فوضى المساعدات في غزة... معاناة وسرقات و«إذلال متعمد»

فوضى المساعدات في غزة... معاناة وسرقات و«إذلال متعمد»
TT

فوضى المساعدات في غزة... معاناة وسرقات و«إذلال متعمد»

فوضى المساعدات في غزة... معاناة وسرقات و«إذلال متعمد»

لم تنفك إسرائيل خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة عن استهداف المدنيين الباحثين عن لقمة تسد جوعهم، بل إن الأحداث التي رافقت توزيع المساعدات من قبل مؤسسة مدعومة أميركياً في مناطق بالقطاع أظهرت حالات قتل وأسر و«تعمد إذلال»، وفق ما قال شهود على بعض تلك الوقائع.

وفي محاولة لتلافي ضغوط دولية متصاعدة، دعمت إسرائيل مع الولايات المتحدة إنشاء «مؤسسة غزة الإنسانية» لتقديم المساعدات لسكان غزة، من خلال نقاط توزيع محددة.

ونشرت المؤسسة ثلاثة مواقع لنشاطها في مدينة رفح جنوب القطاع، والتي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية بشكل كامل، ونقطة رابعة خُصصت شرق وادي غزة بالقرب من محور نتساريم في منطقة أيضاً تسيطر عليها إسرائيل عسكرياً. وجُهزت النقاط الأربع من قبل شركات مقاولات فلسطينية، إلى جانب استجلاب رجال أمن أميركيين لحماية تلك المواقع خلال التوزيع.

فوضى ومواد غير كافية

ومع أول يوم عمل فعلي لها يوم الثلاثاء الماضي، لم تنجح أولى التجارب، أو تصمد أمام آلاف الجوعى من الغزيين الذين توافدوا للحصول على كميات من المساعدات، تبين أنها لا تكفيهم جميعهم، فاضطروا لاقتحام المكان بالكامل.

وأظهرت حالة الفوضى الكبيرة يوم الثلاثاء الماضي عدم قدرة المؤسسة الجديدة ورجال الأمن التابعين لها على فرض السيطرة على المكان، الأمر الذي دفع الجوعى إلى الحصول على كل ما بداخله حتى بعض الأثاث فيه، وتكسير السياج الأمني الذي وُضع هناك والأجهزة الإلكترونية من كاميرات وغيرها لفحصهم.

فلسطينيون يحملون صناديق إغاثة من «مؤسسة غزة الإنسانية» في وسط القطاع (أ.ف.ب)

وقال برنامج الأغذية العالمي في بيان: «اندفعت حشود من الجياع إلى المستودع... بحثاً عن إمدادات غذائية معدّة مسبقاً للتوزيع»، داعياً إلى «وصول إنساني آمن ومن دون عوائق، للسماح بتوزيع الغذاء فوراً وبشكل منظّم» في قطاع غزة.

وأضاف البيان: «لطالما حذر برنامج الأغذية العالمي من تدهور الوضع (...) والمخاطر التي يتسبب فيها الحد من المساعدات الإنسانية إزاء أشخاص جياع يحتاجون إلى مساعدة بشكل مُلحّ».

ورغم أن المؤسسة علقت عملها مؤقتاً يوم الأربعاء الماضي، فإن الآلاف توافدوا لمنطقة مواصي رفح للوصول إلى نقطة التوزيع، لكن الطائرات المسيّرة الإسرائيلية أطلقت النار تجاههم، وقتلت 6 فلسطينيين، وأصابت العشرات.

وقال مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان للأراضي الفلسطينية المحتلة إن «47 شخصاً أصيبوا بجروح» خلال عملية توزيع المساعدات.

وزعم الجيش الإسرائيلي أن جنوده «أطلقوا النار تحذيراً في الهواء» و«خارج» مركز التوزيع التابع لـ«مؤسسة غزة الإنسانية» لكن «ليس باتجاه الناس».

وعادت المؤسسة للعمل مجدداً، الخميس، وفتحت نقاطاً للتوزيع برفح هي: الأولى التي فُتحت سابقاً بتل السلطان، والجديدة في منطقة محور موراج، وثالثة في وسط القطاع قرب محور نتساريم، إلا أن القوات الإسرائيلية قتلت مجموعة من الفلسطينيين الذين وصلوا إلى النقطة الأولى والثانية برفح، بحجة أنهم سلكوا مسارات ممنوعاً الوصول إليها.

