«الرئاسي» الليبي يسارع لتثبيت «الهدنة» في العاصمة رغم التوترات

المبعوثة الأممية تواصل استطلاع آراء الليبيين حول مقترحات «الاستشارية» بشأن الانتخابات العامة

المجلس الرئاسي مستقبلاً تيتيه ونائبتها خوري (المجلس الرئاسي الليبي)
المجلس الرئاسي مستقبلاً تيتيه ونائبتها خوري (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

«الرئاسي» الليبي يسارع لتثبيت «الهدنة» في العاصمة رغم التوترات

المجلس الرئاسي مستقبلاً تيتيه ونائبتها خوري (المجلس الرئاسي الليبي)
المجلس الرئاسي مستقبلاً تيتيه ونائبتها خوري (المجلس الرئاسي الليبي)

في مشهد لا يخلو من توتر بالعاصمة الليبية، أمر رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بحظر المظاهر المسلحة كافة في طرابلس، ومنع تحرك الآليات العسكرية داخلها «تحت أي ذريعة»، في مسعى يهدف إلى الحفاظ على «هدنة هشة» موقَّعة بين فصائل متناحرة الشهر الماضي. وفي غضون ذلك، تواصل المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، استطلاع آراء الليبيين حول المقترحات التي قدمتها اللجنة الاستشارية بشأن الانتخابات العامة.

قوات من الشرطة في طرابلس تقف عند حدود التماس (وزارة الداخلية بحكومة الوحدة)

وجاء توجيه المنفي في ظل توترات مسلحة تعيشها العاصمة طرابلس، منذ الاقتتال العنيف الذي شهدته شهر مايو (أيار) الماضي، بين قوات شبه رسمية تابعة لحكومة طرابلس، بقيادة عبد الحميد الدبيبة وتشكيلات مسلحة.

وفي الأمر الذي أصدره المنفي، أنيط بمديرية أمن طرابلس والشرطة العسكرية ضبط الأمن وفرضه داخل العاصمة، التي باتت الآليات العسكرية والمركبات التابعة للتشكيلات المسلحة ولجهات أمنية تشكل مظهراً رئيساً في شوارعها.

وسبق أن بدأت سبع كتائب وألوية مسلحة المشاركة في فصل المتقاتلين عبر نقاط تماس، تم الاتفاق عليها وسط طرابلس، وسط دعوة أممية للأطراف المتقاتلة بضرورة الحفاظ على «الهدنة الهشة».

وتنفيذاً لتوجيه المنفي، عقد مدير أمن طرابلس اجتماعاً ضمّ أعضاء «اللجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية»، المُشكَّلة بموجب قرار رئيس المجلس الرئاسي؛ وذلك في إطار الجهود المستمرة لتعزيز الأمن وترسيخ الاستقرار داخل العاصمة. وناقش الاجتماع، الذي عُقد مساء الأربعاء بحسب المديرية، الآليات التنفيذية لخطة الترتيبات الأمنية، و«استعراض سبل تعزيز التنسيق والتكامل بين الأجهزة الأمنية والعسكرية؛ بما يضمن تحقيق أعلى درجات الجاهزية والاستعداد لتنفيذ المهام الموكلة».

جانب من اجتماع أمني موسّع في مديرية أمن طرابلس (مديرية الأمن)

وقالت المديرية إن الاجتماع انتهى إلى الاتفاق على تولي مديرية أمن طرابلس «إعداد خطة أمنية شاملة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، لتدخل حيز التنفيذ فور استكمال اللجنة المكلَّفة مهامها؛ والمتمثلة في الإشراف على انسحاب جميع المظاهر المسلحة، وعودة الآليات العسكرية إلى مقارها».

وأكد المشاركون أن تنفيذ هذه الخطة «سيمثّل نقلة نوعية في جهود تأمين العاصمة، بما يعزز سلطة الدولة، ويفرض سيادة القانون، ويضمن أمن المواطنين وسلامتهم».

