بغداد تمسك «العصا من الوسط» بين إيران وإسرائيل

تضبط إيقاع الفصائل رغم التأييد لطهران

أنصار «الإطار التنسيقي» يحاولون إزالة حواجز وضعها الأمن العراقي لإغلاق الجسر المؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية (أ.ب)
أنصار «الإطار التنسيقي» يحاولون إزالة حواجز وضعها الأمن العراقي لإغلاق الجسر المؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية (أ.ب)
TT

بغداد تمسك «العصا من الوسط» بين إيران وإسرائيل

أنصار «الإطار التنسيقي» يحاولون إزالة حواجز وضعها الأمن العراقي لإغلاق الجسر المؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية (أ.ب)
أنصار «الإطار التنسيقي» يحاولون إزالة حواجز وضعها الأمن العراقي لإغلاق الجسر المؤدي إلى المنطقة الخضراء حيث تقع السفارة الأميركية (أ.ب)

تضطر بغداد للبقاء في منطقة توازن حرج ودقيق للغاية، في ظل مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل، ووسط قلق من انفلات فصائل وجماعات موالية لطهران.

ويجري رئيس الحكومة محمد شياع السوداني اتصالات مع قادة إقليميين في مسعى لخفض التصعيد، ويظهر في الوقت نفسه دعماً لإيران، في محاولة لتنفيس ضغوط داخلية قوية. لكن مسك العصا من المنتصف قد لا يستمر طويلاً لو اتسعت رقعة الحرب، وفق مراقبين.

وفي الوقت الحالي، تكتفي الفصائل وقوى من «الإطار التنسيقي» بدعوة أنصارها إلى احتجاجات في بغداد، عند محيط المنطقة الخضراء، لإبداء التأييد لإيران «التي تتعرض إلى اعتداء إسرائيلي»، ومع ذلك لم تكن الاستجابة واسعة.

وخلال آخر اجتماع للتحالف، دعا «الإطار التنسيقي» المجتمع الدولي ودول المنطقة للوقوف بوجه إسرائيل، وإجبارها على وقف عملياتها العسكرية، كما ناشد «العراقيين، بجميع عناوينهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، إلى الخروج بمظاهرات داعمة لصمود إيران».

وظهر موقف حذر من تحالف «إدارة الدولة»، الذي يضم إلى جانب «الإطار» القوى الكردية والسنية، أكّد «توحيد مواقف القوى السياسية، من أجل صدّ تأثير سلبيات الوضع الإقليمي على العراق، وضرورة تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبار، وأهمية العمل المشترك لتحصين البلاد من تداعيات الحروب والأزمات».

أنصار «الإطار التنسيقي» يرفعون علماً لإيران على حاجز وضعه الأمن العراقي لإغلاق الجسر المؤدي إلى السفارة الأميركية في بغداد (أ.ب)

وقالت مصادر سياسية إن القوى الشيعية الكبرى لا تميل إلى التصعيد، وتشجع مسارات حصر نطاق الحرب. وأخيراً، أكّد نوري المالكي، وهو زعيم ائتلاف «دولة القانون» أكبر قوى «الإطار التنسيقي»، أن «الحوار والتفاهم سبيل لحلّ الأزمات»، مشدداً على أن الهجمات الإسرائيلية «أعمال استفزازية» ستؤدي إلى «تصعيد خطير وعواقب وخيمة»، وذلك بعد لقائه السفير الإيراني لدى العراق محمد كاظم آل صادق.

في هذه الأثناء، كثّف السوداني اتصالاته لتحريك مسار الحل الدبلوماسي. وأعرب بعد لقائه رؤساء بعثات دول آسيوية ولاتينية، إلى جانب سفيري أستراليا وتركيا في العراق، عن «التضامن الكامل مع إيران، التي تمثل دولة إقليمية مهمة ذات سيادة، وعضواً في المجتمع الدولي»، طبقاً لبيان حكومي.

وقال السوداني: «إسرائيل تسعى إلى توسيع رقعة الحرب بالمنطقة، من أجل رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط»، مؤكداً «حقّ إيران في الدفاع عن نفسها، وفق قوانين الأمم المتحدة».

بدوره، أبلغ وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين نظيره الإيراني عباس عراقجي أن العراق «قد تقدم بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي بشأن هذا الانتهاك». وأدان «العدوان الصهيوني عليها، كونه يعدّ تهديداً للأمن والسلم، واستقرار وأمن العراق».

