مشاورات سياسية دورية بين مصر وإيران لتطوير العلاقات

السيسي وعراقجي يؤكدان أهمية استمرار مسار الاستكشاف الحالي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مشاورات سياسية دورية بين مصر وإيران لتطوير العلاقات

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة (الرئاسة المصرية)

توافقت مصر وإيران على استكمال مسار استكشاف العلاقات بين البلدَيْن. وأعلن وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، في القاهرة، الاثنين، «إطلاق مسار للمشاورات السياسية بين البلدَيْن يُعقد دون المستوى الوزاري لتناول جوانب العلاقات بين البلدَيْن».

وزار عراقجي القاهرة، الاثنين، حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. كما عقد جلسة محادثات ثنائية وأخرى موسعة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، ما عُدّ «مؤشراً على اتجاه العلاقات بين البلدَيْن نحو خطوات أكثر تقارباً».

وحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية، فإن السيسي وعراقجي «أكدا أهمية استمرار المسار الحالي لاستكشاف آفاق التطوير المشترك للعلاقات بين الدولتَيْن».

وأكد وزير الخارجية المصري، في مؤتمر صحافي عقب لقائه عراقجي، أن المحادثات «ركزت على أهمية تطوير العلاقات الثنائية بين البلدَيْن، مع الأخذ بعين الاعتبار شواغل كل طرف»، مؤكداً أن «هناك رغبة متبادلة في تطوير العلاقات»، مشيراً إلى أن اللقاءات المتبادلة بين الجانبَيْن «تعكس التطور الذي تشهده العلاقات الثنائية».

مؤتمر صحافي بين وزيري خارجية مصر وإيران في القاهرة («الخارجية المصرية»)

من جانبه، قال عراقجي، في المؤتمر الصحافي، إن «هذه المرة الرابعة التي يلتقي فيها السيسي، ناهيك بأكثر من 10 لقاءات مع وزير الخارجية المصري، ما يعكس الأهمية التي توليها بلاده لتطوير العلاقات».

وأضاف: «هناك إرادة لتوسيع العلاقات والمشاورات السياسية والتعاون في المجال السياسي والاقتصادي وجميع المجالات»، مستطرداً: «لدينا إرادة لتعزيز وتذليل العقبات التي تواجه تعزيز العلاقات والمسار الآن مفتوح أكثر من أي وقت مضى».

وأشار إلى «استمرار الحوار السياسي والاتفاق على زيادة التبادل التجاري والتعاون في مجال المنظمات الدولية، لا سيما ما يتعلق بالموضوعات الإقليمية»، وقال عراقجي: «مستوى الثقة بين القاهرة وطهران لم يكن بهذه الدرجة في أي وقت مضى».

كان البلدان قد قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف بعد ذلك بـ11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال. وشهد العامَيْن الماضيَيْن لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة، لبحث إمكانية تطوير العلاقات بين البلدَيْن. وتطورت العلاقات في مايو (أيار) 2023، بتوجيه رئاسي إيراني لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر.

وكذا لقاءات على مستوى وزراء الخارجية، بخلاف لقاء السيسي والرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، في الرياض، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

بدورها، قالت أستاذة العلوم السياسية، رئيسة وحدة الدراسات الإيرانية في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، هدى رؤوف، لـ«الشرق الأوسط»، إن «زيارة عراقجي للقاهرة تأتي للتواصل ما بين الطرفين لدراسة وفهم لأي مدى يمكن أن تتقارب الدولتان في ظل محاولات إيران خلال السنوات الأخيرة تحسين العلاقات بعد فترة تردد من القاهرة».

وأضافت: «الزيارة تعكس تطوراً، وتُعطي مؤشراً على اتخاذ خطوات أكثر تقارباً بين البلدَيْن في المستقبل لا سيما في السياحة والتجارة، بالإضافة إلى التعاون في الملفات الإقليمية، وعلى رأسها حرب غزة وأمن البحر الأحمر».

مشاورات سياسية بين وزيري خارجية مصر وإيران في القاهرة («الخارجية المصرية»)

وتناول اللقاء بين السيسي وعراقجي «التطورات المتسارعة بالمنطقة»، حيث أكد الرئيس المصري «موقف بلاده الرافض لتوسيع دائرة الصراع»، مشدداً على «ضرورة وقف التصعيد للحيلولة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ستكون ذات تداعيات خطيرة على أمن ومقدرات جميع دول وشعوب المنطقة». وأشار السيسي في هذا الإطار إلى «أهمية المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة»، حسب المتحدث الرئاسي.

وشدد الرئيس المصري على «ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة وإنفاذ المساعدات الإنسانية». كما أكد «حتمية عودة الملاحة إلى طبيعتها في منطقة مضيق باب المندب والبحر الأحمر».