وباتت دوريات إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية توجد في مناطق التماس بالعاصمة طرابلس على مدار الساعة؛ تنفيذاً للتعليمات الصادرة وفقاً لترتيبات وقف إطلاق النار، بهدف المحافظة على الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة.

تيتيه خلال زيارتها لمدينة نالوت (بلدية نالوت)

وعُقد الاجتماع الأول للجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس بحضور المنفي، الذي أكد على ضرورة إعداد وتنفيذ «خطة شاملة» للترتيبات الأمنية والعسكرية في العاصمة طرابلس، وإخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة كافة.

في غضون ذلك، تعمل المبعوثة الأممية تيتيه على استطلاع آراء مختلف الأطراف الليبية حول مخرجات اللجنة الاستشارية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والنيابية. وفي هذا السياق، قالت بلدية نالوت (جنوب غربي طرابلس) إن رئيسها عبد الوهاب الحجام، وعمداء 6 بدايات، اجتمعوا، الخميس، مع تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري. كما ضم الاجتماع رئيس المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، وعدداً من الأكاديميين والنخب السياسية والأعيان والنشطاء بالبلديات.

كما التقت تيتيه رئيس المجلس الرئاسي، الأربعاء. وأجرت سلسلة من اللقاءات بشكل منفرد مع نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، ورئيس الوزراء، عبد الحميد الدبيبة؛ لمناقشة الوضع الأمني والعملية السياسية. وخلال اللقاء، أطلع أعضاء المجلس الرئاسي الممثلة الخاصة للأمين العام على الجهود المبذولة لتعزيز الأمن في طرابلس ومنع تدهوره، بما في ذلك عمل لجنة الهدنة، التي شكلوها بالاشتراك مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عقب الاشتباكات التي وقعت يومي 12 و13 مايو (أيار) الماضي، وقوات فض الاشتباك التي تم نشرها. كما تناولت المناقشات تعزيز إصلاح قطاع الأمن، بما في ذلك إعادة دمج الجماعات المسلحة.

من جهته، بحث النائب في المجلس الرئاسي، موسى الكوني، مع سفير إسبانيا لدى ليبيا خافيير سوريا كانتانا، الأوضاع في ليبيا. ونقل المجلس الرئاسي، الخميس، عن كانتانا تأكيده على «استمرار دعم بلاده لجهود المجلس الرئاسي التي تهدف لتحقيق الاستقرار في ليبيا». كما أكد السفير على «حرص إسبانيا على تحقيق الاستقرار في ليبيا، من خلال دعم الجهود الدولية، الرامية لاستعادة ليبيا لدورها في منطقة حوض البحر المتوسط»، مشيراً إلى أهمية التعاون بين ليبيا وإسبانيا في مجالات الاقتصاد والتجارة، وتعزيز التبادل الثقافي. كما تناول اللقاء آخر مستجدات الأوضاع في ليبيا وجهود بعثة الأمم المتحدة، من خلال مخرجات اللجنة الاستشارية، والتأكيد على ضرورة تحقيق الاستقرار بتعاون الدول المهتمة بالشأن الليبي، من خلال المسارات السياسية المقترحة من بعثة الأمم المتحدة لدعم المسار السياسي، وإنهاء حالة الانقسام.

الكوني مستقبلاً سفير إسبانيا لدى ليبيا (المجلس الرئاسي)

في شأن مختلف، قالت رئاسة أركان القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»، التي يقودها صدام حفتر، إنه عقد خلال زيارة يجريها في إيطاليا اجتماعاً موسعاً بمقر وزارة الداخلية الإيطالية، حيث كان في استقباله وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين بالوزارة.

وأوضحت شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني» أن الاجتماع تناول سبل تعزيز التعاون الأمني، والتنسيق المشترك بين الجانبين، خاصةً فيما يتعلق بمكافحة الهجرة غير النظامية، والتصدي لشبكات الاتجار بالبشر، والحد من انتشار الجريمة المنظمة.


