5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

تدفع إلى جمع المعلومات والإلحاح في تنفيذ المطلوب

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف
TT

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

5 فوائد غير متوقعة… للتسويف

عادةً ما نعتبر التسويف أمراً يجب تجنبه أو تصحيحه. ولكن له في الواقع فوائد حقيقية... من منحنا وقتاً للتفكير وجمع معلومات جديدة، إلى خلق حالة من الإلحاح لتنفيذ العمل المطلوب. لهذا يأتي التسويف ببعض المزايا المذهلة.، كما كتبت الدكتورة تريسي بروير(*).

ومن الحكمة أن نفكر في كيفية تقديم أفضل ما لدينا. إذ ومع كثرة المهام وضيق الوقت، تعدّ مسالة إعادة النظر في كفاءتنا أمراً ذكياً، فعاداتنا الراسخة قد لا تكون أفضل الاستراتيجيات لنجاحنا.

لهذا فإن إعادة التفكير في «التسويف» من أكثر الطرق غير المتوقعة لإعادة ضبط عادات العمل لدينا، بل وأكثرها فعالية.

إعادة التفكير في أسباب التسويف

إذا كنت تؤجل العمل، فأنت في وضع جيد، فالجميع يؤجلون تقريباً العمل أحياناً، ونسبة عالية في كثير من الأحيان. ووفقاً لبحث أجرته الجمعية الأميركية لعلم النفس، فإن 20 في المائة من الناس يعانون من التسويف المزمن.

يمكن أن يحدث التسويف لأسباب عديدة. قد لا نمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع مسؤولية ما، أو قد نتجنب مهمة نتوقع أن تكون مزعجة. قد نشعر بعدم اليقين أو القلق بشأن كيفية إنجاز مهمة ما، أو قد نشعر بالإحباط لأنها مهمة علينا التعامل معها. وفي الأساس، فإننا نستخدم التسويف أحياناً لتنظيم مزاجنا أو مشاعرنا.

سمات وراثية وبيئية

بالإضافة إلى ذلك، يُعد التسويف وراثياً جزئياً. استند هذا الاكتشاف إلى دراسات أجريت على توأمين ونُشرت في مجلة «علم النفس» Psychological Science. ولكن كما هو الحال مع العديد من السمات الوراثية، هناك أيضاً عامل بيئي. قد تكون مستعداً للتسويف بسبب جيناتك، ولكن لديك أيضاً خيار كبير وتحكم في سلوكك.

من أهم عناصر التسويف هو مدى التزامك بالمواعيد النهائية. إذا كنت تؤجل مهامك ولكنك في النهاية تُنجزها في الوقت المحدد، فقد تُلاحظ بعض الآثار الإيجابية للتسويف. لكن إذا كنت تؤجل العمل وتفوت عليك في النهاية مواعيد استحقاق مهمة، فأنت على الأرجح تُقوّض نجاحك.

التسويف البنّاء

التسويف البنّاء ليس بالضرورة تناقضاً لفظياً. إليك كيفية إيجاد النقطة المثالية لجني ثماره.

إذا كنت لا تزال قادراً على إنجاز الأمور ولكنك تعمل عليها بالسرعة التي تناسبك، فأنت في وضع يسمح لك بجني فوائد رائعة من التسويف.

إليك أفضل المزايا:

1. التسويف يمنحك وقتاً للتفكير. إذا انغمست في مشروع ما على الفور، فقد لا تكون قد أخذت الوقت الكافي للتفكير في المشكلة، أو استكشاف الحل، أو تحديد كيفية تقديم عملك.

من المفيد أن تأخذ الوقت الذي تحتاجه لدراسة الأمر من جميع الزوايا، والنظر في وجهات نظرك الخاصة، والتفكير بعمق في المشكلة حتى تتمكن من التعامل معها بشكل مناسب. لذا، اصقل أفكارك واصقل تفكيرك، ثم انغمس فيه.

2. التسويف يمنحك وقتاً لتصفية ذهنك. من فوائد التسويف الأخرى تصفية ذهنك للأمور المهمة التي تحتاج إلى إنجازها. إذا كنت تؤجل العمل وتذهب لتصفح الإنترنت أو مشاهدة مسلسلك المفضل بإفراط، فلن تحصل على الفائدة. ولكن إذا كنت تُنجز مهام صغيرة ولكنها مهمة، يمكنك الاستفادة من هذا النهج.

الإلحاح في إنجاز المهمة

3. التسويف يخلق شعوراً بالإلحاح. من أكثر المعتقدات شيوعاً حول التسويف أنه بتأجيل مشروع ما، نخلق شعوراً صحياً بالإلحاح، مما يساعدنا بدوره على الأداء بشكل أفضل. وقد يكون هذا صحيحاً.

طُوّرت مصفوفة أيزنهاور Eisenhower Matrix بناءً على منطلقات منهجية للرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور في تحديد الأولويات. تُحدّد المصفوفة، في جوهرها، المهام المهمة، أو العاجلة، أو كليهما، أو لا شيء منهما. ووفقاً لبحث نُشر في المجلة الأميركية للتعليم الصيدلاني American Journal of Pharmaceutical Education، فإننا نتميز بقدرتنا على اتخاذ الإجراءات وتركيز كامل انتباهنا على المهام العاجلة والهامة.

تقبّل التسويف لتحويل المهام من كونها مهمة فقط، إلى مهام مهمة وعاجلة في آنٍ واحد، وبالتالي يترسخ لديك شعور بالضغط الإيجابي لاتخاذ القرارات وتنفيذها وإنجازها.

