5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

تدفع إلى جمع المعلومات والإلحاح في تنفيذ المطلوب

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف
TT

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

عادةً ما نعتبر التسويف أمراً يجب تجنبه أو تصحيحه. ولكن له في الواقع فوائد حقيقية... من منحنا وقتاً للتفكير وجمع معلومات جديدة، إلى خلق حالة من الإلحاح لتنفيذ العمل المطلوب. لهذا يأتي التسويف ببعض المزايا المذهلة.، كما كتبت الدكتورة تريسي بروير(*).

ومن الحكمة أن نفكر في كيفية تقديم أفضل ما لدينا. إذ ومع كثرة المهام وضيق الوقت، تعدّ مسالة إعادة النظر في كفاءتنا أمراً ذكياً، فعاداتنا الراسخة قد لا تكون أفضل الاستراتيجيات لنجاحنا.

لهذا فإن إعادة التفكير في «التسويف» من أكثر الطرق غير المتوقعة لإعادة ضبط عادات العمل لدينا، بل وأكثرها فعالية.

إعادة التفكير في أسباب التسويف

إذا كنت تؤجل العمل، فأنت في وضع جيد، فالجميع يؤجلون تقريباً العمل أحياناً، ونسبة عالية في كثير من الأحيان. ووفقاً لبحث أجرته الجمعية الأميركية لعلم النفس، فإن 20 في المائة من الناس يعانون من التسويف المزمن.

يمكن أن يحدث التسويف لأسباب عديدة. قد لا نمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع مسؤولية ما، أو قد نتجنب مهمة نتوقع أن تكون مزعجة. قد نشعر بعدم اليقين أو القلق بشأن كيفية إنجاز مهمة ما، أو قد نشعر بالإحباط لأنها مهمة علينا التعامل معها. وفي الأساس، فإننا نستخدم التسويف أحياناً لتنظيم مزاجنا أو مشاعرنا.

سمات وراثية وبيئية

بالإضافة إلى ذلك، يُعد التسويف وراثياً جزئياً. استند هذا الاكتشاف إلى دراسات أجريت على توأمين ونُشرت في مجلة «علم النفس» Psychological Science. ولكن كما هو الحال مع العديد من السمات الوراثية، هناك أيضاً عامل بيئي. قد تكون مستعداً للتسويف بسبب جيناتك، ولكن لديك أيضاً خيار كبير وتحكم في سلوكك.

من أهم عناصر التسويف هو مدى التزامك بالمواعيد النهائية. إذا كنت تؤجل مهامك ولكنك في النهاية تُنجزها في الوقت المحدد، فقد تُلاحظ بعض الآثار الإيجابية للتسويف. لكن إذا كنت تؤجل العمل وتفوت عليك في النهاية مواعيد استحقاق مهمة، فأنت على الأرجح تُقوّض نجاحك.

التسويف البنّاء

التسويف البنّاء ليس بالضرورة تناقضاً لفظياً. إليك كيفية إيجاد النقطة المثالية لجني ثماره.

إذا كنت لا تزال قادراً على إنجاز الأمور ولكنك تعمل عليها بالسرعة التي تناسبك، فأنت في وضع يسمح لك بجني فوائد رائعة من التسويف.

إليك أفضل المزايا:

1. التسويف يمنحك وقتاً للتفكير. إذا انغمست في مشروع ما على الفور، فقد لا تكون قد أخذت الوقت الكافي للتفكير في المشكلة، أو استكشاف الحل، أو تحديد كيفية تقديم عملك.

من المفيد أن تأخذ الوقت الذي تحتاجه لدراسة الأمر من جميع الزوايا، والنظر في وجهات نظرك الخاصة، والتفكير بعمق في المشكلة حتى تتمكن من التعامل معها بشكل مناسب. لذا، اصقل أفكارك واصقل تفكيرك، ثم انغمس فيه.