مقالات ذات صلة

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

دفعت الانتهاكات المتعددة والأوضاع الإنسانية المتردية في مراكز أمنية رسمية وغير رسمية بليبيا، الأمم المتحدة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في طرابلس مع أعضاء اللجنة العسكرية عن غرب ليبيا الاثنين (المجلس الرئاسي الليبي)

ليبيا: البعثة الأممية تحضّ «النواب» و«الدولة» على «التوافق» سياسياً

شددت نائبة رئيسة البعثة الأممية في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري على أهمية الحفاظ على وحدة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)

انقسام في الزنتان بعد مطالب بتسليم سيف الإسلام القذافي للعدالة

ظل سيف الإسلام القذافي مقيماً في الزنتان تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال عشرة أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات التي كانت مقررة عام 2021.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

تباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام حفتر إلى القاهرة بأجواء لم تخلُ من الانقسام لكنّ محللين يرون أنها تركزت على مناقشات تتعلق بتأزم الأوضاع الإقليمية

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

تشهد العاصمة الليبية طرابلس تصعيداً ميدانياً مفاجئاً يعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة.

خالد محمود (القاهرة)

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
TT

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، كانت في طريقها إلى خارج البلاد، وتمثل نحو 29 في المائة من جملة الآثار التي كانت معروضة في متحف السودان القومي، وسط العاصمة الخرطوم.

وقال نائب مدير جهاز المخابرات العامة، عباس محمد، في مؤتمر صحافي عقد بمدينة بورتسودان، إن الجهاز نفّذ عملية أمنية معقدة، نجح من خلالها في إحباط مخطط كبير لتهريب آثار سودانية مملوكة لهيئة المتاحف إلى خارج البلاد، مضيفاً: «تم استعادة عدد كبير من القطع الأثرية».

وتعرّض المتحف القومي لعمليات نهب واسعة خلال الحرب التي شهدتها الخرطوم منذ أبريل (نيسان) 2023، عقب سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة السودانية، في وقت رصدت فيه تقارير إعلامية بيع بعض الآثار السودانية عبر مواقع الإنترنت.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وأشار محمد إلى أن سرقة الآثار السودانية ومحاولة تهريبها إلى الخارج تُعدّ جريمة خطيرة، ارتكبتها «قوات الدعم السريع» ضمن سلسلة من الانتهاكات الممنهجة بحقّ الوطن وتراثه. وأوضح أن الأجهزة العدلية السودانية تعمل بتنسيق مشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين من أجل استرداد الآثار التي جرى تهريبها إلى الخارج خلال فترة الحرب.

وبيّن نائب مدير جهاز المخابرات العامة أن العملية التي نُفّذت لاستعادة الآثار لا تقتصر على كونها إجراءً أمنياً فحسب، بل تمثل معركة حقيقية لحماية تاريخ السودان، والتصدي لأي محاولات تستهدف التراث القومي، باعتباره قضية من قضايا الأمن الوطني.

قطع أثرية تم استردادها بواسطة السلطات السودانية عرضت في معرض في بورتسودان الثلاثاء (الشرق الأوسط)

وأكّد أن جهاز المخابرات يواصل متابعة أنشطة الجريمة المنظمة وشبكات تهريب الآثار، مشدداً على قدرته على ملاحقة المتورطين، وكل من تسوّل له نفسه العبث بتاريخ السودان. كما دعا المواطنين إلى تسليم أي قطع أثرية بحوزتهم، مؤكداً أن السلطات القانونية لن تتهاون مع أي نشاط إجرامي يستهدف آثار البلاد.

وفي سياق متصل، نظّمت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، اليوم، احتفالاً بقاعة الربوة بمدينة بورتسودان، بحضور الأمين العام لمجلس السيادة الانتقالي محمد الغزالي، وعدد من المسؤولين، إلى جانب دبلوماسيين وممثلي منظمات دولية، وذلك قبل نحو 10 دقائق من الموعد الرسمي لإعلان الاحتفال. وشمل البرنامج زيارة للمعرض المخصص للآثار المستردة، حيث وثّق الحضور الحدث الذي وصفته السلطات السودانية بالمهم للغاية، مع الإشارة إلى أنه سيتم الإعلان لاحقاً عن استرداد آثار أخرى من العاصمة الخرطوم.

