الدولار يواصل تراجعه بعد تعثّر قانون ترمب الضريبي

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يواصل تراجعه بعد تعثّر قانون ترمب الضريبي

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

انخفض الدولار الأميركي، يوم الأربعاء، مستمراً في تراجعه الذي دام يومَيْن مقابل مجموعة من العملات، بعد فشل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إقناع الجمهوريين الرافضين لمشروع قانون إصلاح الضرائب الشامل.

كما ساد الحذر بين المتداولين من إمكانية سعي المسؤولين الأميركيين لإضعاف الدولار خلال اجتماعات وزراء مالية مجموعة السبع التي تُعقد حالياً في كندا. ومع تباطؤ تطورات حرب الرسوم الجمركية العالمية التي شنّها ترمب، والتي تسبّبت في تقلّبات حادة في أسعار العملات في الأشهر الأخيرة، لا يزال الموعد النهائي للرسوم الجمركية الذي يقترب من نهاية مهلة التسعين يوماً لفرضها على شركاء الولايات المتحدة التجاريين يلوح في الأفق من دون أي اتفاقيات تجارية جديدة، وفق «رويترز».

وبينما تظل الأسواق متفائلة بحذر بشأن حرص البيت الأبيض على استئناف تدفق التجارة بشكل مستدام، يبدو أن المحادثات مع الحليفَيْن المقربَيْن، طوكيو وسيول، قد فقدت زخمها.

وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في إبقاء الدولار تحت الضغط، في الوقت الذي استمرت فيه عوائد سندات الخزانة الأميركية بالارتفاع، مع بقاء الشعار المهيمن «بيع أميركا» يؤثر في قرارات الاستثمار، وإن كان هذا التأثير أقل حدة مما كان عليه في وقت سابق من الشهر الحالي. وأوضح محللو بنك الكومنولث الأسترالي، في مذكرتهم: «لا نعتقد أن الدولار الأميركي -والأصول الأميركية عموماً- في بداية دوامة انحدار».

ومع ذلك، يتوقع الخبراء أن يشهد الدولار الأميركي مزيداً من الضعف في عام 2026، بمجرد أن يتلاشى عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية ويدعم انخفاض أسعار الفائدة انتعاش الاقتصاد العالمي. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يُخصص كبار مديري الأموال رأس مال أقل للأصول المقوّمة بالدولار الأميركي مع مرور الوقت. وعلى الرغم من أن خفض وكالة «موديز» لتصنيف الديون السيادية الأميركية يوم الجمعة الماضي لم يؤثر كثيراً في الأسواق، فإنه عزّز السرد الذي يشير إلى تراجع الثقة بالأصول الأميركية بصفتها ملاذات آمنة. ونتيجة لذلك، انخفض الدولار هذا العام مقابل جميع العملات الرئيسية. وفقاً للمحللين المستقلين، من المتوقع أن يُضيف مشروع قانون ترمب الضريبي ما بين 3 و5 تريليونات دولار إلى ديون البلاد. وقد أثر تضخم الدين المالي، والاحتكاكات التجارية، وضعف الثقة في الأسواق الأميركية.

وأشار محللو «غولدمان ساكس»، في مذكرتهم البحثية، إلى أن «أسعار الرسوم الجمركية الآن أقل، لكنها لا تزال مرتفعة، وينطبق الأمر نفسه على مخاطر الركود في الولايات المتحدة». وأضافوا: «لا تزال الولايات المتحدة تواجه أسوأ مزيج من النمو والتضخم بين الاقتصادات الرئيسية، ومع إقرار مشروع القانون المالي في الكونغرس، فإن تآكل الاستثنائية الأميركية يُثبت -حرفياً- أنه مكلف في وقت يشهد فيه احتياجات تمويلية كبيرة».

وقد يُمثّل مزاد سندات الخزانة الأميركية لأجل 20 عاماً، المزمع عقده لاحقاً، اختباراً حاسماً لشهية المستثمرين تجاه الديون الأميركية طويلة الأجل. وصرّح وزير المالية الياباني كاتسونوبو كاتو، قبيل اجتماع متوقع مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بأن المحادثات بشأن أسعار الصرف ستستند إلى وجهة نظرهما المشتركة بأنّ التقلبات المفرطة في أسعار العملات أمر غير مرغوب فيه.

