سمر يزبك توثّق «روايات أهل غزة عن الإبادة»

«ذاكرة النقصان» حكايات أصعب من أن تصدّق

شخص يجر ممتلكاته في شوارع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة
شخص يجر ممتلكاته في شوارع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة
TT

سمر يزبك توثّق «روايات أهل غزة عن الإبادة»

شخص يجر ممتلكاته في شوارع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة
شخص يجر ممتلكاته في شوارع مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة

قد تكون الروائية السورية سمر يزبك في كتابها الجديد الصادر عن «دار الآداب» حاملاً عنواناً واضحاً ودالاً، «ذاكرة النقصان/ روايات أهل غزة عن الإبادة» هو الكتاب الأول الذي يحمل بين طياته توثيقاً مكتوباً لقصص وحكايات تلك الحرب الماحقة التي يعيشها القطاع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي غيرت المنطقة بأسرها، ولا أحد يعرف متى تنتهي.

الأهم أنها شهادات يرويها أناس من لحم ودم، عاشوا ما لا يمكن تصوره، وما يشعر المرء أنه يتعذر كتابته أو التعبير عنه وإيجاد لغة توازيه، يمكنها التعبير عنه. مهمة شاقة، بل هي نوع من التحدي أن تتمكن من نقل ما لا ينقل، ووصف ما يفوق القدرة على الوصف. لذلك هي محاولة شجاعة، أن تحاول كاتبة أن تسجل ما ترويه ألسن أناس عاشوا آلاماً ليس لها اسم أو معادل في الكلام.

تستغل يزبك فرصة وجودها في الدوحة عند وصول جرحى من غزة مع عائلاتهم لتلقي العلاج، تتوجه إلى «مجمع الثمامة»، حيث تجّمع الناجون من الموت، بينهم مبتورو أطراف، وأصحاب حالات صحية خطيرة. فلم ينقل إلى خارج غزة في ذلك الوقت إلا ذوو الإصابات البالغة. عدد الواصلين مع عائلاتهم بلغ الألفين وخمسمائة شخص.

لم يكن غريباً، أن يخطر لسمر يزبك فكرة جمع شهادات لتوثيق المأساة، سبق لها أن فعلت ما يشبهه في أثناء الثورة السورية، كتبت وسجلت ونقلت، وأثارت حبراً كثيراً.

استرجعت مع رؤيتها للضحايا الفلسطينيين آلام سوريا، «كانت آثار دمار المدن السورية، في تلك اللحظات تتماثل أمامي، خيالات الضحايا وأنينهم ذاتها، إنها الكارثة مرة أخرى».

لكنها سرعان ما تستدرك أنها أمام فاجعة أبعد غوراً. «الأمر المفزع لي والذي كان تفصيلاً جديداً. لم أسمع عنه في حروب ثانية مهما كانت وحشيتها، هي طريقة القتل وأدوات القتل المتطورة». ما لا يمكن تخيله بالنسبة للكاتبة هو أنها هذه المرة أمام جرائم جماعية تقررها الخوارزميات بمفردها. «أي أن لحظة التردد الإنساني لم تعد ممكنة أو حتى محتملة». أضف إلى ذلك الطائرات المسيّرة، التي يروي عنها الشهود الغزيون ما يثير الفزع.

«هذه الكائنات الخرافية القاتلة، تدخل البيوت، غرف النوم، تقف على رؤوس الأطفال، تصدر التعليمات، تطلق النار على الرأس، تأخذ بصمة العين، تطلق النار على العين، ترافق أرتال النازحين والمجبرين على الرحيل من بيوتهم».

تبدأ غالبية شهادات المستجوبين، الذين خصص الكتاب لكل منهم صفحات تتسع لشيء من ألمه، يوم السابع من أكتوبر، هكذا يروي الشهود (الضحايا) كيف عاشوا تلك اللحظات المباغتة، قبل أن يغوصوا في قصّ تفاصيل الجحيم الذي سكب عليهم، وما عاشوه من تهجير، وإصابة وموت لأحبتهم، حيث إن مجموع هذه القصص التي يرويها أصحابها، تجعلك تعيش جهنم غزة وكأنك فيها. لمرة تكتشف أن لقطات الكاميرات التي تصور الموت على الهواء مباشرة، كانت عاجزة عن قول القصص الإنسانية أو أن تجعلك تفهم عمق التراجيديات الأسرية، وأن هذا التصوير المستمر للموت الجماعي، أفقد الفجيعة الفردية حقها في أن تكون حاضرة، ومروية ومسموعة. وكأنما ضجيج المجازر خسف حق الإنسان في أن يكون إنساناً يستحق الرحمة.

