هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

توجهات وصعوبات تطوير نظم تضاهي الذكاء البشري

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟
TT

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

أبلغ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، الرئيس دونالد ترمب خلال مكالمة هاتفية خاصة أن الذكاء العام الاصطناعي سوف يظهر قبل نهاية إدارته الحالية.

كما صرح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، المنافس الرئيسي لشركة «أوبن إيه آي»، مراراً وتكراراً، بأن ذلك قد يحدث في وقت أقرب من ذلك. وقال الملياردير التكنولوجي إيلون ماسك إنه قد يصبح واقعاً قبل نهاية العام.

ذكاء اصطناعي يضاهي البشري

ومثلهم مثل العديد من الأصوات الأخرى في وادي السيليكون وخارجه، يتوقع هؤلاء المديرون التنفيذيون أن وصول «الذكاء العام الاصطناعي» artificial general intelligence AGI بات وشيكاً. فمنذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما اعتنت مجموعة من الباحثين الهواة بوضع هذا المصطلح على غلاف كتاب يصف أنظمة الكمبيوتر المستقلة التي يأملون في بنائها يوما ما، أصبح الذكاء العام الاصطناعي بمثابة اختصار لتكنولوجيا مستقبلية تحقق ذكاء على مستوى الإنسان.

لا يوجد تعريف مستقر للذكاء العام الاصطناعي، وإنما هو مجرد فكرة جذابة: ذكاء اصطناعي يمكنه أن يضاهي قدرات العقل البشري المتعددة.

ولكن منذ وصول روبوتات الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» من «أوبن إيه آي»، والتحسين السريع لهذه الأنظمة الغريبة والقوية على مدى العامين الماضيين، صار العديد من خبراء التكنولوجيا أكثر جرأة في التنبؤ بمدى قرب وصول الذكاء العام الاصطناعي. حتى إن البعض يقول إنه بمجرد أن يطلقوا الذكاء العام الاصطناعي، سوف يتبع ذلك ابتكار أكثر قوة يسمى «الذكاء الخارق» «superintelligence».

تكهنات تسبق الواقع

وبينما تتنبأ هذه الأصوات الواثقة دوماً بالمستقبل القريب، فإن تكهناتها تسبق الواقع. وعلى الرغم من أن الشركات تدفع بالتكنولوجيا إلى الأمام بمعدل ملحوظ، فإن جيشاً من الأصوات الأكثر رصانة يسارع إلى تبديد أي مزاعم بأن الآلات من شأنها أن تضاهي الذكاء البشري في أي وقت قريب.

يقول نيك فروست، مؤسس شركة «كوهير» الناشئة للذكاء الاصطناعي، الذي عمل سابقاً باحثاً لدى «غوغل»، وتتلمذ على يد أكثر باحثي الذكاء الاصطناعي احتراماً خلال الخمسين سنة الماضية: «إن التكنولوجيا التي نبنيها اليوم ليست كافية لتحقيق ذلك. وما نقوم ببنائه الآن هو أدوات تستوعب الكلمات وتتنبأ بالكلمة التالية الأكثر احتمالاً، أو تستقبل وحدات البكسل (عنصر الصورة) وتتنبأ بالبكسل التالي الأكثر احتمالاً. وهذا مختلف تماماً عما نفعله أنا وأنت من البشر».

في استطلاع حديث أشرفت عليه «جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي»، وهي جمعية أكاديمية عمرها 40 عاماً، وتضم بعضاً من أكثر الباحثين بروزاً في هذا المجال، قال أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع إن الأساليب المستخدمة في بناء التكنولوجيا الحالية من غير المرجح أن تؤدي إلى الذكاء العام الاصطناعي المأمول.