من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي في بنك «إم يو إف جي»، ديريك هالبيني: «في حين لا يتوقع المشاركون في السوق أي تعليق صريح من بيسنت بشأن أي تحول في سياسة واشنطن تجاه الدولار، فإن أي إشارة إلى دفع الشركاء التجاريين في آسيا إلى تقليل التدخل في شراء الدولار الأميركي أو وقفه من المرجح أن تؤدي إلى مزيد من التحركات الكبيرة التي تُضعف الدولار».

وفي تطور آخر، ارتفع الين مقابل الدولار بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 143.865، مواصلاً مكاسبه الناتجة جزئياً عن الارتفاع الحاد في عائدات السندات المحلية هذا الأسبوع. كما شهدت الملاذات الآمنة الأخرى، مثل الفرنك السويسري والذهب، مكاسب بعد أن أفادت شبكة «سي إن إن»، يوم الثلاثاء، بأن معلومات استخباراتية جديدة جمعتها الولايات المتحدة تشير إلى أن إسرائيل تستعد لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

من جهة أخرى، وصل الجنيه الإسترليني إلى أعلى مستوى له منذ فبراير (شباط) 2022 بعد أن أظهرت البيانات أن تضخم أسعار المستهلكين في المملكة المتحدة ارتفع في أبريل (نيسان) بأكثر مما كان متوقعاً، مما قلّص قدرة «بنك إنجلترا» على خفض أسعار الفائدة بسرعة. وقد ارتفع الجنيه بنسبة 0.58 في المائة، ليصل إلى أعلى مستوى له في الجلسة عند 1.347 دولار. كما حافظ اليورو على استقراره، مرتفعاً بنسبة 0.3 في المائة ليُتداول عند 1.1324 دولار.

وفي سياق متصل، أكد مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الثلاثاء، مخاوفهم بشأن تأثير السياسات التجارية لإدارة ترمب على الاقتصاد، مع تأكيدهم أن «الاحتياطي الفيدرالي» في حالة ترقب مستمرة.


مقالات ذات صلة

ضعف العوائد المحلية يضاعف استثمارات الهنود في الأسواق الخارجية

الاقتصاد يعمل أشخاص في جناح البورصة الوطنية الهندية خلال مهرجان التكنولوجيا المالية العالمي في مومباي (رويترز)

ضعف العوائد المحلية يضاعف استثمارات الهنود في الأسواق الخارجية

يتجه مديرو الأصول في الهند إلى إطلاق مزيد من الصناديق الاستثمارية في مركز مالي مُعفى من الضرائب، لاستيعاب التدفقات القياسية للأموال التي يوجهها المستثمرون.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد شعار بنك «إتش إس بي سي» على أحد فروعه في الحي المالي بمدينة نيويورك في الولايات المتحدة (رويترز)

أرباح «إتش إس بي سي» ترتفع 32 % في الربع الثالث وإيراداته دون التوقعات

أعلن بنك «إتش إس بي سي»، الثلاثاء، ارتفاع أرباحه في الربع الثالث من العام، لكن إيراداته جاءت دون توقعات المحللين، متأثرة جزئياً بتباطؤ النمو.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ - لندن)
الاقتصاد أعضاء البرلمان الفرنسي خلال جلسة مناقشة الموازنة بالجمعية الوطنية الفرنسية في باريس 14 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

أزمة موازنة فرنسا تهدّد بإطالة الشلل المالي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية

تواجه الحكومة الفرنسية معركة شاقة لتمرير موازنة 2027، في ظل تمسك أحزاب المعارضة برفض خطط خفض العجز، وتصاعد المطالب بزيادة الإنفاق على الخدمات العامة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال في ليفربول (رويترز)

معهد الدراسات المالية البريطاني: هيلي أمام خيارات صعبة في أول موازنة

حذّر معهد الدراسات المالية البريطاني من أن وزير المالية جون هيلي سيحتاج إلى تدبير زيادات ضريبية أو خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية محمد الصنهاجي المسؤول البارز عن الأمن والخدمات اللوجستية في صفوف «الديوك» بمعية النجم كيليان مبابي ( أ ف ب )

زلزال في المنتخب الفرنسي... كيف تورَّط مبابي وكبار النجوم في قضية «مومو»؟

تهز قضية الفساد وغسل الأموال المتعلقة بالحارس محمد المنتخب الفرنسي، وسط تورط مبابي ولوران بلان ونجوم آخرين بتقديم قروض ومكافآت سرية له.

