كيف تعزز مهاراتك العقلية إذا كنت تعاني من مشكلات في تنفيذ المهمات؟

نصائح ووسائل للكبار المصابين بحالات نقص التركيز

كيف تعزز مهاراتك العقلية إذا كنت تعاني من مشكلات في تنفيذ المهمات؟
TT

كيف تعزز مهاراتك العقلية إذا كنت تعاني من مشكلات في تنفيذ المهمات؟

كيف تعزز مهاراتك العقلية إذا كنت تعاني من مشكلات في تنفيذ المهمات؟

تقنية بومودورو pomodoro technique... وضعيات القوة power poses... أدوات التخطيط planners، هذه أنواع من التي جربتها دينيس داسكال، بحثاً عن الاستراتيجية المناسبة لتحسين الأداء التنفيذي لها، أي تحسين المهارات العقلية اللازمة لإدارة الوقت، وتحقيق الأهداف.

أداء الوظائف التنفيذية

الأداء التنفيذي executive functioning، في علم النفس، يرتبط بأداء الوظائف التنفيذية، (وحسب الويكيبيديا فهو مصطلح شامل لإدارة -أي التحكم والضبط- العمليات المعرفية، بما في ذلك الذاكرة العملية، والتعقّل، والمرونة المعرفية، وحل المشكلات، بالإضافة إلى التخطيط والتنفيذ-المحرر).

قضت داسكال ساعات في تصفح «تيك توك»، وقراءة الكتب، وحضور الدورات التدريبية لتصبح أكثر تنظيماً وتركيزاً في عملها، وفي حياتها الشخصية. لكن قائمة الاستراتيجيات الطويلة، رغم أنها كانت مفيدة إلى حد ما، بدت مرهقة، كما قالت.

قالت داسكال، البالغة من العمر 63 عاماً، التي تعيش في ديربورن بولاية ميشيغان، والتي شُخِّصت باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط قبل بضع سنوات: «أشعر بإنهاك شديد عندما أشعر بالإرهاق، وعندما أواجه الكثير من المهام دفعة واحدة».

حالات مرضية واجتماعية تعوق الأداء التنفيذي

يمكن لحالات مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والتوحد، واضطراب الوسواس القهري، والاكتئاب أن تعوق الأداء التنفيذي؛ وكذلك فترة انقطاع الطمث لدى النساء. يمكن لظروف الحياة، مثل تربية الأطفال الصغار، أو قلة النوم، أو حتى تفويت وجبة طعام، أن تعوق قدرة الشخص على التركيز وإنجاز المهام.

إليك كيفية فهم الأداء التنفيذي، وتحديد استراتيجيات التأقلم المناسبة لك.

ما هو الأداء التنفيذي؟

الوظائف التنفيذية هي مهارات إدارة الحياة التي تساعد الناس على «تحويل النيات إلى أفعال»، كما يقول آري توكمان، عالم النفس في ويست تشيستر، بنسلفانيا، ومؤلف كتاب «دليل الإنتاجية لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه».

بعبارة أخرى، إذا كنت تخطط لفعل شيء ما، فإن الوظائف التنفيذية تساعدك على القيام به في الوقت والمكان المناسبين، لأنه سيفيدك، سواءً الآن أو في المستقبل، كما أضاف. وهذه المهارات ضرورية للتخطيط، وحل المشكلات، وإدارة الوقت، واتخاذ القرارات، وبدء المهام، بالإضافة إلى التحكم في عواطفك وانتباهك.

تحليل الذات أولاً

هناك وفرة في التقنيات التي تُساعد على تحسين الأداء التنفيذي، مثل طريقة بومودورو التي جربتها داسكال، والتي تتلخص في استراحة قصيرة لمدة 25 دقيقة من التركيز.

ولكن قبل تجربة أيٍّ من هذه الاستراتيجيات يقول الخبراء إنه قد يكون من المفيد البدء بتحليل موجز للوضع الذاتي للشخص.

