قرار أوجلان وحده لا يكفي لحل حزب العمال الكردستاني

دونه حقوق عالقة وآليات تطبيق... ونيات تركية غامضة

كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
TT

قرار أوجلان وحده لا يكفي لحل حزب العمال الكردستاني

كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)
كردي يرفع صورة أوجلان في أثناء قراءة ندائه لحزب العمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء أسلحته خلال احتفالات يوم النوروز في 21 مارس في ديار بكر (أ.ف.ب)

بات «الحذر والترقب» من أبرز العناوين بعدما أعلن حزب العمال الكردستاني قراره حل نفسه وإلقاء أسلحته في خطوة تاريخية أعقبت نداء وجهه مؤسسه وزعيمه السجين منذ 26 عاماً عبد الله أوجلان في ظل تباين بين أطراف العملية التي تهدف إلى «تركيا خالية من الإرهاب» وتحقيق تحول ديمقراطي يعزز التضامن بين الأكراد والأتراك.

من وجهة نظر الدولة لا ينبغي النظر إلى ما يجري على أنه عملية سلام أو حل للمشكلة الكردية، لأنه ليس هناك في تركيا ما يسمى «القضية أو المشكلة الكردية»، وعلى الجانب الآخر، يرى حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الممثل للأكراد في البرلمان، ومعه أحزاب المعارضة، يتقدمها حزب الشعب الجمهوري أن المشكلة موجودة طالما يقول الأكراد، الذين يمثلون نحو 20 في المائة من سكان البلاد، إنها موجودة.

سجل 12 مايو (أيار) 2025 على أنه «يوم تاريخي» فاصل، وضع، أو يفترض أنه وضع، نهاية لنحو نصف قرن من الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان عام 1978، ثم انطلق في عمليات مسلحة منذ عام 1984، بهدف نيل حكم ذاتي للأكراد في شرق وجنوب شرقي تركيا، ليسفر الصراع عن 40 ألف قتيل، بحسب تقديرات الحكومة التركية، وفتح الباب أمام عملية يبدو أنها «أكثر جدية» من محاولتين سابقتين إحداهما في بدايات الألفية الثانية، والأخيرة جرت بين العامين 2012 - 2015 وباءت أيضاً بالفشل، وانتهت بإعلان الرئيس رجب طيب إردوغان عدم اعترافه بالمفاوضات التي جرت خلالها وتأكيده أنه لا يوجد مشكلة كردية في تركيا.

إصرار مشترك

يبدو أن هناك تصميماً في هذه المرة سواء من جانب الدولة أو من جانب حزب العمال الكردستاني ذاته، نتيجة الظروف الإقليمية التي أشار إليها أوجلان في النداء الذي وجهه للحزب، تحت عنوان: «دعوة للسلام ومجتمع ديمقراطي»،لعقد مؤتمره العام وإعلان حل نفسه وإلقاء أسلحته، حيث تطرق إلى التطورات في سوريا، والوضع في غزة، مذكراً بما تعرض له الإخوة من بين الأكراد والأتراك على مدى 200 عام.

مراد كارايلان الرئيس الحالي لحزب العمال الكردستاني متحدثاً خلال مؤتمر الحزب الذي اتخذ فيه القرار بحله استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

في المؤتمر الذي عقده الحزب في منطقتين مختلفتين، لم يعلن عنهما لاعتبارات أمنية، في الفترة من 5 إلى 7 مايو (أيار) الحالي، عبر القائد الحالي للعمال الكردستاني، مراد كارايلان، عن تصميم القائد (آبو)، وهو لقب عبد الله أوجلان لدى أعضاء حزبه وأنصاره، ويعني (العم)، قائلاً: «أرى أن القائد (آبو) يتصرف بعزيمة شديدة ومعنويات عالية، لذا أقول لا بأس، أعلم أنه إذا لم يكن متأكداً من أمر ما، فلن يُصرّ عليه بهذه الطريقة، لذا فهو متأكد».

وبحسب ما جاء في خطاب كارايلان خلال المؤتمر، الذي نشرت أجزاء منه بعد نحو أسبوعين من إعلان قرار حل الحزب، فإن أفضل ما في هذه العملية «الحاسمة» هو الوحدة، مضيفاً: «لقد تعلمنا من تجارب 2002 – 2004، صحيح أن هناك بعض النواقص، لكن هناك أيضاً جانب إيجابي، ما زلت أرغب في فهم العملية الجديدة، أشعر بالتأثر لأننا دفعنا ثمناً باهظاً، لهذا السبب، يثير السؤال عن كيفية تحقيق النجاح في هذه العملية الحاسمة قلقي البالغ، أعتقد أننا سنحقق النجاح».

تفكيك البنية المسلّحة

قرار حزب العمال الكردستاني، ليس إلا مجرد بداية لمرحلة طويلة قد تستغرق سنوات، تبرز فيها قضايا صعبة ومعقدة أهمها كيف سيتم تفكيك البنية المسلحة للحزب المصنف من جانب تركيا وحلفائها الغربيين «منظمة إرهابية» ونزع سلاحه بالكامل، وما الآليات التي ستتبع في هذه المرحلة.

وليس هذا فحسب، بل هناك تساؤلات عن مصير قيادات الصف الأول والقيادات الوسيطة للحزب في جبال قنديل، وإلى أين ستذهب بعد حله، وكيف سيتم التعامل مع باقي العناصر المسلحة وعددها بالآلاف،

وبموجب قرار الحل، سيفقد أعضاء حزب العمال الكردستاني، الذين كان لهم الحق في طلب اللجوء إلى الخارج قبل حله هذا الحق أيضاً، وأصبح وضع 50 ألف عضو في الخارج غير مؤكد، في ظل إدراج الاتحاد الأوربي الحزب ضمن المنظمات الإرهابية.

إردوغان أكد أن حل العمال الكردستاني يشمل جميع العناصر بما في ذلك في سوريا وأوروبا (الرئاسة التركية)

وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن تركيا تجري محادثات مع حكومتي العراق وإقليم كدرستان حول تفاصيل كيفية تسليم الأسلحة خارج حدود تركيا، عادّاً أن هذه الخطوة ستخدم أيضاً استقرار العراق وسوريا خلال المرحلة المقبلة.