كوثر وكيل (لندن)

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
TT

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)

أفاد البنك الدولي بأنَّ الهند شهدت انتشال نحو 496 مليون شخص من براثن الفقر بين عامَي 2011 و2023، وذلك في واحد من أسرع معدلات الانخفاض لهذا المؤشر على مستوى العالم، رغم أن هذه المكاسب ما زالت غير متكافئة بين جميع الفئات والمناطق.

وانخفضت نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر «أصحاب الدخل الأدنى من المتوسط» (المحدَّد بـ4.20 دولار يومياً) من 57.7 في المائة إلى 16.1 في المائة، مما يعني أن نحو نصف مليار شخص تجاوزوا هذا المستوى، وفقاً لوكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأشار البنك في تقرير نُشر هذا الشهر، إلى أن الانخفاض كان أكثر تسارعاً في فئة الفقر المدقع (المُقاس بـ3 دولارات يومياً) حيث تراجعت النسبة من 27.1 في المائة إلى 2.6 في المائة.

وكتب خبراء اقتصاد الفقر بجنوب آسيا في البنك الدولي، بقيادة أياغو وامبيلي، في التقرير أن هذا التَّحسُّن يعود «بالشكل الأساسي إلى النمو القوي في الاستهلاك، وارتفاع معدلات التوظيف، خصوصاً بين النساء، والتَّوسُّع في التحويلات الاجتماعية بما في ذلك دعم المواد الغذائية».


«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
TT

«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

بحث مصرف لبنان المركزي مع عدد من المصارف اللبنانية، خلال اجتماعات تشاورية مغلقة عقدت في باريس يومَي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، متطلبات إعادة رسملة القطاع المصرفي، ومعالجة الخسائر، إلى جانب تقييم السيولة المتاحة حالياً، والمتوقعة مستقبلاً، في إطار التحضير لتطبيق أي قانون مرتقب للاستقرار المالي، واسترداد الودائع.

وقال المصرف المركزي، في بيان السبت، إن الاجتماعات عقدت بمشاركة مصارف اختارتها جمعية مصارف لبنان، وبحضور مستشاريه الماليين من مؤسسة «روتشيلد وشركاه»، وتركزت على محورين رئيسين يتعلقان بقدرة المصارف على استئناف نشاطها مستقبلاً، وتحديد الموارد المتاحة للوفاء بالتزامات إعادة الودائع إلى أصحابها.

وكانت «الشرق الأوسط» كشفت، الجمعة، أن جولة المناقشات التي اختتمت في باريس، الخميس، بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومسؤولين من بنوك لبنانية، كشفت عن استمرار التباين في المقاربات المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر، في وقت يتمسك فيه صندوق النقد الدولي بمتطلبات رأسمالية مرتفعة للمصارف الراغبة في مواصلة نشاطها، تصل إلى 15 في المائة من كفاية رأس المال، على أن يجري تحقيقها خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

وأوضح بيان مصرف لبنان أن المحور الأول تناول متطلبات إعادة رسملة المصارف بما يتيح لها استئناف نشاطها، فضلاً عن استيعاب الخسائر الناجمة عن الاختلالات والمطالبات غير المنتظمة التي سبق لمصرف لبنان تحديدها، على أن يجري تحديدها وفق أحكام القانون المرتقب.

أما المحور الثاني، فقد تناول مستويات السيولة الحالية والمستقبلية في النظام المصرفي، بما يشمل الأصول التي يمتلكها مصرف لبنان المركزي، والمصارف، ويمكن تحويلها إلى سيولة نقدية، بهدف تحديد الموارد الفعلية المتاحة لتسديد الودائع.

ونفى مصرف لبنان ما وصفه بـ«معلومات مغلوطة» تداولتها بعض وسائل الإعلام بشأن مشاركة أطراف أخرى في الاجتماعات، موضحاً أن طبيعتها لم تستدعِ حضور أي جهات إضافية، وأن الموضوعات المطروحة تندرج حصراً ضمن نطاق اهتمام المصرف المركزي، والمصارف.

وأضاف أن هذه الاجتماعات تأتي ضمن عملية مراجعة وتقييم تحوطي يجريها مصرف لبنان المركزي لتحديد حجم المبالغ التي يمكن إعادتها إلى المودعين، والمهل الزمنية الواقعية اللازمة لذلك، استناداً إلى أسس وصفها بالموثوقة، والعقلانية، والقابلة للتنفيذ، تفادياً لإطلاق وعود تتجاوز الإمكانات الفعلية.