حدد جوانب الأداء التنفيذي الأكثر إشكالية بالنسبة لك

قالت تامارا روزير، مؤسسة مركز اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في غرب ميشيغان ومؤلفة كتاب «أنت، أنا، وعائلتنا من مرضى اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه»، إن صعوبة بدء مهمة ما كانت أكثر مشكلات الأداء التنفيذي شيوعاً لدى مراجعيها. قد تبدو قائمة المهام مرهقة، ما قد يؤدي إلى الإحباط، والقلق، والتجنب.

على سبيل المثال، عندما خططت داسكال لتنظيف مرأبها أخيراً، شعرت بالعجز الشديد بسبب الفكرة لدرجة أنها قررت تبني كلب صغير. وأوضحت أن تدريب جرو على استخدام الحمام بدا أسهل من مواجهة آلاف القرارات الصغيرة اللازمة لتنظيم مساحة المرأب.

بعد ذلك... ابحث عن حلول تعالج مشكلتك

لبدء المهمة، اسأل نفسك: «ما الذي يجعل هذا الأمر صعباً؟» قالت روزير إن السبب قد يكون السعي للكمال، أو الخوف، أو عدم وضوح الخطوات. بمجرد أن تكوّن فكرةً أفضل عمّا يُبطئك، حاول مُعالجتها. إذا كنتَ غير متأكدٍ من الخطوات التي يجب اتخاذها بسبب إرهاقك العاطفي، فأعدّ قائمةً بما يُرهقك. ثم اسأل نفسك: «هل أُعقّد هذه المهمة؟».

وأضافت روزير: تحدَّ نفسك بالتفكير في أبسط طريقة للقيام بذلك... وتابعت أن هناك استراتيجيةً أخرى وهي استخدام «مضاعفة الجهد»، أي العمل جنباً إلى جنب مع شخصٍ آخر -افتراضياً أو شخصياً- لخلق نوع من الزخم. على سبيل المثال، تُقدّم جمعية اضطراب نقص الانتباه «ساعة إنتاجية قوية» «productivity powerhour» عبر الإنترنت، حيث يُمكن للناس التجمع للعمل على تحقيق هدف. يُمكنك أيضاً إقران مهمتك بشيءٍ مُمتع، كالموسيقى، أو البودكاست لجعلها أكثر متعة.

حاول حل المشكلة خارج عقلك

قال توكمان إن «إخراج» عملية تفكيرك -من خلال مُناقشة مُشكلتك مع صديق، أو تدوينها، أو التلاعب بالأشياء التي تعمل عليها- يُمكن أن يكون أكثر فائدةً من مُحاولة الاحتفاظ بكل شيء في عقلك.

خذ مثلاً حالة آمي دورن، 44 عاماً، أم لثلاثة أطفال من إيفرغرين، كولورادو، تعاني من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وتجد صعوبة في الحفاظ على هدوئها عندما يُحفّز دماغها بشكل مفرط بفعل أحداث كثيرة تحدث في آن واحد. لا يمضي وقت طويل قبل أن تُصاب بالتوتر. أحياناً، كما قالت «أصرخ بأعلى صوتي».

دورن، غالباً ما تنسى الأمور التي تبدو مملة، أو روتينية. وهي ترتدي الآن جهاز تسجيل على معصمها، وتنطق قائمة مهامها بصوت عالٍ، ثم تعيد تشغيلها لاحقاً في اليوم.

ضع توقعات لنفسك وللآخرين

تصبح الاستراتيجيات الشخصية أقل فعالية إذا لم تكن بيئتك مناسبة للأشخاص الذين يعانون من قصور في الوظائف التنفيذية، مثل العمل الذي يتطلب منك إنجاز مهمة معقدة على الكمبيوتر مع الاستمرار في تلقي رسائل فورية قد تتطلب أو لا تتطلب رداً، مما يشتت انتباهك عن المهمة الرئيسة.