وخلال اتصال بين رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني وعراقجي، للتباحث حول «تطورات العمليات والمواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل»، تبادل الجانبان «الآراء حول أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار وتجنيب المنطقة مزيداً من التعقيد».

ضبط إيقاع الفصائل

يشكك محللون بقدرة العراق على ضبط هذا الإيقاع. وقال المحلل السياسي، سجاد جياد، لوكالة الصحافة الفرنسية: «هناك خطر كبير بامتداد التصعيد إلى العراق».

ولطالما شكّل العراق ساحة للصراعات الإقليمية، ما يضاعف المخاوف حالياً من احتمال انزلاقه في أتون الحرب بين إيران وإسرائيل.

وتعبر المجال الجوي العراقي مسيرات وصواريخ إيرانية، وكذلك مقاتلات إسرائيلية، في مشهد يرغم بغداد على مضاعفة جهودها للحفاظ على توازن دقيق، وتجنيب البلاد الانزلاق إلى نزاع إقليمي جديد.

وتتمركز في الأراضي العراقية قوات أميركية، في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمكافحة تنظيم «داعش». لكن تنتشر أيضاً مجموعات عراقية مسلحة منضوية ضمن «محور المقاومة» الذي تقوده إيران، سبق أن استهدفت القوات الأميركية.

وأشار مسؤول أمني عراقي إلى أن «الجميع ضمن المعسكر العراقي الموالي لإيران متعاون مع الحكومة لإبعاد العراق عن الصراع»، وفق ما نقلته «الفرنسية».

وأكّد الأمين العام لكتائب «حزب الله» أبو حسين الحميداوي، في بيان، أن إيران «لا تحتاج إلى أي دعم عسكري من أحد لردع الكيان الصهيوني المجرم»، وقال: «إننا نراقب عن قرب تحركات جيش العدو الأميركي في المنطقة».

وأضاف: «إذا أقدمت أميركا على التدخل في الحرب، فسنعمل بشكل مباشر على مصالحها وقواعدها المنتشرة في المنطقة دون تردد».

مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمن العراقية تتمركز خارج السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد (رويترز)

النفوذ الإيراني المضرّ

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي: «ندعو الحكومة العراقية مجدداً إلى حماية البعثات الدبلوماسية والعسكريين الأميركيين الموجودين في البلاد بطلب من الحكومة العراقية».

وأضاف، رافضاً الكشف عن اسمه: «سيكون العراق أكثر استقراراً وسيادة من خلال استقلاله في مجال الطاقة والنأي بنفسه عن النفوذ الإيراني المضرّ»، في إشارة إلى استيراد الغاز الإيراني لتشغيل محطات الطاقة في العراق. كما استنكر المسؤول الأنشطة «العنيفة والمزعزعة للاستقرار» التي تقف وراءها «الميليشيات الموالية لإيران».

ويرى سجاد جياد أنه «في حال تأكدت إيران أن الولايات المتحدة (...) تدعم إسرائيل في هجماتها ضد إيران، فقد يدفع ذلك بعناصر موالية لإيران داخل العراق إلى استهداف السفارة الأميركية أو القنصلية في أربيل أو القوات الأميركية وقاعدة عين الأسد» حيث يتمركز التحالف الدولي في غرب العراق.

وقد يؤدي ذلك إلى «ردّ من الولايات المتحدة داخل العراق، باستهداف هذه المجموعات الموالية لإيران، وكذلك إلى هجوم مباشر من إسرائيل».

وقال قيادي في الفصائل العراقية المسلحة: «لا ننكر أن بعض الجهات انخرطت بالعمل السياسي مؤخراً، فمن طبيعة المعركة أحياناً أن يتم التحضير لها، وليس من الطبيعي أن يُحمل السيف طوال المعركة».


مقالات ذات صلة

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - إرنا)

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إنّه «لا فرق» بالنسبة إلى طهران بشأن من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

نتنياهو يلوّح بضربة «استباقية» لإيران دون واشنطن

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية ضد إيران دون مساعدة أميركية، واضعاً إسقاط النظام في طهران ضمن أهدافه.

«الشرق الأوسط» (لندن-تل أبيب-طهران)
شؤون إقليمية بحرية «الحرس الثوري» تهدد السفن الأميركية (فارس)

إيران تعتمد تكتيكات جديدة في مهاجمة سفن هرمز

تتواصل التطورات العسكرية المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، مع تقارير عن اعتماد إيران أساليب جديدة لاستهداف السفن.

