الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

سيعجّل انحسار المؤسسات غير ذات الكفاءة

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك
TT

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

الذكاء الاصطناعي لن يغزو وظيفتك… بل شركتك

يتجاهل الجدل الدائر حول قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة العمل الفكري للأطباء والمحامين وحاملي الدكتوراه قلقاً أعمق يلوح في الأفق: قد تُصبح شركات بأكملها -وليس مجرد وظائف فردية– مؤسسات عتيقة الطراز بسبب الوتيرة المتسارعة لتبني الذكاء الاصطناعي، كما كتب جورج كايلاس(*).

ذكاء اصطناعي بدرجة الدكتوراه

أثارت التقارير التي تشير إلى أن شركة «أوبن إيه آي» ستتقاضى 20 ألف دولار شهرياً للوكلاء (الأذكياء) المدربين المؤهلين على مستوى الدكتوراه، الجدل الدائر حول أي وظيفة ستكون في مأمن من الذكاء الاصطناعي، وأي وظيفة لن تكون في مأمن منه.

تشكيك خبراء التقنية

قال لي جيمس فيلاروبيا، رئيس قسم الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في مركز «ناسا» للعلوم الفضائية: «إنني حتى الآن لم أرَ الأمر (تطورات الذكاء الاصطناعي) مثيراً للإعجاب إلى هذا الحد بعد، ولكن ذلك (الإعجاب) ليس بعيداً، على الأرجح». من جهته أشار شون ماكغريغور، مؤسس شركة «Responsible AI Collaborative» والحاصل على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب، إلى أن العديد من الوظائف لا تقتصر على مجرد مجموعة من المهارات، وأضاف أن: «تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الحالية ليست قوية بما يكفي للسماح بالتحكم غير الخاضع للإشراف على معدات الكيمياء الخطرة، أو التجارب البشرية، أو غيرها من المجالات التي تتطلب حالياً شهادات دكتوراه بشرية».

لقد كان السبب الرئيس وراء إجرائي لاستطلاعات الرأي حول هذا الموضوع هو رغبتي في توسيع نطاق رؤيتي حول الوظائف التي سيتم إلغاؤها. وقد غيّر هذا الاستطلاع وجهة نظري.

الشركات ذات الكفاءة ستصمد أمام الذكاء الاصطناعي

أعطتني سوزان رابيكوف، مؤسسة مركز الأبحاث «ذا باي غروير»، بعض واجبات القراءة لبعض من أعمالها، بدلاً من منحي اقتباساً لتصريحاتها. وقد أظهر لي عملها أن هذه الأوقات غير مسبوقة.

وقد لمع شيء ما في ذهني عندما ذكرت في كتابتها أنها أعجبت بجانب صعود الشركات الأكثر كفاءة، مقابل الشركات التي تستبدل الوظائف بسبب معاناتها من ديون كبيرة في التكنولوجيا ورأس المال البشري. وتقول: «هذا بالضبط رهاني».

التفوق على النظام

أما شركات «فورتشن 500»، وخاصة تلك المثقلة بالعمليات القديمة، والعمالة الزائدة، فإنها معرضة دائماً للتراجع مع صعود أي جهة منافسة جديدة، وأكثر مرونة. ولن يحدث هذا بسبب استبدال أي وظيفة، ولكن لأن الاقتصاد الأساسي لنماذج أعمالها لم يعد قائماً.

لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى التفوق على جميع الموظفين لجعل المؤسسة قديمة. كل ما يحتاجه هو التفوق على النظام.

دراسة حالة: تراجع صناعة السيارات في أميركا

لنأخذ، على سبيل المثال، تراجع شركات تصنيع السيارات الأميركية في أواخر القرن العشرين.

في خمسينات القرن الماضي، كانت شركات تصنيع السيارات الأميركية مهيمنة على صناعة السيارات، تماماً مثل عمالقة التكنولوجيا المسيطرة اليوم. في عام 1950، أنتجت الولايات المتحدة نحو 75 في المائة من سيارات العالم.

لكن في سبعينات القرن الماضي، كانت شركات صناعة السيارات اليابانية رائدة في استخدام الروبوتات في تصنيع السيارات، إذ أنتجت هذه الشركات مركبات عالية الجودة بقيمة رائعة بفضل عملياتها الأكثر كفاءة ودقة.

