«رحلة شقاء لا تستثني أحداً»... كيف يحصل أهل غزة على الطعام؟

«الشرق الأوسط» رافقت طفلة وسيدة في صفوف «التكايا» الخيرية

فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيَّة خيرية بمدينة غزة (الشرق الأوسط)
فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيَّة خيرية بمدينة غزة (الشرق الأوسط)
TT

«رحلة شقاء لا تستثني أحداً»... كيف يحصل أهل غزة على الطعام؟

فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيَّة خيرية بمدينة غزة (الشرق الأوسط)
فلسطينيون يتدافعون للحصول على طعام من تكيَّة خيرية بمدينة غزة (الشرق الأوسط)

ما إن تدق عقارب الساعة الثانية عشرة ظهراً، حتى يهم وحيد أبو صبيح بمناداة ابنته بيسان البالغة من العمر 7 أعوام لحمل «طنجرة» صغيرة تجلب فيها شيئاً من طعام تقدمه تكيَّة خيرية تبعد عشرات الأمتار عن خيمته بمنطقة مدارس «الأونروا» في مخيم الشاطئ، غرب مدينة غزة.

أبو صبيح (47 عاماً) نازح من بلدة بيت لاهيا بشمال القطاع، ويعيش مع عائلته المكونة من 7 أفراد في خيمة لا تتعدى مساحتها 4 أمتار؛ ومثل كثيرين غيره، لا يجد طعاماً يقدمه لأطفاله.

تصطف بيسان، التي كان من المفترض أن تكون بمقاعد الدراسة، في طابور طويل، وسط حشد كبير من الأطفال والنساء والرجال، من أجل الحصول على نحو 400 غرام من «غذاء مطبوخ»، مثل العدس، أو الفاصولياء، أو البازلاء، أو الأرز، تقدمها التكية دون أي إضافات أخرى.

فتيات ونساء في انتظار تزويدهن بالطعام عند تكيَّة خيرية في غزة (الشرق الأوسط)

وتقف الطفلة نحو ساعة ونصف الساعة يومياً، وربما أكثر، حتى تحصل على الطعام. وفي أوقات أخرى تخرج باكراً لمزاحمة الآخرين على أبواب خيمة التكية.

وبكلمات طفولية بريئة تقول: «أنا بروح أجيب الأكل مشان أساعد أهلي ياكلوا لأنه ما فيه أكل عنا».

عجز وقهر

كمية الطعام التي تُحضرها بيسان لا تكاد تكفي وجبة الغذاء فقط، وفي أحيان تعود بلا أي طعام فلا تجد الأسرة ما تتناوله طيلة اليوم سوى بعض من زعتر أو حمص لديها، دون خبز أحياناً.

ويشرح الأب، الذي كان يملك يوماً محلاً صغيراً لبيع حاجيات الأطفال قبل أن يُدمَّر تماماً نتيجة القصف الإسرائيلي الذي طال متجره ومنزله منذ نحو عام، كيف أن طفلته تخرج يومياً لساعات كي تجلب هذه الكمية المحدودة، وكيف تدخل أحياناً في عراك مع بعض أقرانها المتزاحمين على الطعام.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن سلوك طفلته اختلف بسبب الواقع الأليم، فباتت تزاحم الجميع لضمان موقع متقدِّم بين الصفوف، وأصبح صوتها يعلو على الآخرين وهي تحاول الحصول سريعاً على ما يتوفر من وجبات يومية.

تدافع لملء الطناجر بطعام أعدته تكيَّة خيرية بمدينة غزة يوم الأربعاء (الشرق الأوسط)

ويشعر أبو صبيح بالحيرة والعجز: هل يمنع طفلته من التوجُّه إلى التكية للحصول على بعض من طعام، أم يكلف أحد أطفاله الآخرين بذلك، وهو ما سيضطر بيسان للوقوف في طابور آخر للحصول على بضعة لترات من المياه الصالحة للشرب؟

يقول متحسراً: «هذا ما وصل إليه حال أطفالنا... الوقوف في طوابير طويلة للحصول على بعض الطعام أو المياه بدلاً من التوجه للمدارس والتعلُّم».

ويشير إلى أنه لم يعد لديه أي دخل مادي بعد أن فقد محله ومنزله واضطر للنزوح إلى جنوب القطاع في فترات سابقة، قبل أن يعود إلى الشمال في فترة وقف إطلاق النار المؤقت، ولا مجال لديه لتوفير أي طعام إلا من خلال التكيات الخيرية.

