رغم «تباينات» في الرؤى السياسية، عززت مصر تعاونها الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأميركية. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عمق ومتانة» العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.
وشدد السيسي، خلال استقباله الاثنين، وفد رجال الأعمال الأميركيين المشاركين في المنتدى الاقتصادي المصري - الأميركي بالقاهرة، على «حرص القاهرة على تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن في كل المجالات بما يخدم مصالح الطرفين، لا سيما في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية». وقال: «مصر سوق كبيرة، وفيها بنية أساسية جاهزة ومتقدمة لاستقبال الاستثمارات الأميركية».
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية والهجرة بدر عبد العاطي، خلال مشاركته الاثنين، في المنتدى الاقتصادي المصري - الأميركي لقادة السياسات، أن «العلاقات الاقتصادية والتجارية تُعدّ أحد المحاور الأساسية التي تقوم عليها الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن «تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، وجذب الاستثمارات الأميركية، يُعدّان أولوية رئيسية للدولة المصرية».

التأكيد المصري على «متانة» العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة يأتي في وقت تبرز فيه تباينات في الرؤى السياسية بين البلدين، رأى مراقبون أنها عكست «توتراً» في العلاقات السياسية، وإن تجاوزته العلاقات الاقتصادية.
التباين السياسي بدا واضحاً مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، واقتراحه تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، وهو المقترح الذي قوبل برفض عربي ودولي واسع، وعدّته القاهرة «تصفية للقضية الفلسطينية».
وفي مواجهة مقترح ترمب، أعدت مصر خطة لإعمار غزة، ودعت لقمة عربية طارئة بالقاهرة في مارس (آذار) الماضي، اعتمدت خطة عربية لإعمار القطاع دون تهجير، لكن ذلك لم يوقف حديث ترمب عن رغبته في تحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط».
عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان) الدكتور عبد المنعم سعيد، أكد أن «هناك نضجاً في التعامل مع مقترحات ترمب ورؤاه السياسية بشأن التهجير والمرور المجاني من قناة السويس». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «أفضل الطرق للتعامل مع هذه الطروحات تقديم رؤى بديلة، وهو ما تفعله القاهرة وتتجاوب معه واشنطن».
وقال إن «هناك جسوراً للتعاون بين مصر والولايات المتحدة والعلاقات الاقتصادية عادة ما تفتح مجالاً أوسع للتواؤم والتعاون بما يتجاوز التباينات السياسية».
ومطلع الشهر الحالي، أوقفت الولايات المتحدة هجمات عسكرية كانت قد أطلقتها في 15 مارس (آذار) الماضي على «الحوثي»، بهدف «تأمين الملاحة في البحر الأحمر». وفي أبريل (نيسان) الماضي، طالب ترمب بمرور مجاني للسفن الأميركية عبر قناة السويس المصرية. وعدّ المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جيمس هيويت، ذلك «إحدى الطرق لتقاسم أعباء العملية العسكرية الأميركية ضد الحوثي لتأمين الملاحة في البحر الأحمر».
ولم يغِبْ الشق السياسي عن كلمة وزير الخارجية المصري في المنتدى الاقتصادي المصري - الأميركي التي تناولت استعراض موقف القاهرة إزاء التحديات الإقليمية، ودورها في مفاوضات وقف إطلاق النار بقطاع غزة، ومحددات الموقف المصري من الأزمات في السودان وليبيا والبحر الأحمر. وأكد عبد العاطي أن «مصر تواصل جهودها الحثيثة لتحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة».
وفي هذا السياق، لفت وزير الخارجية المصري إلى «انعكاسات خفض التصعيد في منطقة البحر الأحمر على الملاحة البحرية والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد»، منوهاً بما تحملته مصر من تكلفة اقتصادية كبيرة، بعد سلسلة من التحديات الجيوسياسية التي أثرت على حركة الملاحة في قناة السويس، وأكد «ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات الإقليمية، لصون الاستقرار بالبحر الأحمر بشكل مستدام».
وكانت مصر أعلنت أن الاضطرابات في البحر الأحمر أدت لخسارة قناة السويس أكثر من 7 مليارات دولار عام 2024، (الدولار يساوي 49.84 جنيه في البنوك المصرية).

بدوره، أشار عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد حجازي، إلى أن «الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة لها محاور وجوانب عدة، والجانب الاقتصادي قد يفتح مجالاً واسعاً لعلاقات ممتدة بين الشريكين»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، «عمق العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن وتنوعها وشمولها مختلف المجالات الاقتصادية».
وتعززت إشارات التباين السياسي بين البلدين، بعد أنباء تداولتها وسائل إعلام مصرية في فبراير (شباط) الماضي، عن تأجيل زيارة الرئيس المصري إلى واشنطن، على خلفية «مقترح التهجير». لكن هذه الزيارة لم يعلن عنها رسمياً، سواء في مصر أو الولايات المتحدة، وإن أشار بيان للرئاسة المصرية، عقب اتصال هاتفي بين ترمب والسيسي مطلع فبراير، إلى تبادل الرئيسين دعوات مفتوحة للزيارة. لكنَّ بيان البيت الأبيض عن المحادثة نفسها لم يُشِر إلى أي دعوة للزيارة.
وفي جولته الأخيرة بالمنطقة، زار ترمب السعودية وقطر والإمارات. وبعكس الزيارة السابقة عام 2017، التي شهدت قمة مصرية - أميركية في الرياض، لم يجتمع السيسي مع ترمب في أي لقاء هذه المرة.
وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، أن «الاقتصاد يلعب دوراً في تعزيز العلاقات بين القاهرة وواشنطن بعيداً عن الاعتبارات السياسية وتبايناتها»، موضحاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاستثمار الأميركي في مصر مرهون بأمرين أساسيين؛ قرار سياسي أميركي من جانب وتنافسية الاستثمار في مصر، ومدى استقرار البلاد من جانب آخر». وقال: «الاقتصاد لا يرتبط بأمور لحظية كتلك التي ترتبط بها السياسة، بل بتصورات مستقبلية وتنافسية البيئة الاستثمارية».
وعقد المنتدى الاقتصادي المصري - الأميركي في القاهرة تحت رعاية السيسي، وبالتنسيق مع غرفة التجارة الأميركية في واشنطن، بحضور أكثر من 80 من الرؤساء التنفيذيين وكبار مسؤولي الشركات الأميركية.
وأعرب الرئيس المصري، خلال لقائه وفد رجال الأعمال الاثنين، عن «تطلع بلاده لأن تكون مركزاً صناعياً كبيراً للصناعات الأميركية، مع كونها سوقاً كبيرة وبوابة إلى المنطقة العربية والقارة الأفريقية».
وأكد الرئيس المصري أيضاً «تطلع بلاده لإنشاء منطقة صناعية أميركية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، مشدداً على أن «الجانب المصري مستعد لتقديم كل التسهيلات اللازمة للمستثمرين الأميركيين». وقال السيسي إن «الاستثمار في مصر يعدّ فرصة لأي مستثمر، خصوصاً مع ما تتمتع به مصر من استقرار سياسي، واستقرار مجتمعي توعوي لدى الشعب المصري».
وأشار السيسي إلى أن هذا الاستقرار «قائم على وعي المواطنين وصلابتهم في تحمل الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة القاسية التي تم تطبيقها تحقيقاً للصالح العام، وفي ظل الظروف السياسية الصعبة التي تمر بها المنطقة وما ترتب عليها من تداعيات».