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين تم استردادها بواسطة السلطات السودانية (الشرق الأوسط)

ولاحظت «الشرق الأوسط» أن بعض القطع الأثرية المعروضة تعرّضت لكسر جزئي، في حين ظهرت خدوش على قطع أخرى، يُرجَّح أنها لحقت بها أثناء عمليات النهب أو التهريب. وتخلل الاحتفال تقديم فقرات فنية، تغنّى خلالها فنانون بأغانٍ وطنية خالدة تؤكد أن السودان بلد الحضارة والتاريخ العريق.

ويُعدّ متحف السودان القومي أحد أهم المتاحف في أفريقيا، إذ يضم مجموعات أثرية نادرة توثق لتاريخ السودان الممتد لآلاف السنين، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات النوبية القديمة وممالك كرمة ونبتة ومروي، وصولاً إلى الفترات المسيحية والإسلامية. ويحتوي المتحف على آلاف القطع الأثرية، من تماثيل ونقوش ومومياوات وأدوات فخارية، إضافة إلى معابد نوبية أُعيد تشييدها في حدائقه عقب حملة إنقاذ آثار النوبة في ستينات القرن الماضي.

مدخل متحف السودان القومي وبوابته الرئيسية قبل الحرب (الشرق الأوسط)

ومنذ اندلاع الحرب في السودان، تعرّض المتحف لعمليات اقتحام ونهب واسعة، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة الخرطوم، حيث أفادت تقارير رسمية وإعلامية باختفاء عدد كبير من القطع الأثرية من مخازنه وقاعاته، وظهور بعضها لاحقاً في أسواق غير مشروعة ومنصات بيع عبر الإنترنت، ما أثار مخاوف محلية ودولية بشأن مصير التراث الثقافي السوداني وعمليات تهريبه إلى الخارج.

بدوره، طالب وزير المالية، جبريل إبراهيم، الدول التي وصلت إليها الآثار السودانية بالتعاون مع الحكومة السودانية لاستعادتها، مشدداً على أن الأمانة تقتضي إرجاع تلك الآثار إلى موطنها الأصلي. وأضاف أن جهاز الأمن والمخابرات يقوم بأدوار كبيرة ومهمة في جبهات القتال، ضمن الحرب الدائرة حالياً في البلاد ضد «قوات الدعم السريع».

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، أوضح وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، أن هذه الآثار جرى ضبطها خلال الفترة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2023 حتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، إلا أن العملية لم يُعلن عنها في حينها. وأشار إلى أن الآثار المستردة تمثل 29 في المائة من مجموع القطع التي كانت معروضة في متحف السودان القومي.

وقال الإعيسر إن «قوات الدعم السريع» كانت تستهدف سرقة وتهريب تاريخ السودان، في محاولة لطمس هويته التاريخية.

من جانبها، قالت رئيسة لجنة استعادة الآثار السودانية، إخلاص عبد اللطيف، إن الآثار التي جرى استعادتها «قيمة وجميلة جداً»، موضحة أنها عادت إلى البلاد عقب عملية سرية ودقيقة نفّذها جهاز المخابرات العامة. وأضافت أنه بعد العثور على القطع الأثرية جرى تخزينها وفق الإجراءات المتبعة، قبل أن يتولى فريق مختص من خبراء الآثار تسجيلها وتوثيقها.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وأفادت عبد اللطيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «قوات الدعم السريع» استهدفت تاريخ السودان وارتكبت انتهاكات واسعة بحق تراثه الثقافي، مشيرة إلى أنه خلال الفترة الماضية جرى استرداد آثار تعود إلى بيت الخليفة في أم درمان، إلى جانب تماثيل وقطع أثرية تخص متحف السودان القومي في الخرطوم.