وقد كافحت شركات مثل «جنرال موتورز» لمواكبة هذا التطور، مثقلة بالمصانع القديمة، وتكاليف رأس المال البشري الباهظة، بما في ذلك المعاشات التقاعدية المتضخمة.

وهكذا يرسم التحول الجذري في تلك العقود التالية صورة لما قد يخبئه المستقبل للشركات الكبيرة الآن.

في عام 1960، أنتجت الولايات المتحدة نحو 48 في المائة من سيارات العالم، بينما لم تستحوذ اليابان إلا على 5 في المائة. وبحلول عام 1980، استحوذت اليابان على نحو 29 في المائة من السوق، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة إلى 23 في المائة.

ثورة الذكاء الاصطناعي

قد تبدو ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم مشابهة. بعد عقود من الآن، قد ننظر إلى شركة «أبل» بنفس نظرتنا إلى شركة «فورد» الآن. فالشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي ذات الهياكل الأكثر مرونة على استعداد للاستحواذ على حصة سوقية. علاوة على ذلك، يمكن للشركات الناشئة التركيز على حل المشكلات المتخصصة، مما يعزز قدرتها التنافسية.

هل ستتقلص شركتك وتموت؟

بدأت التداعيات بالفعل. أجرت شركة «غارتنر» استطلاعاً للمؤسسات في أواخر عام 2023، ووجدت أن نحو نصفها كان يطور أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة به. وبحلول نهاية عام 2024، انخفضت هذه النسبة إلى 20 في المائة. ومع تراجع الضجة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، تشير «غارتنر» إلى أن العديد من مديري المعلومات يستعينون بموردين خارجيين، إما من كبار مزودي نماذج اللغة، أو بائعي البرامج التقليديين الذين يقدمون عروضاً مُحسّنة بالذكاء الاصطناعي.

في عام 2024، حصلت شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة على ما يقرب من نصف التمويل العالمي للمشاريع الاستثمارية البالغ 209 مليارات دولار. واليوم إذا كانت 20 في المائة فقط من المؤسسات العريقة تشعر حالياً بالثقة في منافسة هذه الشركات الناشئة، فكم منها سيشعر بهذه الثقة مع نضوج هذه الشركات الناشئة؟

وبينما تستمر العناوين الرئيسة في التركيز على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مضاهاة الخبرة بمستوى الدكتوراه، يبقى الخطر الأعمق غير معلن إلى حد كبير، وهو: ستذبل الشركات العملاقة، وقد يندثر بعضها. وعندما يحدث ذلك، فستكون وظيفتك في خطر، سواء كنت تستقبل العملاء في مكتب الاستقبال، أو تحمل شهادة دكتوراه في تخصص هندسي.

نصائح للعاملين

ولكن هناك طرق للبقاء واقفاً على قدميك. من أكثر النصائح تأثيراً التي تلقيتها على الإطلاق نصيحة من جوناثان روزنبرغ، نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات في «غوغل» والمستشار الحالي لشركة «ألفابت»، عندما زرتُ حرم الشركة في الجامعة.

قال روزنبرغ: «لا يمكنك أن تكون بارعاً فيما تفعله فحسب، بل عليك أن تلحق بركب التطور. يعتقد الناس الأوائل أن الأمر يتعلق بالشركة، ثم الوظيفة، ثم القطاع. في الواقع، الأمر يتعلق بالقطاع، ثم الشركة، ثم الوظيفة».

كيف تلحق بركب الذكاء الاصطناعي؟

ينصح أنكور باتيل، الرئيس التنفيذي لشركة «ملتيمودال»، الموظفين بتعلم كيفية أداء وظائفهم الحالية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي تُعزز الإنتاجية. كما يُشير إلى أن المهارات الشخصية -مثل تعبئة الأفراد، وبناء العلاقات، وقيادة الفرق- ستزداد قيمتها مع تولي الذكاء الاصطناعي مهام تقنية، أو روتينية أكثر.