2. التسويف يمنحك وقتاً لتصفية ذهنك. من فوائد التسويف الأخرى تصفية ذهنك للأمور المهمة التي تحتاج إلى إنجازها. إذا كنت تؤجل العمل وتذهب لتصفح الإنترنت أو مشاهدة مسلسلك المفضل بإفراط، فلن تحصل على الفائدة. ولكن إذا كنت تُنجز مهام صغيرة ولكنها مهمة، يمكنك الاستفادة من هذا النهج.

الإلحاح في إنجاز المهمة

3. التسويف يخلق شعوراً بالإلحاح. من أكثر المعتقدات شيوعاً حول التسويف أنه بتأجيل مشروع ما، نخلق شعوراً صحياً بالإلحاح، مما يساعدنا بدوره على الأداء بشكل أفضل. وقد يكون هذا صحيحاً.

طُوّرت مصفوفة أيزنهاور Eisenhower Matrix بناءً على منطلقات منهجية للرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور في تحديد الأولويات. تُحدّد المصفوفة، في جوهرها، المهام المهمة، أو العاجلة، أو كليهما، أو لا شيء منهما. ووفقاً لبحث نُشر في المجلة الأميركية للتعليم الصيدلاني American Journal of Pharmaceutical Education، فإننا نتميز بقدرتنا على اتخاذ الإجراءات وتركيز كامل انتباهنا على المهام العاجلة والهامة.

تقبّل التسويف لتحويل المهام من كونها مهمة فقط، إلى مهام مهمة وعاجلة في آنٍ واحد، وبالتالي يترسخ لديك شعور بالضغط الإيجابي لاتخاذ القرارات وتنفيذها وإنجازها.

4. التسويف يُتيح لك الحصول على مُدخلات إضافية. من فوائد التسويف أيضاً فرصة الحصول على معلومات ومُدخلات إضافية. بتخصيص المزيد من الوقت، يُمكنك طلب الأفكار والخبرات من الآخرين. كما يُمكنك إجراء المزيد من البحث بنفسك لضمان حصولك على جميع المعلومات اللازمة قبل الشروع في تنفيذ مشروعك.

على سبيل المثال، قد تحتاج إلى اقتراح أساليب مُناسبة لفريقك لإنجاز المهام بنجاح أكبر. وبتخصيص المزيد من الوقت، يُمكنك قراءة بعض المقالات حول إدارة الوقت أو التعرّف على أفضل الممارسات لإدارة المشروعات. يُمكنك أيضاً مقابلة قائد يُعرف عنه أن فريقه حقق أهدافاً طموحة بانتظام، وسؤاله عمّا يفعله لضمان نجاحه. كل هذا يُمكن أن يُساعدك في تقديم مجموعة أفضل من الاقتراحات لفريقك.

خصص وقتاً للبحث والتعلّم وتوسيع نطاق تفكيرك للمساهمة في جودة نتيجتك النهائية.

5. التسويف يُتيح لك مساحة للإلهام. إذا كان عليك إنجاز مشروع ما ولم تجد الحماس الكافي له، فمن المُفيد أحياناً أن تُغيّر رأيك وتبحث عن الإلهام من أماكن أخرى.

على سبيل المثال، أن تعمل على تأجيل بعض الأمور والذهاب في نزهة أو قضاء بعض الوقت في الطبيعة لأن ذلك يُحسّن طاقتك ويُلهمك أفكاراً جديدة.

وقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة علم النفس التجريبي Journal of Experimental Psychology أن التنزه في الهواء الطلق يُساعد الناس على ابتكار ليس فقط عدداً أكبر من الأفكار، بل أيضاً أفكاراً غير متوقعة.

خصص وقتاً للإلهام بأي طريقة تُناسبك. اخرج، استمع إلى الموسيقى، اقضِ وقتاً مع طفل، أو اقضِ وقتاً في شيء آخر تستمتع به، لتُلهمك بالمهمة الكبيرة التي يجب عليك إنجازها.