ولفت إردوغان إلى أن جهاز المخابرات التركي وباقي المؤسسات المعنية ستتولى هذه العملية بالتنسيق مع بغداد وأربيل.

وتسود توقعات بأن تنتهي هذه العملية في سبتمبر (أيلول) لتبدأ لجنة بالبرلمان التركي، اقترح رئيس حزب الحركة القومية، الشريك الرئيسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في «تحالف الشعب» تشكيلها للنظر في الإجراءات والتدابير القانونية اللازمة لإنجاح مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» التي أطلقها في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدعم من إردوغان.

موقف حذر

وظهر من التصريحات المتعاقبة للمسؤولين الأتراك أنه لن تكون هناك أي خطوة ستتخذ على الصعيد السياسي، قبل الانتهاء من عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وأن دعوة أوجلان تمتد إلى جميع أذرع وامتدادات الحزب في العراق وسوريا وإيران وصولاً إلى أعضائه في أوروبا.

وأكدت وزارة الدفاع التركية أن العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة في شمال العراق والتي تشمل تطهير المخابئ والملاجئ ومخازن الأسلحة والذخيرة التابعة للعمال الكردستاني ستستمر كما هي حتى التأكد من التزامه بقرار حل نفسه، وزوال خطره.

ويرجع خبراء ومحللون حالة الحذر في التعامل مع قرار حل حزب العمال الكردستاني إلى أنه ربما تكون هناك معارضة للقرار من جانب بعض الفصائل، الرافضة للانخراط في العملية التي قد تلجأ إلى الجبال أو تعيد نشاط الحزب تحت أسماء جديدة.

جنود أتراك مشاركون في العمليات العسكرية ضد العمال الكردستاني في شمال العراق (الدفاع التركية)

ولا يختلف موقف حزب العمال الكردستاني عن موقف أنقرة، فقد أكد، مراد كارايلان، أنه في حال عادت تركيا إلى مهاجمتنا فإننا سنرد.

وعلى الرغم من أن عمليات حزب العمال الكردستاني ضد تركيا تراجعت إلى أدنى درجة تحت وطأة العمليات العسكرية التركية المتواصلة في شمال العراق، إضافة إلى العمليات في شمال سوريا، التي استمرت لفترة بعد تولي الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع، يبدو أن الحزب حقق تطوراً كبيراً في مجال الأسلحة في السنوات الأخيرة.

وعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة الدفاع التركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أنها ضبطت بعض الأسلحة الثقيلة، منها مدافع رشاشة مضادة للطائرات، وأخرى مضادة للدبابات، وقاذف صواريخ «دوشكا»، في منطقتي متينا وأفاشين - باسيان في شمال العراق.

ومع التقدم الذي أحرزته تركيا في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، برزت الصراعات الجوية كمجال مهم، وكشفت تقارير عن أن العمال الكردستاني بدأ في استخدام الطائرات دون طيار ذات الرؤية المباشرة (إف. في. بي) بشكل أكبر.

كما شن الحزب ما لا يقل عن 17 هجوماً بطائرات مسيّرة على تركيا في شهر يونيو (حزيران) 2024 وحده.

قضية أكراد سوريا

غيّرت التطورات الأخيرة بشكل كبير ديناميكيات الصراع بالنسبة لكلا الجانبين، كما أكد محلل شؤون تركيا في مجموعة الأزمات الدولية، بيركاي مانديراجي، الذي لفت إلى أن تركيا كثفت الضغوط على الحزب من خلال عملياتها العسكرية المكثفة على مدى العقد الماضي، وتعزيز موقعها في سوريا بعد سقوط بشار الأسد، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة من شمال شرقي سوريا.

وبالتوازي مع التنسيق بين أنقرة وبغداد وأربيل، تدفع تركيا باتجاه تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، بشأن اندماجها في الجيش ومؤسسات الدولة السورية.

الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي خلال توقيع اتفاق الاندماج في مؤسسات الدولة (إ.ب.أ)

وربط إردوغان، في تصريحات الخميس الماضي، بين حل حزب «العمال الكردستاني» وتنفيذ الاتفاق الموقع بين دمشق و«قسد» في مارس (آذار) الماضي، لافتاً إلى أن قرار الحزب حل نفسه يشمل أيضاً وحدات حماية الشعب الكردية، المدعومة أميركياً في إطار الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي، التي تعدّها أنقرة امتداداً لـلحرب ضد «العمال الكردستاني».

وفي إشارة إلى سحب مهمة «قسد» الأساسية منها، قال إردوغان إن بلاده وسوريا والعراق والولايات المتحدة، شكّلت لجنة لمناقشة مصير مقاتلي تنظيم «داعش» في مخيمات ومعسكرات الاعتقال بشمال شرقي سوريا، التي تديرها قوات «قسد» منذ سنوات، وإنه يتعين على العراق «التركيز على مسألة المخيمات؛ لأن معظم النساء والأطفال في (مخيم الهول) من السوريين والعراقيين، ويجب إعادتهم إلى بلادهم».

ولم تعلن «قسد» صراحة حتى الآن أن قرار حزب العمال الكردستاني سيشملها. وقال عبدي إن حزب العمال الكردستاني كان له دور تاريخي في الشرق الأوسط خلال المرحلة الماضية، وكلنا ثقة بأن هذه الخطوة ستمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من السياسة والسلام في المنطقة، ونأمل في أن تبادر جميع الأطراف المعنية باتخاذ خطوات مهمة وأن يقدّم الجميع الدعم المطلوب.

وأثار تبني أحزاب وجماعات كردية في شمال شرقي سوريا، خلال مؤتمر عقدته في القامشلي بمحافظة الحسكة الشهر الماضي، قلقاً من جانب تركيا بسبب الحديث عن الفيدرالية والحكم الذاتي هدفاً لها، على الرغم من الاتفاق مع دمشق، ووصف إردوغان الحديث عن الفيدرالية بأنه «مجرد حلم».

