هل يجب على دمشق رفض دفع ديون الأسد «البغيضة»؟

«خلافة الحكومات» أو تعاقبها من أشد القواعد صرامة في القانون الدولي تستثنيها حالة الحروب

بوتين والأسد يحضران عرضاً عسكرياً في القاعدة الجوية الروسية «حميميم» قرب اللاذقية ديسمبر 2017 (أ.ف.ب)
بوتين والأسد يحضران عرضاً عسكرياً في القاعدة الجوية الروسية «حميميم» قرب اللاذقية ديسمبر 2017 (أ.ف.ب)
TT

هل يجب على دمشق رفض دفع ديون الأسد «البغيضة»؟

بوتين والأسد يحضران عرضاً عسكرياً في القاعدة الجوية الروسية «حميميم» قرب اللاذقية ديسمبر 2017 (أ.ف.ب)
بوتين والأسد يحضران عرضاً عسكرياً في القاعدة الجوية الروسية «حميميم» قرب اللاذقية ديسمبر 2017 (أ.ف.ب)

تسعى سوريا للاندماج من جديد في الاقتصاد العالمي، بعد عقود من العزلة تحت حكم بشار الأسد، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الجديدة في دمشق ستصبح ملزمة بسداد الديون الضخمة التي تكبدها النظام السابق أثناء الحرب.

وأعلن دونالد ترمب، الثلاثاء الماضي، أن الولايات المتحدة سترفع العقوبات عن سوريا، وجاء هذا الإعلان قبل لقائه برئيس البلاد الجديد أحمد الشرع، الذي تولى فيما سبق قيادة جماعة «هيئة تحرير الشام»، الجماعة المعارضة التي أطاحت بنظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول).

وفي خضم محاولات الحكومة الجديدة إعادة بناء الاقتصاد السوري المنهك، يبرز ملف الديون السيادية الضخمة، باعتباره من القضايا التي يتعين التعامل معها. فنظام الأسد اقترض مبالغ ضخمة، معظمها من روسيا، وإيران، بعد اندلاع الحرب الأهلية في مارس (آذار) 2011.

توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الأسد وإبراهيم رئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد مع طهران (سانا)

عندما أثار الصحافيون الإيرانيون، ديسمبر الماضي، موضوع «ديون سوريا لإيران بمبلغ 50 مليار دولار» خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي للمتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، نفى الأخير أن يكون المبلغ «50 مليار دولار»، دون أن ينفي وجود ديون على سوريا. ودعا الحكم الجديد في دمشق إلى الالتزام بتعهداته وفقاً للاتفاقيات والعقود المبرمة مع نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وذلك في الوقت الذي يشوب الغموض العلاقات بين سوريا وإيران التي وقفت إلى جانب الحكم السابق منذ 2011 بالعديد، والعدة، والمال، والميليشيات.

وفي مارس (آذار) الماضي كشفت مصادر دبلوماسية عن محادثات تجري بين دمشق وموسكو بشأن الديون السورية المستحقة للحكومة الروسية، والتي تتراوح بين 20 و23 مليار دولار.

سوريون خارج البنك التجاري السوري في دمشق 14 مايو بعد إعلان الرئيس الأميركي إنه سيأمر برفع العقوبات عن سوريا (رويترز)

بيد أن التساؤل الأكبر اليوم، هل يمكن للحكومة السورية الجديدة أن ترفض سداد هذه الديون، بحجة أن الأموال، بشكل مباشر أو غير مباشر، كانت تُستخدم في محاولة قمع الثورة التي فرضت كلمتها في النهاية؟ الحقيقة، هذه ليست مسألة بسيطة؟ يثير تقرير في «رويترز» هذا التساؤل على لسان اثنين من المتخصصين يحاضران ويكتبان بانتظام عن ديون الدول السيادية، وهما لي سي بوشيت، أستاذ فخري في كلية الحقوق بجامعة إدنبره، وميتو غولاتي، أستاذ في كلية الحقوق بجامعة فرجينيا.