التسويف الجيد

للتسويف فوائد إيجابية، ولكن هناك أيضاً بعض المحاذير التي يجب الانتباه إليها.

* أولاً، لا يزال عليك إنجاز المهمة، فالتسويف بعد الموعد النهائي أو عدم تحقيق النتائج ليس له فوائد إيجابية. لذا، ماطل قليلاً، ولكن لا تدع الأمر يخرج عن السيطرة.

* ستستفيد أكثر عندما تتقبل أساليبك وأسلوبك الخاص. إذا بالغت في إصدار الأحكام على نفسك، فقد تُضعف فاعليتك، لأن السلبية والضغط الذي تفرضه قد يدفعك إلى تأجيل العمل أكثر. ولكن إذا استطعت تقدير نقاط قوتك في الوقت نفسه الذي تسعى فيه دائماً إلى التحسين، فستجني أعظم الثمار.

* فكّر بواقعية. وجدت دراسة نُشرت في مجلة «علم النفس» أن احتمال إنجاز الناس للأمور بسرعة، يقلّ عندما يفكرون بشكل مُجرّد أو عام فيما يجب عليهم فعله. ولكن عندما يستطيعون التفكير في مهامهم بشكل واقعي وتكون لديهم جوانب محددة بشأن ما يجب عليهم إنجازه، فإنهم يكونون أكثر نجاحاً في تحقيق النتائج.

* من المهم أن تكون متفائلاً قدر الإمكان. ومن المُثير للاهتمام أنه عندما يكون الناس أكثر تفاؤلاً بالمستقبل، يقلّ احتمال تسويفهم ويزداد احتمال إنجازهم للأمور، وفقاً لبحث نُشر في مجلة «التقارير العلمية» Scientific Reports.

* متخصصة في علم الاجتماع، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

20%

من الناس يعانون من التسويف المزمن


مقالات ذات صلة

لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

يوميات الشرق العزلة لا تأتي من المكان وإنما من انقطاع التواصل (فيسبوك)

لين رامزي وجنيفر لورنس: الأمومة تحت الضغط

يرفض الفيلم الصورة النمطية للأمومة على أنها «اكتمال» تلقائي أو انتقال سلس إلى دور جديد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك ممارسة الرياضة بانتظام مثل الجري أو ركوب الدراجات يمكن أن تساعد في تهدئة ذهنك وتخفيف القلق (بيكسلز)

القلق الاجتماعي... ما هو؟ وما أبرز العلاجات؟

يشعر الكثير منّا بالتوتر في المواقف الاجتماعية، سواءً كان ذلك قبل إلقاء عرض تقديمي أو عند مقابلة شخص جديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم ضحكة الإنسان إشارة صحية عابرة للثقافات

كيف تَعلَّم الذكاء الاصطناعي قراءة الضحك بوصفه إشارة صحية

تمرين بدني خفيف يحدث من الداخل يحسِّن تدفُّق الأكسجين إلى الرئتين والدماغ، ويحفِّز القلب والعضلات دون إجهاد.

د. عميد خالد عبد الحميد (نيويورك)
يوميات الشرق يحاول المُتلاعبون التأثير على مشاعرك (رويترز)

تُحوِّل موازين القوى لصالحك... الطريقة الأمثل للرد على المتلاعبين

يكمن سرُّ فاعلية المتلاعبين في قدرتهم على إحداث تأثيرات عاطفية والضغط على مشاعرك... إليك 3 استراتيجيات للسيطرة على ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك سوء الصحة النفسية وارتفاع مستويات التوتر وغياب الدعم الاجتماعي جميعها مرتبطة بتاريخ من الإصابة بالتهاب البروستاتا (بكساباي)

ما تأثير الصحة النفسية على التهاب البروستاتا؟

يمكن للصحة النفسية والتوتر أن يلعبا دوراً في تفاقم أعراض التهاب البروستاتا

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
TT

3 محطات عمرية يتسارع خلالها تراجع الدماغ… كيف يمكن إبطاء المسار؟

بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)
بعض الهوايات قد تساعد في الحفاظ على شباب الدماغ (أ.ب)

يُعد التراجع المعرفي جزءاً طبيعياً من مسار التقدم في العمر، إذ تبدأ تغيراته الخفية منذ العقد الرابع، قبل أن تصبح أكثر وضوحاً في منتصف الخمسينات، حين تتكرر هفوات الذاكرة اليومية، من نسيان الأسماء إلى التوقف لحظة في منتصف الغرفة بحثاً عن سبب الدخول إليها.