وعقد عبد العاطي وعراقجي «مشاورات سياسية تناولت العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع في غزة وسوريا ولبنان، فضلاً عن أمن الملاحة في البحر الأحمر وتطورات المفاوضات الأميركية - الإيرانية».

وأكد وزير الخارجية المصري «ضرورة حماية حرية الملاحة بالبحر الأحمر، وأهمية استعادة الهدوء بالإقليم». وقال عبد العاطي إن «مصر هي الأكثر تضرراً من التصعيد العسكري في المنطقة»، مرحباً بـ«الانعكاسات الإيجابية المأمولة للاتفاق الأخير باليمن مع الولايات المتحدة على أمن الملاحة البحرية وحركة التجارة الدولية».

بدوره، قال عراقجي إن «المباحثات تناولت تفصيلياً اليمن والبحر الأحمر». وأضاف أن «(الحوثي) مثل (حماس) و(حزب الله) حركات مستقلة تتخذ قراراتها بأنفسها ولا تأمرها طهران»، مشيراً إلى أن «هجمات الحوثي هي ضد إسرائيل وبدعم فلسطين».

وتشن جماعة «الحوثي» هجمات على السفن في البحر الأحمر منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 دعماً للفلسطينيين في غزة. وتسبّبت هجمات الحوثيين في تعطيل التجارة العالمية، ووجهت ضربة قوية إلى إيرادات قناة السويس.

واستمع عبد العاطي من نظيره الإيراني إلى تقييمه بشأن نتائج جولات المفاوضات الخمس بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، معرباً عن «التطلع بأن تُكلل تلك المفاوضات بالنجاح، بما يؤدي إلى التوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة تُسهم في نزع فتيل التوتر وتحقيق التهدئة وتجنيب المنطقة التصعيد وعدم الاستقرار».

وأكد عبد العاطي «حرص مصر على منع التصعيد والحيلولة دون انزلاقها إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار يُضاف لما تعانيه من مشكلات وأزمات طاحنة»، مشدداً على «دعم القاهرة الكامل للمباحثات لتخفيض التصعيد». وعدّ المحادثات مع واشنطن «فرصة سانحة والحيلولة دون انفجار الموقف»، مثمناً دور سلطنة عمان في هذا المجال. وقال: «الكل خاسر حال التصعيد العسكري، لأنه ليس خياراً حكيماً، ومصر دائماً تقول إنه لا توجد حلول عسكرية بل سياسية تأخذ شواغل جميع الأطراف».


مقالات ذات صلة

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

شمال افريقيا القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

أمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً.

رحاب عليوة (القاهرة )
شمال افريقيا طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)

الاضطرابات الإقليمية تنعش الموانئ المصرية... وتهبط بإيرادات قناة السويس

رغم خسائر قناة السويس؛ جراء التوترات والاضطرابات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، فإنَّ تلك الاضطرابات أسهمت في المقابل بـ«طفرة» لافتة في حركة الموانئ المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عشرات الآلاف من السودانيين رحلوا من مصر لكن الوجود السوداني لا يزال ملحوظاً في الشارع (الشرق الأوسط)

«حوالات الأقارب» تدعم استقرار السودانيين في مصر

تلعب «حوالات الأقارب» دوراً كبيراً في دعم استقرار سودانيين بمصر، بعدما دفعت الحرب الدائرة في بلادهم الملايين إلى الخروج من وطنهم دون أموال أو مدخرات.

رحاب عليوة (القاهرة )
رياضة عربية حسام حسن (رويترز)

حسام حسن: «لم أجامل» في اختيارات تشكيلة مصر لكأس العالم

قال حسام حسن مدرب المنتخب المصري إنه «لم يجامل» أي لاعب استدعاه لتشكيلته في نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تقام في أميركا الشمالية الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مقر وزارة الداخلية في مصر  (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ملاحقة تجار العملة في مصر... مساعٍ مستمرة لاستقرار سوق الصرف

أعلنت وزارة الداخلية، الخميس، ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه خلال 24 ساعة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.


الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
TT

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، بإمكانية تحوّل الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة، وذلك عقب يوم دامٍ من الاشتباكات بين فصائل متناحرة، أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة آخرين، وأعاد مشاهد الفوضى الأمنية إلى المدينة الساحلية.

وشهدت الزاوية هدوءاً هشاً، الجمعة، بعد تدخل «اللواء 25 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وفق ناشط محلي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر اسمه، غداة اشتباكات مسلحة اندلعت داخل أحياء سكنية في ثاني أيام عيد الأضحى، وسط صمت حكومي أثار انتقادات محلية، فيما اضطر السكان إلى التزام منازلهم خشية تجدّد المواجهات.

