لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

أهم سماتها امتلاك موارد ليس لها حقّ فيها... والاستغلال

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟
TT

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

لماذا تُعدّ شركات الذكاء الاصطناعي «إمبراطوريات العصر الحديث»؟

أجرت ميرسي أ. كو (*) هذا الحوار مع كارين هاو، الصحافية الحائزة على جوائز إعلامية، التي تكتب عن آثار الذكاء الاصطناعي على المجتمع، ومؤلفة كتاب «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي: أحلام وكوابيس في شركة سام ألتمان» «أوبن إيه آي» (دار نشر بنغوين، 2025) - «Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s» «أوبن إيه آي».

«إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»

* ما الدافع وراء قراركِ كتابة «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»؟

- أُغطي الذكاء الاصطناعي منذ عام 2018، وأغطي أخبار «أوبن إيه آي» منذ عام 2019، وعندما حظي الجميع بفرصة التعرف على «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، شهد النقاش العام حول هذه التقنية والشركة انتعاشاً مفاجئاً. كان الأمر كما لو أن الذكاء الاصطناعي يُطرح لأول مرة، وكانت الروايات السائدة عنه تأتي بشكل رئيسي من«أوبن إيه آي»... كان هناك نقص في السياق المتعلق بنشأة الذكاء الاصطناعي ومن أتى به؛ لذلك أردتُ عرض هذا التاريخ، وتقديم سياق تطوره.

التوجه الحالي للذكاء الاصطناعي مثير للقلق البالغ

الرسالة الأساسية لكتابي هي أن التوجه الحالي للذكاء الاصطناعي مثير

للقلق البالغ، وهذا التوجه ليس حتمياً، بل نتاج قرارات بشرية. نحن، كوننا مجتمعاً، قادرون على تشكيل اتجاه تطوير الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

سمات إمبراطورية: امتلاك موارد بيانات لا حقّ فيها... والاستغلال

* تقولين: «تقود (أوبن إيه آي) الآن تسارعنا نحو هذا النظام العالمي الاستعماري الحديث». يُرجى توضيح هذه العبارة في كتابك.

أُطلق على الكتاب اسم «إمبراطورية الذكاء الاصطناعي»؛ لأن شركات الذكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي»، تمثل إمبراطوريات معاصرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ تتجسد فيها جميع سمات الإمبراطوريات التقليدية.

- أولاً، تدّعي امتلاك موارد ليست ملكاً لها، ومع ذلك تتصرف على هذا الأساس. ستأخذ الشركات بيانات مليارات المستخدمين الذين لم يوافقوا مطلقاً على تقديم بيانات شخصية لاستخدامها في الذكاء الاصطناعي، ثم تعامل هذه المعلومات على أنها لعبة مشروعة، وتفرض قواعدها على جمع البيانات.

- السمة الثانية للإمبراطوريات هي استغلال كمية هائلة من العمالة. إذ تتعاقد شركات الذكاء الاصطناعي مع عمال بأجور زهيدة للغاية للإشراف على المحتوى.

تُعرَّف شركة «أوبن إيه آي» أيضاً الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنه «أنظمة عالية الاستقلالية، تتفوق على البشر في أكثر الأعمال قيمةً من الناحية الاقتصادية»؛ لذا فإن هدفها هو بناء تقنية تُغني عن العمالة.

التحكم في إنتاج المعرفة واحتدام التنافس الإمبراطوري

- السمة الثالثة هي التحكم في إنتاج المعرفة. على مدار العقد الماضي، أصبح عدد زائد من باحثي الذكاء الاصطناعي تابعين لشركات الذكاء الاصطناعي بدلاً من الجامعات، فمعظم أبحاث تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تستولي عليها بالكامل شركات الذكاء الاصطناعي نفسها؛ لذا فان أسس فهمنا للذكاء الاصطناعي تترشح عبر مرشحات (فلترات) منظور الإمبراطورية.

- السمة الرابعة هي قصة منافسة شرسة. تنافست الإمبراطوريات السابقة بشراسة مع بعضها البعض لاستغلال الموارد والعمالة، بناءً على فكرة أنها كانت الإمبراطورية الصالحة، وتحتاج إلى هزيمة الإمبراطورية الشريرة.

تعمل إمبراطوريات الذكاء الاصطناعي بطريقة مماثلة، فهي لا تتنافس فيما بينها فقط تحت فكرة أنها الإمبراطورية المتفوقة، بل غالباً ما تستحضر عمداً الصين إمبراطورية شريرة لتبرير استمرارها في تعزيز العمالة والمواهب والملكية الفكرية.

ادعاءات ومزاعم: إمبراطوريات «متحضرة»

- السمة الخامسة هي أن الإمبراطوريات تعمل في إطار مهمة حضارية. تروج لخطاب وشعار إيمانيّ مفاده أن لديها الوضوح الأخلاقي والعلمي اللازمَين لجلب الحداثة للجميع، أي لجلب الجميع إلى الجنة لا إلى الجحيم. ويضم عالم الذكاء الاصطناعي حركات شبه دينية تتبنّى ما أسميه دين الذكاء الاصطناعي العام، الذي ينقسم إلى فصيلين: جيل طفرة المواليد، وجيل الهلاك.

يعتقد جيل طفرة المواليد أن الذكاء الاصطناعي العام سيقودنا إلى اليوتوبيا، في حين يعتقد جيل الهلاك أن الذكاء الاصطناعي العام سيدمر البشرية.

