عائدون إلى العاصمة السودانية: «الخرطوم غير صالحة للسكن»

الحرب دمَّرت البنية التحتية... مبانٍ وسيارات مُدمَّرة وقذائف غير منفجرة تنتشر في الشوارع

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
TT

عائدون إلى العاصمة السودانية: «الخرطوم غير صالحة للسكن»

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

الجسور المُدمَّرة، وانقطاع التيار الكهربائي، ومحطات المياه الفارغة، والمستشفيات المنهوبة، والمباني المنهارة، وتلك الآيلة للسقوط، في جميع أنحاء العاصمة السودانية، تشهد على التأثير المدمر للحرب التي استمرت أكثر من عامين على البنية التحتية في الخرطوم وسائر مدن البلاد.

وتقدر السلطات أن إعادة الإعمار ستتطلب مئات المليارات من الدولارات. ومع ذلك، فإن فرص ذلك ضئيلة على المدى القصير؛ نظراً لاستمرار القتال والهجمات بالطائرات المسيَّرة على محطات الكهرباء والسدود ومستودعات الوقود. ناهيك عن عالم أصبح أكثر نفوراً من المساعدات الخارجية، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مانح، مساعداتها.

عنصر من الجيش السوداني قرب مدفع تركته «قوات الدعم السريع» جنوب أم درمان 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

ويتقاتل الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، منذ أبريل (نيسان) 2023؛ ما أسفر عن مقتل أو إصابة مئات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، في حين نحو 30 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية ثلثهم يعاني المجاعة، في ظرف وصفته مجموعات الإغاثة ومنظمات الأمم المتحدة، بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم. واتهمت الولايات المتحدة، الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب، كما اتهمت «الدعم السريع» بأنها ارتكبت جرائم في دارفور ترقى إلى «جرائم حرب».

معناة السكان في الخرطوم

يضطر سكان العاصمة الخرطوم إلى تحمل انقطاع التيار الكهربائي لأسابيع، والمياه غير النظيفة، والمستشفيات المكتظة. كما أن مطارهم محترق مع هياكل طائرات على المدرج، حسب تقرير لـ«رويترز».

معظم المباني الرئيسة في وسط الخرطوم محترقة، والأحياء التي كانت ذات يوم غنية أصبحت مدن أشباح مع سيارات مُدمَّرة وقذائف غير منفجرة تنتشر في الشوارع.

سكان في الخرطوم يعانون من أجل الحصول على مياه للشرب (أ.ب)

قال طارق أحمد (56 عاماً) لـ«رويترز»: «الخرطوم غير صالحة للسكن. الحرب دمرت حياتنا وبلدنا ونشعر بأننا بلا مأوى رغم عودة الجيش إلى السيطرة». عاد أحمد لفترة وجيزة إلى منزله الذي تم نهبه في العاصمة قبل أن يغادره مرة أخرى، بعد أن طرد الجيش «قوات الدعم السريع» من الخرطوم مؤخراً.

يمكن رؤية إحدى عواقب انهيار البنية التحتية في تفشي وباء الكوليرا بسرعة، والذي تسبب في 172 حالة وفاة من بين 2729 حالة خلال الأسبوع الماضي فقط، معظمها في الخرطوم.

معاناة نساء دارفور

أشخاص فروا من مخيم زمزم للنازحين يستريحون في مخيم مؤقت بمنطقة غرب دارفور بالسودان (أ.ف.ب)

وتعاني أجزاء أخرى من وسط السودان وغربه، بما في ذلك إقليم دارفور، من الدمار بسبب القتال، بينما يؤثر الدمار الهائل في الخرطوم، التي كانت مركزاً لتقديم الخدمات، على جميع أنحاء البلاد.

ولفتت منظمة «أطباء بلا حدود»، الأربعاء، إلى أن النساء والفتيات في منطقة دارفور بالسودان يتعرضن لتهديد العنف الجنسي على نحو شبه دائم. وقالت منسقة الطوارئ بالمنظمة، كلير سان فيليبو: «النساء والفتيات لا يشعرن بأمان في أي مكان. إنهن يتعرضن للهجوم في منازلهن وعند الفرار من العنف وعند الحصول على الطعام وعند جمع الحطب والعمل في الحقول. ويخبروننا أنهن يشعرن بأنهن محاصرات».

وأضافت أن العنف الجنسي أصبح شائعاً للغاية في دارفور لدرجة أن الكثير من الناس يتحدثون عنه وهم في حالة ذعر على أنه أمر لا يمكن تجنبه. وقالت فيليبو: «النساء والفتيات لا يشعرن بالأمان في أي مكان». وتابعت أن الهجمات غالباً ما تشمل أشخاصاً ارتكبوا هذه التصرفات مرات عدّة.

