ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
TT

ترمب والحرب الإسرائيلية - الإيرانية: غموض متعمد أم تردد حقيقي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض أمس (إ.ب.أ)

شنَّت إسرائيل هجمات على إيران لليلة السابعة على التوالي، اليوم (الخميس)، في حين لم يستبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إمكان دخول الولايات المتحدة الحرب؛ للقضاء على البرنامج النووي لطهران. ولدى سؤاله عمّا إذا قرَّر توجيه ضربات أميركية إلى إيران، أشار ترمب إلى أنه لا يسعى للقتال، لكنه أضاف: «إذا كان الخيار هو القتال أو حيازتهم قنبلة نووية، فيجب أن أفعل ما يلزم. وربما لا نحتاج إلى القتال».

وسيتم إطلاعه على مستجدات الحرب اليوم، وهو يوم عطلة رسمية في الولايات المتحدة، في غرفة العمليات، حيث تُتَّخذ غالبية القرارات العسكرية حساسية.

ويقول تحليل إخباري لشبكة «سي إن إن» الإخبارية، إنّ تهويل الرئيس الأميركي قبل اتخاذ أصعب قرار أمني قومي في أيٍّ من ولايتيه الرئاسيتين لا يُقارن بتاتاً بالمناورات الحربية المعقدة، والتحريك الدقيق للرأي العام الذي يتطلبه معظم القادة العسكريين قبل إرسال الأميركيين للقتال.

وتبدو خطب ترمب وتعليقاته غامضة، أمام الكاميرات وعلى الإنترنت، سطحية، بل ومُهملة، نظراً للعواقب الوخيمة المحتملة لهجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية، وفقاً لما وصفه التحليل الإخباري.

لكن هكذا يتصرف. يُريد أن يُبقي الأصدقاء والأعداء في حيرة. لقد أثبت أنه يعتقد أن عدم القدرة على التنبؤ، والتقلب - وهما عاملان يسعى معظم الرؤساء إلى تجنبهما في أزمات الأمن القومي - يمنحانه ميزةً رئيسيةً.

هل يُخطط ترمب لحالات الطوارئ؟

لقد خشِي منتقدو ترمب اللحظة التي سيواجه فيها نوع الأزمة الدولية الذي تجنَّبه إلى حدٍ كبير خلال ولايته الأولى. ولأسلوبه عيوبٌ خطيرة.

لم تكتسب إدارته ثقة الشعب الأميركي بعد، ولم تشرح سبب تغييرها المفاجئ لرأيها بأن إيران لا تُصنّع سلاحاً نووياً. والآن، يقول ترمب إنه على بُعد أسابيع من ذلك. ولا توجد أي إشارة إلى أن الإدارة تنوي طلب تفويض من الكونغرس لشنِّ حرب جديدة محتملة ضد إيران - كما ينصّ الدستور.

كما أنها ترفض الإفصاح عمّا إذا كانت قد حسمت أمرها بشأن كيفية تأثير هجوم على محطة «فوردو» النووية الإيرانية على منطقة خطرة، وما إذا كانت لديها أي استراتيجية للخروج.

ويشير التحليل لشبكة «سي إن إن» إلى أنه قد تكون خطط الرئيس الأميركي غامضة. لكن حساباته بسيطة.

وعليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بقدراتٍ فريدةٍ لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المحتملة

أفادت شبكة «سي إن إن»، أمس (الأربعاء)، بأن ترمب منشغل بإيجاد طريقة لضرب أهداف رئيسية للبرنامج النووي الإيراني دون الانجرار إلى حرب شاملة. وذكرت مصادر مطلعة على الأمر أنه يريد تجنب الصراعات المفتوحة مثل تلك التي شهدها العراق وأفغانستان، التي تعهد بتجنبها.

