لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

أهم سماتها امتلاك موارد ليس لها حقّ فيها... والاستغلال

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟
TT

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

أجرت ميرسي أ. كو (*) هذا الحوار مع كارين هاو، الصحافية الحائزة على جوائز إعلامية، التي تكتب عن آثار الذكاء الاصطناعي على المجتمع، ومؤلفة كتاب «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: أحلام وكوابيس في شركة سام ألتمان» «أوبن إيه آي» (دار نشر بنغوين، 2025) - «Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s» «أوبن إيه آي».

«إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»

* ما الدافع وراء قراركِ كتابة «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»؟

- أُغطي الذكاء الاصطناعي منذ عام 2018، وأغطي أخبار «أوبن إيه آي» منذ عام 2019، وعندما حظي الجميع بفرصة التعرف على «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، شهد النقاش العام حول هذه التقنية والشركة انتعاشاً مفاجئاً. كان الأمر كما لو أن الذكاء الاصطناعي يُطرح لأول مرة، وكانت الروايات السائدة عنه تأتي بشكل رئيسي من«أوبن إيه آي»... كان هناك نقص في السياق المتعلق بنشأة الذكاء الاصطناعي ومن أتى به؛ لذلك أردتُ عرض هذا التاريخ، وتقديم سياق تطوره.

التوجه الحالي للذكاء الاصطناعي مثير للقلق البالغ

الرسالة الأساسية لكتابي هي أن التوجه الحالي للذكاء الاصطناعي مثير

للقلق البالغ، وهذا التوجه ليس حتمياً، بل نتاج قرارات بشرية. نحن، كوننا مجتمعاً، قادرون على تشكيل اتجاه تطوير الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

سمات إمبراطورية: امتلاك موارد بيانات لا حقّ فيها... والاستغلال

* تقولين: «تقود (أوبن إيه آي) الآن تسارعنا نحو هذا النظام العالمي الاستعماري الحديث». يُرجى توضيح هذه العبارة في كتابك.

أُطلق على الكتاب اسم «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»؛ لأن شركات الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي»، تمثل إمبراطوريات معاصرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ تتجسد فيها جميع سمات الإمبراطوريات التقليدية.

- أولاً، تدّعي امتلاك موارد ليست ملكاً لها، ومع ذلك تتصرف على هذا الأساس. ستأخذ الشركات بيانات مليارات المستخدمين الذين لم يوافقوا مطلقاً على تقديم بيانات شخصية لاستخدامها في الذكاء الاصطناعي، ثم تعامل هذه المعلومات على أنها لعبة مشروعة، وتفرض قواعدها على جمع البيانات.

- السمة الثانية للإمبراطوريات هي استغلال كمية هائلة من العمالة. إذ تتعاقد شركات الذكاء الاصطناعي مع عمال بأجور زهيدة للغاية للإشراف على المحتوى.

تُعرَّف شركة «أوبن إيه آي» أيضاً الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنه «أنظمة عالية الاستقلالية، تتفوق على البشر في أكثر الأعمال قيمةً من الناحية الاقتصادية»؛ لذا فإن هدفها هو بناء تقنية تُغني عن العمالة.

التحكم في إنتاج المعرفة واحتدام التنافس الإمبراطوري

- السمة الثالثة هي التحكم في إنتاج المعرفة. على مدار العقد الماضي، أصبح عدد زائد من باحثي الذكاء الاصطناعي تابعين لشركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من الجامعات، فمعظم أبحاث تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تستولي عليها بالكامل شركات الذكاء الاصطناعي نفسها؛ لذا فان أسس فهمنا للذكاء الاصطناعي تترشح عبر مرشحات (فلترات) منظور الإمبراطورية.

- السمة الرابعة هي قصة منافسة شرسة. تنافست الإمبراطوريات السابقة بشراسة مع بعضها البعض لاستغلال الموارد والعمالة، بناءً على فكرة أنها كانت الإمبراطورية الصالحة، وتحتاج إلى هزيمة الإمبراطورية الشريرة.

تعمل إمبراطوريات الذكاء الاصطناعي بطريقة مماثلة، فهي لا تتنافس فيما بينها فقط تحت فكرة أنها الإمبراطورية المتفوقة، بل غالباً ما تستحضر عمداً الصين إمبراطورية شريرة لتبرير استمرارها في تعزيز العمالة والمواهب والملكية الفكرية.