وتختنق العَبَرات في عينيه وهو يقول: «كنا عايشين حياة كويسة، وبنقدر نجيب لقمتنا بكل سهولة، وعايشين على القليل، لكن في الحرب هذه وصلنا لوضع ما بنقدر نوصفه حتى أصبحنا جعانين ومشردين».

النوم جوعى

يومياً تقف فاتن المصري (51 عاماً)، وهي من سكان بلدة بيت حانون ونازحة إلى حي الرمال، في طابور طويل وهي تحمل طنجرة ربما توضع لها فيها كمية صغيرة من العدس أو الأرز أو أي صنف من الطعام.

وتقول السيدة التي تعيش منذ أشهر في خيمة برفقة عائلتها المكونة من 13 فرداً، إن ساعات انتظارها للحصول على حصة من طعام لا تقل عن 3 كل يوم. ونظراً لعدم توفر الطحين (الدقيق)، تضطر عائلتها لتناول طعام التكية من دون خبز أو أي مكملات أخرى.

وبكلمات غلب عليها القهر والوجع أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الجوع وانشغال أولادي، كل واحد بيروح لتوفير مياه أو غيره، بيخليني اضطر أروح أقف في الطابور رغم إني مريضة سكري وما بقدر أقف لساعات طويلة، لكني مضطرة لأن ظروف عائلتي صعبة وما عنا إشي ناكله».

تزاحم للحصول على طعام من إحدى التكايا الخيرية بقطاع غزة (الشرق الأوسط)

وأيضاً مثل الآخرين، ما تتحصل عليه يكاد يكفي لوجبة واحدة فقط في اليوم. وعندما يحل المساء لا يجد أفراد الأسرة ما يأكلونه، فينامون جوعى.

ومع تزايد أعداد النازحين في الأيام الأخيرة، ازداد عناء الحصول على طعام من التكيات، وباتت الجهود مضاعفة، مع تزاحم الرجال والأطفال والنساء من أجل الحصول على كمية بسيطة تسد جزءاً من رمق.

تقول فاتن: «حياتنا صارت رأساً على عقب، كل إشي فيها تغير وانقلب، وما عاد فينا حيل نتحمل كل هالوجع وهالتعب وهالذل اللي وصلنا له».

تحذير من واقع «أكثر من كارثي»

وترصد «الشرق الأوسط» أن بعض التكيات باتت لا تستطيع مؤخراً توفير كميات كبيرة من الطعام، وأصبح بعضها يقلص الكميات التي يقدمها، في حين توقف البعض الآخر عن العمل تماماً.

وتشرف على تلك التكيات مؤسسات أممية ودولية وعربية وأخرى مبادرات شبابية خيرية.

تزاحم أمام تكية خيرية بمدينة غزة يوم الأربعاء (الشرق الأوسط)

ويقول علي مطر، أحد القائمين على إحدى «التكايا» غرب مدينة غزة، وهي المنطقة التي يتكدس بها النازحون من شمال قطاع غزة، إن هناك نقصاً واضحاً في المعلبات وكميات الأرز والعدس وغيرها لدى التجار، الأمر الذي بدأ يؤثر على قدرة الكثيرين على تقديم الطعام للمواطنين، مما يفاقم الواقع المأساوي والجوع الذي يعتصر أهل القطاع.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن أسعار ما يتوفر من أرز وعدس وبعض المعلبات من الفاصولياء والبازلاء والفول وغيرها باتت باهظة، مما يزيد من التكلفة على المتبرعين ويرهقهم، لا سيما أن بعض المؤسسات الأممية والدولية بدأت فعلاً بإغلاق «تكاياها» لعدم توفر أي أنواع من الطعام في مخازنها.

ويشير إلى أن بعض المؤسسات المدعومة من جهات عربية وخيرية لجأت لتوحيد الجهود في محاولة لطهي الطعام معاً بعد النقص في الغذائية.

واستطرد: «إن لم يُتدارك هذا الخطر الذي بات يؤثر على عمل (التكيات) الخيرية، فإن الواقع في غزة سيكون أكثر من كارثي والمجاعة ستتسبب بوفاة العشرات أسبوعياً».

وتحت وطأة ضغوط دولية هائلة لوقف حملتها العسكرية المكثفة في غزة، والسماح بدخول المساعدات إلى القطاع، أعلنت إسرائيل أنها ستسمح بدخول مساعدات «أساسية»، وذلك بعد منع ذلك منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي.