هناك بعض المنطق في موقفه. لا أحد يتوقع من ترمب إرسال قوات أميركية إلى الميدان، فقد تكون هدفاً مباشراً في إيران، كما حدث في العراق وأفغانستان. فلم تُثر غارة اغتيال ترمب، التي أودت بحياة رئيس الاستخبارات الإيراني قاسم سليماني، خلال ولايته الأولى، غضباً عارماً تجاه الأهداف الأميركية كما توقع كثير من المحللين. كما أن القواعد الأميركية في المنطقة مُحصَّنة بشكل كبير ضد الهجمات الصاروخية. وهناك أيضاً بعض التساؤلات حول مدى قدرة الجيش الإيراني المُنهك على توجيه ضرباته الآن للولايات المتحدة وإسرائيل.

سيكون هذا الأمر مُقلقاً في حد ذاته. ولكن بعد تاريخ واشنطن الكارثي في ​​الغرق في مستنقعات ناجمة عن تخطيط غير كافٍ لليوم التالي بعد بدايات صادمة ومرعبة، فلاشك أن القلق يزداد.

كما أن خداع ترمب المُتكرر وأسلوب قيادته المُتّبِع «سياسة الأرض المحروقة» يعنيان أن ملايين الأميركيين سيحتاجون إلى أكثر من مجرد كلامه للثقة في أي قرار بشنِّ عمل عسكري.

قد تكون خططه غامضة... لكن حساباته بسيطة

يشير التحليل إلى أنه عليه أن يُقرِّر ما إذا كانت المصالح الأميركية ستُخدَم بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لمحاولة تدمير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية بقدرات فريدة لاختراق المخابئ لا تمتلكها إلا الولايات المتحدة.

إنه قرار صعب نظراً للعواقب المُحتملة؛ مثل هجمات إيرانية على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، وهجمات إرهابية مُحتملة على أهداف أميركية، وموجة صادمة قد تزعزع استقرار العالم في حال انهيار النظام في طهران.

التطورات الأخيرة تُنذر بالسوء. مجموعة ثالثة من حاملات الطائرات الأميركية تتجه نحو الشرق الأوسط. تتصاعد حدة حرب كلامية شرسة بين ترمب وقادة إيران الدينيين. ويجتمع الرئيس يومياً في غرفة العمليات مع كبار مساعديه للأمن القومي.

«قد أفعل ذلك... وقد لا أفعل»

لم يعد العالم المُراقب أكثر حكمةً بعد الظهور العلني للرئيس، أمس (الأربعاء)، قائلاً: «أعني، أنتم لا تعلمون أنني سأفعل ذلك. أنتم لا تعلمون. قد أفعله، وقد لا أفعله. أعني، لا أحد يعلم ما سأفعله»، هذا ما قاله ترمب للصحافيين الذين سألوه عن خططه تجاه إيران في أثناء كشفه عن ساريتي علم ضخمتين في البيت الأبيض. «لا شيء ينتهي حتى ينتهي. كما تعلمون، الحرب معقدة للغاية. يمكن أن تحدث أشياء سيئة كثيرة. تحدث الكثير من المنعطفات».

لاحقاً، في المكتب البيضاوي، صرَّح ترمب لمراسلة شبكة «سي إن إن»، كايتلان كولينز، بأنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن ما سيفعله، إذ تحاصره ضغوط من الإسرائيليين للتحرك، وتحذيرات مؤيديه للبقاء بعيداً عن الحروب الخارجية.

وأضاف: «لديّ أفكار بشأن ما سأفعله، لكنني لم أتخذ قراراً نهائياً بعد. أحب أن أتخذ القرار النهائي قبل ثانية واحدة من موعده، كما تعلمون، لأن الأمور تتغير».

قلق الديمقراطيين من افتقار ترمب للدقة

قال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، آدم شيف، في برنامج «غرفة العمليات»: «من الواضح أن تفكيره غير واضح حالياً. أعتقد أنه كان متردداً بعض الشيء بشأن إيران، وهو أمر أفهمه».