ادعاءات ومزاعم: إمبراطوريات «متحضرة»

- السمة الخامسة هي أن الإمبراطوريات تعمل في إطار مهمة حضارية. تروج لخطاب وشعار إيمانيّ مفاده أن لديها الوضوح الأخلاقي والعلمي اللازمَين لجلب الحداثة للجميع، أي لجلب الجميع إلى الجنة لا إلى الجحيم. ويضم عالم الذكاء الاصطناعي حركات شبه دينية تتبنّى ما أسميه دين الذكاء الاصطناعي العام، الذي ينقسم إلى فصيلين: جيل طفرة المواليد، وجيل الهلاك.

يعتقد جيل طفرة المواليد أن الذكاء الاصطناعي العام سيقودنا إلى اليوتوبيا، في حين يعتقد جيل الهلاك أن الذكاء الاصطناعي العام سيدمر البشرية.

ويخلص كلا الطرفين إلى أن الذكاء الاصطناعي العام يجب أن يكون تحت سيطرة أتباعهما. أنا أُطلق على هذه الحركات اسم شبه دينية لعدم وجود أي أساس علمي يدعم أيّاً من ادعاءاتها. هذا الحماس الآيديولوجي هو ما يدفع عجلة الذكاء الاصطناعي اليوم.

التهرب من إشراف الدولة التنظيمي

* صفي لنا «منتدى نموذج الجبهات» (Frontier Model Forum)، وحدثينا عن مخاوف واشنطن بشأن عواقب ما قد تفعله الصين بمثل هذه النماذج.

- تأسس منتدى نموذج الحدود «FMF» عام 2023 بصفته ائتلافاً من شركات «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» و«غوغل» و«إنثروبيك»، وانضمت إليه «ميتا» عام 2024، بهدف تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي ذات الصلة، والتأثير على أجندة السياسات المتعلقة بمخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي. وجادلت المجموعة بأن نماذج الجبهات المتقدمة للغاية قد تصبح خطيرة، كأن تُستخدم لتطوير تهديدات نووية بيولوجية وكيميائية، أو أن تصبح غير قانونية.

كان هذا الخطاب وسيلة رائعة لتحويل انتباه واشنطن عن الإشراف على تنظيم النماذج الحالية، مثل تأثيرها على حقوق النشر والعمل والبيئة، إلى الإشراف على تنظيم النماذج المستقبلية والمخاطر النظرية تماماً، مثل «تحرير» النماذج نفسها من الخوادم أو تقويض السيطرة البشرية.

كان لهذا الخطاب تأثير جيد بشكل خاص؛ لأن واشنطن كانت ولا تزال شديدة الحساسية لفكرة أن الصين قد تحصل على هذه التقنيات التي يتم وصفها بهذه الطريقة.

مسار الذكاء الاصطناعي في الصين

* حللي لنا مسار تطور الذكاء الاصطناعي في الصين باستخدام شبكات «ريس نت» (ResNet) و«ديب سيك» (DeepSeek) والابتكارات الناشئة.

- تشهد الصين حالياً لحظة مثيرة للاهتمام في مسارها نحو الذكاء الاصطناعي، فقد طوَّرت البلاد منظومة بيئية متينة للذكاء الاصطناعي. وقد صعَّدت الحكومة الأميركية من خطابها المعادي للصين، لا سيما مع «مبادرة الصين» السابقة.

وقد دفعت تلك المبادرة العديد من الباحثين الصينيين، بمن فيهم العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي، الذين كانوا يعيشون في الولايات المتحدة، ومتحمسين للإسهام في المنظومة الأميركية، إلى العودة إلى الصين. كما أدّت جائحة «كوفيد-19» إلى استقطاب العديد من المواهب البحثية في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، التي كانت تطمح إلى الذهاب للولايات المتحدة للدراسة والعمل بدلاً من البقاء في الصين. وقد أدَّى هذان العاملان إلى رفع مهارات القوى العاملة الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من أن الحكومة الأميركية حاولت تقييد وصول الصين إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية، فإن هذه المواهب الصينية تمكنت من إيجاد حلول بديلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. ولا يزال بإمكان الشركات الصينية إيجاد سبل للمضي قدماً، على الرغم من ضوابط التصدير الأميركية وقيود البحث.

صراع أمريكي-صيني

* قيّمي دور «أوبن إيه آي» ونطاقها في المنافسة والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.

- مثل العديد من شركات وادي السيليكون، أدركت «أوبن إيه آي» أن أفضل طريقة لإزالة أي عقبات سياسية وتنظيمية هي استخدام ورقة الصين.

مع أي تدقيق لشركات الذكاء الاصطناعي، سيستخدم سام ألتمان ورقة الصين. وقد صوّر مقال ألتمان في صحيفة «واشنطن بوست» بعنوان: «مَن سيتحكم في مستقبل الذكاء الاصطناعي؟» عام 2024، بعد أزمة مجلس إدارة «أوبن إيه آي»، مستقبل الذكاء الاصطناعي من منظور الذكاء الاصطناعي الديمقراطي مقابل الذكاء الاصطناعي الاستبدادي.