«الشرق الأوسط» (طهران)

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

عمليات نسف وتفجير وإحراق منازل ينفّذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة ملتقطة من بلدة زوطر الغربية تُظهر جنوداً إسرائيليين ودبابة خلال عملية لهم في البلدة... جنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

نفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر اليوم (الثلاثاء)، عمليّتَي نسف في بلدة حولا في جنوب لبنان، وأقدمت على حرق عدد من المنازل في البلدة. كما نفّذت تفجيراً غرب بلدة ميس الجبل في جنوب لبنان. وقصفت المدفعية الإسرائيلية وادي شبعا في جنوب لبنان، حسبما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

وأضافت أن القوات الإسرائيلية نفّذت أيضاً تفجيراً في منطقة المفيلحة، غرب بلدة ميس الجبل في جنوب لبنان. وتعرّض وادي شبعا في جنوب لبنان، لسقوط 4 قذائف مدفعية إسرائيلية.

كان الجيش الإسرائيلي قد نفّذ قبل ظهر اليوم، عملية تفجير قرب جبّانة بلدة الخيام في جنوب لبنان، ترافقت مع عملية تمشيط كثيفة بالأسلحة الرشاشة. كما نفّذ عملية نسف منتصف الليل الماضي في بلدة الخيام.

جنود إسرائيليون تدعمهم دبابة ينفّذون عملية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

كما قصفت المدفعية الإسرائيلية، صباح اليوم، بلدتي المنصوري ومجدل زون في جنوب لبنان. كما قصفت ليلاً بلدات برعشيت وكونين المنصوري ووادي زبقين في جنوب لبنان.

يُذكر أن إسرائيل شنّت حرباً على لبنان في الثاني من مارس (آذار) الماضي، بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على شمال إسرائيل. واحتلّت القوات الإسرائيلية عدداً من البلدات في جنوب لبنان.

واستمرّت الغارات الإسرائيلية في استهداف مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع شرق لبنان، بعد الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل (نيسان) الماضي ومن ثمّ تمديده في 23 من نفس الشهر لمدة 3 أسابيع، وتمديده من جديد في 15 مايو (أيار) الماضي لمدة 45 يوماً.

وأُعلن في 20 يونيو (حزيران) الماضي عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.


الزيدي يعفي عشرات المستشارين لـ«ترشيق الحكومة»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
TT

الزيدي يعفي عشرات المستشارين لـ«ترشيق الحكومة»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

أفيد في بغداد، الثلاثاء، بأن رئيس الوزراء علي الزيدي أعفى عشرات المسؤولين العاملين بصفة مستشار في مكتبه، في وقت رأت مصادر سياسية أن الخطوة تهدف إلى «ترشيق العمل الحكومي، وقطع صلات مع شبكات سياسية».

وجاءت التسريح الجماعي للمستشارين ويبلغ عددهم 69، بعد يوم من إعفاء الزيدي مدير مكتبه الخاص إحسان العوادي ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري.

وقال الزيدي، الأسبوع الماضي، إن تعيين 3 نواب له سيقابله التخلص من 72 مستشاراً، حسب ما نقلته الوكالة الرسمية.

وقالت وكالة «واع»، إنها تلقت نسخة ضوئية من وثيقة صادرة عن مكتب الزيدي، تضمنت أوامر بإعفاء 69 مستشاراً في رئاسة الوزراء وإنهاء عقودهم، حيث تمتد خدمة بعضهم في المنصب إلى نحو عقدين.

وأوردت الوثيقة أن القرار جاء «استناداً لتوجيهات رئيس الوزراء لمقتضيات المصلحة العامة، مع تحديد مهلة لتسوية براءة ذمتهم المالية».

وكانت حكومات سابقة قد تعاقدت مع مئات المستشارين للعمل في مكتب رئاسة الوزراء، رغم أن قانون تنظيم عمل المستشارين رقم 3 لسنة 2022، ينص على عدم تجاوز عددهم 6 فقط.

وأظهرت وثائق مرفقة بقرار الإعفاء المنسوب لمكتب الزيدي إحصاءات تشير إلى أن المستشارين يكلفون الموارنة العامة نحو 98 مليون دينار (نحو 65 ألف دولار) شهرياً.