4. التسويف يُتيح لك الحصول على مُدخلات إضافية. من فوائد التسويف أيضاً فرصة الحصول على معلومات ومُدخلات إضافية. بتخصيص المزيد من الوقت، يُمكنك طلب الأفكار والخبرات من الآخرين. كما يُمكنك إجراء المزيد من البحث بنفسك لضمان حصولك على جميع المعلومات اللازمة قبل الشروع في تنفيذ مشروعك.

على سبيل المثال، قد تحتاج إلى اقتراح أساليب مُناسبة لفريقك لإنجاز المهام بنجاح أكبر. وبتخصيص المزيد من الوقت، يُمكنك قراءة بعض المقالات حول إدارة الوقت أو التعرّف على أفضل الممارسات لإدارة المشروعات. يُمكنك أيضاً مقابلة قائد يُعرف عنه أن فريقه حقق أهدافاً طموحة بانتظام، وسؤاله عمّا يفعله لضمان نجاحه. كل هذا يُمكن أن يُساعدك في تقديم مجموعة أفضل من الاقتراحات لفريقك.

خصص وقتاً للبحث والتعلّم وتوسيع نطاق تفكيرك للمساهمة في جودة نتيجتك النهائية.

5. التسويف يُتيح لك مساحة للإلهام. إذا كان عليك إنجاز مشروع ما ولم تجد الحماس الكافي له، فمن المُفيد أحياناً أن تُغيّر رأيك وتبحث عن الإلهام من أماكن أخرى.

على سبيل المثال، أن تعمل على تأجيل بعض الأمور والذهاب في نزهة أو قضاء بعض الوقت في الطبيعة لأن ذلك يُحسّن طاقتك ويُلهمك أفكاراً جديدة.

وقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة علم النفس التجريبي Journal of Experimental Psychology أن التنزه في الهواء الطلق يُساعد الناس على ابتكار ليس فقط عدداً أكبر من الأفكار، بل أيضاً أفكاراً غير متوقعة.

خصص وقتاً للإلهام بأي طريقة تُناسبك. اخرج، استمع إلى الموسيقى، اقضِ وقتاً مع طفل، أو اقضِ وقتاً في شيء آخر تستمتع به، لتُلهمك بالمهمة الكبيرة التي يجب عليك إنجازها.

التسويف الجيد

للتسويف فوائد إيجابية، ولكن هناك أيضاً بعض المحاذير التي يجب الانتباه إليها.

* أولاً، لا يزال عليك إنجاز المهمة، فالتسويف بعد الموعد النهائي أو عدم تحقيق النتائج ليس له فوائد إيجابية. لذا، ماطل قليلاً، ولكن لا تدع الأمر يخرج عن السيطرة.

* ستستفيد أكثر عندما تتقبل أساليبك وأسلوبك الخاص. إذا بالغت في إصدار الأحكام على نفسك، فقد تُضعف فاعليتك، لأن السلبية والضغط الذي تفرضه قد يدفعك إلى تأجيل العمل أكثر. ولكن إذا استطعت تقدير نقاط قوتك في الوقت نفسه الذي تسعى فيه دائماً إلى التحسين، فستجني أعظم الثمار.

* فكّر بواقعية. وجدت دراسة نُشرت في مجلة «علم النفس» أن احتمال إنجاز الناس للأمور بسرعة، يقلّ عندما يفكرون بشكل مُجرّد أو عام فيما يجب عليهم فعله. ولكن عندما يستطيعون التفكير في مهامهم بشكل واقعي وتكون لديهم جوانب محددة بشأن ما يجب عليهم إنجازه، فإنهم يكونون أكثر نجاحاً في تحقيق النتائج.

* من المهم أن تكون متفائلاً قدر الإمكان. ومن المُثير للاهتمام أنه عندما يكون الناس أكثر تفاؤلاً بالمستقبل، يقلّ احتمال تسويفهم ويزداد احتمال إنجازهم للأمور، وفقاً لبحث نُشر في مجلة «التقارير العلمية» Scientific Reports.

* متخصصة في علم الاجتماع، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

20%

من الناس يعانون من التسويف المزمن


مقالات ذات صلة

دراسة: وسائل التواصل لا تزيد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين

يوميات الشرق مراهقون يحملون هواتف ذكية أمام شعار «تيك توك» (رويترز)

دراسة: وسائل التواصل لا تزيد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين

خلصت دراسة واسعة النطاق إلى أن الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات في اللعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي لا يسبّب مشكلات في الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك مارسة التمارين الرياضية يمكن أن تعالج الاكتئاب (بكسلز)

الاكتئاب والرياضة... هل يمكن للجسم أن يشفي العقل؟

تشير دراسة جديدة إلى أن ممارسة التمارين الرياضية يمكن أن تعالج الاكتئاب بفعالية مشابهة للعلاج النفسي والأدوية المضادة للاكتئاب، وفق شبكة «فوكس نيوز».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الوهم المُغلَّف جيداً (شاترستوك)

تعاويذ للبيع عبر الإنترنت... تجارة الطمأنينة بنقرة واحدة!

تنتشر على الإنترنت حالياً منصّات تعد بتعاويذ توفّر حماية من الشرّ، ونيل حبّ المعشوق، والنجاح المهني... لكن ما الذي يدفع الناس إلى التصديق بمثل هذه العروض؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

الهوس بالسلطة والمتعة والمال أحد الميول المتميزة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».