وأخيراً، تحدثت «أوبن إيه آي» أيضاً عن الحاجة إلى بناء «سكك حديدية ديمقراطية للذكاء الاصطناعي» حول العالم، وأنها ينبغي أن تكون هي مَن يقوم بذلك.

هذه الفكرة خاطئة، فشركات وادي السيليكون ذات طبيعة استبدادية تكنولوجية. إذ إن صنع قراراتها ليس ديمقراطياً، بل قائم على مصلحتها الذاتية؛ لذا فإن صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي من منظور الديمقراطية مقابل الاستبداد هو في الأساس لإزالة أي عقبة أمام مصالحها الاستبدادية التكنولوجية.

* «ذا دبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

تكنولوجيا الجهاز المرتقب قد يعمل بلا شاشة معتمداً على الحوار الصوتي باعتباره نموذجاً جديداً للحوسبة اليومية (شاترستوك)

تقارير: هل سيعتمد أول جهاز استهلاكي من «أوبن إيه آي» على الصوت؟

«أوبن إيه آي» تستكشف جهازاً صوتياً غامضاً بلا شاشة، قد يعيد تعريف التفاعل مع الذكاء الاصطناعي ويفتح سباقاً جديداً على مستقبل الحوسبة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شرائح ذكية من شركة «إنفيديا» (رويترز)

الكونغرس يصوِّت للحصول على حق الإشراف على صادرات الرقائق

حدد مشرّع جمهوري بارز موعداً للتصويت في اللجنة، يوم الأربعاء، على مشروع قانون يمنح الكونغرس سلطة الإشراف على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي، على الرغم من معارضة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس «إنفيديا» يتحدث في إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

من دافوس... مؤسس «إنفيديا» يتوقع استثمارات تريليونية لبناء «البنية التحتية للبشرية»

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» العملاقة، جنسن هوانغ، أن العالم لا يزال في بداية الطريق نحو بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))
الاقتصاد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

رئيس «بلاك روك»: الغرب مهدد بخسارة سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين

حذر الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك من أن الاقتصادات الغربية تواجه خطر الخسارة أمام الصين في سباق الذكاء الاصطناعي ما لم ترفع من مستوى تعاونها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
تكنولوجيا «محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

ضرورة البحث عن الخبرة الحقيقية والمصادر الشفافة والمحتوى القيّم


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
TT

حين يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم الفرد

من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة
من يقرّر؟ الإنسان أم الآلة

في عيادة حديثة، قد يقدّم الذكاء الاصطناعي تشخيصاً خلال لحظات، ويضع أمام الطبيب احتمالات محسوبة بعناية. لكن المريض، حين يجلس قبالته، لا يحمل أرقاماً مجردة، بل حكاية كاملة: تاريخاً صحياً، وأسلوب حياة، وقلقاً دفيناً، وتفاصيل لا مكان لها في قواعد البيانات. عند هذه النقطة يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن للذكاء الاصطناعي، مهما تعاظمت قدرته الحسابية، أن يفهم الإنسان الفرد؟

على امتداد السنوات الماضية، سجَّل الذكاء الاصطناعي الطبي قفزات لافتة: نماذج تتدرّب على ملايين السجلات، تحلّل الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية أحياناً، وتنتج تنبؤات صحية على مستوى المجتمعات. بدا وكأن الطب يخطو نحو عصر جديد تقوده الخوارزميات. غير أن هذا التقدُّم ذاته فجَّر سؤالاً أعمق: هل التفوّق مع الجماعة يضمن الفهم الحقيقي للإنسان الواحد؟

ذكاء اصطناعي يفكر وإنسان يقرر

ذكاء يفهم الملايين... ويتعثّر أمام الفرد

تعتمد «النماذج العالمية» في الطب الذكي على التعلّم من كتل هائلة من البيانات الصحية، تمتد عبر مؤسسات ودول وسنوات طويلة. وبهذا، تنجح في رصد الأنماط العامة للأمراض، ومسارات تطورها، واستجاباتها العلاجية. غير أن الطب، في جوهره العميق، لا يُمارس أعماله على «المستويات المتوسطة».

القرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوَّل إلى قرار خاطئ إنسانياً

إن الدواء الذي يثبت نجاحه إحصائياً لدى الغالبية قد لا يلائم مريضاً بعينه. والقرار العلاجي «الصائب حسابياً» قد يتحوّل إلى قرار خاطئ إنسانياً. هنا تتجلى المفارقة: الذكاء الاصطناعي يتقن التنبؤ، لكنه يعجز غالباً عن تفسير لماذا يحدث ذلك لهذا الشخص تحديداً.

بحث حديث يضع المرآة أمام الذكاء

في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشر بحث علمي لافت على منصة «أركايف» العلمية (arXiv)، وهي مستودع بحثي مفتوح تُنشر فيه الدراسات الأولية قبل تحكيمها النهائي. أعدّ البحث فريق دولي من مختصي الذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية، وناقش بشكل مباشر حدود ما يُعرف بـ«النماذج العالمية» (Foundation Models)، وهي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات لتكوين فهم عام قابل للتطبيق في مجالات متعددة. وتعكس الدراسة، التي لم تصدر بعد في مجلة علمية مُحكَّمة، مساراً بحثياً متقدِّماً في الأوساط الأكاديمية الغربية، وتطرح سؤالاً غير مريح: هل صُمّمت هذه النماذج أساساً لفهم الإنسان الفرد، أم لإدارة صحة الجماعات فقط؟

ويشير الباحثون إلى أن النماذج العالمية، رغم قوتها الحسابية واتساع نطاقها، ليست مهيّأة بطبيعتها لاتخاذ قرارات علاجية دقيقة على مستوى الفرد الواحد.

اقتراح تطوير نماذج هجينة

لذلك يقترحون التوجَّه نحو نماذج هجينة، تمزج بين الذكاء الاصطناعي واسع النطاق وتجارب فردية من نوع N-of-1، أي دراسات تُصمَّم خصيصاً لمريض واحد، تُراقَب فيها استجابته للعلاج عبر الزمن بدل مقارنته بمتوسطات جماعية، بما يعيد الاعتبار للمريض بوصفه وحدة القرار الأساسية، لا مجرّد رقم ضمن معادلة إحصائية.

فرد واحد خارج الحساب

المريض ليس نقطة بيانات

هذا النقاش لا يتعلّق بالتقنية وحدها، بل يمسّ جوهر فلسفة الطب. من هو المريض في زمن الذكاء الاصطناعي؟ هل هو سجلّ رقمي تُحلَّل معطياته؟ أم إنسان يخوض تجربة المرض داخل سياق نفسي واجتماعي وزمني لا يمكن ضغطه في خوارزمية؟

في الطب التقليدي الحديث، لم يكن الطبيب يعالج عضواً منفصلاً، بل كياناً إنسانياً متكاملاً. واليوم، تعيد الخوارزميات طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة رقمية حديثة: هل نفهم الجسد فقط... أم نفهم الإنسان؟

القرار الطبي... من يملك الكلمة الأخيرة؟

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء القرار السريري، يطفو سؤال أخلاقي لا يمكن القفز فوقه: من صاحب القرار؟ الخوارزمية التي تقترح؟ أم الطبيب الذي يتحمّل المسؤولية؟ أم المريض الذي يعيش نتائج هذا القرار؟

وتشير الأبحاث الرصينة اليوم إلى إجابة متوازنة: الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم. يوسّع مساحة الفهم، لكنه لا يمتلك سلطة القرار. فالقرار الطبي ليس معادلة حسابية فحسب، بل لحظة توازن دقيقة بين العلم والخبرة... وقيم الإنسان نفسه.

ذكاء يعرف متى يتراجع

المفارقة أن نضج الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعني مزيداً من الهيمنة، بل قدراً أعلى من التواضع: أن يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف. فالقيمة الحقيقية لهذه النماذج لا تكمن في أن تحلّ محل الطبيب، بل في أن تعينه على الرؤية الأبعد، دون أن تنتزع منه سلطة القرار.

قد يبرع الذكاء الاصطناعي في قراءة صحة الملايين، لكن الطب لا يستعيد إنسانيته إلا حين يتوقّف أمام إنسان واحد، ويُنصت إلى قصته... لا إلى متوسطٍ إحصائي.

وأخيراً، فإن المستقبل الصحي لا يحتاج إلى ذكاءٍ يُفكّر بدل الطبيب، بل إلى ذكاءٍ يعيد إليه صفاء الرؤية، ويترك له - وللمريض - حق الاختيار. وحين يتعلّم الذكاء الاصطناعي الاعتراف بحدوده، يبدأ الطب في استعادة جوهره الأصيل: علمٌ يقوده العقل... ورعايةٌ تحفظ إنسانية الإنسان.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: «الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرّد وسيلة». عندها فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة الإنسان... لا العكس.


كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.