ويُعد السودان من أغنى دول المنطقة من حيث الثروة الأثرية، إذ يحتضن إرثاً حضارياً متنوعاً يجعل منه أحد أهم مراكز الحضارات القديمة في أفريقيا والعالم. ويضم السودان ما يُقدَّر بنحو 3 آلاف هرم منتشرة في مناطق مختلفة، أبرزها أهرامات البجراوية ومروي ونوري والكرو، وهو عدد يفوق ما هو موجود في كثير من الدول، إلى جانب آلاف المواقع الأثرية الأخرى من معابد ومدن قديمة ومقابر ونقوش صخرية تعود إلى حضارات متعاقبة.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وتشمل هذه الآثار بقايا ممالك كوش وعلوة والمقرة وسوبا، فضلاً عن آثار الفترات المسيحية والإسلامية، ما يجعل التراث السوداني سجلاً تاريخياً متكاملاً لتطور المجتمعات البشرية في وادي النيل. غير أن هذا المخزون الأثري الضخم ظل يعاني من ضعف الحماية والتوثيق، وتفاقمت المخاطر التي تهدده مع اندلاع الحرب، في ظل تنامي أنشطة النهب والاتجار غير المشروع بالآثار. الأمر الذي يضع هذا الإرث الإنساني أمام تحديات غير مسبوقة.


ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
TT

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

تصاعدت شكاوى حقوقيين ومواطنين ليبيين من سوء معاملة بحق الموقوفين في مؤسسات أمنية رسمية، تتضمن «تفشي عمليات تعذيب جسدي ونفسي بشكل واسع» في أنحاء البلاد، وهو ما دفع الأمم المتحدة أكثر من مرة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

وتحدثت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن «تصاعد مؤشرات ظاهرة التعذيب الجسدي والنفسي وسوء المعاملة بحق الموقوفين في مرافق الاحتجاز التابعة لجهازي المباحث الجنائية والبحث الجنائي وأقسام البحث الجنائي بمديريات الأمن، وكذلك بالأجهزة الأمنيّة في غرب ليبيا وشرقها».

وأشار رئيس المؤسسة أحمد عبد الحكيم حمزة عن رصد 41 شكوى تتعلق بحالات تعذيب في عموم ليبيا، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المؤسسة الوطنية «وثّقت 25 حالة وفاة تحت التعذيب وانعدام الرعاية الصحية في مرافق الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية الليبية».

وأرجع حمزة تصاعد وتيرة عملية التعذيب إلى «غياب المحاسبة القانونية والمساءلة القضائية، واستمرار حالة الإفلات من العقاب حيال هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تُشكّل جرائم يعاقب عليها القانون».

وقالت المؤسسة إنها «وثّقت عدم قيام العديد من النيابات في ليبيا بفتح محاضر تحقيق في حالات التعذيب الظاهرة على جسد الموقوفين في أثناء عرضهم عليها»، واتهمتها بـ«غض الطرف عن هذه الجرائم وعدم التحقيق فيها».

وتحدثت المؤسسة عن «عدم تلبية طلبات الموقوفين بعرضهم على الطب الشرعي لإثبات وقائع وحالات التعذيب في أثناء التوقيف؛ وعدم توثيق أقوالهم بشأن شكاواهم بتعرضهم للتعذيب في محاضر تحقيق نسبة كبيرة من النيابات العامة الجزئيّة والكلية؛ وهو ما يُشكّل مخالفةً واضحة للقانون وانتهاكاً لحق الضحايا».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرقي طرابلس (غيتي)

وترى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أن هذا الأمر أسهم بشدة في تصاعد معدلات ومؤشرات ارتكاب جرائم التعذيب، نتيجةً لشعور مرتكبي هذه الانتهاكات بالأمن من العقاب والمحاسبة والمساءلة القانونية.

وفي الأسبوع الماضي، دعت المؤسسة الوطنية النائب العام للتحقيق في تعذيب واحتجاز مواطنة من قبل عناصر فرع جهاز البحث الجنائي بمدينة البيضاء بشرق ليبيا.