وقال باتيل: «لا يُمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قائداً للمجموعة أو الفريق، أليس كذلك؟ لا أرى ذلك يحدث، حتى في الجيل القادم. لذا أعتقد أن هذه فرصة عظيمة... للنمو، والتعلم منها».

الخلاصة هي: حتى لو لم تُغيّرك موجة الذكاء الاصطناعي، فقد تُغيّر مكان عملك. والسؤال هو: هل ستتأثر بموجة الذكاء الاصطناعي أم ستلتحق بها؟

* الرئيس التنفيذي لشركة «Prospero.ai» مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد الناصر خلال مشاركته في جلسة ضمن جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (دافوس) play-circle 01:43

«أرامكو» تحصد «المليارات» من استثمارها في الذكاء الاصطناعي

كشف الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن تحول جذري في كفاءة الشركة بفضل التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (دافوس - الرياض)
الولايات المتحدة​ صورة تخيلية نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهره وهو يغرس العلم الأميركي في أرض كتب عليها «غرينلاند أرض أميركية 2026» وبجانبه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو

من غزة إلى غرينلاند... ترمب يوجه رسائل بصور الذكاء الاصطناعي

ينشر الرئيس دونالد ترمب باستمرار، سواء عبر حسابه في تروث سوشال أو حساب البيت الأبيض، صوراً مولّدة عبر الذكاء الاصطناعي. هذه جولة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كيف تضع السعودية نفسها في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

قبل أن تحسم رهانات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون والعواصم الصناعية الكبرى كانت السعودية تتحرك على مسار موازٍ مدفوعة بمزيج نادر من رأس المال، والطاقة، والطموح

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

أعلن كريس ليهان كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي» يوم الاثنين أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في 2026

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك (الشرق الأوسط)

لاري فينك من دافوس: في عصر الذكاء الاصطناعي «الثقة» هي العملة الأصعب

قال الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك» لاري فينك، إن قدرة المنتدى الاقتصادي العالمي على الاستمرار والتأثير مرهونة بإعادة بناء الثقة وتوسيع دائرة المشاركة والحوار.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر
TT

كيف تتذكر الخلايا ماضيها؟ ابتكار علمي يحفظ تاريخ النشاط الجيني

خلايا جذعية تحت المجهر
خلايا جذعية تحت المجهر

طوّر علماء جامعة هارفارد الولايات المتحدة الأميركية أداة علمية مذهلة تتيح للخلايا الحية الاحتفاظ بذكريات من ماضيها على غرار كبسولة زمنية بيولوجية. وقد يساعد هذا الابتكار في فهم كيفية مقاومة الخلايا السرطانية للعلاج، وكيف تتطور الخلايا الجذعية، وكيف تؤثر الأحداث المبكرة في سلوك الخلية لاحقاً.

«خزائن الزمن»

تصف الدراسة التي نُشرت في مجلة Science في 15 يناير (كانون الثاني) 2026 تقنية جديدة تُعرف باسم خزائن الزمن Vaults Time، وهي وحدات تخزين دقيقة داخل الخلايا تجمع وتحفظ سجلات جزيئية لنشاط الجينات عبر الزمن.

ويكمن سر هذا الاكتشاف في تراكيب خلوية غامضة تُسمّى «الفُولْتات» Vaults، وهي هياكل أسطوانية الشكل موجودة بالآلاف داخل معظم الخلايا البشرية. وعلى الرغم من اكتشافها في ثمانينات القرن الماضي، فإن دورها ظل غير معروف حتى اليوم. والآن وجد الباحثون طريقة لمنحها وظيفة جديدة وقوية.

كيف تعمل «خزائن الزمن»؟

تتواصل الجينات داخل الخلية عبر إنتاج جزيئات تُسمّى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) التي تحمل التعليمات اللازمة لصنع البروتينات. لكن هذه الجزيئات قصيرة العمر؛ ما يجعل من الصعب على العلماء معرفة ما كانت تفعله الخلية في الماضي.

ولحل هذه المشكلة؛ أعاد الباحثون تصميم أحد بروتينات الهياكل الأسطوانية أو «الفُولْت» بحيث يتمكن من التعرّف على جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول والتقاطها أثناء إنتاجها. وبمجرد التقاطها تُخزَّن هذه الجزيئات داخل «الفُولْت» لتشكّل سجلاً محفوظاً لنشاط الجينات في وقت سابق.