عمال في مخبز في دير البلح بوسط قطاع غزة، الخميس، بعد أن سمحت إسرائيل بدخول مساعدات إنسانية محدودة (أ.ف.ب)

غير أن منظمة «أطباء بلا حدود» وصفت المساعدات التي تسمح إسرائيل بإدخالها بأنها «غير كافية بشكل مثير للسخرية»، وتهدف فقط لتجنُّب اتهامها «بتجويع الناس» في القطاع المحاصَر.


مقالات ذات صلة

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يسيرون باتجاه الحدود مع غزة الخميس (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يسمح لمستوطنين بالمبيت ليلة في غزة

حضر المستوطنون، وهم من حركة «نحلاة»، مع حلول ظلام الليلة الماضية الخميس – الجمعة، إلى المنطقة الشمالية للقطاع، التي تحتلها القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوارب ضمن «أسطول الصمود العالمي» تبحر قبالة اليونان متجهة نحو قطاع غزة 26 سبتمبر 2025 (رويترز)

«أسطول الصمود العالمي» يعتزم تنظيم قافلة مساعدات بحرية جديدة نحو غزة

تعتزم مجموعة ناشطين مؤيدين للفلسطينيين حاولوا الوصول إلى غزة العام الماضي، تنظيم أسطول مساعدات بحرية جديد الشهر المقبل إلى القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
TT

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)
محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

في اليوم الأول لمباشرة مهامه محافظاً للحسكة، شمال شرقي سوريا، تعهد نور الدين عيسى أحمد، بحماية «التنوع الذي يميز المحافظة» محذراً من «الفتنة»، وذلك بالتزامن مع زيارة وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي، مروان العلي، لمبنى المحافظة في اطار تنفيذ دمج المؤسسات الرسمية.

ووجَّه المحافظ الجديد خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون «لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض»، مؤكداً على أن الأولوية هي فرض «الأمن والأمان والاستقرار»، وأضاف مشدداً على أن «الخدمات وكرامة المواطن فوق أي اعتبار، لن نسمح بالفتنة، وسنحمي التنوع الذي يميز محافظتنا»، داعياً الجميع للتعاون. مضيفاً: «بدعمكم ستحول الأيام القادمة إلى بداية استقرار حقيقي يلمسه كل بيت» وفق نص الخطاب الذي نشره المكتب الصحافي في المحافظة.

وفد حكومي بقيادة العميد مروان العلي في مبنى محافظة الحسكة السبت (فيسبوك)

ونور الدين عيسى أحمد، الملقب بـ«أحمد خانيكا» كان مسؤول العلاقات في قوات «قسد» وأحد القياديين البارزين في الإدارة الذاتية منذ نشأتها عام 2014، وأدى دوراً بارزاً في إدارة العلاقات مع العشائر العربية، في شمال وشرق سوريا. وقد تم ترشيحه من قبل «قسد» لتولي منصب محافظ الحسكة في إطار الاتفاق المبرم مع دمشق.

وبدأ الحافظ عمله، السبت، بعد استكمال التجهيزات اللازمة لمبنى المحافظة، ورفع العلم السوري، في إشارة إلى بدء مرحلة إدارية جديدة وإنهاء حالة «المربعات الأمنية»، وتقاسم السيطرة بين مناطق تتبع للحكومة وأخرى تبع للإدارة الذاتية.

وشهد مبنى المحافظة بحضور وسائل الإعلام أول اجتماع مع وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، حيث جرى بحث آليات التنسيق الإداري وتنظيم الشؤون المدنية والأمنية في المحافظة.

وقال العلي إن عملية الدمج تسير بشكل إيجابي، وإن جميع المعابر ستعود لإدارة الدولة السورية، وقريباً ستدخل قوى الأمن إلى عين العربي «كوباني». وذلك بينما تواصل القوات الأميركية إخلاء قاعدة الشدادي العسكرية.