غير أن دراسة علمية حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة «Nature Aging» كشفت عن أن هذا التراجع لا يسير بوتيرة ثابتة، بل يتسارع بشكل ملحوظ عند ثلاث محطات عمرية محددة هي: 57 و70 و78 عاماً.

ووفق الباحثين، فإن حدة هذا التسارع تختلف من شخص إلى آخر، لكن تعديلات بسيطة في نمط الحياة المتبع على مدار السنوات قد تحافظ على حدة ذهنك، وفقاً لصحيفة «تليغراف».

ممارسة الكتابة الحرة تساعد على تنشيط الدماغ (جامعة يوتا الأميركية)

بروتينات الدماغ تكشف عن توقيت التراجع

اعتمدت الدراسة على تحليل مستويات 13 بروتيناً في الدماغ، ثبت ارتباطها بتسارع شيخوخة الدماغ وبالأمراض العصبية التنكسية. ولاحظ الباحثون أن ارتفاع هذه البروتينات يتزامن مع تحولات بيولوجية واجتماعية كبرى، مثل التغيرات الهرمونية في منتصف العمر، أو الانتقال إلى مرحلة التقاعد.

وتوضح البروفسورة باربرا جي. ساهاكيان، أستاذة الطب النفسي بجامعة كمبردج: «أن هذه الأعمار تمثل نقاط انعطاف تبدأ عندها تغيّرات دماغية عميقة بالظهور»، مشيرةً إلى أن الاستعداد المبكر لها يمكن أن يُحدث فرقاً جوهرياً.

وتضيف: «تماماً كما نتحكم في مستويات الكوليسترول لتجنب النوبات القلبية، فإن إدخال تغييرات مدروسة في نمط الحياة قبل هذه الأعمار بعشر سنوات على الأقل قد يغيّر مستقبلنا المعرفي».

يمر نمو الدماغ البشري بـ«نقاط تحول» محورية (بيكساباي)

عند 57 عاماً... حين يبطأ «إنترنت الدماغ»

في هذه المرحلة، يبدأ تقلص حجم الدماغ بوتيرة أسرع، لا سيما نتيجة تراجع المادة البيضاء، المسؤولة عن سرعة التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. ويُشبّه الخبراء ذلك بتباطؤ شبكة الإنترنت الداخلية للدماغ.

وتشير الدكتورة سابين دوناي، المتخصصة في طب طول العمر وصحة الدماغ، إلى أن زيادة الوزن في منتصف العمر تلعب دوراً محورياً في تسريع هذا التراجع، عبر إضعاف تدفق الدم، وتقليل وصول المغذيات الأساسية، ورفع مستويات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تُلحق ضرراً مباشراً بالخلايا العصبية.

كما تربط أبحاث متزايدة بين ارتفاع الكوليسترول في هذه المرحلة وزيادة خطر الإصابة بالخرف لاحقاً، مما يجعل الفحوصات الدورية ضرورة وليست ترفاً.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن النشاط البدني المنتظم يملك تأثيراً وقائياً واضحاً، إذ يعزز حجم «الحُصين» المرتبط بالذاكرة، ويحسن الأداء المعرفي. وتقول ساهاكيان: «أي حركة ترفع معدل ضربات القلب أفضلُ من الخمول، وأفضل برنامج رياضي هو الذي يمكن الاستمرار عليه».