وصرَّح شيف، رداً على أحد تصريحات ترمب الصحافية المتقطعة: «هذا قرار صعب. لكنني لا أعتقد أننا حصلنا على كثير من التوجيهات بشأن ما إذا كان متفائلاً بشأن احتمال توجيه ضربة محتملة لإيران في المحادثات مع إيران». وأضاف: «كان الأمر غامضاً للغاية، مثل تدفق الأفكار المعتاد».

هناك لبس حول تضارب تقييمات الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن التقدم النووي الإيراني. السيناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، مارك وارنر، عضو في مجموعة من كبار المُشرِّعين الذين يُمنحون حق الوصول إلى أكثر المعلومات السرية حساسية، قال لشبكة «سي إن إن»: «أنا عضو... في مجموعة الثمانية. من المفترض أن نعرف... ليست لدي أدنى فكرة عن خطط هذه الإدارة أو عن السياسة الخارجية تجاه إيران».

تزداد أهمية مسألة خطط الطوارئ التي وضعتها الإدارة. لكن لا تتوقع أي تفاصيل.

واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث، السيناتورة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان، إليسا سلوتكين، خلال جلسة استماع، الأربعاء. وتتحدَّث سلوتكين من واقع خبرتها: كانت ضابطة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وأكملت جولات قتالية في بغداد بعد فشل إدارة جورج دبليو بوش في التخطيط لكيفية تحقيق السلام في العراق.

سألت سلوتكين: «هل أعددت أي تخطيط لليوم التالي؟» أي حماية عسكرية، أي استخدام للقوات البرية، في إيران، ردَّ هيغسيث بازدراء. قال: «لدينا خطط لكل شيء، يا سيناتورة».

أظهر ترمب غطرسةً مماثلةً. قال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لدي خطة لكل شيء، لكننا سنرى ما سيحدث».

يقول الرئيس الأميركي أيضاً إنه منفتح على الدبلوماسية. لكن لا توجد أي علامة على وجود رحلة مكوكية للسلام على غرار جيمس بيكر.

بعيداً عن منح خصمه مخرجاً يحفظ ماء وجهه، يطالب ترمب بالاستسلام الكامل منذ البداية. في حين أن هذا قد يتوافق مع أهداف إسرائيل، إلا أنه أمرٌ غير قابل للتنفيذ بالنسبة للقادة الإيرانيين.

يبدو أن ترمب غالباً ما يعمل في عالم موازٍ. على سبيل المثال، يُصرّ على أن القادة الإيرانيين كانوا يرغبون في اللقاء و«الذهاب إلى البيت الأبيض». نفت إيران بشدة أي تطلعات من هذا القبيل.

وقال نائب وزير الخارجية، مجيد تخت روانجي، لشبكة «سي إن إن»: «نحن لا نتوسَّل من أجل أي شيء. ما دامت العدوان مستمراً، وما دامت هذه الوحشية مستمرةً، فلا يمكننا التفكير في الانخراط».

يشير هذا إلى إحدى نقاط ضعف دبلوماسية ترمب، التي تُفسر أيضاً فشل مساعيه للسلام في أوكرانيا. تُبدي إدارته مهارةً ضئيلةً في خلق فرص وسيناريوهات تفاوضية متعددة الطبقات من شأنها أن تُضعف المواقف المتصلبة. يُطالب ترمب بمطالب مُبالغ فيها. وعندما يعترض المُحاورون، تتوقف العملية تماماً.

لذا، يشير التحليل إلى أنه يبدو أن أميركا في الوقت الحالي تسير على طريق مغامرة أخرى في الشرق الأوسط، بعواقب غير مؤكدة.