العميد مروان العلي مع محافظ الحسكة الجديد (صفحة مرصد الحسكة)

وقال العميد العلي في تصريح لوسائل الإعلام عقب الاجتماع إن «عملية الدمج تجري على قدم وساق والأجواء إيجابية جداً» نافياً فرض حصار على مدينة عين العرب (كوباني). وأكد أن موضوع عين العرب (كوباني) مرتبط بموضوع القامشلي والحسكة، وقوى الأمن السوري دخلت إلى منطقة الشيوخ وقريباً ستدخل إلى عين العرب (كوباني)، حيث ستقوم قوات «قسد» بالانسحاب من الحسكة ومن عين العرب، مضيفاً أن النازحين من جميع الأطراف سيعودون إلى مناطقهم والتأخيرات التي تحصل تتعلق بأمور لوجيستية وتقنية، وسيعود الأمر إلى ما كان عليه، داعياً إلى «تخفيف حدة اللهجة».

وفيما يخص المعابر، أكد العميد مروان العلي أنها ستعود إلى سلطة الدولة بما فيها معبر سيمالكا على نهر دجلة، في أقصى شمال شرقي الحسكة على الحدود مع العراق.

وكانت وسائل إعلام كردية أفادت بمحاصرة القوات الحكومية لمدينة عين العرب، وتدهور الأوضاع الإنسانية. نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الأساسية.

وكان وفد من وزارة الدفاع السورية، ترأسه رئيس هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، العميد حمزة الحميدي، زار محافظة الحسكة، الجمعة، وقام بجولة ميدانية على عدد من المواقع العسكرية يرافقه ممثلون عن «قسد»، من أجل تثبيت نقاط الانتشار للوحدات ومتابعة تطبيق الاتفاق. وقالت «قسد» في بيان لها الجمعة إن «المناقشات لا تزال مستمرة» بخصوص استكمال تنفيذ بنود اتفاقية (29 كانون الثاني)، وعملية الاندماج.

وفد عسكري من وزارة الدفاع يزور الحسكة الجمعة (مديرية إعلام الحسكة التابعة لوزارة الإعلام)

انسحاب أم إعادة تموضع أميركي؟

يأتي ذلك فيما تم رصد تحركات في قاعدة الشدادي العسكرية التابعة، لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. وأفادت تقارير إعلامية بإخلاء هذه القاعدة التي تعد ثاني أكبر قاعدة بعد قاعدة التنف في البادية الشامية، فيما عده مراقبون إعادة تموضع لقوات التحالف بعد التغييرات التي تشهدها مناطق الجزيرة السورية، وانضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

وبحسب الباحث المختص بالشؤون العسكرية، رشيد حوراني، فإن انسحاب القوات الأميركية من سوريا له عدة دلالات، بينها «الوثوق بالحكومة السورية والتعاون معها فيما يتعلق بتنظيم (داعش) وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب».

وقال حوراني لـ«الشرق الأوسط» إن الانسحاب يدل أيضاً من جانب آخر على «أن أميركا تقدم الدعم للحكومة السورية من خلال حلفائها في المنطقة، من خلال دعم تركيا مثلاً وتقديمها التدريب أو التسليح للجيش السوري»، وأيضاً يدل على التخلي عن «التعاون مع تنظيمات ما دون الدولة، خاصة أن القاعدة كان يوجد فيها عناصر تقدم الاستشارة والتدريب لـ(قسد)»، إضافة إلى دلالة معنوية تتمثل في أن «الحكومة السورية وأجهزتها المعنية تطورت بشكل ملحوظ، خاصة بعد عملية السيطرة على مناطق سيطرة (قسد) دون انتهاكات، وهو ما شجع أميركا للانسحاب».


رئيس الحكومة اللبنانية يتفقد المناطق الحدودية: سيادة الدولة مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية يتفقد المناطق الحدودية: سيادة الدولة مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم

أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)
أهالي بلدة يارين يستقبلون رئيس الحكومة نواف سلام ويلبسونه العباء التقليدية (الشرق الأوسط)

بدأ رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام زيارة إلى الجنوب اللبناني تمتد يومين، وتحمل أبعاداً سياسية وإنمائية، كونها شملت مناطق حدودية لا يزال أهلها عاجزين عن العيش فيها حياة طبيعية جراء الدمار الكبير والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، كما لجهة طريقة استقبال الأهالي لرئيس الحكومة، والتي اتسمت بالترحيب في كل القرى، بعد أن شن «حزب الله» عليه سابقا حملات تخوين كبيرة.

وأكّد سلام خلال أن حضور الدولة في هذه المرحلة «هو رسالة واضحة في مواجهة الاعتداءات والدمار، وأن المسؤولية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى حماية كرامة الناس، وتأمين مقومات الحياة الكريمة، معلناً عن مشاريع لإعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة».