مهدت الكاتبة للشهادات بمقدمة، سكبت فيها خلاصة ما جال في خاطرها، وهي تجمع القصص من على ألسن المصابين. حاولت أن تتحدث عن جوامع مشتركة للذين تحدثت معهم. وجدت أنهم لم يذكروا في كلامهم «حماس» أو القضية الفلسطينية. «كانوا يتحدثون عن أنفسهم كأناس مدنيين مسالمين، عن أجسادهم التي تمزقت. كانوا يبوحون بصدق وعفوية، ويرغبون بأن يسمع العالم حكايتهم». جملة يرددونها: «لقد كنا نعيش الحرب منذ عقود، والآن نحن نعيش فعل إبادة».

أما الأطفال والشباب فكانوا الأكثر صمتاً «يعجزون عن إيجاد الكلمات المناسبة». طفل مراهق اسمه عبد الله (13 سنة) احترقت عائلته أمامه وهو يركب حافلة الأونروا. قال إنه ليس طفلاً، وإن غزة ليس فيها أطفال، لأنهم لا يذهبون إلى المدرسة كما أترابهم، ولا يعيشون بين عائلاتهم. غالبية من تحدثت يزبك معهم، يصرون على أن «يخرجوا صور عائلاتهم قبل أن يختفوا من الوجود، ويتحدثوا عنهم ويخاطبوهم كما لو كانوا لا يزالون بينهم».

الشهادات دامية، والقارئ لا يمكن أن يخرج من الكتاب كما كان قبل أن يقرأه. نحن لسنا أمام حرب. ونحن نقرأ نتأكد، أن كل واحد من الذين يتحدثون، كأنما كان مستهدفاً لذاته، أو أنه يجب أن يموت إن لم يكن بالقصف، ففي المستشفى بسبب تكدس الجرحى، وإن لم يكن لذلك فبسبب نقص الدواء أو الأطباء. وإن نجا فسيجد نفسه مضطراً لأن يحمل جراحة ويمشي إلى مكان آخر لأن القصف يبقى يطارده من خيمة إلى مدرسة، إلى طريق، حتى يتمكن منه.

أحد الشهود، خالد أبو سمرة (30 سنة)، طبيب في «مستشفى الشفاء». يخبرنا عن أهوال ما عاشه. رحلة يصعب وصفها أو قراءتها. يروي أبو سمرة أنه منذ لحظات القصف الأولى وقبل أن يعرف الأطباء حقيقة ما يحدث حولهم، كانت الإصابات المميتة تأتي من كل أنحاء القطاع، والمستشفى يتكدس فيه المصابون. ويضيف: «منذ اليوم الأول، انتهكوا كل الحدود، وكل قوانين حقوق الإنسان! ودعنا زميلنا المسعف طارق في الساعات الأولى... قتلوه وهو يؤدي واجبه». قصفوا مدرسة وسط مدينة غزة، سوق شعبية شمال القطاع، قصفوا كل شيء وأي شيء.

كانت «آلة القتل الإسرائيلية تعمل على مدار الساعة، والجرحى يصلون إلى المستشفى على مدار الساعة. كان مجمع الشفاء حاجز الدفاع الوحيد تقريباً عمن يسعفه الحظ وينجو من المجازر».

ومع ذلك حوصر المستشفى وقصف واستهدفت أقسامه بما فيها العناية المركزة ومرضاها. «كنا نصرخ أمام العالم كله، أن الجيش الإسرائيلي يقتحم مستشفى الشفاء بمرضاه ونازحيه السبعين ألفاً، لكن تركنا وحدنا، لم يكن من جدوى لاستغاثاتنا».

يروي الطبيب تفاصيل مروعة ويصل إلى عبارة يكررها الناجون وكأنها لازمة: «الموت رحمة». ويكمل: «هذا ما كنت أقوله لنفسي في كل مرة نرفع فيها جهاز التنفس عن أحد أسلم الروح. لقد قرأت كثيراً عن أطباء في حروب سابقة في هذا العالم أعطوا مرضاهم حقنة الموت الرحيم. في كل مرة أنظر في عيون الأطباء الذين كانوا في المستشفى أشعر كما لو أننا أقسمنا جميعاً أن نتشبث بأرواح مرضانا حتى آخر نفس».

