من التوجيهات بشأن ما إذا كان متفائلاً بشأن احتمال توجيه ضربة محتملة لإيران في المحادثات مع إيران». وأضاف: «كان الأمر غامضاً للغاية، مثل تدفق الأفكار المعتاد».

هناك لبس حول تضارب تقييمات الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التقدم النووي الإيراني. السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، مارك وارنر، عضو في مجموعة من كبار المُشرِّعين الذين يُمنحون حق الوصول إلى أكثر المعلومات السرية حساسية، قال لشبكة «سي إن إن»: «أنا عضو... في مجموعة الثمانية. من المفترض أن نعرف... ليست لدي أدنى فكرة عن خطط هذه الإدارة أو عن السياسة الخارجية تجاه إيران».

تزداد أهمية مسألة خطط الطوارئ التي وضعتها الإدارة. لكن لا تتوقع أي تفاصيل.

واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث، السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، إليسا سلوتكين، خلال جلسة استماع، الأربعاء. وتتحدَّث سلوتكين من واقع خبرتها: كانت ضابطة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وأكملت جولات قتالية في بغداد بعد فشل إدارة جورج دبليو بوش في التخطيط لكيفية تحقيق السلام في العراق.

سألت سلوتكين: «هل أعددت أي تخطيط لليوم التالي؟» أي حماية عسكرية، أي استخدام للقوات البرية، في إيران، ردَّ هيغسيث بازدراء. قال: «لدينا خطط لكل شيء، يا سيناتورة».

أظهر ترمب غطرسةً مماثلةً. قال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لدي خطة لكل شيء، لكننا سنرى ما سيحدث».

يقول الرئيس الأميركي أيضاً إنه منفتح على الدبلوماسية. لكن لا توجد أي علامة على وجود رحلة مكوكية للسلام على غرار جيمس بيكر.

بعيداً عن منح خصمه مخرجاً يحفظ ماء وجهه، يطالب ترمب بالاستسلام الكامل منذ البداية. في حين أن هذا قد يتوافق مع أهداف إسرائيل، إلا أنه أمرٌ غير قابل للتنفيذ بالنسبة للقادة الإيرانيين.

يبدو أن ترمب غالباً ما يعمل في عالم موازٍ. على سبيل المثال، يُصرّ على أن القادة الإيرانيين كانوا يرغبون في اللقاء و«الذهاب إلى البيت الأبيض». نفت إيران بشدة أي تطلعات من هذا القبيل.

وقال نائب وزير الخارجية، مجيد تخت روانجي، لشبكة «سي إن إن»: «نحن لا نتوسَّل من أجل أي شيء. ما دامت العدوان مستمراً، وما دامت هذه الوحشية مستمرةً، فلا يمكننا التفكير في الانخراط».

يشير هذا إلى إحدى نقاط ضعف دبلوماسية ترمب، التي تُفسر أيضاً فشل مساعيه للسلام في أوكرانيا. تُبدي إدارته مهارةً ضئيلةً في خلق فرص وسيناريوهات تفاوضية متعددة الطبقات من شأنها أن تُضعف المواقف المتصلبة. يُطالب ترمب بمطالب مُبالغ فيها. وعندما يعترض المُحاورون، تتوقف العملية تماماً.

لذا، يشير التحليل إلى أنه يبدو أن أميركا في الوقت الحالي تسير على طريق مغامرة أخرى في الشرق الأوسط، بعواقب غير مؤكدة.


مقالات ذات صلة

رئيس كازاخستان يوافق على الانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

آسيا رئيس ‌كازاخستان قاسم جومارت توكاييف مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا عقب لقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك 25 سبتمبر 2019 (حساب توكاييف عبر «إكس») play-circle

رئيس كازاخستان يوافق على الانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

نقلت وكالات أنباء عن ‌السكرتير الصحافي ​للرئيس ‌الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف قوله إن الرئيس ‌تلقّى دعوة ‍للانضمام إلى «مجلس السلام» الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (آستانة)
الاقتصاد نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب: الدنمارك لم تفعل أي شيء ‌لإبعاد «التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند

أكَّدت الدول الأوروبية الثماني التي هدَّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على غرينلاند، وحدة موقفها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، من استهداف المرشد علي خامنئي، قائلاً إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب «الوقت.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: الدنمارك لم تفعل أي شيء ‌لإبعاد «التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند

مجسّم مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب أعلام ثماني دول أوروبية قد تواجه رسوماً جمركية أميركية (رويترز)
مجسّم مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب أعلام ثماني دول أوروبية قد تواجه رسوماً جمركية أميركية (رويترز)
TT

ترمب: الدنمارك لم تفعل أي شيء ‌لإبعاد «التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند

مجسّم مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب أعلام ثماني دول أوروبية قد تواجه رسوماً جمركية أميركية (رويترز)
مجسّم مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب أعلام ثماني دول أوروبية قد تواجه رسوماً جمركية أميركية (رويترز)

أكَّدت الدول الأوروبية الثماني التي هدَّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي، وحدة موقفها، أمس الأحد، بينما يدرس الاتحاد الأوروبي ردوداً محتملة. وبدأ في بروكسل مساء أمس، اجتماع طارئ لسفراء الدول الـ27 الأعضاء في التكتل، وفقاً لمصادر دبلوماسية.

ورغم أنه من غير المتوقع أن يسفر عن نتائج فورية، سيسمح الاجتماع بتبادل وجهات النظر بشأن الردود المحتملة على التهديدات الجديدة الصادرة عن ترمب والتي أثارت ردود فعل قوية.