وكانت محطة سلام الأولى في ثكنة الجيش اللبناني بمدينة صور، قبل أن يتوجّه على متن مصفحة مدرعة، إلى الناقورة، ومنها إلى بلدتي يارين وطيرحرفا وبنت جبيل على أن ينهي زيارته الجنوبية، الأحد، بجولة في منطقة مرجعيون والعرقوب، وصولاً إلى شبعا وكفرشوبا.

وجاءت زيارة رئيس الحكومة وسط ترحيب شعبي لافت في البلدات الجنوبية التي شملتها الجولة، حيث رفع الأهالي لافتات مرحِّبة وتجمّعوا لاستقباله في مشهد لم يكن مألوفاً في هذه المناطق، حيث ينتظر الأهالي ترجمة هذا الحضور إلى خطوات عملية تعيد الحياة إلى القرى المتضررة.

حق وطني لا يتجزأ

ترحيب شعبي برئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي مستهل جولته، كتب سلام عبر منصة «إكس» بعد محطته الأولى في صور، قائلاً: «أنا اليوم آتٍ إلى الجنوب باسم الحكومة اللبنانية لنقول كلمة واحدة واضحة: إن حق أهل الجنوب في الأمان، وفي البيت، وفي الأرض، وفي العيش الكريم، هو حق وطني لا يتجزأ». وأشار إلى خطورة الاعتداءات المستمرة، مؤكداً «أنها تشكل اعتداءً على سيادتنا، وعلى حياة المدنيين، وعلى حق الناس في أن يعيشوا بأمان».

ولفت إلى دلالة الحضور الرسمي في الجنوب، مشدداً «على أن وجود الدولة اليوم هنا هو رسالة في وجه هذا الواقع، ورسالتها أن بسط سلطة الدولة لا يكتمل بمجرد انتشار الجيش وسيطرته على الأرض، وهو الذي نوجه إليه كل التحية والتقدير، بل إن سيادة الدولة هي أيضاً مسؤولية تجاه الناس ومشاكلهم؛ فهي مدرسة مفتوحة، ومركز صحي يعمل، ومياه وكهرباء واتصالات، وطرقات ممهدة، وحياة كريمة».

مشاريع إعادة الإعمار

وتحدث سلام عن خطة الحكومة في المرحلة المقبلة، قائلاً: «إننا نعمل على 3 محاور. همنا الأول اليوم هو صون كرامة الذين ما زالوا نازحين، ودعم العائدين، وتأمين حياة أفضل للجميع، ونتحرك على 3 مسارات متكاملة: هي استمرار الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي والانماء الاقتصادي والاجتماعي».

استقبال بالأرز والورود لرئيس الحكومة نواف سلام خلال جولته في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وكشف رئيس الحكومة عن تأمين التمويل اللازم لإطلاق عدد من المشاريع، قائلاً: «جئت لأعلن عن عدد من المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار، بعد توفر التمويل، سواء من الموازنة العامة أو من خلال تأمين 250 مليون دولار كقروض ميسرة من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، وكذلك تم تأمين 35 مليون يورو منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي، مع تركيز خاص على الزراعة والتعاونيات الزراعية.»، واعداً بالعودة قريباً في زيارة ثانية إلى الجنوب لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع.

وفي كلمته من بلدة يارين الحدودية، شدد سلام على البعد الإنساني والوطني للزيارة، وقال: «إن زيارتي اليوم إلى يارين هي رسالة واضحة بأن الدولة لا تنسى أحداً». وأكد مقاربة الدولة لأبنائها، قائلاً: «إن دولتنا لا تنظر إلى أبناء هذه المنطقة كأطراف، بل كأهلها وأبنائها. والدولة الحديثة التي نطمح إليها لا تميّز بين ابن يارين وابن طير حرفا، ولا بين ابن مروحين وابن بيروت؛ فالمواطنة واحدة، والحقوق واحدة، والكرامة لا تتجزأ».

ترحيب شعبي برئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأشار إلى واقع القلق اليومي الذي يعيشه الأهالي، مضيفاً: «وأعلم أيضاً أن الاعتداءات ما زالت مستمرة، وأن كثيراً من الناس يعيشون قلقاً يومياً، لكنني أعرف أمراً أكبر: أعرف الجنوبيين بكل انتماءاتهم، وأعرف تمسكهم بأرضهم.» وتوجه لهم بالقول «صمودكم هو الأولوية، والدولة ستكون إلى جانبكم لتبقوا في أرضكم وتستمروا فيها».