مقالات ذات صلة

5 مشكلات تحتاج أميركا وإيران إلى حلها للتوصل إلى اتفاق سلام

شؤون إقليمية سفن عالقة في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

5 مشكلات تحتاج أميركا وإيران إلى حلها للتوصل إلى اتفاق سلام

طالبت إيران بانسحاب إسرائيل من لبنان، فيما يريد الرئيس الأميركي من طهران التنازل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، في توترات تسلّط الضوء على تعقيدات إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري رجل أمن أمام لوحة لمحادثات إسلام آباد خارج مركز إعلامي أُقيم لتغطية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

تحليل إخباري التصعيد يطغى على التفاوض بين واشنطن وطهران

في لحظة ركود تفاوضي، تختبر واشنطن وطهران حدود الضغط المتبادل من دون الانزلاق، حتى الآن، إلى حرب شاملة.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا زيلينسكي وروته في كييف (إ.ب.أ) p-circle

انفجار مسيّرة بحرية في رومانيا يؤجّج التوتر مع أوروبا

الكرملين يتريث في إعلان رد رسمي على رسالة زيلينسكي، وبوتين يشكك بشرعيته، ومجلس النواب يقر فرض عقوبات على روسيا في تحدٍّ للرئيس ترمب.

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)

ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

إضافة إلى الرئيس دياز كانيل شمل «السيف المصلت» للعقوبات الجديدة كلاً من أليخاندرو كاسترو أسبين الابن الوحيد للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو وزوجته فيلما أسبين

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من موقع ورشة بناء قاعة احتفالات بالبيت الأبيض (رويترز)

تحليل إخباري ترمب يفشل في وقف العنف بالشرق الأوسط... فما الأسباب؟

اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن ​وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط شمل «إطلاق نار أكثر اعتدالاً» وليس وقف القتال بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الأميركي يعلن قصف مواقع رادار في إيران

مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط يناير الماضي (الجيش الأميركي)
مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط يناير الماضي (الجيش الأميركي)
TT

الجيش الأميركي يعلن قصف مواقع رادار في إيران

مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط يناير الماضي (الجيش الأميركي)
مقاتلة من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» تابعة لسلاح الجو الأميركي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط يناير الماضي (الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي الجمعة أنه قصف مواقع رادار في إيران «دفاعا عن النفس» بعد إسقاط أربع مسيّرات إيرانية قالت واشنطن إنها كانت تهدد حركة الملاحة البحرية المدنية في المنطقة.

وكتبت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن القوات الأميركية «أسقطت أربع مسيّرات (...) أُطلقت باتجاه مضيق هرمز وهو أمر شكّل تهديدا مباشرا لحركة الملاحة البحرية الإقليمية».

وأضافت «ثم قامت القوات الأميركية بضرب مواقع رادار إيرانية للمراقبة الساحلية في غوروك وجزيرة قشم وذلك في إطار الدفاع عن النفس ضد أي هجمات جديدة» مشيرة إلى أن «القوات الأميركية تبقى متيقظة ومستعدة للرد في إطار الدفاع المشروع عن النفس على أي عدوان غير مبرر من جانب إيران».


ترمب إيران ما زال لديها نحو 22% من صواريخها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
TT

ترمب إيران ما زال لديها نحو 22% من صواريخها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة في مقابلة مع قناة «إن بي سي» إن إيران ما زال لديها «21 إلى 22 في المائة» من صواريخها، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط.

وقال ترمب في مقتطف أولي للمقابلة بثته القناة الجمعة ومن المقرر بثها كاملة الأحد «لديهم بعض الصواريخ، لديهم بعض المسيّرات. أعتقد أن نسبة الصواريخ المتبقية لديهم قد تتراوح بين 21 و22 في المائة. هذا عدد كبير من الصواريخ، لكنه ليس بالمقدار الذي كان عليه عندما شننا هجومنا الأول».

لكن مطلع مايو (أيار)، قال ترمب إن طهران ما زال لديها «18 إلى 19 في المائة» من مخزونها الصاروخي.

وأضاف في المقتطف «لقد تم تدمير معظم مصانع الطائرات المسيّرة، وتم تدمير معظم مواقع الإطلاق، وتم تدمير معظم مواقع تصنيع الصواريخ».

وأعلنت إيران الجمعة أنها أطلقت «صواريخ تحذيرية» على سفينتين أميركيتين في خليج عمان، عقب مناوشات وقعت في الخليج هذا الأسبوع، إلا أن واشنطن نفت ذلك.


ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
TT

ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)

أضافت الولايات المتحدة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وزوجته وثلاثة أشخاص آخرين، إلى لوائح العقوبات الأميركية، في أحدث إجراء من إدارة الرئيس دونالد ترمب لمضاعفة الضغوط على النظام الشيوعي؛ ما دفع شركات عالمية كبرى إلى وقف عملياتها في الجزيرة.

وتأتي هذه العقوبات الجديدة، في ظل تهديدات الرئيس ترمب بالتدخل العسكري في كوبا منذ إطاحته الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، ثم فرضه حصاراً أدى إلى قطع إمدادات الوقود عن الجزيرة، وإغراقها في الظلام. وقال ترمب، الخميس: «سنتولى أمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبمجرد الانتهاء من ذلك، سنقوم في طريق عودتنا بتوقف قصير» في كوبا. ونفى أن تكون غاية العقوبات الجديدة تسريع انهيار الجزيرة.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وحفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو خلال مظاهرة في هافانا 22 مايو (أ.ب)

وعندما سُئل عما إذا كانت عقوباته تهدف إلى تسريع انهيار كوبا، أجاب: «نريدها فقط أن تُدار بشكل جيد»؛ لأن «البلاد تتضور جوعاً، وليس لديها طاقة، ولا نفط، ولا مال، ولا شيء. لديها قطعة أرض جميلة. يمكن أن يكون لديها منتجعات رائعة».

ورداً على سؤال آخر حيال ما إذا كانت كوبا على وشك الانهيار، قال: «انهارت نوعاً ما»، مضيفاً: «سنتعامل مع هذا الأمر حالما ننتهي» من العمليات العسكرية في إيران.

وبصورة متزامنة، صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين، بأن ترمب يُفضّل التوصل إلى اتفاق، لكنه شكك في إمكان إيجاد حل دبلوماسي مع حكومة دياز كانيل. وقال في بيان، إن من فرضت العقوبات عليهم «يوجهون أو يمولون النظام وجهوده لتعبئة حركاته الثورية الراديكالية في الولايات المتحدة وحول العالم». ودافع عن قرار الإدارة فرض عقوبات متصاعدة على هافانا، وأكبرها المتعلقة بـ«مجموعة شركات الإدارة التجارية» التي تديرها القوات المسلحة الثورية الكوبية.

سيف العقوبات

وبالإضافة إلى الرئيس دياز كانيل، شمل «السيف المصلت» للعقوبات الجديدة كلاً من أليخاندرو كاسترو أسبين، الابن الوحيد للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو وزوجته فيلما أسبين. وشغل كاسترو منصب مستشار لجنة الدفاع والأمن القومي الكوبية، وكان حاضراً عندما استقبل راؤول كاسترو الرئيس الأميركي سابقاً باراك أوباما في هافانا خلال اجتماع تاريخي في مارس (آذار) 2016. كما أُدرج اسم راؤول أليخاندرو كاسترو كاليس، نجل كاسترو أسبين، ضمن قائمة العقوبات، التي تضاف إلى ما جاء في القرار الاتهامي ضد راؤول كاسترو الشهر الماضي، تجميد ممتلكات وحسابات مصرفية في الولايات المتحدة.

الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو متوسطاً حفيده راؤول غييرمو رودريغيز والرئيس ميغيل دياز كانيل في هافانا (رويترز)

بالإضافة إلى الأفراد، تستهدف العقوبات وزارة الدفاع الكوبية، و«معهد الصداقة مع الشعوب» الذي يُعنى بتعزيز الحوار بين الشعوب، ومنظمة «أميستور كوبا» التابعة للمعهد والتي تُشرف على السياحة المتخصصة في الجزيرة، و«لجان الدفاع عن الثورة».