وأكد المصرف المركزي أن المصارف تمثل شريكاً كاملاً في عملية إعادة الودائع، إلى جانب الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان، كما وصفها بأنها المحرك الأساسي للتعافي الاقتصادي المستقبلي، مشدداً على أن تحقيق النمو المستدام يتطلب دورة ائتمانية فاعلة تتيح للمؤسسات والأفراد الحصول على التمويل اللازم للاستثمار، والإنتاج، والنشاط الاقتصادي.

وفي سياق متصل، أشار البيان إلى أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي شارك في جزء من الاجتماعات، أجرى في باريس مشاورات ولقاءات رفيعة المستوى شملت حاكم مصرف فرنسا، ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية معنيين بمكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب.

كما التقى الحاكم ممثلين عن عدد من مكاتب المحاماة التي تتولى، بالنيابة عن مصرف لبنان المركزي، متابعة دعاوى قضائية في فرنسا ودول أخرى ضد مسؤولين سابقين في المصرف، وأعوانهم، على خلفية قضايا تتعلق باختلاس أموال من المصرف، والاحتيال، والإثراء غير المشروع.


20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
TT

20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)

في غضون نحو 20 دقيقة، اختفت أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6.3 مليار دولار من محافظ مرتبطة بمنصة «باينانس»، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم. إنها لم تكن مجرد عملية اختراق إلكتروني عابرة؛ بل واحدة من أضخم عمليات السرقة في تاريخ الأصول الرقمية، وكشفت ثغرات أمنية خطيرة في صناعة تسعى إلى ترسيخ حضورها داخل النظام المالي العالمي.

وتشير تقديرات شركات متخصصة في تحليل التعاملات عبر تقنية «البلوك تشين»، إلى أن الهجوم يقف وراءه قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد الطريقة الدقيقة التي مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة والوصول إلى المحافظ الرقمية وتحويل الأموال.

تمثيل للعملات المشفرة في صورة توضيحية (رويترز)

اختراق بدأ من حاسوب مهندس

لم تتضح بعد جميع تفاصيل الهجوم، لكن التحقيق الأولي الذي أجرته «باينانس» أشار إلى احتمال تعرض حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي الشركة للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة «نقاط اختراق إضافية».

وقال الرئيس المشارك للمنصة، ريتشارد تنغ، إن الهجوم كان معقداً ولم ينفذه شخص واحد، مشيراً إلى استخدام المهاجمين أساليب متطورة، من بينها آلية برمجية للتدمير الذاتي صعّبت مهمة تحديد مسار الاختراق وآثاره.

وبحسب شركة «تي آر إم لابس» المتخصصة في استخبارات «البلوك تشين»، جرى نقل نحو 6.36 مليار دولار من محافظ «باينانس» عبر عشر شبكات «بلوك تشين»، مع تنفيذ الجزء الأكبر من العملية خلال نحو 20 دقيقة.

وتشير هذه السرعة إلى أن المهاجمين لم يكتفوا بالوصول إلى الأنظمة؛ بل تمكنوا أيضاً من تنفيذ تحويلات واسعة قبل احتواء الاختراق، وهو ما يسلّط الضوء على أهمية أنظمة الرقابة والموافقات الأمنية التي تتحكم في حركة الأصول الرقمية.

أصابع الاتهام تشير إلى كوريا الشمالية

وجهت شركات تحليل العملات المشفرة، ومن بينها «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إيليبتك»، أصابع الاتهام إلى مجموعة «تريدر ترايتور»، المعروفة أيضاً باسم «مجموعة لازاروس»، والمرتبطة بكوريا الشمالية.

وقالت «تي آر إم لابس» إنها توصلت إلى هذا التقييم بدرجة عالية من الثقة، مستندةً إلى أوجه تشابه بين الهجوم على «باينانس» وعمليات سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها.

وتُتهم كوريا الشمالية باستخدام عمليات القرصنة الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة مصدراً للعملات الأجنبية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها. وكانت مجموعة «تريدر ترايتور» قد اتُّهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «بايبت» في فبراير (شباط) 2025، الذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار، في واحدة من كبرى عمليات السطو السابقة على قطاع العملات المشفرة.

وتقول شركات تحليل «البلوك تشين» إن جزءاً من الأموال المسروقة من «باينانس» يتداخل مع أموال مرتبطة باختراق حديث لمنصة «بيتغيت»، كانت قد نسبت الهجوم فيه إلى بيونغ يانغ.

وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال تورط قراصنة كوريين شماليين في الهجوم، قال للصحافيين في البيت الأبيض، إن السلطات الأميركية «تبحث في الأمر»، من دون تأكيد المسؤولية.