جميعنا نعرف ما انتهى إليه مرضى هذا المستشفى وأطباؤه، لكن نكتشف أن من بقي حياً وخرج شاهد ما لا يمكن تخيله من عذاب. إما بسبب حمم من السماء أو انتقام الجنود الإسرائيليين على الأرض.

محمد فادي صالح (25 سنة) أصيب في شمال غزة، وهو بالقرب من منزله بشظايا صاروخ. نقل بصندوق سيارة مع آخرين، إلى مستشفى كمال عدوان الذي ليس فيه دواء ولا بنج ولا حتى معدات تشخيص. لذا حملوه إلى المستشفى الإندونيسي. هناك كانت الأمور أشد سوءاً لا مولدات، ولا كهرباء، والصورة التي أجريت له بشق الروح، لم تفسر الشلل الذي يعاني منه. بعدها نقل إلى مستشفى الشفاء وهو ينزف. وضعوا أنبوباً في صدره لتفريغ الدم الداخلي، لكن صورة مقطعية كانت لازمة لفهم سبب الشلل بقي إجراؤها مستحيلاً. هاجم الإسرائيليون المستشفى، طالبوا بإخلائه وقصفوا قسم الولادة. بعد ساعات من الرعب جاء عمه واضطر وهو مشلول لأن يسير معه نصف ساعة كي يستقلا سيارة إلى البيت. بعد 15 يوماً نقل خلالها، هرباً من القصف، من بيت إلى بيت وهو محموم ومشلول، تمكن الصليب الأحمر من إيصاله إلى مستشفى كمال عدوان ومن ثم مستشفى ناصر لكن حتى المسكّن لم يكن متوفراً لإسكات الألم الرهيب الذي يعاني منه. أصيب بجلطة بسبب عدم وجود عناية، إذ إن غاية ما توفر له هو المضاد الحيوي. لكن الأمر لم ينته هنا جاء الجيش الإسرائيلي وطلب إجلاء المرضى وترك من لا يستطيعون الحركة دون مرافقين.

احتل الجنود المستشفى. «جاء جندي إسرائيلي نحوي. قلت له بهدوء إنني مجرد جريح مشلول، لم يكتف بضربي، بل هددني بالاغتصاب». يروي هذا المصاب عظائم ما تعرض له هو وبقية المصابين: «كنت هناك في قلب الجحيم، عندما اقتحم الإسرائيليون المستشفى برفقة كلابهم المدربة، وأفلتوها علينا. الزنانة تحوم فوقنا، تهددنا بمزيد من القصف. بينما الاعتداء الجسدي واللفظي كان مزيداً من التحرش والإذلال والتهديد المستمر بالاغتصاب». الأمر لم ينته هنا بالطبع.

هي صفحات من «الجحيم»، «كابوس حي»، «أهوال يوم القيامة»، هذه بعض الكلمات التي يرددها أصحاب الشهادات. ومنهم ندى عيسى عياش (40 عاماً) من مخيم جباليا، التي ولدت خارج غزة، وقررت الانتقال إليها لتتزوج وتعيش مع باقي العائلة. تقول إن أجدادها عاشوا الحرب، وأبناءهم كذلك، وفي عائلتها شهداء كثر. «نحن سجناء في غزة منذ سنوات طويلة! منذ عشرين سنة أعيش في القطاع، أعيش الموت، موت يجيء وموت يذهب. أربع حروب ربما، أو خمس، لا أجيد العدّ، لكن لم يكن يصل الأمر إلى حد الإبادة».

مثل بقية الآخرين، فراس الشيخ رضوان، رأى هو الآخر ما لا يرى، فقد رجليه الاثنتين وأصبح على كرسي متحرك. يقول: «دمّرت إسرائيل حياتنا، هدمت بيوتنا، حوّلت أجسادنا إلى أشلاء، مزّقت عائلاتنا، لا أستطيع التفكير بكلّ هذا مرّةً واحدةً، لو فعلت فسأنفجر حينها بالتأكيد. ثمّ يحدث أن أرى الناس يمشون بينما أتدحرج على كرسيٍّ متحركٍ، فلا أملك إلّا أن أسأل نفسي: لمَ ذهبت الرجلان كلتاهما؟ لمَ لم تبق واحدةٌ على الأقل أتعكّز عليها».

أناس فقدوا عائلاتهم، أطْرافهم، أحشاءهم، قطعاً مِن اللَّحْم اِعْتادتْ أن تَكسو عِظامَهم، حَوَاسهم، مستقبلهم، ومعنى أن يبقوا على قيد الحياة.


مقالات ذات صلة

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.