وتختلف الآراء بشأن ذلك جزئياً، نظراً لأن العلماء لا يستطيعون حتى الاتفاق على طريقة لتعريف الذكاء البشري، ويتجادلون إلى ما لا نهاية حول مزايا وعيوب اختبارات الذكاء وغير ذلك من المعايير الأخرى. كما أن مقارنة أدمغتنا بالآلات هو أمر أكثر ذاتية وشخصانية. وهذا يعني أن تحديد الذكاء العام الاصطناعي هو في الأساس مسألة رأي.

استقراءات إحصائية وتفكير حالم

وليس لدى العلماء أي دليل قاطع على أن تقنيات اليوم قادرة حتى على أداء بعض أبسط المهام التي يمكن للدماغ البشري القيام بها، مثل إدراك المفارقات الساخرة أو الشعور بالتعاطف. وتستند مزاعم الوصول الوشيك للذكاء العام الاصطناعي إلى استقراءات إحصائية - وتفكير حالم ليس أكثر.

ووفقاً للاختبارات المعيارية المختلفة، تتحسن التقنيات الحالية بوتيرة ثابتة في بعض المجالات البارزة، مثل الرياضيات وبرمجة الكمبيوتر. لكن هذه الاختبارات لا تصف سوى جزء صغير مما يمكن للبشر القيام به.

يعرف البشر كيفية التعامل مع عالم فوضوي ومتغير باستمرار. من جهتها تكافح الآلات لإتقان ما هو غير متوقع - التحديات الصغيرة والكبيرة التي لا تشبه ما حدث في الماضي. يمكن للبشر أن يحلموا بأفكار لم يشهدها العالم من قبل. وعادة ما تكرر الآلات أو تعزز ما شاهدته من قبل.

ولهذا السبب يقول فروست وغيره من المشككين إن دفع الآلات إلى مستوى الذكاء البشري سوف يتطلب على الأقل فكرة واحدة عظيمة لم تخطر على بال علماء التكنولوجيا في العالم بعد. ولا توجد طريقة لمعرفة كم من الوقت سوف يستغرق ذلك.

يقول ستيفن بينكر، عالم الإدراك في جامعة هارفارد: «إن النظام الذي يتفوق على البشر في إحدى الطرق لن يكون بالضرورة أفضل من البشر في طرق أخرى. وبكل بساطة، لا يوجد شيء من هذا القبيل مثل نظام آلي كلي المعرفة والقدرة على حل كل المشاكل، بما في ذلك المشاكل التي لم نفكر فيها بعد. هناك إغراء للانخراط في نوع من التفكير السحري. ولكن هذه الأنظمة ليست معجزات. وإنما هي أدوات رائعة للغاية فحسب».

يمكن للذكاء الاصطناعي تحقيق ذلك

تُدار روبوتات الدردشة، مثل «تشات جي بي تي»، بواسطة ما يسميه العلماء الشبكات العصبية، وهي أنظمة رياضية قادرة على تحديد الأنماط في النصوص والصور والأصوات. ومن خلال تحديد الأنماط في كميات هائلة من مقالات ويكيبيديا والقصص الإخبارية وسجلات الدردشة، على سبيل المثال، يمكن لهذه الأنظمة أن تتعلم توليد نصوص تشبه ما يقدمه الإنسان من تلقاء نفسها، مثل القصائد وبرامج الكمبيوتر.

وتتقدم هذه الأنظمة بوتيرة أسرع بكثير من تقنيات الكمبيوتر في الماضي. ففي العقود السابقة، كان مهندسو البرمجيات يبنون التطبيقات بسطر واحد من التعليمات البرمجية في كل مرة، وهي عملية صغيرة خطوة بخطوة لا يمكن أن تنتج شيئاً قوياً مثل «تشات جي بي تي». ولأن الشبكات العصبية يمكن أن تتعلم من البيانات، فإنها تستطيع الوصول إلى آفاق جديدة وبسرعة عالية.

وبعد رؤية التحسن الذي طرأ على هذه الأنظمة على مدى العقد الماضي، يعتقد بعض خبراء التكنولوجيا أن التقدم سوف يواصل الاستمرار بالمعدل نفسه تقريباً وإلى حد كبير - وصولاً إلى الذكاء العام الاصطناعي وما بعده.