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

وقالت مصادر مقربة من الحكومة، لـ«الشرق الأوسط» إن قرار التسريح يرتبط بمحاولة تخفيف الأعباء المالية عن ميزانية الدولة، عبر الحد من النفقات الجارية المتمثلة بالرواتب ومخصصات الحماية الأمنية والنقل والإقامة.

وكان استحداث مناصب وزارية جديدة وتعيين 3 نواب لرئيس الوزراء قد أثار موجة انتقادات شعبية ضد الزيدي خلال الأسبوعين الماضيين، الأمر الذي تربطه المصادر بسعي الزيدي، من خلال تسريح المستشارين، إلى معالجة تلك الاعتراضات.

وكان الزيدي قد صرح بأن نوابه سيعملون دون رواتب أو تخصيصات مالية، ضمن إجراءات تقشفية وخفض للإنفاق الحكومي، حسب التلفزيون الحكومي.

تصفية شبكات

وقال مصدر من التحالف الحاكم «الإطار التنسيقي»، لـ«الشرق الأوسط» إن الزيدي يحاول تصفية إرث الحكومات السابقة التي كانت تعين المستشارين تبعاً لمصالح حزبية وشخصية، مشيراً إلى أن بعضهم كان شبكات سياسية ومالية يمثلون عين الأحزاب داخل الحكومة وكواليسها.

من جهته، يرى الكاتب الصحافي فلاح المشعل، أن وجود مجموعة من المستشارين يمتلكون خبراء ومؤهلات فعلية في مجالات حيوية، أمر مهم لرئيس الحكومة ليكون قادراً على معالجة ملفات عديدة، لكن ما حدث في العراق هو أن «موقع مستشار رئيس الوزراء وظيفة فضائية لا أهمية ولا قيمة لها».

وقال المشعل، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن التعيينات المتراكمة لمستشارين «أثقلت الموازنة بعدما خلقت أبواب هدر، وفاقمت التضخم والترهل في الجهاز الوظيفي الرئاسي، وما ينطبق على رئيس الحكومة، ينطبق أيضاً على رئيسي النواب والجمهورية، رغم أن وظيفة الأخير لا تتعدى السياقات البروتوكولية».


مصادر: الأردن نسّق مع دمشق بشأن قصف الجنوب السوري

مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
TT

مصادر: الأردن نسّق مع دمشق بشأن قصف الجنوب السوري

مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)
مؤتمر صحافي في العاصمة الأردنية يوم الاثنين: من اليسار وزير الإعلام محمد المومني ووزير الداخلية مازن الفراية ومدير الأمن العام (الشرق الأوسط)

أكدت مصادر أردنية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» أن الأردن «نسّق مع الجانب السوري لقصف مناطق محددة بإحداثيات مؤكدة لضرب عناصر من تنظيم «داعش»، كانوا على اتصال بالخلية الإرهابية التي نفذت عملية كنيسة حمود»، الجمعة الماضي.

وشهد موقع للعزاء في موقع كنيسة حمود التابعة لمحافظة الكرك الجنوبية، حادثة إطلاق نار بعد ترجل ثلاثة إرهابيين، من مركبة فاتحين فوهات بنادقهم على المعزين الواقفين أمام الكنيسة، مما تسبب بسقوط 9 شهداء وأكثر من 40 جريحاً وفق آخر الإحصاءات.

وشددت مصادر محلية مطلعة على أن الأردن الرسمي «يتفهّم الموقف السوري»، لترفض المصادر نفسها التعليق على أسباب «التحفظ الرسمي السوري»، الذي اعتبره سياسيون أنه متطلب سوري في إعادة ترتيب المواجهة مع «خلايا إرهابية تكفيرية أصبحت تعيش في أوساط سكانية محلية في قرى بمحافظة درعا قريباً من الحدود الأردنية».

علماً بأن الأردن قام بقصف الجنوب السوري بعد تسلم العهد الجديد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وقام بثلاث طلعات جوية معلنة وطلعات أخرى غير معلنة.

شعار الضربة الجوية على درعا التي قالت القوات المسلحة الأردنية إنها استهدفت خليه لـ«داعش»

قُطَب مخفية في تصريحات رسمية

وقال وزير الإعلام الأردني محمد المومني إن عملية ليلة الاثنين التي حملت اسم (الردع الأردني - حمود) نُفذت «استناداً إلى معلومات ميدانية؛ لتحييد تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية ضد الأردن»، مشيراً إلى أن النتائج الأولية لهذه العمليات تشير، حتى اللحظة، إلى خسائر كبيرة في صفوف «داعش»، تُقدّر بأكثر من 20 عنصراً، وتدمير مستودع أسلحة ضخم للتنظيم.