غير أن مصدراً بالنيابة الليبية قال إن جهود البحث تنتهي دائماً بتوقيف متهمين في قضايا تعذيب، منوهاً إلى أن النائب العام سبق وأمر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بحبس ثلاثة عناصر أمن في بنغازي لارتكابهم واقعة تعذيب مواطن عثرت أسرته على جثمانه في أحد المستشفيات.

وأفادت التحريات حينها بأن تلك العناصر تنتمي لجهاز حماية الآداب العامة ببنغازي التابع للإدارة العامة للعمليات الأمنية. وقد حمَّلت منظمات حقوقية محلية السلطات في شرق البلاد المسؤولية القانونية الكاملة عما حدث.

ودعت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، في مطلع العام الماضي، للتحقيق في مقاطع فيديو متداولة تُظهر تعذيباً وسوء معاملة لعدد من المحتجزين في سجن قرنادة التابع لـ«الجيش الوطني» بشرق ليبيا. وأعلنت أنها تنسق مع قيادة الجيش لتأمين وصول موظفي حقوق الإنسان التابعين للبعثة ومراقبين مستقلين آخرين إلى ذلك السجن بشكل مستمر، وكذلك إلى مراكز الاحتجاز الأخرى.

وكشفت إحدى الرسائل المسربة من السجون، والتي كان الحقوقي الليبي طارق لملوم قد نقلها من سجين داخل «مؤسسة الإصلاح والتأهيل» في أوباري بجنوب البلاد، عن «واقع مأساوي» و«افتقار لأدنى معايير الكرامة الإنسانية».

وتحدث السجين في الرسالة التي نقلها لملوم في الثاني من يناير (كانون الثاني) عن «قيام إدارة السجن بتمكين أشخاص غير مؤهلين، ومن ذوي السوابق، من السيطرة على العنابر وحيازة المفاتيح دون رقابة قانونية».

وأفاد السجين في شهادته «بتعرضه ونزلاء آخرين لتعذيب جسدي وممارسات مهينة للكرامة، تقع غالبيتها في ساعات الليل المتأخرة وخلال عطلات نهاية الأسبوع؛ حيث تُستخدم أساليب إذلال متعمدة في ظل غياب تام لأجهزة الرقابة والمحاسبة».

وقال: «نعيش داخل زنازين مكتظة تضم أعداداً كبيرة من السجناء من جنسيات مختلفة، أغلبهم من الأفارقة، في مساحات ضيقة وبعدد محدود جداً من دورات المياه، ما يجعل الحياة داخلها غير إنسانية، ويسهم في انتشار الأمراض بشكل أكبر».

وتحدث السجين عن «مناخ من الخوف والعنصرية، حتى إن بعض أفراد الشرطة القضائية لا يستطيعون الاعتراض أو التدخل، ولا توجد سلطة فعلية لمنع التجاوزات أو إيقاف الدخول غير القانوني بعد ساعات الدوام الرسمي».

وعلى الصعيد الصحي، وصفت الرسالة الوضع في السجن بـ«الكارثي» نتيجة تفشي الأوبئة وغياب الرعاية الطبية، مما أسفر عن حالات وفاة نتيجة الإهمال، وسط تكدس بشري في زنازين ضيقة تفتقر لأبسط الشروط الصحية.

وأمام هذه الشكاوى، دعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور لإجراء تحقيقات «شاملة وشفافة» في حالات التعذيب الجسدي والنفسي وانتزاع الاعترافات من قِبل الأجهزة الأمنية وأقسام البحث الجنائي والمباحث الجنائية ومراكز الشرطة.


الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

تباينت المواقف إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج؛ إذ رحّب بها أنصار سياسات الحكومة، في حين ساد التوجّس لدى بعض المعنيين بالمبادرة، الذين رأوا أنها مشروطة بالتخلي عن مواقفهم السياسية إزاء قضايا الحكم.