يقول جاريد كابلان، كبير المسؤولين العلميين في شركة «أنثروبيك»: «هناك كل هذه الاتجاهات التي تتلاشى فيها كل هذه القيود. إذ يختلف ذكاء الذكاء الاصطناعي تماماً عن الذكاء البشري. فالبشر يتعلمون بسهولة أكبر بكثير لمباشرة مهام جديدة. فهم لا يحتاجون إلى التدريب بقدر ما يحتاج الذكاء الاصطناعي إليه. ولكن في نهاية المطاف، ومع المزيد من الممارسة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصل إلى ذلك».

من بين باحثي الذكاء الاصطناعي، يشتهر كابلان بنشره بحثاً أكاديمياً رائداً يصف ما يُسمى الآن «قوانين القياس» (the Scaling Laws). وتنص هذه القوانين بصفة أساسية على أنه كلما زاد عدد البيانات التي يحللها نظام الذكاء الاصطناعي، كان أداؤه أفضل. وتماما وكما يتعلم الطالب المزيد من خلال قراءة المزيد من الكتب، يكتشف نظام الذكاء الاصطناعي المزيد من الأنماط في النص ويتعلم محاكاة الطريقة التي يضع بها الناس الكلمات بصورة أكثر دقة.

خلال الأشهر الأخيرة، استهلكت شركات مثل «أوبن إيه آي» و «أنثروبيك» أغلب النصوص الإنجليزية الموجودة على الإنترنت تقريباً، ما يعني أنها بحاجة إلى طريقة جديدة لتحسين روبوتات الدردشة الخاصة بها. لذا، فإن هذه الشركات تعتمد بشكل أكبر على تقنية يسميها العلماء «التعلم المُعزز». من خلال هذه العملية، التي يمكن أن تمتد على مدى أسابيع أو أشهر، يمكن للنظام أن يتعلم السلوك من خلال التجربة والخطأ. فمن خلال العمل عبر حل آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يمكن أن يتعلم النظام أي الأساليب تؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيها لا يؤدي إليها.

وبفضل هذه التقنية، يعتقد باحثون مثل كابلان أن قوانين القياس (أو شيئاً من هذا القبيل) سوف تستمر. ويقول الباحثون إنه مع استمرار هذه التقنية في التعلم من خلال التجربة والخطأ في مجالات لا تعد ولا تحصى، فإنها سوف تتبع مسار آلة «ألفا غو - AlphaGo»، وهي آلة تم إنشاؤها في عام 2016 من قبل فريق من باحثي «غوغل».

تعلمت آلة «ألفا غو»، من خلال التعلم المعزز، إتقان لعبة «غو»، وهي لعبة لوحية صينية معقدة تُقارن بالشطرنج، من خلال لعب ملايين المباريات ضد نفسها. وفي ذلك الربيع، تغلبت على أحد أفضل اللاعبين في العالم، ما أذهل مجتمع الذكاء الاصطناعي والعالم بأسره. وقد افترض أغلب الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى 10 سنوات أخرى لتحقيق مثل هذا الإنجاز.

الفجوة بين البشر والآلات

لا جدال في أن آلات اليوم قد تفوقت بالفعل على العقل البشري في بعض النواحي، ولكن هذا صحيح منذ فترة طويلة. فالآلة الحاسبة يمكنها إجراء العمليات الحسابية الأساسية أسرع من الإنسان. ويمكن لروبوتات الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» أن تكتب بوتيرة أسرع، ويمكنها في أثناء الكتابة أن تستخلص على الفور نصوصاً أكثر مما يمكن لأي عقل بشري أن يقرأه أو يتذكره. كما تتفوق هذه الأنظمة على الأداء البشري في بعض الاختبارات التي تنطوي على رياضيات وبرمجة عالية المستوى.