عند 70 عاماً... «تأثير التقاعد»

في العقد السابع من العمر، يبدأ تراكم بروتين «تاو» المرتبط بضعف الذاكرة والتفكير، بالتوازي مع ترقق القشرة الدماغية وتراجع الروابط العصبية.

وتحذر ساهاكيان من أن الاعتماد المفرط على الخبرة السابقة دون تحديات ذهنية جديدة قد يسرّع هذا المسار، مؤكدةً أن القاعدة الذهبية لصحة الدماغ هي: «استخدمه أو ستفقده».

ما العمل؟

ينصح الخبراء بأنشطة تُحفّز الدماغ بعمق، مثل تعلم لغات جديدة، أو الرقص، أو ممارسة أنشطة تجمع بين الجهد الذهني والحركي، بدل الاكتفاء بالألغاز البسيطة. كما يشددون على أهمية العلاقات الاجتماعية، إذ تُظهر الدراسات أن العزلة قد ترفع خطر الخرف بنسبة تصل إلى 60 في المائة.

الحفاظ على صحة الدماغ من أولويات 2026 (بيكساباي)

عند 78 عاماً... نفاد «الاحتياطي المعرفي»

في هذه المرحلة، يستمر تقلص حجم الدماغ وتراجع تدفق الدم إليه، مع ارتفاع مستويات الالتهاب، ويبدأ ما يُعرف بـ«الاحتياطي المعرفي» في النفاد، وهو الرصيد الذي بناه الدماغ عبر سنوات من التعلم والتحدي.

ما العمل؟

يؤكد الخبراء أن بناء الروابط العصبية الجديدة يظل ممكناً في أي عمر. وتدعو ساهاكيان إلى عدم تسليم المهام الذهنية للآخرين، والاستمرار في التعلم والتعليم. فيما تشدد دوناي على دور الغذاء الصحي، والنوم الجيد، وتقليل السكر والإجهاد المزمن، والحد من التعرض للملوثات.

وتختتم دوناي برسالة مطمئنة: «الدماغ مبرمج على البقاء. وإذا وفرنا له الحركة، والتغذية الجيدة، والنوم الكافي، فلا سبب للاستسلام لفكرة أن التدهور الحاد قدر لا مفر منه».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
TT

ثورة التعليم الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي
الطبيب والخوارزمية: شراكة القرار الطبي

لم يعد التعليم الطبي، في عام 2025، مساراً خطيّاً يبدأ في قاعات المحاضرات وينتهي عند سرير المريض، فما نشهده اليوم يتجاوز مجرد تحديث المناهج أو إدخال أدوات رقمية جديدة؛ إنه تحوّل عميق في الطريقة التي يتكوّن بها عقل الطبيب نفسه.

الذكاء الاصطناعي لم يدخل عالم التعليم الطبي بوصفه إضافة تقنية عابرة، بل كشريك تعلّم يراقب، ويحلّل، ويُقيّم، ثم يعيد تشكيل المسار التعليمي للطبيب منذ سنواته الأولى. لم يعد الطالب ينتظر «الحالة المناسبة» ليكتسب الخبرة، بل أصبح المريض الافتراضي حاضراً عند الطلب، بكل تعقيداته ومضاعفاته واحتمالات الخطأ فيه.

وهنا لا يعود السؤال: هل سيستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي؟ بل يصبح السؤال الأعمق: كيف سيتغيّر معنى أن تكون طبيباً؟

الإنسان أمام مرآته الرقمية

التعليم بالذكاء الاصطناعي

تقليدياً، بُني التعليم الطبي على ما يمنحه الزمن والمصادفة: مريض حضر، حالة صادفت الفريق، تجربة استقرّت في الذاكرة. أما اليوم، فقد انتقلنا إلى نموذج مختلف جذرياً، تُبنى فيه الخبرة الطبية على بيانات واسعة، ومحاكاة ذكية، وتعلّم تكيفي.