فتاة كردية تلوح بصورة أوجلان خلال تجمع للمطالبة بحقوق المرأة (أ.ف.ب)

لكن عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب «الاتحاد الديمقراطي»، وهو الحزب المهيمن في شمال شرقي سوريا، وتشكل الوحدات الكردية ذراعه المسلحة، آلدار خليل، أعلن أن الأحزاب الكردية السورية سترسل وفداً إلى دمشق قريباً لإجراء محادثات حول المستقبل السياسي لمناطقهم، في إطار سعيها لتحقيق هدفها المتمثل في الحصول على «إدارة ذاتية»، على الرغم من معارضة إدارة دمشق وكذلك تركيا المجاورة.

وأكدت رئيس دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد خلال، مؤتمر عقد في العاصمة اليونانية أثنيا الأحد تحت عنوان: «القضية الكردية والتطورات في الشرق الأوسط»، أن العملية التي بدأها أوجلان ستؤثر عليهم وعلى المنطقة، وأن آراءهم ضرورية ويجب حل المشكلة على الطاولة.

ولفتت إلى أنه بعد المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، يجب اتخاذ خطوات قانونية وديمقراطية، ويجب أن تستمر العملية المقبلة وفقاً للأطر القانونية.

وأوضحت أنه بالنسبة لسوريا، فإن العودة إلى نظام البعث غير ممكنة، ويكمن الحل يكمن في الانتقال إلى نظام الإدارة الذاتية في الأمن والاقتصاد والتعليم، محذرة من اندلاع حرب أهلية إذا تم الإصرار على نظام حكم مركزي.

كسر عزلة أوجلان

ولا تعد قضية تسليم أسلحة العمال الكردستاني، وأذرعه، هي القضية الوحيدة المعقدة في مسار عملية ما بعد حل الحزب، إذ تبرز مسألة اتخاذ خطوات لتحسين ظروف سجن عبد الله أوجلان، الذي يمضي عقوبة السجن المشدد مدى الحياة في سجن انفرادي منعزل في جزيرة إيمرالي الواقعة في جنوب بحر مرمرة غرب تركيا، وتوسيع التواصل معه، ومنحه فرصة اللقاء مع المجموعات التي يرغب بها سواء من الصحافيين أو السياسيين، من خلال لوائح إدارية في المستقبل القريب، كإحدى القضايا التي يدور حولها النقاش.

ويتمسك حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي تولى الاتصالات مع أوجلان والحكومة والأحزاب، إلى جانب الاتصالات الخارجية مع الحكومة والحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان العراق، باستفادة أوجلان بـ«الحق في الأمل»، الذي أقرته محكمة حقوق الإنسان الأوروبية عام 2014، للسماح للمحكومين بالسجن المشدد مدى الحياة بالعودة للانخراط في المجتمع بعد قضاء 25 عاماً من عقوبتهم.

وكان أول من طرح مسألة «الحق في الأمل» بالنسبة لأوجلان، هو رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، الذي دعا في أكتوبر الماضي أوجلان إلى توجيه النداء بحل حزب العمال الكردستاني وإلقاء أسلحته، مقابل النظر في إصلاحات قانونية تكفل له هذا الحق.

مصافحة بهشلي للنواب الأكراد بالبرلمان في أكتوبر الماضي كانت إشارة لإطلاق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» (إعلام تركي)

وأثار بهشلي بسبب ذلك جدلاً حاداً على الساحة السياسية واعتراضات من حزب «الجيد» القومي، الذي وصف دعوته بالخيانة، كما تجنب الرئيس رجب طيب إردوغان التطرق إلى هذا الأمر بسبب حالة الغضب التي فجرها تصريح بهشلي، وأكد أنه لا يمكن العفو عن «قتلة الأطفال».

ومع ذلك، فمن المتصور أن يتم إدراج هذه المسألة على جدول الأعمال بعد أن تستقر العملية على المسار الصحيح ويتم تحقيق القبول الاجتماعي، بشكل تدريجي.

ويطرح حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» مطالب أخرى تتعلق بإعادة رؤساء البلديات المنتخبين الذين تم عزلهم وتعيين أوصياء من جانب الحكومة بدلاً عنهم (10 رؤساء بلديات من الحزب) إلى مناصبهم، والاستبدال بهذه الممارسة انتخاب أحد أعضاء مجلس البلدية ليحل محل رئيسها حال عزله.

ويطالب الحزب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والنواب الأكراد، وفي مقدمتهم الرئيسان المشاركان السابقان لحزب «الشعوب الديمقراطية» صلاح الدين دميرطاش، وفيجن يوكسكداغ، وتنفيذ قرارات المحكمة الدستورية التركية، ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية بشأنهم.

كما يطالب بتعديلات في قانوني تنفيذ الحكام ومكافحة الإرهاب، تكفل الإفراج عن أعضاء العمال الكردستاني من كبار السن والمرضى، الذين يقدر عددهم بـ7 آلاف.

وفي حين تجري وحدات الأمن دراسة حول مصير قادة حزب العمال الكردستاني، تدور نقاشات حول الترتيبات القانونية المتعلقة بعودة الأعضاء الذين يحملون الجنسية التركية، والذين تقدر أعداهم بـ4 آلاف.

قيادات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق (رويترز)

ويطالب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بوضع لوائح جديدة للتعامل مع أوضاع الأعضاء المتورطين في الجرائم وغير المتورطين فيها رغم وجود قوانين صدرت في الماضي مثل «قانون التكامل الاجتماعي».

متى يتحرك البرلمان؟

يتوقع أن تدرج هذه القضية على جدول أعمال البرلمان في العام التشريعي الجديد بعد استكمال عملية نزع السلاح، وبالإضافة إلى ذلك هناك حاجة إلى تعديلات في قانوني العقوبات ومكافحة الإرهاب للسماح بعودة أعضاء العمال الكردستاني الذين غادروا إلى دول أوروبا بسبب تحقيقات الإرهاب ضدهم.

ومن المتوقع أن يتم تضمين هذه التعديلات في حزمة الإصلاحات القضائية العاشرة، التي يستعد حزب العدالة والتنمية الحاكم لطرحها على البرلمان عقب عودته من العطلة الصيفية في أكتوبر المقبل.

وبينما يتمسك حزب العمال الكردستاني بتمكين أوجلان من قيادة المفاوضات مع الدولة، يطالب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بإجراء التعديلات التي يطالب بها على نحو عاجل قبل عطلة عيد الأضحى من أجل إنجاح العملية التي بدأت بحل الحزب.