قررت داسكال التحول من امتلاك صالون ومنتجع صحي صغير، الذي كان يتطلب منها إدارة منشأة، وطاقم عمل، إلى التركيز على حلمها في إطلاق علامة تجارية جديدة لطلاء الأظافر. وقالت هذه المرة إنها تُدرك حجم المسؤوليات التي تتولى مسؤوليتها، وأنها يجب الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بها. وهذا يساعدها على توفير وقت للنوم وممارسة الرياضة. وأضافت: «أُحدد ما أحاول القيام به يومياً، وكذلك الوقت الذي أحاول القيام به». شعارها: «خطوة بخطوة، شيء بشيء».

ويقول توكمان إن تحديد التوقعات مع الأشخاص الذين تتفاعل معهم أمر مهم أيضاً. لنفترض أنك تتأخر دائماً عن لقاء أصدقائك. يمكنك العمل على الوصول مبكراً، وأن تكون صادقاً في نفس الوقت بإرسالك رسالة إلى أصدقاءك ألا يغادروا موقع اللقاء حتى تصلهم رسالة منك، كما يقترح توكمان.

لا تحكم على نفسك بقسوة

إذا كنت تعاني من مشكلات في الأداء التنفيذي، فقد يكون من السهل لوم نفسك -خاصةً إذا كان الآخرون يشيرون باستمرار إلى تقصيرك.

يقول توكمان: ذكّر نفسك بأنك لست مصاباً بالعيوب أو غير مسؤول. بل إنك تواجه صعوبة في تحقيق ما تنوي فعله، والتوفيق بين جميع متطلبات الحياة الأخرى لتحقيق ذلك.

وقال إن هذه العقلية يمكن أن تكون «مُبررة للغاية»، خاصةً عندما يبذل شخص ما جهداً كبيراً -وأحياناً يبذل جهداً أكبر من غيره- ولكنه لا يُظهر نفس القدر من النجاح.

إذا كنتَ ممن يعانون من صعوبات في الوظائف التنفيذية، فقد لا يكون الأشخاص الناقدون وذوو التوقعات المحددة هم الأشخاص الذين يستحقون أن يكون لهم دورٌ محوري في حياتك، كما قال توكمان. «ليس الأمر مجرد أنك غير مناسب لهم، بل هم أيضاً غير مناسبين لك».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

يوميات الشرق موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

على «تيك توك» تُحصى مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ «عائلة سامّة» و«لا تواصل» بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامة على ضعف التركيز أو قلة الانضباط... لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك «الاكتئاب المقاوم» هو النوع الذي لا يستجيب للعلاجات التقليدية (بيكسلز)

دراسة: حمية «الكيتو» تحسّن أعراض الاكتئاب المقاوم

تشير دراسة سريرية حديثة إلى أن حمية الكيتو، منخفضة الكربوهيدرات وعالية الدهون، قد تقدم تحسناً طفيفاً لكنه ملموس إحصائياً لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب المقاوم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الأشخاص المتلاعبون يزدهرون في بيئة مليئة بالصراع والإثارة والفوضى (بيكسلز)

للتعامل مع الشخصية المتلاعبة... ما هي تقنية «الحجر الرمادي»؟

تُعد تقنية «الحجر الرمادي» أسلوباً نفسياً فعّالاً للتعامل مع الأشخاص المتلاعبين. تخيّل صخرة رمادية عادية، لا تُثير الانتباه، تُشبه الكثير من الصخور المحيطة بها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور (أ.ف.ب)

وزير الصحة الأميركي يربط حمية «الكيتو» بعلاج الفصام… وخبراء يشككون

أدلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، روبرت ف. كينيدي جونيور، بتصريح يوم الأربعاء، زعم فيه أن حمية «الكيتو» الغذائية قادرة على علاج مرض الفصام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.