غارات جوية روسية أوكرانية رغم بدء أكبر عملية تبادل للأسرى

تمسك ترمب بعلاقة ودية مع بوتين هل يؤدي إلى إقناعه بوقف الحرب؟

رجال إطفاء يُخمدون حريقاً في مبنى سكني إثر غارة روسية على كييف (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يُخمدون حريقاً في مبنى سكني إثر غارة روسية على كييف (أ.ف.ب)
TT

غارات جوية روسية أوكرانية رغم بدء أكبر عملية تبادل للأسرى

رجال إطفاء يُخمدون حريقاً في مبنى سكني إثر غارة روسية على كييف (أ.ف.ب)
رجال إطفاء يُخمدون حريقاً في مبنى سكني إثر غارة روسية على كييف (أ.ف.ب)

تبادلت روسيا وأوكرانيا المزيد من الغارات الجوية المكثفة، على الرغم من تبادل الأسرى الجاري بينهما، في أعقاب أول اجتماع دبلوماسي مباشر بينهما جرى الأسبوع الماضي في إسطنبول. وعدت تلك الغارات تذكيراً بأن التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع لا يزال بعيد المنال، في الوقت الذي يتبادل فيه الطرفان المسؤولية عن إجهاض الجهود الجارية لوقف الحرب.

وأطلقت روسيا لليلة الثالثة على التوالي هجوماً بمئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، شمل 250 طائرة مسيّرة بعيدة المدى و14 صاروخاً باليستياً، كانت كييف، العاصمة الأوكرانية، الهدف الرئيسي لها. وأعلن الجيش الأوكراني أنه اعترض 6 صواريخ وجميع الطائرات المسيّرة تقريباً، لكن ما لا يقل عن 15 شخصاً في كييف أصيبوا بجروح عندما تحطمت الطائرات المسيّرة وحطام الأسلحة التي تم اعتراضها على الشقق، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها.

ليلة صعبة على أوكرانيا

وقالت موسكو إن قواتها سيطرت على تجمعات ستوبوتشكي وأوترادني ولوكنيا السكانية في منطقتي دونيتسك وسومي الأوكرانيتين. ويأتي هذا الإعلان بعد ساعات من تعرض العاصمة الأوكرانية كييف لهجوم روسي واسع النطاق بطائرات من دون طيار (مسيّرات) وصواريخ، مما أسفر عن إصابة 15 شخصاً، على الأقل، بحسب ما ذكره مسؤولون محليون.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بيان السبت: «لقد كانت ليلة صعبة على أوكرانيا بأكملها»، مشيراً إلى أن روسيا تجاهلت مراراً وتكراراً عروض أوكرانيا بوقف مؤقت لإطلاق النار، وبأن السبيل الوحيد لإقناعها هو بفرض عقوبات إضافية على قطاعات رئيسية من الاقتصاد الروسي. واتهم زيلينسكي روسيا بإطلاق 250 مسيّرة معظمها من نوع «شاهد» الإيرانية. وقال زيلينسكي على إكس «إن عقوبات إضافية تستهدف قطاعات رئيسية في الاقتصاد الروسي هي وحدها التي ستجبر موسكو على وقف إطلاق النار»، مضيفاً أن «سبب إطالة أمد الحرب يكمن في موسكو».

وأشار رئيس البلدية والإدارتان العسكرية والمدنية في كييف إلى اندلاع حرائق عدة وسقوط حطام صواريخ ومسيّرات على أبنية في عدد كبير من أحياء المدينة. وقال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها عبر منصة «إكس» إن عاصمة بلاده كييف ومناطق أخرى شهدت ليلة صاخبة، إذ عملت الدفاعات الجوية بشكل متواصل لصد الهجمات الجوية الروسية، مشيراً إلى تضرر مبانٍ سكنية في كييف، وإصابة ثمانية أشخاص على الأقل. وقال: «مرّ أسبوع على اجتماع إسطنبول، ولم تُرسل روسيا (مذكرة السلام) بعد. بل تُرسل طائرات مُسيّرة وصواريخ فتّاكة إلى المدنيين».

ومع ذلك، صعّدت أوكرانيا أيضاً هجماتها الجوية على روسيا في الأسابيع الأخيرة. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أطلقت مئات الطائرات دون طيار على المدن الروسية، وكانت موسكو هدفاً رئيسياً، في واحدة من أكبر الهجمات في الحرب، مما أجبر بعض المطارات الروسية على الإغلاق مؤقتاً. والسبت، قالت وزارة الدفاع الروسية إنها اعترضت 94 طائرة دون طيار أوكرانية خلال الليل. وفي منطقة ليبيتسك، بالقرب من الحدود الأوكرانية، أفاد مسؤولون محليون بتحطم طائرات من دون طيار في منطقة صناعية تضم، وفقاً للجيش الأوكراني، مصنعاً كبيراً لإنتاج بطاريات الأسلحة.