ويمكن تشغيل عملية التسجيل أو إيقافها ببساطة عبر إضافة دواء معيّن أو سحبه تماماً مثل زر التسجيل. وأظهرت التجارب أن خزائن الزمن قادرة على جمع الحمض النووي الريبي الرسول خلال فترة 24 ساعة والاحتفاظ به لمدة لا تقل عن أسبوع من دون إلحاق أي ضرر بالخلية أو تغيير سلوكها.

ويقول قائد الدراسة فيي تشين من قسم الخلايا الجذعية وعلم الأحياء التجديدي جامعة هارفارد، إن الخلايا كانت طبيعية تماماً ولم يتغير شكل الفولتات أو حجمها. بل كانت سعيدة بحمل هذا المحتوى.

طريقة جديدة لدراسة الخلايا عبر الزمن

وتقليدياً، يدرس العلماء الخلايا بطريقتين، إما بمراقبتها مباشرة تحت المجهر أو بتحليل محتواها في لحظة زمنية واحدة. ولكلتا الطريقتين حدودها؛ إذ تتيح الأولى تتبع عدد محدود من الجزيئات بينما قد تفشل الأخرى في كشف ما حدث في السابق.

وخلال العقد الماضي طُوّرت أدوات تسجيل جينية تعتمد غالباً على «تقنية كريسبر» تُحدث علامات دائمة في الحمض النووي لتوثيق أحداث معينة. غير أن هذه الأدوات تتطلب من العلماء تحديد ما يريدون تتبعه مسبقاً.

أما خزائن الزمن، فتقدّم نهجاً مختلفاً؛ إذ تحتفظ بعينة واسعة وغير متحيزة من جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول؛ ما يمنح صورة أشمل عن تاريخ نشاط الخلية.

ويقول راندال بلات، مهندس بيولوجي في المعهد التقني الفيدرالي العالي في زيوريخ، غير المشارك بالدراسة، إن هذه التقنية تقرّبنا كثيراً من القدرة على تسجيل ما تفعله الخلايا البشرية باستمرار عبر الزمن.

تسليط الضوء على مقاومة السرطان للعلاج

ومن أكثر التطبيقات الواعدة، أبحاث السرطان. فقد استخدم الفريق هذه التقنية لدراسة ما يُعرف بـ الخلايا السرطانية العنيدة أو المستعصية Persister cells، وهي مجموعة صغيرة من الخلايا التي تنجو من العلاج رغم عدم امتلاكها طفرات جينية تفسّر هذه المقاومة. وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية أيضاً عن طريق التحول إلى حالة من الخمول أو السكون.

وبفحص جزيئات الحمض النووي الريبي الرسول المخزّنة داخل خزائن الزمن، اكتشف الباحثون أن مئات الجينات كانت نشطة بشكل غير طبيعي في هذه الخلايا قبل بدء العلاج. وعندما تم تثبيط بعض هذه الجينات أصبحت أدوية السرطان أكثر فاعلية في قتل الخلايا.

وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب عودة بعض أنواع السرطان بعد العلاج، ويفتح المجال أمام تطوير استراتيجيات تمنع ظهور المقاومة من الأساس.

آفاق جديدة في أبحاث الخلايا الجذعية

كما بدأ الباحثون أيضاً في استخدام خزائن الزمن لدراسة كيفية تحوّل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة، وهي عملية تدريجية يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية.

ويرى الخبراء أن هذه التقنية قد تصبح أداة مكمّلة مهمة للأدوات الجينية الحالية، حتى إن بعضهم يتوقع إمكانية تطوير الفولتات مستقبلاً لتخزين بروتينات أو جزيئات أخرى وليس الحمض النووي الريبي فقط.

ويقول عالم الجينوم جاي شندور من جامعة واشنطن إن تحويل هذه الهياكل الغامضة إلى كبسولات زمنية خلوية يتطلّب قدراً كبيراً من الإبداع، وهو يفتح الباب أمام أنواع جديدة تماماً من التجارب البيولوجية.