ويخلص كلا الطرفين إلى أن الذكاء الاصطناعي العام يجب أن يكون تحت سيطرة أتباعهما. أنا أُطلق على هذه الحركات اسم شبه دينية لعدم وجود أي أساس علمي يدعم أيّاً من ادعاءاتها. هذا الحماس الآيديولوجي هو ما يدفع عجلة الذكاء الاصطناعي اليوم.

التهرب من إشراف الدولة التنظيمي

* صفي لنا «منتدى نموذج الجبهات» (Frontier Model Forum)، وحدثينا عن مخاوف واشنطن بشأن عواقب ما قد تفعله الصين بمثل هذه النماذج.

- تأسس منتدى نموذج الحدود «FMF» عام 2023 بصفته ائتلافاً من شركات «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» و«غوغل» و«إنثروبيك»، وانضمت إليه «ميتا» عام 2024، بهدف تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي ذات الصلة، والتأثير على أجندة السياسات المتعلقة بمخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي. وجادلت المجموعة بأن نماذج الجبهات المتقدمة للغاية قد تصبح خطيرة، كأن تُستخدم لتطوير تهديدات نووية بيولوجية وكيميائية، أو أن تصبح غير قانونية.

كان هذا الخطاب وسيلة رائعة لتحويل انتباه واشنطن عن الإشراف على تنظيم النماذج الحالية، مثل تأثيرها على حقوق النشر والعمل والبيئة، إلى الإشراف على تنظيم النماذج المستقبلية والمخاطر النظرية تماماً، مثل «تحرير» النماذج نفسها من الخوادم أو تقويض السيطرة البشرية.

كان لهذا الخطاب تأثير جيد بشكل خاص؛ لأن واشنطن كانت ولا تزال شديدة الحساسية لفكرة أن الصين قد تحصل على هذه التقنيات التي يتم وصفها بهذه الطريقة.

مسار الذكاء الاصطناعي في الصين

* حللي لنا مسار تطور الذكاء الاصطناعي في الصين باستخدام شبكات «ريس نت» (ResNet) و«ديب سيك» (DeepSeek) والابتكارات الناشئة.

- تشهد الصين حالياً لحظة مثيرة للاهتمام في مسارها نحو الذكاء الاصطناعي، فقد طوَّرت البلاد منظومة بيئية متينة للذكاء الاصطناعي. وقد صعَّدت الحكومة الأميركية من خطابها المعادي للصين، لا سيما مع «مبادرة الصين» السابقة.

وقد دفعت تلك المبادرة العديد من الباحثين الصينيين، بمن فيهم العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي، الذين كانوا يعيشون في الولايات المتحدة، ومتحمسين للإسهام في المنظومة الأميركية، إلى العودة إلى الصين. كما أدّت جائحة «كوفيد-19» إلى استقطاب العديد من المواهب البحثية في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين، التي كانت تطمح إلى الذهاب للولايات المتحدة للدراسة والعمل بدلاً من البقاء في الصين. وقد أدَّى هذان العاملان إلى رفع مهارات القوى العاملة الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وعلى الرغم من أن الحكومة الأميركية حاولت تقييد وصول الصين إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية، فإن هذه المواهب الصينية تمكنت من إيجاد حلول بديلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. ولا يزال بإمكان الشركات الصينية إيجاد سبل للمضي قدماً، على الرغم من ضوابط التصدير الأميركية وقيود البحث.

صراع أمريكي-صيني

* قيّمي دور «أوبن إيه آي» ونطاقها في المنافسة والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.

- مثل العديد من شركات وادي السيليكون، أدركت «أوبن إيه آي» أن أفضل طريقة لإزالة أي عقبات سياسية وتنظيمية هي استخدام ورقة الصين.

مع أي تدقيق لشركات الذكاء الاصطناعي، سيستخدم سام ألتمان ورقة الصين. وقد صوّر مقال ألتمان في صحيفة «واشنطن بوست» بعنوان: «مَن سيتحكم في مستقبل الذكاء الاصطناعي؟» عام 2024، بعد أزمة مجلس إدارة «أوبن إيه آي»، مستقبل الذكاء الاصطناعي من منظور الذكاء الاصطناعي الديمقراطي مقابل الذكاء الاصطناعي الاستبدادي.

وأخيراً، تحدثت «أوبن إيه آي» أيضاً عن الحاجة إلى بناء «سكك حديدية ديمقراطية للذكاء الاصطناعي» حول العالم، وأنها ينبغي أن تكون هي مَن يقوم بذلك.

هذه الفكرة خاطئة، فشركات وادي السيليكون ذات طبيعة استبدادية تكنولوجية. إذ إن صنع قراراتها ليس ديمقراطياً، بل قائم على مصلحتها الذاتية؛ لذا فإن صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي من منظور الديمقراطية مقابل الاستبداد هو في الأساس لإزالة أي عقبة أمام مصالحها الاستبدادية التكنولوجية.

* «ذا دبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق صورة تظهر شعار «غروك» (رويترز)

والدة أحد أطفال ماسك تقاضي شركته للذكاء الاصطناعي

رفعت والدة أحد أطفال إيلون ماسك دعوى قضائية ضد شركة الذكاء الاصطناعي الخاصة به.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.