تُستخدم في كليات الطب التابعة لكلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) وكلية الطب بجامعة ستانفورد (Stanford University School of Medicine)، أنظمة تعليمية متقدمة تُنشئ مرضى افتراضيين يتغيّرون فسيولوجياً وسلوكياً تبعاً لقرارات الطبيب المتدرّب، فيُظهرون تحسّناً أو تدهوراً، ويكشفون أخطاءً خفية قبل أن تتحوّل إلى كوارث سريرية حقيقية... لم يعد الخطأ وصمة، بل أداة تعليمية آمنة.

* الطبيب المتدرّب تحت مجهر الخوارزمية. تشير دراسات حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة، مثل مجلة لانسيت للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health) ومجلة نيتشر للطب (Nature Medicine)، إلى تحوّل نوعي في فلسفة التعليم الطبي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقيّم ما يحفظه الطالب من معلومات، بل طريقة تفكيره السريري: كيف يصل إلى القرار، ولماذا يختار مساراً دون آخر، وكيف يتعامل مع الشك والاحتمال والخطأ. لم يعد التعليم موحّداً للجميع، بل بات يتكيّف مع عقل كل طبيب على حدة؛ يرصد نقاط الضعف، ويقترح مسارات تدريب، ويعيد التقييم حتى تستقرّ المهارة، لا المعلومة وحدها.

* الجراحة: التعلّم من الخطأ قبل أن يحدث. في الجراحة، حيث الخطأ لا يُغتفر، أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف التدريب من جذوره. لم يعد الجرّاح الشاب ينتظر «الفرصة النادرة»، بل أصبح قادراً على خوض عشرات السيناريوهات المعقّدة داخل بيئات تدريب تحاكي الواقع بدقة عالية.

في مؤسسات طبية أكاديمية كبرى مثل مستشفى مايو كلينك (Mayo Clinic) ومستشفى كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic)، يُستخدم التدريب الجراحي المعتمد على المحاكاة الرقمية ونماذج الواقع الافتراضي بوصفه أداة مساندة للتعليم، تتيح للطبيب المتدرّب مراجعة خطوات الإجراء الجراحي، والتدرّب على سيناريوهات محتملة للمضاعفات، ضمن بيئات تعليمية آمنة. وهذا النوع من التدريب لا يحلّ محل الخبرة السريرية المباشرة، لكنه يُسهم في صقل المهارة وتقليل هامش الخطأ قبل الانتقال إلى غرفة العمليات الحقيقية.

* الأشعة وعلم الأمراض: تعليم بلا حدود. في تخصصات تعتمد على الصورة والنمط، مثل الأشعة وعلم الأمراض، تحرّر التعليم من قيد الندرة. بات الطبيب المتدرّب يتعامل مع آلاف الحالات المتنوعة، ويقارِن تشخيصه بتجارب خبراء من مختلف أنحاء العالم؛ لا بما صادفه في مستشفاه فقط، بل بما تراكم عالمياً من خبرة ومعايير.

في بعض البرامج التدريبية المرتبطة بمستشفيات جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins Medicine)، بدأ المتدرّبون بالاستفادة من أدوات تعليمية رقمية ومحاكاة سريرية وقواعد بيانات بحثية موسّعة، تُكمّل الخبرة السريرية المباشرة ولا تستبدلها. وهذا التوجّه لا يهدف إلى تعميم تجربة عالمية واحدة، بل إلى رفع المستوى المرجعي للتدريب التشخيصي، والمساهمة في تقليص الفوارق التعليمية بين مراكز التدريب، مع الإبقاء على دور الطبيب وخبرته السريرية في صميم القرار الطبي.