شاشة في بورصة «سي بي أو إي غلوبال ماركتس» تعرض أسعار عقود «البيتكوين» النقدية والمستقبلية - شيكاغو (أرشيفية - أ.ف.ب)

كيف تُسرق عملات لا يمكن تزوير سجلاتها؟

تكمن المفارقة في أن العملات المشفرة تقوم على تقنية «البلوك تشين»، وهي سجل رقمي موزع يوثق المعاملات ويجعل التلاعب بتاريخها بالغ الصعوبة، لكن ذلك لا يعني أن الأموال نفسها محصنة ضد السرقة.

فالعملات المشفرة لا تُخزّن فعلياً داخل المحافظ الرقمية، وإنما تسجل ملكيتها وحركتها على شبكة «البلوك تشين»، بينما تحتفظ المحافظ بالمفاتيح الخاصة، وهي رموز رقمية طويلة تتيح لصاحبها التصرف في الأصول ونقلها.

ومن يحصل على هذه المفاتيح يستطيع تحويل الأموال من دون الحاجة إلى اختراق سجل المعاملات أو تزويره. ولذلك يركز القراصنة على الوصول إلى المفاتيح الخاصة أو الأنظمة التي تمنح صلاحية تنفيذ التحويلات.

وتتنوع أساليب الهجوم بين استغلال الثغرات البرمجية، واستخدام البرمجيات الخبيثة، وخداع الموظفين عبر رسائل التصيد الإلكتروني أو أساليب الهندسة الاجتماعية، التي تعتمد على التلاعب بالأشخاص للحصول على بيانات الدخول أو صلاحيات الوصول.

وحتى المحافظ المادية غير المتصلة بالإنترنت ليست بمنأى عن المخاطر؛ إذ سبق أن تعرضت أصول بعض مستخدمي شركة «ليدجر» الفرنسية لسرقة عبر برمجيات خبيثة أُدرجت في أجهزة بيعت من خلال أحد الموزعين.

وفي حالة «باينانس»، أكد تنغ أن محفظة ساخنة تابعة للمنصة؛ أي محفظة متصلة بالإنترنت لتسهيل عمليات السحب والتحويل، تأثرت بالهجوم. وأوضح أن غالبية أصول المستخدمين محفوظة في محافظ باردة غير متصلة بالإنترنت، ولا تُنقل إلى المحافظ الساخنة إلا عند الحاجة إلى تنفيذ عمليات السحب.

3 مليارات دولار جُمّدت

قالت «باينانس» إنها خصصت أكثر من 6.34 مليار دولار من أموال الشركة لتغطية الأصول المسروقة، مؤكدة أنها بدأت العمل على استعادة الأصول لمصلحة المستخدمين.

وأوضحت أنها تمكنت، بالتعاون مع شركائها من شركات البنية التحتية ومصدري العملات الرقمية، من تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول المتأثرة بالاختراق؛ أي ما يقارب نصف المبلغ.

وأعلنت شركة «تيذر»، المصدرة للعملة المستقرة «يو إس دي تي»، تجميد نحو 1.57 مليار دولار مرتبطة بالهجوم، فيما قالت شركة «سيركل» إنها جمدت 800 مليون دولار.

لكن تجميد الأموال لا يعني استعادتها فعلياً، كما أن جزءاً من الأصول التي لم يشملها التجميد بدأ بالفعل يتحرك عبر معاملات وتحويلات رقمية، وفقاً لمحللين.

وتكمن الصعوبة في أن القراصنة يستطيعون اللجوء إلى ما يُعرف بـ«خلاطات العملات المشفرة»، وهي أدوات تجمع أصولاً رقمية من مصادر متعددة ثم تعيد توزيعها، بهدف إخفاء مسارات التحويل وتعقيد تحديد مصدر الأموال.

كما يمكنهم تحويل الأصول المسروقة أو استخدامها في معاملات مع أطراف أخرى، بما يزيد صعوبة تعقبها واستعادتها.

وفي هذا السياق، يرى ستيفان إفره، المحلل في شركة «كوينهاوس»، أن القراصنة قد يلجأون إلى دفع العملات الرقمية المسروقة لشركاء في روسيا أو الصين، على أن يتولوا بدورهم إخفاء مصدرها غير المشروع.