فلسطيني يُظهر بقع الدماء على يده بعد أن حمل مصابين كانوا يحاولون الحصول على مساعدات غذائية في خان يونس جنوب غزة يوم الخميس (رويترز)

ورغم أن الآلاف تمكنوا من الحصول على المساعدات؛ فإن مشهد اليوم الأول تكرر وسط قطاع غزة، ودخل الجوعى عنوةً للمكان وسيطروا على ما فيه، في حين طُلب من الآلاف الذين وصلوا إلى نقطة موراج العودة الجمعة لاستكمال عملية التوزيع.

ترك المكان مع قرب نفاد المساعدات

وبحسب شهود عيان، ومصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القائمين على عملية التوزيع كانوا يتعمدون ترك المكان مع قرب انتهاء المساعدات الغذائية التي تكون حصتها قليلة جداً.

ووفقاً لأحد شهود العيان، فقد «كان هناك تعمد لإظهار حالة الفوضى والإذلال، عبر حشر الناس في مساحات ضيقة جداً ليظهر التدافع الكبير». وأجمع شهود على أن استمرار حاجة الناس للطعام دفعهم لدخول المكان بالقوة.

وتتحدث «مؤسسة غزة الإنسانية» عن أنها توزع آلاف الطرود التي تكفي مئات الآلاف من السكان، مؤكدةً أن «الإجراءات التي تتبعها سليمة».

سرقات تواكب الفوضى

وترافق مع فوضى التوزيع جنوب القطاع وجود بعض العصابات في وسطه. وتؤكد مصادر ميدانية أن عمليات نهب وسرقة استهدفت من يحصلون على المساعدات لبيعها في السوق السوداء بمبالغ كبيرة؛ إذ وصل سعر «الكرتونة» الواحدة من المساعدات إلى مبلغ 1000 شيقل (نحو 400 دولار).

كما ظهرت وقائع سرقة شاحنات مساعدات دخلت في اليومين الأخيرين إلى وسط قطاع غزة، وسرقة مخزنين يومَي الأربعاء والخميس في تلك المناطق، من بينها الطحين (الدقيق) وبعض المساعدات المخصصة لـ«برنامج الأغذية العالمي».

وقُتل 4 أشخاص مساء الأربعاء على طريق صلاح الدين الرئيس، وتحديداً قرب مدخل مخيم المغازي وسط القطاع، بعد سرقة أحد المخازن، وذلك إثر إطلاق النار عليهم من قبل رجال أمن المخزن الذين اضطروا للانسحاب مع اقتحام المئات له والسيطرة على كل ما بداخله حتى المعدات الخاصة بالمخزن مثل الطاقة الشمسية وغيرها.

كما تعرضت أسواق ومناطق تجارية رئيسة في قلب مدينة غزة لعمليات بلطجة وسرقة من قبل مسلحين هاجموا «سوق الصحابة» المركزي، وكذلك منطقة السرايا في حي الرمال، وسيطروا على بضائع المحال، وكذلك ما كان بحوزة عدد من المواطنين من مواد غذائية وغيرها.

«حماس» تتدخل... وإسرائيل تستهدف عناصرها

وفور زيادة السرقات من تلك العصابات المسلحة بأسلحة مختلفة، منها نارية وبيضاء، خرجت مجموعة ملثمة مسلحة من أجهزة أمن «حماس» وأطلقت النار بالقرب منهم، وسيطرت على الموقف بدعم من بعض التجار والمواطنين.

ولم تمر سوى لحظات حتى قصفت طائرة مسيّرة إسرائيلية عناصر «حماس»، وقتلت 6 منهم على الفور.

وقال بيان لوزارة الداخلية والأمن الوطني التابعة لحكومة «حماس» بغزة، إن القصف طال عناصر من الشرطة والمدنيين، وإنه وفق التحقيقات الأولية فإن «اللصوص يقودهم عملاء، ويتم تحريكهم بغطاء جوي من طائرات الاحتلال الإسرائيلي لاستهداف عناصر الأمن والشرطة عند التصدي لهم».

وأضاف البيان: «تكامل الأدوار بين اللصوص والعملاء مع الاحتلال يهدف إلى إحداث الفوضى وبث الخوف في نفوس المواطنين»، مؤكدةً أنها لن تتخلى عن أداء واجبها، وستواصل حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وستواصل كذلك اتخاذ إجراءات ميدانية مشددة بحق اللصوص وعملاء الاحتلال، وفق بيانها.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

مصر تنشد دعماً أوروبياً لدفع المسار الدبلوماسي في المنطقة

جددت القاهرة إدانتها للاعتداءات على الدول الخليجية الشقيقة مشددة على أهمية وقفها فوراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب) p-circle 00:18

سانشيز: حرب الشرق الأوسط «أسوأ بكثير» من غزو العراق

قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لنواب البرلمان، اليوم (الأربعاء)، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في أن يُلحق بلبنان «نفس ما حدث في غزة».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».