ورغم تحذيرات سابقة من بعثة الأمم المتحدة، فقد اندلعت الشرارة الأولى لتلك المواجهات، الخميس، عقب مقتل محمد عريبي، أحد عناصر ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» بقيادة محمد بحرون (الفار)، برصاص مجموعة مسلحة مناوئة لها، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباكات وتؤدي أيضاً إلى مقتل محفوظ المغيربي وسمير حويل، بحسب وسائل إعلام محلية وشهود عيان قالوا إن التحشيدات المسلحة لا تزال مستمرة حتى، الجمعة.

سيارة محترقة في جنزور بالعاصمة طرابلس (جهاز الدعم والإسناد الأمني)

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تشييع 4 قتلى، سقطوا جراء «رصاص عشوائي» في المدينة، بينما أُعلن الثلاثاء عن مقتل شخص خامس، ما زاد من حالة الاحتقان، ورفع منسوب التحشيد بين الفصائل المسلحة.

لكن اللافت هذه المرة هو تصاعد الدعوات المحلية لمواجهة حالة الانفلات الأمني عبر تحرك شعبي؛ إذ قال عضو مجلس أعيان الزاوية، الهاشمي دخيل، إن المدينة قد تشهد بدءاً من السبت «حراكاً من الأهالي للانتفاض على الأوضاع الجارية ورفض استمرار الفوضى»، وفقاً لما نقلت عنه وسائل إعلام محلية، مبرزاً أن «الحرب لن تتوقف طالما استمر المسؤولون في التأقلم مع فوضى المدينة»، ومعتبراً أن ما جرى الخميس جاء «رداً على اغتيال عريبي»، في إشارة إلى استمرار منطق الثأر والانتقام بين المجموعات المسلحة.

ويرى متابعون أن الحديث عن «حراك شعبي» يعكس تنامي حالة السخط داخل الزاوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع المسلح غرب ليبيا، في ظل تنافس فصائل نافذة على النفوذ ومصادر التمويل.

بدوره، اعتبر القيادي العسكري السابق في عملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، أن ما يحدث في الزاوية يستدعي «وقوف أهل الزاوية يداً واحدة لرفض هذا العبث، والمطالبة برفع الغطاء القانوني والشرعي عن المتورطين في الفوضى».

ورغم الحديث عن «الحراك الشعبي» بوصفه حاضنة اجتماعية محتملة لمواجهة حالة الفوضى، يرى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون الأمنية، فيصل أبو الرايقة، أن «فوضى الميليشيات في مدينة الزاوية تبدو ملفاً شديد التعقيد والتشابك»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تداخل عوامل داخلية وخارجية أسهم في ترسيخ نفوذ تلك الفصائل، في ظل هشاشة سيطرة السلطات بغرب ليبيا، إلى جانب وجود شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم».

وتضم الزاوية إحدى كبرى مصافي النفط في ليبيا، كما تُعرف بأنها نقطة رئيسية لتهريب الوقود، وانطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة.

وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن دعوة الأمم المتحدة، التي أطلقت مطلع الأسبوع، إلى جميع الأطراف بضرورة تغليب لغة الحوار في مدينة الزاوية، وخفض حدة التصعيد خلال فترة العيد، «لم تلقَ استجابة تُذكر من جانب التشكيلات المسلحة على الأرض».

عناصر تابعة لميليشيا ما تعرف بـ«مكافحة التهديدات الأمنية» في الزاوية (الصفحة الرسمية للمجموعة المسلحة)

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعربت عن «بالغ القلق» إزاء استمرار حشد الجماعات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة، محذّرة من أن الوضع «ينذر بموجة جديدة من العنف، ويُعرّض المدنيين لمخاطر متصاعدة». وأكدت أن استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسيطرة على الموارد «لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة»، في إشارة إلى عمق الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني بالمنطقة.

ورغم تعهد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، مراراً بالعمل على تفكيك المجموعات المسلحة وبسط سلطة الدولة، يرى مراقبون أن «المشهد لا يزال يخضع لتوازنات معقدة تقوم على إعادة ترتيب الولاءات أكثر من إنهاء نفوذ الفصائل».

وفي مؤشر على الجدل المتواصل بشأن علاقة السلطة بالمجموعات المسلحة، كان الدبيبة قد استضاف خلال رمضان الماضي، عدداً من قادة التشكيلات البارزة في الزاوية على مأدبة إفطار رسمية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة آنذاك.

وفي حادث منفصل يعكس استمرار الفوضى الأمنية غرب طرابلس، أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس، بمقتل شابين في منطقة المشاشطة، جنوب جنزور، إثر انفجار قنبلة يدوية داخل سيارة كانا يستقلانها.