المدارس الأميركية تؤهل آلاف الطلاب لعصر الذكاء الاصطناعي

تدريب التلاميذ لتقييم النتائج المولّدة

أحد صفوف مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية
أحد صفوف مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية
TT

المدارس الأميركية تؤهل آلاف الطلاب لعصر الذكاء الاصطناعي

أحد صفوف مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية
أحد صفوف مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية

تتصدر مدارس مقاطعة «ميامي ديد» العامة، ثالث أكبر منطقة تعليمية في البلاد، تجربة وطنية سريعة التطور لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية في التعليم والتعلم.

المعلمون أيضاً يدربون على استخدام الذكاء الاصطناعي

تدريب المعلمين

على مدار العام الماضي، درّبت المنطقة أكثر من 1000 معلم على أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، وهي الآن تُقدم روبوتات دردشة غوغل لأكثر من 105 آلاف طالب في المرحلة الثانوية - وهو أكبر انتشار من نوعه في منطقة تعليمية أميركية حتى الآن.

من الحظر إلى الاستخدام

ويُمثل هذا تحولاً جذرياً عما كانت عليه الحال قبل عامين، عندما حظرت مناطق تعليمية مثل ميامي، روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي؛ خوفاً من الغش الجماعي والمعلومات المضللة. وتستطيع روبوتات الدردشة هذه، المُدربة على قواعد بيانات نصية، إنشاء رسائل بريد إلكتروني وتنفيذ اختبارات صفية ووضع خطط دروس ذات طابع إنساني بسرعة، إضافة إلى أنها تختلق معلومات قد تُضلل الطلاب!

والآن، تُقدم بعض المدارس، التي كانت حذرة سابقاً، أدوات ذكاء اصطناعي مُولّدة، بهدف مساعدة الطلاب على الاستعداد لمتطلبات العمل المتطورة.

أحد طلاب مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية

تعليم التلاميذ تقييم النتائج المولَّدة

ويقول قادة مدارس ميامي إنهم يريدون أيضاً أن يتعلم الطلاب كيفية تقييم أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة بشكل نقدي واستخدامها بمسؤولية.

وقال روبرتو جيه. ألونسو، عضو مجلس إدارة مدرسة في ميامي ديد: «يجب أن يكون لدى كل طالب مستوى معين من المعرفة بالذكاء الاصطناعي لأنه سيؤثر على حياتنا جميعاً، بطريقة أو بأخرى، في الأدوات التي نستخدمها في وظائفنا».

يأتي هذا التحول الجذري في استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس دونالد ترمب وقادة وادي السيليكون إلى إدخال هذه التقنيات إلى المزيد من الفصول الدراسية.

ترويج الشركات لرؤى مبالغ فيها

يروّج بعض مليارديرات التكنولوجيا لرؤى مُبالغ فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي كروبوتات تعليمية فعّالة تُصمّم وتولد المحتوى فوراً بما يتناسب مع مستوى تعلم كل طالب. وتتنافس «غوغل» وشركة «أوبن إيه آي» المُطوّرة لتطبيق «تشات جي بي تي»، بشراسة لجذب قادة التعليم والاستحواذ على الفصول الدراسية بأدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما.

من جهتها، تُجادل شركاتٌ عملاقةٌ في هذا المجال، مثل «مايكروسوفت»، بأن تدريب الشباب الأميركيين على مهارات الذكاء الاصطناعي في مكان العمل أصبح ضرورةً اقتصاديةً وطنيةً لمنافسة الصين.

أمر رئاسي: دمج الذكاء الاصطناعي ابتداءً من رياض الأطفال

وفي الشهر الماضي، وافق الرئيس ترمب على ذلك، مُوقِّعاً أمراً تنفيذياً يهدف إلى حثّ المدارس على «دمج أساسيات الذكاء الاصطناعي في جميع المواد الدراسية» وللطلاب «من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر».