تصريحات المومني لم تُعلق على البيان الرسمي السوري الذي «استنكر القصف الأردني في الداخل السوري». لكن «شيئاً من التفاهم، في الكواليس» قطع الطريق على بعض المتأذين من عودة التنسيق الأردني - السوري والتعاون في المجالات المختلفة، وعلى رأس جهود التعاون المشترك مع العهد السوري الجديد، كانت جهود مكافحة الإرهاب.

في السياق، فإن للأردن موقفاً حاسماً في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية، في مواجهة مسلسل الاجتياحات الإسرائيلية الهادفة لاحتلال المزيد من الأراضي السورية وفرض أمر واقع جديد، على أن الأردن يحترم سيادة دول الجوار، لكن عمّان لا تقف «مكتوفة الأيدي» في مواجهة مخاطر الإرهاب من تنظيم «داعش» على الحدود الشمالية والشرقية، مع محاولات ضرب الأمن الأردني من طرف ميليشيات عراقية محسوبة ومسلحة من طهران. ومؤخراً، برزت تحديات جديدة على الحدود الغربية مع دولة الاحتلال، بعد إحباط سلسلة محاولات لتهريب المخدرات والسلاح.

مشيعون في جنازة 4 من أفراد العائلة نفسها بينهم ثلاثة أطفال قتلوا في غارة أردنية في بلدة المسمية بمحافظة درعا جنوب سوريا فجر الثلاثاء (رويترز)

أما أهم ما جاء على لسان الناطق باسم الحكومة فقوله: «إن عمليات القصف التي قامت بها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، ليلة الاثنين، استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)»، مؤكداً «نفاد صبر بلاده على تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

ومصطلح «نفاد الصبر» عسكرياً له دلالات تؤشر بعودة محتملة للحرب ضد تنظيم «داعش»، الذي أعاد تموضع بعض خلاياه في مناطق من الجنوب السوري، ولم يعد مستبعداً عودة اتصالات التنظيم في الخارج بخلايا نائمة في الداخل الأردني، بحسب مراقبين.

وجاء تعبير المومني عن «أسف بلاده لوقوع ضحايا من المدنيين»، ليؤكد أن الأردن «امتنع عن استهداف مواقع تشير المعلومات إلى وجود مدنيين فيها»، موضحاً أن الأردن «يتخذ على الدوام الاحتياطات كافة التي من شأنها عدم الإضرار بالمدنيين، فهو يولي حياة المدنيين الأبرياء خارج حدوده الأهمية ذاتها التي يوليها لحياة الأردنيين».

وقد لاحظ المتابعون أن بيان الحكومة الرسمي الذي تلاه الناطق باسمها، تجاوز الموقف الرسمي السوري الذي «نفى التنسيق مع الأردن»، بشأن قصف الجنوب السوري بطائرات سلاح الجو، وهو ما يعزز مساحات التفاهم، خصوصاً بعد البيان السوري الأخير الذي استخدم لغة دبلوماسية في «استنكارها ورفضها للقصف الأردني على الجنوب السوري».

على أن مطّلعين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن تزامن عمليات قصف سلاح الجو الأردني لأوكار إرهابية، رافقته طلعات جوية لقوات التحالف الدولي التي قامت هي الأخرى بقصف مواقع (على طريق دمشق حمص) لوجود خلايا إرهابية فيها، كما أن ظروفاً أمنية محلية خلقت حالة من الفوضى بين سكان المناطق المستهدفة في درعا، وهو ما ابتعد الأردن عن التعليق عليه.

العاهل خلال زيارته مستشفى الأمير علي العسكري في الكرك للاطمئنان على المصابين في الهجوم الذي استهدف كنيسة في المحافظة الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

الثقة بالملك والجيش

يثق الأردنيون بنسب مرتفعة بكفاءة القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) والأجهزة الأمنية، وعلى رأس تلك المؤسسات العاهل الأردني بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتتجاوز نسب الثقة في استطلاعات الرأي التي يجريها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية عادة نسبة الـ(90%؜) بالقدرات العسكرية الأردنية، وجهود الجيش الأردني في صد المخاطر وحماية المملكة. ولذلك يُعد البيان العسكري لدى الأردنيين كاشفاً عن تفاصيل العمليات العسكرية بشفافية واختصار.