وبالتوازي، بدأ وزير الخارجية الدنماركي جولة دبلوماسية تشمل النرويج والمملكة المتحدة والسويد، وهي ثلاث دول حليفة وأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لبحث تعزيز دور «الناتو» في أمن المنطقة القطبية الشمالية.

وخلال زيارته النرويج، حذَّر راسموسن من أنَّ النظام العالمي و«مستقبل» حلف شمال الأطلسي هما على المحك.

وقال: «ليست لدي شكوك بأن هناك دعماً أوروبياً قوياً». وأضاف في مؤتمر صحافي مع نظيره إسبن بارث إيدي: «لدينا قوة ضاربة... عندما نعرض عضلاتنا بشكل جماعي وتضامني، وهذا بالطبع ما يجب علينا فعله».

وفي بيان مشترك، أكدت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد، أن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بتدهور خطير».

وأضافت: «سنواصل الوقوف صفاً واحداً ومنسقاً في ردنا. ونحن ملتزمون بالحفاظ على سيادتنا».

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «معاً، نؤكد التزامنا الراسخ بالدفاع عن سيادة غرينلاند ومملكة الدنمارك».

وصعَّد ترمب، أول من أمس، لهجته عقب إرسال عسكريين أوروبيين إلى الجزيرة خلال الأيام الماضية في إطار مناورات دنماركية.

وكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «ذهبت الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا إلى غرينلاند لغاية غير معروفة. (...) هذه الدول التي تمارس هذه اللعبة الخطيرة للغاية، انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبّله وغير قابل للاستمرار». وأشار إلى أن الدنمارك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد «التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفاً: «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

لا تهديد لأي طرف

وهدَّد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول المعنية بالانتشار العسكري إلى حين «التوصل إلى اتفاق على الشراء الكامل والشامل لغرينلاند».

وستدخل هذه الرسوم الإضافية، البالغة 10 في المائة، حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل، وقد ترتفع إلى 25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران).

وأكدت الدول الثماني أمس: «بوصفنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، نحن مصممون على تعزيز أمن القطب الشمالي، وهو مصلحة مشتركة عبر الأطلسي».

وأضافت أن «المناورات الدنماركية المنسّقة مسبقاً، والتي أجريت مع حلفائنا، تلبّي هذه الحاجة ولا تشكل تهديداً لأي طرف».

وتابعت: «نعبّر عن تضامننا الكامل مع مملكة الدنمارك وشعب غرينلاند. واستناداً إلى العملية التي بدأت الأسبوع الماضي، نحن مستعدون للدخول في حوار يستند إلى مبادئ السيادة ووحدة الأراضي التي ندافع عنها بقوة».

ومساء الأحد، صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته بأنه بحث مع ترمب «الوضع الأمني» في غرينلاند والمنطقة القطبية الشمالية.

وقال عبر «إكس»: «نواصل جهودنا في هذا الصدد، وأتطلع إلى لقائه في دافوس في نهاية الأسبوع»، من دون الخوض في أي تفاصيل بشأن فحوى المكالمة الهاتفية.

آلية مكافحة الإكراه

وفي وقت سابق، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني ضرورة مواجهة تهديدات ترمب.

وقال ماكرون إنه يعتزم «تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه» في حال تنفيذ ترمب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية.

وتتيح هذه الآلية التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية أو منع استثمارات معينة.

وأكدت ميلوني خلال زيارتها سيول أنها تحدثت إلى ترمب لإبلاغه أن تهديداته بالرسوم تمثل «خطأ»، وهي تهديدات وصفها أيضاً وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان ويل بأنها «غير مفهومة» و«غير ملائمة» وأشبه بـ«عملية ابتزاز».

واعتبرت نظيرته الآيرلندية هيلين ماكينتي أن هذه التهديدات «غير مقبولة بتاتاً ومؤسفة للغاية».

من جانبه، ردَّ رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور على سؤال بشأن إمكان اتخاذ تدابير مضادة بعد تهديد ترمب، قائلاً: «كلا، هذا الأمر ليس موضع بحث في الوقت الراهن».

وصرَّحت وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «نرى أن هذه الضجة حول الرسوم الجمركية خطأ. نعتقد أنها غير ضرورية إطلاقاً وضارة وغير مجدية».

وأعلن رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، أمس، أن قادة الاتحاد سيجتمعون «خلال الأيام المقبلة» لتنسيق ردهم.

وأفاد مسؤول أوروبي بأن كوستا يدرس عقد القمة في بروكسل الخميس.

ومنذ عودته إلى السلطة قبل عام، يتحدث ترمب بشكل متكرر عن السيطرة على الجزيرة الشاسعة الواقعة بين أميركا الشمالية وأوروبا، مبرراً ذلك باعتبارات أمن قومي في ظل التقدم الروسي والصيني في المنطقة القطبية الشمالية.

كذلك، يستخدم ترمب سلاح القيود التجارية على نطاق واسع في العلاقات الدولية، بما في ذلك مع شركاء واشنطن التقليديين.

لكن قراره، أول من أمس، في شأن الرسوم يشكل خطوة غير مسبوقة. فالولايات المتحدة، الركن الأساسي في حلف الأطلسي، تهدد حلفاءها بعقوبات من أجل الاستحواذ على إقليم تابع لأحد الشركاء.

وتظاهر، أول من أمس، آلاف الأشخاص، خصوصاً في كوبنهاغن ونوك عاصمة غرينلاند، تنديداً بهذه الطموحات الإقليمية، وهتفوا: «غرينلاند ليست للبيع».


تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