وتقول الرئيس المشارك للحزب، تولاي حاتم أوغللاري، إن الوقت حان لبناء حياة متساوية في الوطن المشترك وتتويجها بجمهورية ديمقراطية تلبي تطلعات 86 مليون مواطن.

وأكدت أنه يجب أن تنفذ هذه الترتيبات بسرعة وقبل عطلة عيد الأضحى وأن يتحرك البرلمان من أجل اتخاذ خطوات ترسخ السلام والديمقراطية في البلاد.

وأجرى وفد من الحزب جولة على الأحزاب السياسية، خلال الأيام القلية الماضية، لمناقشة الخطوات التي يتعين اتخاذها من خلال البرلمان في أعقاب إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وإلقاء أسلحته.

وبينما يتصاعد النقاش حول هذه المطالب وإمكانية تحقيقها أو رفض بعضها من جانب الحكومة، اقترح بهشلي تشكيل لجنة برلمانية باسم «لجنة الوحدة الوطنية والتضامن» من الأحزاب الـ16 الممثلة في البرلمان بحيث يمثل كل حزب بعضو واحد في اللجنة الرئيسية، التي يترأسها رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، وتشكيل لجان فرعية، على أن يبلغ عدد الأعضاء بالكامل في اللجنة الرئيسية واللجان الفرعية 100 عضو.

مسلحون من العمال الكردستاني في شمال العراق (رويترز)

وبحسب الاقتراح، تناقش اللجنة الخطوات التي يجب اتخاذها فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، ودمج أعضاء حزب العمال الكردستاني، غير المتورطين في أعمال مسلحة في المجتمع، على أن تتخذ اللجنة قراراتها بالأغلبية البسيطة، على غرار «لجنة التوفيق» التي أنشئت في الماضي للتعديلات الدستورية، إلا أنها كانت تتخذ قراراتها بـ«الأغلبية المؤهلة».

ويمكن للجنة المقترحة، بحسب الاقتراح، تلقي جميع الاقتراحات ومناقشتها، لكن لن يكون مسموحاً بالتطرق إلى الخصائص الأساسية للجمهورية التركية التي تحددها المواد الأربع الأولى من الدستور، ولن تكون قابلة للنقاش بأي شكل من الأشكال.

مواقف متباينة

وإلى جانب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، أيد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، اقتراح بهشلي، معلناً أنه يتمسك منذ البداية بأن يكون البرلمان هو المنصة التي تناقش فيها عملية حل المشكلة الكردية وأن تشكيل لجنة خاصة بذلك هو اقتراحه في الأساس، بحسب رئيس الحزب، أوزغور أوزيل.

ويعترض حزب الشعب الجمهوري على الشق المتعلق باتخاذ قرارات اللجنة بالأغلبية البسيطة، ويطالب بأن تعمل وفق قواعد لجنة التوفيق المتعلقة بالتعديلات الدستورية.

كما يعترض أعضاء في حزب العدالة والتنمية الحاكم على هيكل اللجنة الذي اقترحه بهشلي، ويرون أنه من المهم منع تأثر العملية، وضمان اتخاذ القرارات دون تأخير، وأنه لتجنب مثل هذه المشاكل، يجب إنشاء هيكل يضم من لا يعارضون العملية.

وتقف أحزاب ما يعرف بـ«الطريق الجديد»، التي تضم أحزاب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة علي باباجان، و«المستقبل» برئاسة أحمد داود أوغلو، و«السعادة» برئاسة محمود يريكان، في جبهة التأييد المبدئي لاقتراح بهشلي، لافتة إلى أنها دعت منذ البداية إلى إشراك البرلمان في العملية.

ومع ذلك ترى هذه الأحزاب أن هيكل اللجنة المقترح من بهشلي يجب أن يناقش بسبب مخاوف تتعلق من إمكانية أن يعتمد حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية على الأغلبية التي ستزداد بتأييد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لهما، وأن تتحول باقي الأحزاب إلى مجرد ديكور، وتطالب أيضاً بأن تبدأ هذه العملية قبل عطلة عيد الأضحى.

أما حزب «الجيد»، القومي، الذي يعارض العملية برمتها فأعلن أنه يدعو إلى حل كل شيء في تركيا من خلال الحوار، وأكد رئيسه، مساوات درويش أوغلو، أن حزبه لن يسمح أبداً بأن تتحول القومية التركية إلى جهاز يستخدم تحت إشراف إرهابي (أوجلان) أمضى أكثر من 25 عاماً في السجن ومحكوم عليه بالسجن المشدد مدى الحياة.

ويعد حزب «الجيد» العملية التي تصفها الحكومة بـ«تركيا خالية من الإرهاب» فخاً منصوباً لتركيا، ويصفها بأنها «عملية خيانة».

أكراد في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يرفعون صورة لأوجلان تعبيراً عن ابتهاجهم بالنداء الذي وجهه في فبراير الماضي لحل العمال الكردستاني (أ.ف.ب)

وأرجع بهشلي اقتراحه بأن تسند رئاسة اللجنة إلى رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، إلى ضمان إشراف دستوري مباشر على عملها.

ورغم مطالبة حزب «الديمقراطية المساواة للشعوب» بمناقشة التعديلات القانونية اللازمة على نحو عاجل قبل عطلة عيد الأضحى، قال كورتولموش إن عملية الانتقال نحو «تركيا خالية من الإرهاب» تسير وفق الجدول المقرر، وإن «الخطوة التالية هي تسليم السلاح، وبعد ذلك ستكون ساحة النقاش السياسي هي البرلمان، سواء من حيث التشريع أو وضع الأطر القانونية اللازمة».

وكذلك أكد مسؤولون في حزب العدالة والتنمية الحاكم أن مناقشات البرلمان لن تبدأ قبل أن يقدم جهاز المخابرات تقريراً رسمياً إلى الرئيس رجب طيب إردوغان يؤكد فيه انتهاء عملية نزع أسلحة العمال الكردستاني.