ومع استمرار استكشاف إمكانات خزائن الزمن، فقد تساعد هذه الذاكرة الخلوية العلماء على كشف كيف تشكّل التجارب الماضية المحفوظة في أعماق خلايانا الصحة والمرض ومستقبل الطب.


باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»
TT

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

باحثة أميركية في علم الوراثة تطالب بـ«تحسين الطب الجيني»

تقول برينا هين Brenna Henn، عالمة الوراثة في جامعة كاليفورنيا-ديفيس: «في مختبري، نحن نهتم بتوصيف التنوع البشري، وخاصةً لدى السكان الذين يعيشون في أفريقيا، أو المتحدرين منها. وأحد الأمور التي أردنا معالجتها هو التركيز المفرط على الطب الجيني الشخصي. والفكرة هي أنه عند إجراء تسلسل الجينوم، يمكن بعد ذلك دراسته بالنسبة لأمراض القلب أو السل -اختر مرضك المفضل- وسنتمكن من إعطائك درجة تُشير إلى مدى احتمالية إصابتك بهذه الأمراض».

نتائج متحيزة للجنس الأبيض

يُجرى معظم هذا العمل على الأوروبيين أو أحفادهم في الولايات المتحدة. عندما نُطبّق هذه الدرجات على مجموعات سكانية أخرى، لا تكون النتائج بنفس الكفاءة. وهذه مشكلة كبيرة، لأننا نُطوّر أداة سريرية لا تُجدي نفعاً إلا مع نصف الأشخاص الذين يراجعون أي عيادة في الولايات المتحدة.

وأحد أهدافنا هو فهم سبب ذلك. هل يعود ذلك إلى وجود طفرات فريدة لدى هؤلاء الأشخاص غير موجودة لدى الأوروبيين؟ أم أن لديهم نفس أنواع الجينات، ولكن تفاعلهم مع البيئة يختلف؟

دراسة الجينوم الأفريقي

في عام 2019، حصلتُ على منحةٍ للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية من المعاهد الوطنية للصحة. جمعنا نحو 3600 جينوم من مجموعات سكانية من أصول أفريقية، سواء في القارة الأفريقية، أو في الأميركتين. وقدّمْنا 80 عينة جمعناها في جنوب أفريقيا من مجموعةٍ بالغة الأهمية تُدعى الخويسان Khoisan التي يتميز أفرادها بتنوّعٍ جينيٍّ يفوق أيّ مجموعةٍ بشريةٍ أخرى. أستمتعُ بوجودي في هذه المجتمعات، وأُحبّ التحدث مع أهلها.

نموذج لتطور الإنسان المبكر

ساعدتنا هذه البيانات في وضع نموذجٍ جديدٍ لتطور الإنسان المبكر في أفريقيا. لطالما ساد اعتقادٌ بأنّ الإنسان نشأ في موقعٍ واحدٍ فقط في أفريقيا. لكنّ ظهور جنسنا البشريّ على الأرجح كان أوسع نطاقاً في أفريقيا.

ورغم أن منحتي كانت قابلة للتجديد كل خمس سنوات، فقد تعطلت الموافقة عليها ثم ظل الطلب معلقاً من ديسمبر (كانو الأول) 2024 إلى سبتمبر (أيلول) 2025.

إخفاقات التمويل أوقفت الأبحاث

ثم قيل لنا: «لا يمكن تحديد سياسة معينة. ولكن نظراً لأن طلبكم يتضمن تعاوناً مع جنوب أفريقيا، فلن يتم تمويله». هذا كل ما جاء في البريد الإلكتروني.

إنني أشعر بخيبة أمل شديدة. كان أحد أهدافنا نشر قاعدة بيانات ضخمة للجينومات الأفريقية. سيكون هذا المورد متاحاً لآلاف الباحثين في مجال الطب الحيوي في الولايات المتحدة، والعالم. الآن لا أملك المال الكافي لاستضافة البيانات، أو إجراء التحليلات. لديّ 200 تيرابايت من البيانات مُخزّنة على خادم كمبيوتري في كيبيك. إنه لأمرٌ مؤسفٌ للغاية.

* باختصار خدمة «نيويورك تايمز»


مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»