ومن المفارقات المهمة في الحالة الأردنية، أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عند زيارته لبيوت عزاء شهداء الإرهاب عادة، يكون حاملاً معه خياراته الانتقامية من الجماعات الإرهابية. ويذكر الأردنيون لحظة جلوس الملك عبد الله الثاني في بيت عزاء الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، الذي أعدمه «داعش» حرقاً بعد أسره عام 2015، وكيف أن طائرات سلاح الجو حلقت فوق بيت العزاء معلناً الملك أن سلاح الجو عاد لتوه من تنفيذ عملية انتقامية ضد عناصر إرهابية كان لها الدور في عملية أسر واستشهاد الطيار الكساسبة وقتها.

وفعلاً بعد ساعات من زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لبيت عزاء شهداء كنيسة حمود، الاثنين، أعلنت القوات المسلحة أن سلاح الجو الملكي قام «بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها».

وليلة الثلاثاء، أعلن سلاح الجو الملكي في بيان عسكري تنفيذه عملية نوعية استهدفت أوكار التنظيمات الإرهابية في الجنوب الشرقي السوري، أطلق عليها (الردع الأردني - حمود)، مشدداً البيان على أن العملية نُفذت بـ«التنسيق» مع الحكومة السورية. وهنا اختصر الأردنيون مساحات الجدل واثقين بالرواية الأمنية.

وقال البيان إن العملية تأتي «انتقاماً لشهدائنا الذين قضوا في جنازة كنيسة حمود في الكرك الجمعة الماضي؛ إذ يرتبط الإرهابيون الذين نفذوا هذا الفعل الإجرامي بهذه التنظيمات الإرهابية». وقامت مقاتلات من سلاح الجو الملكي بتدمير عدد من المواقع الإرهابية، وأسفرت العملية عن قتل وجرح العديد من عناصر هذه التنظيمات الإرهابية وتدمير عدد من آلياتها.

هل ارتبكت الرواية الحكومية؟

ظهر مدير الأمن العام الأردني، الاثنين، رافضاً ربط الإرهابين الثلاثة بصلات تنظيمية خارجية، مؤكداً أن العملية لم يكن مخططاً لها مسبقاً.

وقيل ليلة الاثنين، على لسان مصادر صحافية، إن كلام مدير الأمن العام كان تمويهاً لمنع الإرهابيين بالخارج من أخذ احتياطاتهم للرد الأردني وتوقيته. وقبل الإعلان عن قصف الجنوب السوري بساعتين، ظهر وزير الداخلية مازن الفراية على شاشة تلفزيون محلي، مقدماً عرضاً اجتماعياً لواقع أسر منفذي العملية الإرهابية في كنيسة حمود.

وكشف عن معلومات تتعلق بمسلكيات الإرهابيين الثلاثة التي في حوزة الجهات الأمنية، كانت كفيلة باتخاذ إجراءات وقائية قبل وقوع حادثة الكنسية غير المسبوقة في البلاد. وهو ما تسبب محلياً بتوجيه انتقادات للإدارة الحكومية في ترتيب خطواتها وتعظيم أهداف استخدام الأدوات الإعلامية في تحصين الرواية الرسمية من النقد أو التصيّد.

لكن نشطاء منصات التواصل الاجتماعي اتخذوا من التناقض وسيلة لنقد الإدارة الحكومية للأزمة؛ فوزيرا الداخلية والإعلام ومدير الأمن العام، ظهروا لمدة نصف ساعة في مؤتمر صحافي، مقدمين الرواية الرسمية للحدث، في وقت لم تكن فيه تداعيات الردع الأردني قد انتهت لصالح الرسالة العسكرية التي بعث بها سلاح الجو الأردني ليلة الاثنين.

ولا ينقص جمهور التواصل الاجتماعي انقسام أردني أكثر من الانقسام الدائر حالياً، فما زالت بعض الحسابات تُحذر من تعزية المسيحيين، وترفض أن يقال عنهم شهداء. تاركين خلفهم ساحة من اختلاف وجهات النظر وصولاً للشتائم والتكفير. لتدخل حسابات خارجية على خطوط الفتنة المحلية، وهو ما يحتاج لجهود فنية متقدمة في مواجهة الحرب الإلكترونية.