مآرب أخرى

ولم تبتعد المناقشات الدائرة حول مشروع السلام والأخوة والتضامن بين الأكراد والأتراك، عن المناقشات الدائرة حول وضع دستور جديد لتركيا، لا يخفى أن الهدف منه هو فتح الباب أمام إردوغان للحصول على حق الترشح لرئاسة تركيا من جديد.

مجموعة من أمهات ديار بكر يرفعن صور أبنائهن الذين تم تجنيدهم قسراً في «العمال الكردستاني» في مظاهرة أسبوعية تمت إقامتها أمام مبنى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في مدينتهن (أ.ف.ب)

ويتردد في أروقة السياسة في أنقرة أن «الاستدارة» التي حدثت من جانب إردوغان وبهشلي تجاه حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي لطالما تعرض لهجومهما ودمغه بالإرهاب بشكل صريح، إنما هي محاولة لضمان تأييده لمشروع الدستور، الذي يرى من منظوره الخاص أن تركيا بحاجة إليه ولكن بمعايير تدعم مشروع التضامن الكردي التركي، والحصول على دعم كتلة نوابه بالبرلمان، واستبدال كتلة الشعب الجمهوري به، الرافض لمناقشة أي مشروع للدستور قبل الالتزام بالدستور الحالي، وبقرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

 


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

شؤون إقليمية أكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال مسيرة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو الماضي (رويترز)

«الكردستاني» يشترط حرية أوجلان والهوية القانونية للأكراد للسلام مع تركيا

أعلن حزب «العمال الكردستاني» تمسكه بإطلاق سراح زعيمه السجين عبد الله أوجلان، والاعتراف القانوني بالهوية الكردية، كشرطين أساسيين لتحقيق السلام مع تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صوراً لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان في مارس الماضي (رويترز)

تركيا تتحرك لوضع «قانون إطاري» للسلام مع الأكراد

تشهد تركيا تحركات متسارعة للانتهاء من وضع «قانون إطاري» لعملية السلام، التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من حزب «العمال الكردستاني» (أرشيفية - رويترز)

تركيا: حزب مؤيد للأكراد يعلن الانتهاء من مسودة قانون إطاري للسلام

أعلن حزب مؤيد للأكراد في تركيا عن إعداد مسودة قانون إطاري «مؤقت» لـ«عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» التي تمر عبر حلّ حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية احتشد آلاف من الأتراك في إزمير غرب البلاد الثلاثاء دعماً لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل بعد قرار من المحكمة بعزله «مؤقتاً» (أ.ب)

أوزيل يحتكم إلى الشارع التركي لاستعادة زعامة المعارضة

تدخلت قوات مكافحة الشغب في تركيا بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل لمنع أنصار رئيس حزب «الشعب الجمهوري» من التجمع في ميدان رئيسي في مدينة إزمير.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد نظموا مسيرة بمدينة ديار بكر جنوب شرقي تركيا يوم 15 مايو 2026 للمطالبة بإطلاق سراح زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)

أوجلان يكرر مطالبة تركيا بـ«قانون للسلام»

جدد زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، دعوته تركيا إلى وضع قانون إطاري لـ«عملية السلام»، محذراً من مخاطر التأخير...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد. فبين ذاكرة مثقلة بالصدمة وخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

استند هذا التحقيق إلى مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب مراجعة تقارير أممية ووثائق صادرة عن منظمات دولية وخبراء قانونيين ونفسيين. وتم حجب أسماء الناجيات وبعض التفاصيل التعريفية حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

في بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية والدعم النفسي بفعل الحرب، تصبح فرص التعافي محدودة أو غائبة، ما يترك الناجيات في مواجهة آثار مركبة تمتد من الجسد إلى النفس، ومن الفرد إلى الأسرة، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي الأوسع.

هكذا يتحول العنف الجنسي من فعلٍ يقع في سياق الحرب إلى أزمة ممتدة، تتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن الإنصاف، لتبقى الناجيات عالقات بين ما حدث لهن، وبين مجتمع لم ينجح بعد في الاعتراف الكامل به أو احتوائه.

سيدة سودانية في موقع نزوح في الخرطوم (غيتي)

«والدتي بالكاد تعرّفت عليّ»

تبدأ إحدى الشهادات من حي الأزهري، جنوب الخرطوم، حيث كانت الناجية تعيش مع أسرتها منذ اندلاع الحرب. مثل آلاف الأسر، اضطرت العائلة للنزوح بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتاً في دار السلام بمدينة أم درمان. خلال هذه الفترة، كانت المرأة تساهم في إعالة الأسرة عبر بيع سلع تُجلب من «سوق صابرين»، وكان والدها أيضاً يعمل في بيع السلع ما أتاح للأسرة دخلاً معقولاً.

لكن حياتها انقلبت، بعد توقيفها أثناء عودتها من السوق برفقة شقيقها في رمضان 2024. ففي طريق العودة استقلّا مركبة متجهة نحو منطقة سكنهما، ليبدأ بعض الركاب في استجوابهما حول مكان السكن وعمل الوالد.

وتقول الشابة إن المجموعة اقتادتهما لاحقاً إلى منطقة دار السلام بغرض التحري. حاولت هي إنكار بعض المعلومات، لكن شقيقها كان قد أدلى بتفاصيل عن الأسرة، لتُنقل بعد ذلك إلى مقر النيابة في منطقة سوق ليبيا، حيث خضعت للتحقيق على يد أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي أمر باحتجازها.

بقيت محتجزة يومين، قبل أن تُنقل في اليوم الثالث إلى منزل القائد نفسه، حيث تعرضت لأول واقعة اغتصاب. وبعد أيام قليلة نُقلت إلى موقع آخر حيث فرضت عليها أعمال سخرة من تنظيف وكي ملابس وغير ذلك، فيما الانتهاكات الجنسية استمرت بصورة متكررة.

وتضيف: «كانوا يأتون إلينا ليلاً، وعندما نرفض نتعرض للضرب. ما زالت آثار التعذيب واضحة على جسدي حتى اليوم. كانوا يطفئون أعقاب السجائر على أجسادنا، وأصبحت ساقاي تحملان آثاراً وتشوهات دائمة».