تبادل الأسرى مستمر

وجاءت الهجمات الليلية بعد ساعات قليلة من بدء الجانبين أكبر عملية تبادل للأسرى، وهي النتيجة الملموسة الوحيدة لمحادثات وقف إطلاق النار التي جرت الأسبوع الماضي في تركيا، ومن المتوقع أن تستمر حتى الأحد، وتسمح لألف أسير من كل دولة بالعودة إلى ديارهم. ويوم الجمعة، تم تبادل دفعة أولى من 270 جندياً و120 مدنياً من كل جانب، الأمر الذي عد أملاً حذراً في بناء الثقة بين الطرفين.

وعدّت عملية تبادل الأسرى لحظة نادرة للتعاون في جهود فشلت حتى الآن في التوصل لوقف إطلاق النار في الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات.

وتعليقاً على بدء صفقة التبادل، تساءل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال» يوم الجمعة قائلاً: «هل يمكن أن يؤدي هذا إلى شيء كبير؟».

ترمب الذي غيّر مواقفه بشأن أوكرانيا مراراً وتكراراً، بدا حريصاً على مواصلة سياساته تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على الرغم من أن الأخير لم يقدم حتى الساعة أي تنازل عن مواقفه.

وعبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن اعتقاده بأن هذه العملية، التي من المقرر أن تشهد إطلاق سراح 1000 أسير من كل جانب على مدى ثلاثة أيام، ستمهد لمرحلة جديدة في جهود التفاوض على اتفاق سلام بين موسكو وكييف.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن كل جانب أعاد للآخر 307 جنود إضافيين، بعد يوم من تبادل كل طرف 390 من العسكريين والمدنيين مع الآخر، وأكد الجانب الأوكراني الأرقام المعلنة على لسان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر حسابه الرسمي على قناة «تليغرام»، مضيفاً: «من بين هؤلاء الذين عادوا اليوم جنود من جيشنا، ومن هيئة الحدود الحكومية والحرس الوطني الأوكراني».

وأضاف: «نتوقع المزيد غداً». وقالت الوزارة الروسية إنها تتوقع استمرار عملية التبادل، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.

وأوضحت وزارة الدفاع الروسية أنه «في الوقت الحاضر، يوجد جميع العائدين من الأسر في بيلاروس، حيث يتلقون المساعدة النفسية والطبية اللازمة. ومن ثم سيتم نقلهم إلى روسيا لتلقي العلاج والتأهيل في المؤسسات الطبية التابعة لوزارة الدفاع».

أسرى حرب أوكرانيون أفرجت عنهم روسيا أمس في إطار صفقة تبادل (رويترز)

ترمب متمسك ببوتين

وبينما يقول معارضو ترمب إنه يتعرض للخداع وإن بوتين لا يريد السلام، بل يماطل في رهان على الوقت لتعديل كفة الصراع ميدانياً بشكل كبير، يقول مسؤولون في البيت الأبيض إنهم ما زالوا يعتقدون أن بوتين على وشك اتخاذ خطوات ملموسة نحو التوصل إلى اتفاق.

ورغم أن ترمب نفسه قد أقر أخيراً باستغلال بوتين له، وأبلغ قادة أوروبيين بأن الرئيس الروسي لا يريد السلام الآن لأنه يعتقد أنه منتصر، غير أنه لم يعمد إلى اتخاذ أي إجراء ضده. لا بل تراجع عن شرط وقف إطلاق النار، ولم يفرض عقوبات إضافية كما هدد سابقاً، ولم يعمد إلى طمأنة حلفاء الناتو حول مستقبل تعامل بلاده معهم. وخرج بعد مكالمته الهاتفية معه الاثنين الماضي أكثر قرباً من بوتين، متنحياً عن لعب دور الوسيط لمصلحة الصيغة التي يفضلها بوتين. وقال إن روسيا مستعدة لتوضيح مطالبها للسلام كخطوة دبلوماسية حاسمة. واقترح ترمب إجراء محادثات سلام في الفاتيكان، حيث قال مسؤولون في البيت الأبيض إن الروس سيصلون حاملين «مذكرة سلام» توضح رؤية موسكو لوقف إطلاق النار، واتفاقاً أوسع لإنهاء الحرب. وهو ما لم يجر حتى الآن، بحسب الجانب الأوكراني، الذي أضاف أنه ليست لديه معلومات حول موعد أو مكان انعقاد الجولة التالية من المحادثات، بعد الاجتماع الأول الذي عُقد في إسطنبول.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ب)

بانتظار مذكرة السلام

ورغم تأكيد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الجمعة أن روسيا تُعدّ مثل هذه المذكرة، لكنه رفض فكرة عقد الاجتماع في الفاتيكان، مُدّعياً أنه لن يكون مكاناً مناسباً لاجتماع دولتين مسيحيتين أرثوذكسيتين.