مستثمر في العملات المشفرة يتابع أحدث أسعار «البيتكوين» عبر هاتفه الذكي - هانوي (أ.ف.ب)

المنصات المنافسة تتحرك لتعزيز دفاعاتها

لم تتوقف تداعيات الاختراق عند «باينانس»؛ إذ سارعت منصات منافسة إلى مراجعة أنظمتها الأمنية واتخاذ إجراءات احترازية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاع العملات المشفرة لإثبات قدرته على حماية أموال المستخدمين، مع اتساع اندماجه في النظام المالي التقليدي.

وقالت منصة «كوينبيس» إنها أجرت تعديلات على الأنظمة المستخدمة في تخزين مفاتيح العملات المشفرة غير المتصلة بالإنترنت، مؤكدة أن الخطوة جاءت من باب الاحتياط. كما أعلنت منصة «كراكن» أنها تراقب الحوادث الأمنية في القطاع لاستخلاص الدروس وتطبيقها على أنظمتها الدفاعية.

ودعا مسؤولون في القطاع إلى تعزيز تبادل المعلومات بين المنصات، وتطوير آليات مشتركة للكشف المبكر عن الاختراقات والاستجابة السريعة لها.

وقال ستار شو، الرئيس التنفيذي لمنصة «أو كي إكس»، إن القطاع يحتاج إلى نظام إنذار فوري يتيح للشركات تبادل المعلومات بمجرد وقوع الاختراق، وتنسيق الاستجابة، والتعاون في تجميد الأموال المشبوهة.

من جهته، قال كريس بيركنز، رئيس قطاع العملات المشفرة في شركة «فرنكلين تمبلتون»، إن تعزيز الأمن بات ضرورة ملحة حتى يتمكن القطاع من تحقيق إمكاناته الكاملة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه إدارة ترمب على توسيع حضور الأصول الرقمية داخل النظام المالي الأميركي، وهو ما يرفع أهمية حماية المنصات والبنية التحتية التي تتعامل معها، بالنظر إلى اتساع نطاق المخاطر المحتملة مع تزايد ارتباط العملات المشفرة بالمؤسسات المالية التقليدية.

هزة في السوق وأسئلة بشأن مستقبل الأمان

انعكست أنباء الاختراق سريعاً على أسواق العملات المشفرة؛ إذ تراجع سعر «بيتكوين» بأكثر من 4 في المائة، بينما هبطت «إيثريوم»، ثانية كبرى العملات الرقمية، بأكثر من 5 في المائة، قبل أن تستعيد العملتان جزءاً من خسائرهما خلال تداولات الجمعة.

ورغم حجم العملية، استبعد مسؤولون في القطاع أن تتسبب الواقعة في خسائر واسعة النطاق لبقية المنصات، معربين عن ثقتهم في قدرة «باينانس» على تغطية الأصول المتضررة.

لكن الحادثة أعادت طرح سؤال جوهري بشأن مدى قدرة صناعة العملات المشفرة على مواكبة المخاطر الأمنية المتصاعدة، خصوصاً مع تطور أساليب القرصنة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات.

وقال آندي وورد، نائب الرئيس الأول في شركة «أبسولوت سيكيوريتي»، إن الهجمات الإلكترونية بهذا المستوى باتت مسألة توقيت أكثر منها احتمالاً بعيداً، محذراً من أن تطور التهديدات واتساع نطاقها قد يقودان إلى عمليات اختراق أكبر وخسائر مالية أشد.

أما بالنسبة إلى «باينانس»، التي تقول إن قاعدة مستخدميها تبلغ 335 مليوناً، فإن التحدي لا يقتصر على تغطية الخسائر المالية، بل يمتد إلى استعادة ثقة المستخدمين، وإثبات أن أكبر منصة لتداول العملات المشفرة قادرة على حماية أصولهم في مواجهة هجمات بهذا الحجم.

حقائق

اختراق «باينانس» بالأرقام

  • ​ 6.36 مليار دولار: قيمة الأصول التي استولى عليها القراصنة.
  • 20 دقيقة: المدة التي نُقل خلالها الجزء الأكبر من الأموال من محافظ المنصة.
  • 10 شبكات «بلوك تشين»: امتدت إليها عمليات تحويل الأصول المسروقة.
  • نحو 3 مليارات دولار: قيمة الأصول التي جُمّدت بمساعدة شركاء في قطاع العملات المشفرة.
  • 6.34 مليار دولار: حجم الأموال التي خصصتها «باينانس» لتغطية الأصول المسروقة وتعويض المستخدمين.
  • 5 مليارات دولار: قيمة الأصول المتأثرة التي قالت الشركة إنها تحتفظ بها.