سيدة من ام درمان تخفي وجهها عن الكاميرا وقد تحدثت عن اختطافها واغتصابها على يد قوات الدعم السريع ودفع مبلغ مالي مقابل الافراج عنها ( أ ب)

وتؤكد أن الاعتداءات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل تكررت بشكل شبه يومي على مدى أشهر. وتقول إن «بعض الضحايا كن يتعرضن للاغتصاب عدة مرات في اليوم، وأحياناً من أكثر من شخص»، معتبرة أنه لا جدوى من الشكوى أو طلب المساعدة في ظل غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.

حسب الشابة، استمرت فترة احتجازها نحو أربعة أشهر، لم تعرف خلالها ما جرى لأخيها، إلى أن صادفت شخصاً تعرفه أسرتها. وعلى الرغم من أنه لم يتعرف عليها في البداية بسبب التغير الكبير الذي طرأ على ملامحها وحالتها الجسدية، تمكنت من لفت انتباهه وطلبت منه التواصل مع أسرتها، فساعدها في الوصول إلى آخر نقطة أمنية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، ومنها تمكنت من العودة إلى منطقة سوق الحر ثم إلى أسرتها.

كانت العائلة تعتقد أنها فقدت ابنتها إلى الأبد، وتقول: «حتى والدتي بالكاد تعرفت عليّ للوهلة الأولى بسبب النحول الشديد والتغيرات الهائلة التي طرأت على شكلي ونفسيتي».

وبعد بضعة أيام من الراحة، أخذتها أمها إلى المستشفى للخضوع لفحوصات طبية، فيما تولّت بطريقتها إبلاغ الوالد بتفاصيل ما جرى خوفاً عليه من صدمة مضاعفة.

وتختتم الشابة شهادتها بالقول إن قصتها ليست استثناءً، بل تشبه قصص فتيات أخريات جرى احتجازهن، لافتة إلى أن هذه التجربة لم تسلبها حريتها وأمنها فحسب، بل أثرت أيضاً على مستقبلها إذ كانت مخطوبة قبل اختطافها، ولم تتمكن حتى الآن من مقابلة خطيبها أو الحديث معه بشأن ما تعرضت له.

لعل ما يلفت في هذه الشهادة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل البنية المتسلسلة لها، من اعتقال عشوائي، وتنقل بين مواقع احتجاز غير رسمية، وانعدام الرقابة، ثم نقل إلى مواقع شبه رسمية حيث انتهاكات ممنهجة داخل فضاء مغلق بالكامل. هذه البنية تتكرر في إفادات أخرى، ما يؤكد فرضية النمط وليس الاستثناء.

ولا تبدو هذه الرواية حالة معزولة، إذ تتقاطع مع عدد من الشهادات التي جمعتها «الشرق الأوسط» من مناطق مختلفة، وتكشف أنماطاً متشابهة من الاحتجاز والانتهاكات المرتكبة بحق النساء خلال فترة النزاع في السودان.

سيدان تعبران خطوط النار في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ ف ب- غيتي)

«سيّدة سلّمتني وحملي لم يشفع لي»

تروي إحدى السيدات من حي بانت شرق بمدينة أم درمان تفاصيل تجربة قاسية عاشتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تقيم مع زوجها فيما طفلهما يتلقى العلاج في مستشفى السلاح الطبي.

تقول السيدة إن الأوضاع المعيشية كانت بالغة الصعوبة، وعانت الأسرة نقص الغذاء ومقومات الحياة الأساسية، فيما الرحلة إلى سوق ليبيا، أقصى غرب أم درمان، تشكّل مخاطرة كبيرة بسبب انتشار نقاط التفتيش وحالات الاعتقال والضرب والإهانة التي يتعرض لها المدنيون أثناء تنقلهم.

ولم يشفع للسيدة أنها كانت ترافق طفلها المريض إلى المستشفى وهي حامل بشهرها الثاني؛ فهناك في المستشفى نفسه، تعرّفت إلى امرأة بدا أنها تشارك العائلة الظروف نفسها، لتقوم بالوشاية عليها وتسليمها لـ«قوات الدعم السريع»، مستغلة معرفتها بأن زوج الضحية ضابط في الجيش السوداني.

وتقول الناجية: «سلمتني تلك المرأة إلى عناصر (الدعم السريع) في قسم الراشدين، وأبلغتهم بأنني زوجة ضابط. وهناك تم احتجازي نحو شهر كامل». وتؤكد أنها أخبرتهم منذ البداية بأنها متزوجة وحامل، متوسلة إليهم ألا تتعرض للتعذيب أو الضرب، لكنهم أبلغوها بأنهم سيتخذون إجراءات بعد الولادة.

وبعد فترة من الاحتجاز، نُقلت إلى قسم آخر يُعرف بـ«القسم 18»، حيث كانت محتجزة مع نحو 15 امرأة من زوجات العسكريين، إضافة إلى 12 امرأة أخريات من المدنيين، معظمهن من سكان حي بانت.

أطفال سودانيون يلعبون خارج مدرستهم في مخيم للاجئين شرقي طرابلس الليبية يوم 18 مايو 2026 (أ ب)

وتروي كيف أن الحوامل كن يُستثنين أحياناً من الضرب المباشر، بينما كانت الأخريات يتعرضن لسوء المعاملة بشكل متكرر، منها اعتداءات وانتهاكات جنسية طالت فتيات صغيرات في السن، لكنها تقول إن الخوف حال دون قدرة المحتجزات على الاعتراض أو حتى السؤال عما يحدث.

وتضيف أن المحتجزات من زوجات العسكريين تعرضن لضغوط وإجبار على الزواج من عناصر في «قوات الدعم السريع»، بلا شهود أو إجراءات قانونية، فيما المسؤولون عن الاحتجاز أخبروهن صراحة بأنهم لم يتمكنوا من قتل أزواجهن بالسلاح، فسيؤذونهم بهذه الطريقة.

وتؤكد السيدة أنها حاولت مراراً إقناعهم بأنها متزوجة أصلاً، لكن جميع محاولاتها قوبلت بالرفض. وفي نهاية المطاف، أُجبرت على الزواج من أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي نقلها إلى منطقة دار السلام غرب أم درمان.