وقال لافروف إن بلاده مستعدة لتسليم أوكرانيا مسودة وثيقة تحدد شروط اتفاق سلام طويل الأجل بمجرد الانتهاء من عملية تبادل الأسرى الحالية. وأضاف لافروف في تصريحات نشرها الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الروسية أن موسكو ملتزمة بالعمل على التوصل إلى تسوية سلمية للحرب. كما اتهم أوكرانيا بشن هجمات بطائرات مسيّرة على مدى عدة أيام على أهداف روسية، مما أسفر عن سقوط قتلى وتعطيل حركة الملاحة الجوية.

وأشار إلى أن دولاً أوروبية شجعت كييف على شن هذه الهجمات لتقويض جهود السلام التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقال لافروف: «نحن ملتزمون بالتوصل إلى تسوية سلمية ومنفتحون دائماً على المحادثات... واسمحوا لي أن أؤكد التزامنا بالاتفاقات التي جرى التوصل إليها مؤخراً في إسطنبول».

أسرى حرب أوكرانيون أفرجت عنهم روسيا في عملية التبادل يظهرون في مكان غير محدد بأوكرانيا (رويترز)

وأضاف: «نعمل بنشاط على الجزء الثاني من الاتفاقات، الذي ينص على قيام كل جانب بإعداد مسودة وثيقة تحدد الشروط اللازمة للتوصل إلى اتفاق موثوق وطويل الأمد بشأن التسوية».

وتابع: «بمجرد الانتهاء من تبادل أسرى الحرب، سنكون مستعدين لتسليم الجانب الأوكراني مسودة هذه الوثيقة التي يعمل الجانب الروسي الآن على استكمالها».

وقال لافروف إن زيادة الهجمات الأوكرانية بطائرات مسيّرة هي «نتيجة مباشرة» للدعم الذي قدمته دول بالاتحاد الأوروبي لأوكرانيا والتي زار قادتها كييف في الأيام القليلة الماضية. وأضاف لافروف في إشارة إلى الدول الأوروبية: «نحن على يقين من أنهم سيحاسبون على نصيبهم من المسؤولية عن هذه الجرائم». وتابع: «من الواضح أن هذه محاولة لعرقلة محادثات السلام وتقويض التقدم المحرز في إسطنبول عقب الاتفاقات بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة... وسنواصل هذا العمل مهما كانت الاستفزازات». وكانت وزارة الخارجية الروسية توعدت في وقت سابق بالرد على الهجمات.

ومع ذلك، يواصل ترمب سياسة الصبر مع بوتين، معتقداً أن الدبلوماسية معه أقنعته بإعداد مذكرة السلام المرتقبة، وهو أمر لم يكن مستعداً لفعله من قبل، وبأن الحفاظ على العلاقات الودية معه سيكون أكثر فائدة. ويرى الجمهوريون، وخصوصاً في مجلس الشيوخ، أن ترمب لديه على الدوام رد جاهز في حال فشلت جهوده مع بوتين. ولدى المجلس مشروع قرار قاده السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، حليف ترمب المقرب، وحصل على موافقة مبدئية من 80 سيناتوراً، لفرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المائة على الدول (وخاصة الصين) التي تشتري النفط الروسي.


مقالات ذات صلة

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة لكييف حيث تظهر شاشة كبيرة تُظهر درجة حرارة بلغت -19 مئوية في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مفاوضون أوكرانيون في أميركا لبحث إنهاء الحرب مع روسيا

وصل مفاوضون أوكرانيون إلى الولايات المتحدة؛ لإجراء محادثات مع مبعوثين أميركيين؛ سعياً لإنهاء الحرب مع روسيا، المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) play-circle

زيلينسكي يأمل إبرام اتفاق الضمانات الأمنية مع أميركا الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه يأمل أن توقع بلاده اتفاقيات مع أميركا، الأسبوع المقبل، بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وانتقد بشدة بطء وصول الذخيرة من الشركاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز) play-circle

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية لاحقاً

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية، وموسكو تتابع «الوضع الاستثنائي» حول غرينلاند، وتتجنب إدانة خطوات ترمب

رائد جبر (موسكو)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.