وكان مجلس الوزراء قد أعلن في اجتماع عقده، الأحد، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون عن قرار بـ«تسوية وضعية الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في وضعيات هشة وغير قانونية»، حسبما أفاد به بيان لمجلس الوزراء.

وأكد البيان أن تبون «وجَّه نداءً إلى الشباب الجزائري الموجود بالخارج ممن دُفع بهم إلى الخطأ عمداً من قبل أشخاص اعتقدوا واهمين أنهم سيسيئون إلى مصداقية الدولة، بهدف استعمالهم بالخارج ضد بلدهم، بينما معظم هؤلاء الشباب لم يقترفوا سوى جنح صغيرة، كالتخوف من مجرد استدعاء من قبل الشرطة أو الدرك الوطني لسماعهم حول وقائع لها علاقة بالنظام العام أو أشياء أخرى من هذا القبيل».

الرئيس تبون في اجتماع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

وأضاف البيان مهاجماً جهة أو جهات لم يحددها: «أولئك الذين كانوا يودون استخدام الإحصائيات المتعلقة بالحرقة (الهجرة السرِّية) لتشويه سمعة الجزائر بهدف بث الارتباك بين الشباب ليفروا من الجزائر بصفة غير قانونية، نقول لهم إن هؤلاء الشباب يوجدون اليوم بعيدين عن وطنهم الأم وعن ذويهم وأصدقائهم، يعانون بسبب الفاقة والعوز ليتم استغلالهم في أعمال مهينة، بينما يُستعمل بعضهم الآخر ضد وطنهم».

ويشير الخطاب الرئاسي، بشكل خاص، إلى تقارير صحافية أجنبية تفيد بأن الأعداد الكبيرة للمهاجرين الجزائريين غير النظاميين عبر البحر المتوسط «هاربون من بلدهم بسبب القمع السياسي والظروف الاقتصادية الصعبة».

ووفق بيان مجلس الوزراء يجري استخدام هؤلاء المهاجرين «من قبل أوساط إجرامية وعصابات؛ ما يعرِّضهم إلى تشويه سمعتهم، سواء في البلد الذي يوجدون فيه أو في وطنهم الذي خرجوا منه».

وتابع البيان أن «مؤسسات الجمهورية اتخذت، بتوافق تام، قراراً بتسوية وضعية هؤلاء الجزائريات والجزائريين شريطة أن يلتزموا بعدم العود«؛ مؤكداً أن القنصليات الجزائرية في الخارج ستتكفل بتنفيذ الإجراءات المتعلقة بهذا القرار «إلى غاية رجوع أبناء الجزائر إلى وطنهم الأم».

فئات تقصيها «تدابير التهدئة»

غير أن هذه التدابير تُقصي فئة من المعارضين، بحسب البيان الرئاسي، وهم من «اقترفوا جرائم إراقة الدماء والمخدرات وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بوطنه الأم الجزائر».

ويُفهم من هذه الإجراءات ومن الخطاب الذي يشرحها أن المعنيين بها هم في الغالب من تعرضوا لملاحقات قضائية غيابياً بسبب انتمائهم إلى تنظيمات وضعتها السلطات الجزائرية على «لائحة الإرهاب»، ويأتي على رأسها «حركة تقرير مصير القبائل» التي أعلنت في 14 من الشهر الماضي قيام «دولة القبائل المستقلة» من باريس.

مظاهرة لانفصاليي القبائل في فرنسا (ناشطون)

وأصدرت الجزائر مذكرة اعتقال دولية ضد زعيم التنظيم فرحات المهني إثر إدانته بالسجن 20 سنة مع التنفيذ عام 2022.

وتُشكل «حركة تقرير مصير القبائل»، وهي ولايات تقع بشرق العاصمة الجزائرية وينطق سكانها بالأمازيغية، إحدى حلقات التوتر مع فرنسا التي تتهمها الجزائر بـ«توفير مأوى لإرهابيين يستهدفون ضرب استقرارنا الداخلي».