وإذا نجحت حملة الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية، فقد تُعيد صياغة عملية التدريس والتعلم، جزئياً من خلال جعل روبوتات الدردشة وسطاءَ يلجأ إليها الطلاب أولاً للحصول على الدروس الخصوصية والملاحظات - قبل أن يطّلع المعلمون على أعمالهم.

الذكاء الاصطناعي يحلل إجابات الطلاب في أحد الدروس ويقيمها

مخاوف من تآكل الفكر النقدي

ويقول الباحثون إن الذكاء الاصطناعي قد يُؤدي أيضاً إلى تآكل مهاراتٍ مهمةٍ مثل التفكير النقدي أو يدفع الطلاب إلى الاعتماد المُفرط على روبوتات الدردشة.

وكان تقرير حديث صادر عن مؤسسة «راند» البحثية قد ذكر أن «احتمالية أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية إلى تحسينات ملموسة في التدريس والتعلم، ضئيلة».

وقد تفقد روبوتات الدردشة الصفية بريقها مع ظهور أي ابتكار تكنولوجي قادم، إذ تواجه حملة سابقة كان قد قادها وادي السيليكون لتدريس علوم الحاسوب في المدارس، أزمة وجودية حالياً، بعدما حوّل الممولون اهتمامهم إلى محو أمية الذكاء الاصطناعي.

تجربة مدينة ميامي

تنضم مقاطعة ميامي ديد إلى موجة الذكاء الاصطناعي الصفي من خلال تبني الأدوات الجديدة كأدوات عملية يمكن للمعلمين والطلاب استخدامها - وإن كان ذلك من منظور نقدي وتدقيق متكرر للحقائق.

استخدام أخلاقي ومسؤول

قال دانيال ماتيو، مساعد المشرف على الابتكار في مدارس ميامي ديد ومهندس مبادرة الذكاء الاصطناعي في المقاطعة: «الذكاء الاصطناعي ليس إلا أداة أخرى في ترسانة التعليم». وكما هي الحال مع الأدوات التعليمية الأخرى، قال: «علينا التأكد من استخدامها بشكل أخلاقي، ومسؤول، ووضع ضوابط معينة، وأن يتم ذلك كله من خلال عملية التدقيق لدينا».

يُعد جهد ميامي جزءاً من حملة أوسع لنشر أدوات الذكاء الاصطناعي ومحو الأمية في الفصول الدراسية في ولاية فلوريدا. وفي العام الماضي، أنشأت جامعة فلوريدا فريق عمل تعليمياً على مستوى الولاية - يضم أكثر من عشرين منطقة تعليمية، من بينها مدارس في مقاطعات ميامي ديد، وبروارد، وبالم بيتش - لوضع إرشادات حول الذكاء الاصطناعي للمدارس المحلية.

قالت مايا إسرائيل، الأستاذة المشاركة في تعليم علوم الحاسوب بجامعة فلوريدا والمشرفة على الفريق: «بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل المدارس بالفعل، وبالتالي فإن عدم اتباع نهج استراتيجي واعٍ للنظر في الذكاء الاصطناعي أمر محفوف بالمخاطر».

الاقتناع باستخدام روبوتات الدردشة

في عام 2023، حظرت مدارس ميامي ديد في البداية برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» إلا أن دانيال ماتيو، وهو شغوف بالتكنولوجيا، بدأ بدراسة استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة في المدارس. وتخيل استخدام روبوتات الدردشة لتلخيص التقارير لمديري المدارس واقتراح أفكار جديدة للدروس للمعلمين.

وفكر ماتيو في أنه إذا درّبت المنطقة التعليمية المعلمين على هذه الأنظمة، فسيتمكن معلمو ميامي من مساعدة الطلاب على استخدام روبوتات الدردشة للتعلم، وليس للغش.

مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية

كيف تم اختيار أنواع النظم الذكية؟

أمضى موظفو التكنولوجيا في مدارس ميامي ديد، أشهراً في تقييم ما يقرب من 12 أداة ذكاء اصطناعي مختلفة من حيث الدقة والخصوصية والإنصاف.

وكان أبرز النظم المتنافسة: «جيميناي» من «غوغل»، و«تشات جي بي تي» من «أوبن إيه آي»، و«كوبايلوت» من «مايكروسوفت».

طرح أسئلة غير لائقة لاختبار الردود المتحيزة

كما قام أعضاء فريق ماتيو، الذين تظاهروا بأنهم قراصنة مراهقون، بإدخال تعليقات وقحة لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم حث روبوتات الدردشة على إنتاج ردود عنصرية أو عنيفة أو جنسية صريحة.

وأوضحت جانيت تيغيدا، اختصاصية تكنولوجيا التعليم في المنطقة التعليمية: «لقد كُلّفنا بمحاولة اختراق الذكاء الاصطناعي. لقد طرحنا على الذكاء الاصطناعي أسئلةً غير لائقةٍ يُمكن تخيُّلها».

«جيميناي».. هو الفائز

وقال ماتيو إن المنطقة التعليمية اختارت في النهاية برنامج «جيميناي» لطلابها، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن «غوغل» قدّمت بعضاً من ضوابط المحتوى والخصوصية للمراهقين - بما في ذلك عدم استخدام المعلومات التي يُدخلها الطلاب في روبوت المحادثة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة.

بعد ذلك، طوّرت المنطقة التعليمية ورش عمل تدريبية في مجال الذكاء الاصطناعي لمعلميها البالغ عددهم 17000 معلم.

جلسات تدريب افتراضية للمعلمين

يُطلق على البرنامج اسم «معهد الذكاء الاصطناعي» the AI Institute، ويُقدّم الآن عشرات الجلسات الافتراضية المباشرة للمعلمين. تتضمن أوصاف الدورات: «حوّل تخطيط دروسك باستخدام الذكاء الاصطناعي! واكتشف كيف يُمكن لنماذج لغة الذكاء الاصطناعي إحداث ثورة في تدريس الكتابة».

أول اختبار لروبوتات الدردشة في المدارس

في ربيع هذا العام، اختبرت المدارس الثانوية المحلية روبوت المحادثة مع الطلاب. كانت مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية من أولى المدارس التي اختبرت روبوت المحادثة مع الطلاب، وهي مُجمّع خرساني مترامي الأطراف مُزخرف باللون الأرجواني الملكي، ويضم نحو 2500 طالب.

تُقدّم هذه المدرسة المُعتمدة على التكنولوجيا مجموعةً مُتنوعةً من دورات المستوى المُتقدّم والحوسبة، بما في ذلك أساسيات الذكاء الاصطناعي، وهي دورةٌ على مستوى الجامعة طورتها جامعة فلوريدا.

وفي صباح أحد أيام أبريل (نيسان) الماضي، جربت تريسي لود، مُعلمة الدراسات الاجتماعية في ميامي، نهجاً جديداً لإضفاء الحيوية على السياسات الحكومية لطلابها في المرحلة الثانوية، إذ استخدمت روبوتات الدردشة الذكية لتقمص أدوار الرؤساء الأميركيين.

وأعرب ماتيو عن أمله في أن يُحدث إطلاق روبوتات الدردشة في المنطقة التعليمية نقلة نوعية في عملية التعلم، من خلال توفير معلومات مفيدة بسرعة للطلاب الذين قد يحتاجون، على سبيل المثال، إلى مساعدة فورية في مسألة حساب التفاضل والتكامل في وقت متأخر من الليل.

وصرح خورخي م. بولنز، مدير مدرسة ساوث ويست ميامي الثانوية، بأن العديد من المراهقين يستخدمون بالفعل روبوتات الدردشة الذكية خارج المدرسة. وأضاف: «نحن مُلزمون بمساعدتهم على هذا الاستخدام».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».