حين يلتقي الطب الحديث بالجذور الحضارية

أخلاقيات التعليم الطبي

من يقود القرار في عصر الخوارزمية؟ ومع هذا التقدّم المتسارع، يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تجاهله: هل ندرّب أطباء يفكّرون... أم منفّذي قرارات آلية؟ تحذّر أدبيات أخلاقيات التعليم الطبي من خطرٍ خفيّ يتمثّل في تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مرجعية صامتة لا تُناقَش. فالطب ليس معادلة حسابية، والمريض ليس مجموعة أرقام، والرحمة لا تُبرمج. وكما قال ابن رشد: «الآلة قد تُحسن الحساب... لكنها لا تعرف الحكمة».

لن يُلغي الذكاء الاصطناعي الطبيب، كما لم تُلغِ السماعة الطبية الطبيب قبل قرن، لكنه سيُعيد تعريفه. الطبيب القادم لن يكون أكثر حفظاً، بل أكثر وعياً؛ لن ينافس الآلة في السرعة، بل في الحكمة، وفي القدرة على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للقرار. وهنا تستعيد المهنة معناها الأسمى، كما قال ابن سينا: «غاية الطب ليست إطالة العمر، بل حفظ إنسانية الإنسان».

العالم العربي: إعادة بناء الطبيب

في العالم العربي، لا يأتي هذا التحوّل في التعليم الطبي متأخراً، بل في توقيتٍ حاسم. فالفجوة التي عانت منها المنطقة لعقود بين التعليم النظري والتدريب السريري المتقدّم، تفتح اليوم نافذة نادرة لإعادة البناء من الأساس، لا لمجرّد اللحاق بالركب، بل للمشاركة في صياغته.

وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف الرعاية الصحية والتعليم الطبي معاً. فبرامج التحول الصحي، وتوسّع كليات الطب، والاستثمار في البنية الرقمية، تهيّئ بيئة مثالية لتبنّي نماذج تعليمية حديثة تُدرّب الطبيب قبل دخوله الميدان، وتقلّص التفاوت بين المدن، وتمنحه خبرة عالمية وهو ما يزال في مقاعد الدراسة.

الذكاء الاصطناعي هنا لا يُقدَّم بديلاً عن الطبيب، بل وسيلة لرفع كفاءته، وحمايته من الخطأ المبكر، وإعادة الوقت والقرار إلى يده. ومع التنوّع السكاني والعبء المتزايد للأمراض المزمنة، تغدو هذه النماذج التعليمية الذكية ضرورة صحية، لا ترفاً تقنياً.

إنها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الطبيب العربي وفق معايير المستقبل، مع الحفاظ على جوهر الطب بوصفه ممارسة إنسانية قبل أن يكون علماً دقيقاً.


أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية
TT

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

أدوات جينية متقدمة تكشف أسرار أمراض الدماغ التنكسية

تُعدّ الأمراض التنكسية العصبية، مثل داء ألزهايمر، ومرض باركنسون، والتصلب الجانبي الضموري، من أخطر التحديات الصحية في عصرنا، مع تزايد أعداد المصابين، وغياب علاجات شافية حتى اليوم. ورغم التقدم الكبير في علم الوراثة ظلّ فهم العلاقة الدقيقة بين الجينات المعطوبة وما يحدث فعلياً داخل خلايا الدماغ لغزاً علمياً معقداً.

إن الدماغ ليس نسيجاً واحداً متجانساً، بل منظومة شديدة التعقيد تضم أنواعاً متعددة من الخلايا العصبية، والمساندة تختلف في وظائفها وانتشارها. وغالباً ما تُحلل عينات الدماغ بشكل مجمّع، ما يؤدي إلى ضياع إشارات جينية دقيقة تصدر عن خلايا نادرة، لكنها قد تكون محورية في تطور المرض.

في هذا السياق كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلة «Nature Communications» خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن أدوات تحليلية جديدة تمكّن العلماء من قراءة البيانات الجينية بعمق غير مسبوق، وربطها بأنواع محددة من خلايا الدماغ.