مظاهرة في منطقة القبائل رافضة لمشروع الانفصال (ناشطون)

ومن التنظيمات التي يُفترض أن تشملها إجراءات المنع من العفو تنظيم «رشاد» الإسلامي الذي ينتشر قياديوه في بريطانيا وسويسرا، وهم أيضاً متابَعون بتهمة «الإرهاب» و«المس بالاستقرار».

كما يشمل الإقصاء عشرات الصحافيين والناشطين الحقوقيين الذين غادروا الجزائر في السنوات الأخيرة، تحت ضغط الملاحقات الأمنية والمتابعات القضائية، والذين يقيمون حالياً في أوروبا وأميركا الشمالية بصفة لاجئين سياسيين.

واللافت في «إجراءات التهدئة» أن المعارض الذي يريد الاستفادة منها عليه أن يتعهد بعدم العودة إلى النشاط الذي كان سبباً في تعرُّضه للإدانة أو الملاحقة الأمنية كإصدار قرار من أجهزة الأمن يقضي بعدم دخوله إلى البلاد، أو بمنعه من السفر من جديد.

دعوة لـ«تمتين الصف الداخلي»

ووصفت «حركة البناء الوطني» في بيان، الاثنين، الإجراءات السياسية بـ«بادرة للتصالح الوطني... تُشكل خطوة إيجابية هامة لترقية التلاحم الوطني، وتمتين الجبهة الداخلية، ومن شأنها أيضاً بلا شك أن تعزز الثقة، وتسهم في تعزيز الاستقرار والسكينة العامة، وتُفشل مخططات الذين يضمرون العداء والحقد الدفين للوطن، ويُنصبون أنفسهم أوصياء على الشعب الجزائري ومصالحه وحقوقه».

من جهته، كتب البرلماني الإسلامي عبد الوهاب يعقوبي، ممثل المهاجرين في فرنسا، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «بصفتي نائباً عن الجالية الجزائرية بالخارج، أُثمن عالياً القرار الحكيم الذي اتخذه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والذي يفتح آفاقاً جديدة للإدماج وتسوية أوضاع فئة من شبابنا»، مشدداً على أنه يدعم «كل مبادرة من شأنها تعزيز التماسك الوطني، وتحسين أوضاع الجزائريين المقيمين في الخارج».

وأظهر سعيد صالحي، القيادي في «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» المحظورة، تحفظاً على المسعى، مؤكداً في منشور بمواقع التواصل الاجتماعي «أن ما يُنتظر فعلياً لرفع الحجر والخوف في البلاد هو تصويب حقيقي للمسار، عبر إصدار عفو شامل وإنهاء القمع، وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الجائرة، وفتح المجال السياسي والمدني والإعلامي دون قيود».

سعيد صالحي القيادي بـ«رابطة حقوق الإنسان المحظورة» (حسابه على وسائل التواصل)

وأوضح صالحي، وهو ناشط سياسي لاجئ في بلجيكا، أن الإعلان عن هذه الإجراءات «يأتي بعد أيام من زيارة مسؤولة المنظمة الدولية للهجرة، وبعد تناول ما يسمى برنامج الرجوع الطوعي للمهاجرين غير القانونيين. علماً أن هذا الإجراء معمول به منذ مدة تجاه النشطاء الذين تم العفو عنهم وتمكينهم من دخول البلاد مقابل التعهد أمام مصالح الأمن الخارجي في سفاراتنا بالكف عن أي نشاط سياسي وفرض الصمت الكامل عليهم».

وأضاف:«يحدث هذا في وقت يدير فيه رئيس الدولة ظهره لنداءات إطلاق سراح الشباب المعتقلين، وإنهاء القمع داخل البلاد».

وأفادت المنصة الإخبارية «إذاعة من لا صوت لهم»، التي تضم معارضين في الخارج، بأن المقاربة التي تنطوي عليها الإجراءات الرئاسية «تشبه في جوهرها طلب الولاء أكثر من كونها انفتاحاً سياسياً حقيقياً».