وخلال فترة وجودها في دار السلام، احتجزت في غرفة حيث منعت الطعام والشراب ولكن كان يتم تخديرها بانتظام، ما يفقدها القدرة على الحركة والتركيز وجعل تلك الفترة مشوشة في ذهنها. ولا تزال حتى اليوم بعدما نجحت في الهرب من قبضة الخاطفين والعودة إلى أسرتها، تعيش حالة من الشك والقلق بشأن ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداءات جنسية خلال فترة احتجازها الطويلة، مؤكدةً أن تأثير العقاقير والحقن التي أُجبرت على تناولها جعلها غير واعية لكثير مما جرى حولها في تلك الفترة.

فجوة العدالة وتحديات الدعم

في حين يصعب توثيق حالات الانتهاك الجنسي لأسباب شتّى، فإن الإحصاءات الرسمية المسجلة منذ اندلاع الحرب في السودان بلغت نحو 2200 حالة، حسب وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق، التي لفتت أيضاً إلى أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، خصوصاً في مناطق دارفور التي تعاني صعوبة الوصول إلى الضحايا.

سيدات سودانيات في طابور أمام أحد مراكز الدعم وتقديم المساعدات (أ ف ب- غيتي)

ولفتت الوزيرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتم عبر شراكات مع منظمات وطنية ودولية ووكالات أممية.

وأضافت أن ثلاث قضايا فقط وصلت إلى القضاء، جميعها بحق أفراد من الجيش السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم، وصدرت بحقهم أحكام في ولايتي الأبيض والنيل الأبيض.

أما بالنسبة للانتهاكات المنسوبة لـ«قوات الدعم السريع»، فقد أوضحت إسحق أن ملاحقتها قانونياً في الوقت الراهن غير ممكنة، داعية إلى توثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب مستقبلاً.

وكان تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة كشف أن مفوضية حقوق الإنسان وثّقت خلال عام 2025 أكثر من 500 حالة عنف جنسي، شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والتعذيب الجنسي، والاستعباد الجنسي، وهي انتهاكات أفضت في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما أفاد أحدث تقارير منظمة «أطباء بلا حدود» بأن المنظمة قدّمت الرعاية لأكثر من 3396 ناجية من العنف الجنسي في ولايتي شمال وجنوب دارفور، خلال الفترة بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. ونقل التقرير عن مسؤولين معنيين بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تسجيل زيادة في الحوادث بأشكال متعددة، من بينها العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال الجنسي.

كانت «أطباء بلا حدود» وصفت هذه الجرائم بأنها أصبحت «علامة مميزة» للنزاع في السودان، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل على الأرجح سوى «قمة جبل الجليد».

أزهار عبدالله، سيدة سودانية خطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه في أم درمان، السودان في أبريل 2026 (أ ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارة الصحة توفر بروتوكولات الدعم الطبي والنفسي قدر المستطاع، بينما يتم تقديم الدعم القانوني بالتنسيق مع النيابة العامة، مع وجود تفاوت بين الولايات في مستوى الخدمات والاستجابة، خصوصاً مع ضعف التمويل الذي يمثل أحد أبرز التحديات؛ «على الرغم من أن قضايا العنف ضد النساء مسألة إنقاذ حياة وليست قضية ثانوية»، على حد تعبيرها.

كذلك كشفت إسحق عن خطة لإنشاء مراكز حماية وإيواء جديدة، تقوم على الدمج بين الخدمات دون تعريض الناجيات لمخاطر الوصمة أو فقدان الخصوصية، في محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة.

وأكدت أن اللجوء إلى القضاء يبقى خياراً شخصياً للناجيات، في ظل مخاوف اجتماعية وأمنية تعيق الإبلاغ، مشددة على أهمية توفير بيئة آمنة تضمن السرية والحماية خصوصاً في مجتمع محافظ مثل السودان.

«لن أتخلى عن طفلي»

في صلب هذه المخاوف، تقع قصة ناجية من مدينة بحري، تم اعتقالها خلال الأشهر الأولى من الحرب، عاشت تجربة مريرة وقاسية من الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة، انتهت بحمل وضغوط مجتمعية هائلة.

تقول الناجية في شهادتها إن معاناتها لم تنتهِ بخروجها من المعتقل، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط النفسية والاجتماعية بعد عودتها إلى أسرتها حيث واجهت مطالبات والدتها المتكررة بالتخلي عن الطفل وتسليمه إلى دور الرعاية، بينما رفضت هي وتمسكت بحقها بالاحتفاظ بطفلها، مؤكدة أن لا ذنب له بما جرى.

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضافت: «كيف أتخلى عن قطعة من نفسي؟ سأواجه مشكلتي وأدافع عن طفلي بكل ما أوتيت من قوة».

وتشير الشابة إلى أن قرارها بالاحتفاظ بطفلها وضعها في مواجهة دائمة مع أسرتها والمجتمع ومواقف سيئة من بعض المقربين منها، في وقت كانت تحاول التعافي من آثار التجربة الأليمة التي مرت بها.

وتلفت إلى أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس فقط ذكريات الاحتجاز والانتهاكات التي تعود إليها باستمرار، بل اضطرارها الدائم والمستميت للدفاع عن حق طفلها في الحياة والبقاء إلى جانبها، بينما تواصل هي نفسها رحلة التعافي من آثار حرب كارثية دمرت حياتها بالكامل.

العنف الجنسي سلاح حرب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى أحمد تقد لسان، وهو المتحدث باسم تحالف «تأسيس»، عن تعرض نساء للاغتصاب في مناطق تحت «قوات الدعم السريع»، وموقف التحالف من الاتهامات المتعلقة باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، فقال المتحدث إنه «اطلع على السؤال، لكنه لم يجد دليلاً مادياً يدعم هذه الاتهامات، ولا يرى سبباً يدعو إلى التعليق عليها».

علماً بأنه، حسب تعريف رسمي على موقع التحالف السياسي المعروف بـ«تأسيس»، فإن «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو ائتلاف يضم فصائل سياسية سودانية، وحركات مسلحة، ومهنيين، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، توحّدهم إرادة مشتركة راسخة لتحقيق السلام الدائم، وإرساء الحكم الديمقراطي، وبناء وحدة حقيقية وشاملة في كامل أنحاء السودان».