ولكن لا يمكن اختزال البشر في هذه المعايير. إذ يقول جوش تينينباوم، أستاذ العلوم المعرفية الحاسوبية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «هناك أنواع كثيرة من الذكاء في العالم الطبيعي».

أحد الفروقات الواضحة هو أن الذكاء البشري مرتبط بالعالم المادي، فهو يمتد إلى ما وراء الكلمات والأرقام والأصوات والصور إلى عالم الطاولات والكراسي والمواقد والمقالي والمباني والسيارات وأي شيء آخر نواجهه مع مرور كل يوم. وجزء من الذكاء هو معرفة متى تقلب الفطائر المحلاة الموضوعة على صينية الخبز.

تباشر بعض الشركات بالفعل تدريب الروبوتات الشبيهة بالبشر بالطريقة نفسها التي تدرب بها شركات أخرى روبوتات الدردشة. لكن هذا الأمر أكثر صعوبة ويستغرق وقتاً أطول من بناء روبوتات الدردشة الآلية التي تتطلب تدريباً مكثفاً في المختبرات المادية والمستودعات والمنازل. كما أن الأبحاث الروبوتية متأخرة بسنوات عن أبحاث روبوتات الدردشة الآلية.

ومن ثم، فإن الفجوة بين الإنسان والآلة أوسع من ذلك. ففي المجالين المادي والرقمي، لا تزال الآلات تكافح لمضاهاة أجزاء الذكاء البشري التي يصعب تعريفها.

يقول ماتيو باسكينيللي، أستاذ فلسفة العلوم في جامعة كا فوسكاري في البندقية بإيطاليا: «يحتاج الذكاء الاصطناعي إلينا: كائنات حية، مستمرة في الإنتاج، وتغذي الآلة. إنه يحتاج إلى أصالة أفكارنا وحياتنا».

خيال مثير

بالنسبة لأناس داخل صناعة التكنولوجيا وخارجها، يمكن أن تكون مزاعم الذكاء العام الاصطناعي مثيرة. فقد حلم البشر بخلق ذكاء اصطناعي منذ أسطورة «الغوليم Golem: كائن أسطوري يُصور على هيئة بشرية من الطين» التي ظهرت منذ القرن الثاني عشر. هذا هو الخيال الذي يحرك أعمالاً مثل «فرانكشتاين» لماري شيلي، و«2001: ملحمة الفضاء» لستانلي كوبريك.

والآن بعد أن أصبح الكثيرون منا يستخدمون أنظمة الكمبيوتر القادرة على الكتابة وحتى التحدث مثلنا، فمن الطبيعي أن نفترض أن الآلات الذكية قد باتت قريبة الظهور. وهو ما كنا نتوقعه منذ قرون.

عندما أسست مجموعة من الأكاديميين مجال الذكاء الاصطناعي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، كانوا متأكدين من أن الأمر لن يستغرق وقتاً طويلاً لبناء أجهزة كمبيوتر تعيد إنشاء الدماغ. وجادل البعض بأن الآلة سوف تهزم بطل العالم في الشطرنج وتكتشف نظريتها الرياضية الخاصة بها في غضون عقد من الزمن. ولكن لم يحدث أي من ذلك في الإطار الزمني المذكور نفسه. وبعضها لم يحدث بعد.

ويرى العديد من الأشخاص الذين يبنون تكنولوجيا اليوم أنهم يحققون نوعاً من المصير التكنولوجي المحدد، ويدفعون نحو لحظة علمية حتمية، مثل اختراع النار أو القنبلة الذرية. لكنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى سبب علمي يوحي بحدوث ذلك قريباً.

ولهذا السبب يقول العديد من العلماء الآخرين إن أحداً لن يصل إلى الذكاء العام الاصطناعي من دون فكرة جديدة - شيء ما يتجاوز الشبكات العصبية القوية التي تكتفي بالعثور على الأنماط في البيانات - وقد تظهر هذه الفكرة الجديدة غداً. ولكن حتى ذلك الحين، سوف تحتاج الصناعة إلى سنوات لتطويرها.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.