 

رئيس الحكومة نواف سلام في بنت جبيل متوسطاً عدداً من النواب والمسؤولين المحليين في المنطقة (الشرق الأوسط)

 

ومن طير حرفا، شدد سلام على معنى الحضور الرسمي في مواجهة حجم الدمار، قائلاً: «إن وجود الدولة اليوم هنا هو رسالة في مواجهة هذا الدمار الهائل الذي لن نستسلم له أبداً»، مؤكداً: «الرسالة واضحة: الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل».


المبعوث الأميركي لسوريا يشيد بالاتفاقات الاستثمارية بين الرياض ودمشق

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح المبعوث الأميركي توماس برّاك (د.ب.أ)
الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح المبعوث الأميركي توماس برّاك (د.ب.أ)
TT

المبعوث الأميركي لسوريا يشيد بالاتفاقات الاستثمارية بين الرياض ودمشق

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح المبعوث الأميركي توماس برّاك (د.ب.أ)
الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح المبعوث الأميركي توماس برّاك (د.ب.أ)

أشاد المبعوث الأميركي لسوريا توماس برّاك، اليوم (السبت)، بالاتفاقات الاستثمارية التي أُعلن عن توقيعها بين السعودية وسوريا، وقال إنها ستسهم بشكل كبير في جهود إعادة إعمار سوريا.

وأكد برّاك، في منشور على منصة «إكس»، أن الشراكات الاستراتيجية بين السعودية وسوريا في مجالات الطيران، والبنية التحتية، والاتصالات، ستلعب دوراً كبيراً في تعافي سوريا.

وأضاف: «مثلما قال الرئيس الأميركي (دونالد ترمب) فإن الاستقرار الاقليمي يتحقَّق عندما تُحدِّد دول المنطقة مستقبلها، وهذه الشراكة تُجسِّد هذا المبدأ».

ووقَّعت سوريا والسعودية، السبت، في دمشق سلسلة اتفاقات «استراتيجية»، من بينها اتفاقية تأسيس شركة طيران مشتركة، وأخرى تشمل قطاع الاتصالات وتحلية المياه.

وأعلن رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، خلال حفل التوقيع، عن 5 اتفاقات، من بينها «اتفاقية تشكيل شركة طيران سورية سعودية اقتصادية تهدف إلى تعزيز الرابط الجوي الاقليمي والدولي، وتسهل حركة السفر والتجارة»، باسم «طيران ناس سوريا».

وتشمل الاتفاقية كذلك تطوير مطار حلب الحالي، وإنشاء مطار جديد في المحافظة بسعة 12 مليون مسافر، بحسب ما أوضح محافظ حلب، عزام الغريب، في بيان.

وأعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، خلال حفل التوقيع، أن هذه الاتفاقات تُشكِّل «امتداداً لمسار واضح يستند إلى توجيهات ودعم واضحَين رُسِمت تفاصيلهما في لقاءات» بين قيادات البلدين «لبناء شراكة استراتيجية».

ووقَّع الطرفان كذلك اتفاقية تأسيس مشروع «سيلك لينك»؛ بهدف «تطوير البنية التحتية للاتصالات والربط الرقمي»، وفق الهلالي.

وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح (رويترز)

وأوضح وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل، خلال حفل التوقيع، أن المشروع يُنفَّذ «باستثمار نحو مليار دولار على مرحلتين تمتدان بين 18 شهراً و48 شهراً، ويبدأ تشغيله واستثماره تباعاً».

ووقَّع الطرفان أيضاً اتفاقية لتطوير مشروعات تحلية المياه ونقلها، واتفاقية للتعاون التنموي، وأخرى لتشغيل شركة الكابلات السورية الحديثة وتطويرها، بحسب الإعلام الرسمي.

وأعلن وزير الاستثمار السعودي إطلاق أعمال «صندوق إيلاف السعودي للاستثمار»، موضحاً أنَّه مخصص للاستثمار في «المشروعات الكبرى في سوريا بمشاركة من القطاع الخاص» في المملكة.

وعدّ رئيس هيئة الاستثمار السوري أن «هذه الاتفاقات استراتيجية، ونوعية، وتستهدف قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين وتُشكِّل ركائز أساسية لإعادة بناء الاقتصاد السوري».