عمال يحمّلون السلع الغذائية على عربات برنامج الأغذية العالمي في قاعدة الخدمات اللوجستية بجنوب السودان (أ.ف.ب)

في المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة، أن اتفاقات جينيف الأربع لعام 1949 نصّت بوضوح على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وجرّمت استخدام العنف الجنسي باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن هذه المبادئ جرى تضمينها أيضاً في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، الذي يجرّم الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن السودان يواجه أزمة حقيقية في مسار العدالة، في ظل غياب نظام عدلي فعّال قادر على محاسبة المتورطين، إلى جانب انهيار المؤسسات القضائية وضعف أدوات العدالة الوطنية. كما لفت إلى أن مجلس حقوق الإنسان شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات، إلا أن الحكومة السودانية لم توافق على دخولها، ما عقّد فرص التحقيق والمساءلة.

وأوضح حضرة أن الآليات الوطنية والدولية الحالية تبدو عاجزة عن القيام بدورها الكامل في المحاسبة، في وقت يشهد فيه النظام العدلي الداخلي انهياراً واسعاً. وأشار إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر حالياً على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعياً إلى توسيع هذا الاختصاص ليشمل جميع أنحاء السودان، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت.

ويعكس العدد المحدود للقضايا التي وصلت إلى القضاء مقارنة بحجم الانتهاكات المبلغ عنها حجم الفجوة القائمة بين توثيق الجرائم وإمكانية ملاحقة مرتكبيها، في ظل تحديات أمنية وقانونية ومؤسسية فرضتها الحرب المستمرة.

إحصاءات صادمة

قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 12.7 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات، بحاجة إلى دعم يتعلق بالعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في عام 2026 وحده، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً من 3.1 ملايين في عام 2023، وزيادة بأكثر من 500 ألف شخص منذ عام 2025، كما أنه يقارب ضعف العدد المسجل في عام 2024، وأربعة أضعاف العدد ما قبل اندلاع النزاع في السودان.

وفقاً لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت هيئة الأمم المتحدة إن العنف الجنسي الذي شهد زيادة مطردة في عام 2025، تصاعد بشكل حاد خلال العام الحالي، وسط ارتفاع معدلات حوادث التحرش والاستغلال والعنف المنزلي.

ونشرت الهيئة تنبيهاً سلّط الضوء على الأثر غير المتناسب لثلاث سنوات من الحرب على النساء والفتيات، استند إلى بيانات استطلاع شمل 85 منظمة تقودها نساء، ومنظمات تُعنى بحقوق المرأة، إلى جانب مجموعتي نقاش وتقارير صادرة عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.

وأفادت الهيئة في تقريرها بأن «ثلثي النساء العاملات في الخطوط الأمامية أبلغن عن زيادة ملحوظة في العنف الجنسي خلال عام 2025، فيما أشارت نصف المشاركات إلى تصاعده خلال عام 2026».

سيدتان سودانيتان تقيمان في إحدى المدارس في الخرطوم هرباً من القتال (غيتي)

انعدام شعور الأمان

«تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكّل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءاً من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح».

هذا ما أكدته فابريزيا فالشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، خلال حديثها للصحافيين في نيويورك، 17 أبريل (نيسان) 2026، عبر الفيديو من العاصمة الخرطوم، حيث سلطت الضوء على تدهور أوضاع النساء والفتيات في البلاد، مشيرةً إلى أن النساء «يشعرن بعدم الأمان في أي مكان يقمن فيه».

ويستند هذا التقييم إلى دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وأظهرت النتائج أن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها، بما في ذلك الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرقات، خصوصاً خلال الليل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن انعدام الأمن يطول أيضاً الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن «الشعور بانعدام الأمان» يتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء وظلام المدن ليلاً. وأفادت بأن الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال محدوداً، بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام والقيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

جروح نفسية عميقة

قالت الاختصاصية النفسية خديجة محمد العبيد، إن الناجيات من العنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة والحروب يواجهن آثاراً نفسية معقدة وعميقة، إذ تمتد آثار الصدمة إلى ما بعد الاعتداء نفسه، وتتفاقم بفعل النزوح والحرب وفقدان الإحساس بالأمان.

وأوضحت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها الناجيات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في صورة استرجاع متكرر للحدث المؤلم، وكوابيس وأحلام مزعجة، إضافة إلى الميل لتجنب الأشخاص أو الأماكن أو المواقف التي تذكر بالحادثة. كما قد تعاني الناجيات من حالة مستمرة من فرط اليقظة والخوف والقلق، ما يؤثر بصورة مباشرة على حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية.

وشددت العبيد على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف الجنسي عبر مساحات آمنة تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، مع ضرورة ربطهن بشبكات الدعم والخدمات المتخصصة لضمان الحصول على الرعاية والعلاج المناسبين، بما يسهم في التعافي واستعادة القدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

من تظاهرة في لندن دعماً للسودان حملت فيها لافتة "أكثر من 130 امرأة فضّلن الموت على الاغتصاب" (غيتي)

فراغ الدعم النفسي

لا تبدو الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب مجرد وقائع عابرة، بل جراح ممتدة تعيد تشكيل حياة الناجيات، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بالدعم والحماية والعدالة.

ما تكشفه الشهادات ليس فقط حجم الانتهاك، بل عمق الفراغ الذي يتركه خلفه: فراغ في الدعم النفسي، وفي الحماية القانونية، وفي الاستجابة المجتمعية التي ما زالت في كثير من الحالات تميل إلى الصمت بدل المواجهة. وبينما تتعدد الجهات الفاعلة في مسار الحرب، تبقى النساء في قلبها الأكثر هشاشةً، والأقل قدرةً على الوصول إلى الإنصاف.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الناجيات وحدهن، بل يكرّس دائرة العنف ويحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار. لذلك فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً: مستقبل العدالة، ومصداقية المؤسسات، وقدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل حياة ملايين السودانيين، تظل معاناة الناجيات من العنف الجنسي واحدةً من أكثر تداعياتها قسوة وأقلها ظهوراً إلى العلن.


الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».