تقديرات إعادة الإعمار

تقدر السلطات السودانية احتياجات إعادة الإعمار بـ300 مليار دولار للخرطوم و700 مليار دولار لبقية السودان. وتقوم الأمم المتحدة بإعداد تقديراتها الخاصة.

قال وزير النفط والطاقة مُحيي الدين نعيم، لـ«رويترز»، إن إنتاج السودان النفطي انخفض بأكثر من النصف إلى 24 ألف برميل يومياً، وتوقفت قدرات التكرير بعد أن تكبَّدت مصفاة الجيلي الرئيسة للنفط أضراراً بقيمة 3 مليارات دولار خلال المعارك. وأضاف أنه من دون قدرات التكرير، يصدر السودان الآن كل نفطه الخام ويعتمد على الواردات. كما يواجه صعوبات في صيانة خطوط الأنابيب التي يحتاج إليها جنوب السودان لصادراته.

النيران تشتعل بمستودع وقود في بورتسودان بالسودان 6 مايو (أرشيفية - رويترز)

في وقت سابق من هذا الشهر، استهدفت طائرات مسيَّرة مستودعات وقود ومطار مدينة بورتسودان الساحلية الرئيسة. وقال نعيم إن جميع محطات الكهرباء في الخرطوم دُمّرت. أعلنت الشركة الوطنية للكهرباء مؤخراً عن خطة لزيادة الإمدادات من مصر إلى شمال السودان، وقالت في وقت سابق من العام إن الهجمات المتكررة بالطائرات المسيَّرة على المحطات خارج الخرطوم تزيد من صعوبة الحفاظ على استمرارية الشبكة.

النحاس المنهوب

استعادت القوات الحكومية السيطرة على الخرطوم في وقت سابق من هذا العام، ومع عودة الناس إلى منازلهم التي قلبها الناهبون رأساً على عقب، كانت إحدى السمات المميزة هي الثقوب العميقة التي حُفرت في الجدران والطرق للكشف عن أسلاك النحاس القيمة.

في شارع النيل في السودان، الذي كان يوماً أكثر الطرق ازدحاماً، هناك خندق بعمق متر واحد (ثلاث أقدام) وطول 4 كيلومترات (2.5 ميل)، تم تجريده من الأسلاك مع آثار حروق.

عائدون يتفقدون ممتلكاتهم المُدمَّرة في الخرطوم يوم 28 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

خرجت محطتا المياه الرئيستان في الخرطوم عن الخدمة في وقت مبكر من الحرب بعد أن نهب جنود «قوات الدعم السريع» الآلات واستخدموا زيت الوقود لتشغيل المركبات، وفقاً للمتحدث باسم ولاية الخرطوم الطيب سعد الدين.

يلجأ من بقي في الخرطوم إلى شرب مياه النيل أو الآبار المنسية منذ زمن طويل؛ ما يعرضهم لأمراض تنقلها المياه. لكن هناك عدداً قليلاً من المستشفيات المجهزة لعلاجهم.

قال وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم إن «هناك تخريباً منهجياً من قِبل الميليشيات ضد المستشفيات، وتم نهب معظم المعدات الطبية وما تبقى تم تدميره عمداً»، مشيراً إلى أن الخسائر في القطاع الصحي بلغت 11 مليار دولار.

فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل؟

مستشفى «بشائر» بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

مع عودة مليونين أو ثلاثة ملايين شخص إلى الخرطوم، هناك حاجة إلى تدخلات لتجنب المزيد من الطوارئ الإنسانية مثل تفشي الكوليرا، قال ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المقيم لوكا ريندا، لكن استمرار الحرب والميزانية المحدودة يعني عدم وجود خطة كاملة لإعادة الإعمار قيد الإعداد. وأضاف: «ما يمكننا فعله... بالقدرات المتوفرة لدينا على الأرض، هو النظر إلى إعادة تأهيل البنية التحتية على نطاق أصغر»، مثل مضخات المياه بالطاقة الشمسية والمستشفيات والمدارس.

بهذه الطريقة، قال إن الحرب قد توفر فرصة لا مركزية الخدمات بعيداً عن الخرطوم، والسعي نحو مصادر طاقة أكثر اخضراراً.


مقالات ذات صلة

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

شمال افريقيا مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

استنكرت وزارة الخارجية السودانية تصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش المسؤولية عن جريمة قصف مستشفى «الضعين» بدارفور واتهمته بالانحياز لـ«الدعم السريع».

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في السودان جراء ضربات بمسيّرات

قُتل 28 مدنياً جرّاء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.