وفور إعلان العقوبات الجديدة، خاطب دياز كانيل، ترمب الذي يدلي بـ«تصريحات تهديدية جديدة ضد كوبا». وقال، إن «هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الحصار وتصعيد الصراع بين كوبا والولايات المتحدة». وكتب على منصات التواصل الاجتماعي: «يُضاف هذا العمى السياسي إلى الإجراءات القسرية التي طُبقت في الأسابيع الأخيرة ضد بلدنا، والمصممة لإلحاق الضرر بالشعب الكوبي». وأضاف أن «عدوان الحكومة الأميركية وانحرافها سيصطدمان بعزمنا على مواجهة أسوأ السيناريوهات ومقاومة الهجمة الإمبريالية».

كما ورد اسم زوجة دياز كانيل، ليس كويستا بيرازا، في قائمة العقوبات. ومع أنها لا تحمل لقب السيدة الأولى لأنه أُلغي خلال الثورة، تستقبل زوجات أخريات مثل الملكة ليتيزيا ملكة إسبانيا، وترافق زوجها في رحلاته الرسمية. وهي كتبت على منصات التواصل: «يكاد يكون شرفاً أن أكون على هذه القائمة. فهم لا يملّون من السخرية والغباء السياسي».

وكذلك، ندد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بـ«الإدراج الشائن» لدياز كانيل وآخرين على لوائح العقوبات الأميركية، عادَّاً أنها «أحدث مثال على خطة الولايات المتحدة التدخلية لتصوير كوبا تهديداً للأمن القومي الأميركي». وكتب على منصات التواصل، أن «كل إجراء أميركي يهدف إلى خلق سيناريو صراع بين البلدين محكوم عليه بالفشل. كل تهديد لاستقلال كوبا وسيادتها سيواجه بمزيد من الوحدة والعزيمة من شعبنا».

كوبيون أمام أحد بنوك هافانا (أ.ف.ب)

ومن أكثر الشركات تضرراً من العقوبات مجموعتا الفنادق الإسبانيتان «ميليا» و«إيبيروستار» اللتان تديران محفظة تضم 52 فندقاً، منها منتجع غولف شامل الخدمات على شاطىء فاراديرو الشهير، وأربعة فنادق فاخرة في هافانا. وعلى رغم أن هذه الفنادق تعدّ جوهرة تاج محافظهما العالمية، اضطرتا خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى سحب علامتيهما التجاريتين من عشرات العقارات في الجزيرة. وعزت «ميليا» ذلك إلى «تغييرات في البيئة الجيوسياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية».

وأعلنت «إيبيروستار» أنها ستنهي شراكتها في إدارة 12 فندقاً لصالح شركة «غافيوتا» للسياحة الكوبية، التابعة لمجموعة إدارة الأعمال، وهي تكتل عسكري يعرف اختصاراً باسم «غايسا».

وكذلك، أعلن «البنك المركزي الكوبي» انسحاب أحد المصارف التي تُعالج معاملات «فيزا» و«ماستركارد»، امتثالاً للقرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي أخيراً.

وخلال الشهر الماضي، علّقت شركة الشحن الفرنسية العملاقة «سي إم آ سي جي إم» وشركة «هاباغ لويد» الألمانية عملياتهما من وإلى كوبا حتى إشعار آخر.

من أحد شوارع هافانا (أ.ب)

وبعيداً عن قطاع السياحة، تواجه الشركات الأوروبية خطر التعرض لعقوبات أميركية بسبب مشاركتها في إنتاج أحد أشهر صادرات كوبا من المشروبات الكحولية، ومنها «هافانا كلوب».

واكتفت السلطات الفرنسية والألمانية بالقول، إنها «تراقب من كثب» أو «تتابع» التطورات في الجزيرة.

غير أن نواب البرلمان الأوروبي، مثل النائبة الإسبانية ليري باجين والنائبة الفرنسية ليلى شايبي، انتقدوا هذا الموقف، مؤكدين على ضرورة بذل المزيد من الجهود لمواجهة «الحصار الأميركي، الذي أدانته الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً» وحماية المصالح الأوروبية في الجزيرة.