قراءة أذكى للبيانات الجينية

• أداة تحليلية جديدة. في الدراسة الأولى المنشورة في 26 نوفمبر، طوّر باحثون من كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية أداة تحليلية جديدة تُعرف باسم BASIC، وهي تقنية تدمج بين بيانات الأنسجة الدماغية الكاملة، وبيانات الخلية المفردة بدل الاكتفاء بدراسة كل نوع من الخلايا على حدة.

وتسمح هذه المقاربة الجديدة باكتشاف التأثيرات الجينية المشتركة بين عدة أنواع من خلايا الدماغ، مع الحفاظ على الخصائص الفريدة لكل نوع. ووفقاً للدكتور بيبو جيانغ الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علوم الصحة العامة بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، فإن هذه الطريقة تمكّن العلماء من استخراج معلومات أعمق من البيانات المتوافرة أصلاً دون الحاجة إلى توسيع حجم العينات.

وقد أظهرت النتائج أن هذه الأداة رفعت القدرة على اكتشاف الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ بنسبة تقارب 75 بالمائة مقارنة بالطرق التقليدية، كما كشفت عن جينات جديدة مرتبطة بألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري بعضها يرتبط بمسارات دوائية معروفة.

• أداة حسابية مطورة. بهدف حل لغز قديم في أبحاث ألزهايمر، سعت الدراسة الثانية المنشورة في 1 أكتوبر، والتي قادها باحثون من جامعتي رايس وبوسطن برئاسة جان بيير روساري من قسم التشريح وعلم الأحياء العصبية بكلية الطب بجامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، سعت إلى حل تناقض حيّر العلماء لسنوات: فالدراسات الجينية تشير إلى تورط خلايا المناعة الدماغية الميكروغليا Microglia بوصفها خلايا مناعية دماغية، بينما تُظهر فحوصات أدمغة المرضى أن الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة هي التي تتلف فعلياً.

وللإجابة عن هذا السؤال طوّر الباحثون أداة حسابية جديدة تُعرف باسم seismic قادرة على ربط الإشارات الجينية بأنواع دقيقة جداً من خلايا الدماغ، بل وحتى بمناطق محددة داخله.

وباستخدام هذه الأداة تمكّن العلماء لأول مرة من إثبات وجود ارتباط جيني مباشر بين داء ألزهايمر وخلايا الذاكرة العصبية، ما ساعد على توحيد الصورة بين الأدلة الوراثية والواقع المرضي داخل الدماغ.

أمل جديد في مواجهة الخرف

تشير الدراستان إلى تحول مهم في أبحاث الدماغ من التركيز على الجينات بمعزل عن السياق إلى فهم المرض على مستوى الخلية نفسها. وهذا التحول يفتح آفاقاً جديدة لما يُعرف بـالطب الدقيق، حيث يمكن استهداف مسارات مرضية محددة داخل نوع خلوي معين.

كما أن إحدى النتائج اللافتة هي إمكانية إعادة توظيف أدوية معتمدة أصلاً لعلاج أمراض أخرى بعد أن تبيّن أنها تؤثر في الجينات المرتبطة بأمراض الدماغ، وهو ما قد يختصر سنوات من البحث، والتجارب السريرية.

ومع تجاوز عدد المصابين بالخرف عالمياً 57 مليون شخص، تمثل هذه الأدوات الجينية المتقدمة خطوة واعدة نحو التشخيص المبكر، وربما التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بسنوات. والأهم أنها تمنح المرضى وعائلاتهم أملاً جديداً في أن فهم الخلل على مستوى الخلية قد يكون المفتاح لإبطاء المرض، أو إيقافه مستقبلاً.

وتؤكد هذه الاكتشافات أن مستقبل أبحاث أمراض الدماغ لا يعتمد فقط على جمع المزيد من البيانات، بل على تحليلها بذكاء. ومن خلال دمج علم الوراثة، وتقنيات الخلية المفردة، وعلوم الحوسبة بدأت تتضح خريطة جديدة لأمراض الدماغ قد تغيّر أساليب تشخيصها، وعلاجها خلال السنوات المقبلة.