شقة تم ترميمها (أعلى الوسط) في بناية سكنية متضررة بشدة في حي الوعر بحمص فترة الحرب السورية (أ.ب)

تُعد مسألة «خلافة الحكومات»، أو تعاقبها، من أشد القواعد صرامة في القانون الدولي. إذ يُفترض أن ترث الحكومات الجديدة في أي دولة الحقوق والالتزامات التي خلفتها الإدارات السابقة، بغض النظر عن اختلاف الآيديولوجيات السياسية فيما بينها، فالالتزامُ بسداد الديون التي تكبدتها تلك الأنظمة السابقة التزام مطلقٌ، أو يكاد يكون كذلك. سواءً كان البلاشفة قد استبدلوا القيصر في روسيا عام 1917، أو كورازون أكينو أطاحت بـفرديناند ماركوس في الفلبين عام 1986، أو ترمب حلّ محل جو بايدن عام 2025، فإن المبدأ القائم يظل واحداً: كل حكومة جديدة ترث التزامات السابقة، حتى لو اعتبرتها فاسدة، أو غير مدروسة.

في الواقع، ما من استثناءات كثيرة لهذه القاعدة، لكن الاستثناء الأكثر إثارة للجدل، خاصة على الصعيد القانوني، ما يعرف بـ«الديون البغيضة». تخيل ديكتاتوراً فاسداً يقترض أموالاً باسم بلد ما، ثم يسرق تلك الأموال ويهرب إلى الريفييرا الفرنسية. هل من العدل أو القانون أن يُطلب من المواطنين المقهورين سداد تلك القروض التي لم يستفيدوا منها بأي صورة من الصور؟

لقد ناقش علماء القانون هذه المسألة لأكثر من قرن دون التوصل إلى إجماع، ويرجع ذلك في الغالب إلى عجزهم عن الاتفاق حول ما يجعل ديناً ما (أو مديناً ما) مقيتاً لدرجة اعتباره «بغيضاً» من المنظور القانوني.

وعليه، بحسب الخبيرين، من غير المرجح أن تتمكن الحكومة السورية الجديدة من استغلال هذه الحجة بنجاح للتنصل من ديون الأسد.

صورة ضخمة لبشار الأسد على الأرض داخل القصر الرئاسي في دمشق (أ.ب)

رغم ذلك، هناك نمط واحد من الديون يتفق معظم الناس على أنه لا ينبغي أن يُلزم الحكومة الجديدة؛ وهو ما يعرف بـ«ديون الحرب». ويتمثل السيناريو الكلاسيكي هنا في أن ثواراً يقاتلون النظام الحاكم من أجل فرض السيطرة على البلاد، والنظام يقترض المال لشراء الأسلحة، وقمعهم. إذا انتصر الثوار، فهل من المنطقي أن يُجبروا على سداد تلك الأموال التي استُخدمت في الأساس لمحاربتهم، وإقصائهم عن الحكم؟

في هذا الصدد، ثمة سوابق تاريخية: عام 1883، رفضت الحكومة المكسيكية سداد ديون كان قد اقترضها الإمبراطور ماكسيميليان من هابسبورغ، في خضم محاولته التشبث بالسلطة. وبعد اشتعال حرب البوير عام 1899، اتخذت بريطانيا موقفاً مفاده بأنها ستعترف فقط بالديون التي تكبدتها حكومة جنوب أفريقيا قبل بداية الحرب، وليس بعدها. أما الحجة التي ساقتها لتبرير ذلك، فكان هنا أن الطرف المنتصر في حرب ما ليس ملزماً بسداد الديون التي تكبدها الطرف المهزوم بعد بدء القتال.

وفي السبعينات، رفضت كمبوديا سداد ديون للولايات المتحدة تعود إلى عامي 1974 - 1975، حين كان نظام لون نول، المدعوم من واشنطن، يقاتل في حرب أهلية خسرها أمام «الخمير الحمر». وإذا ما اعتبرنا أن «ديون الحرب» تشكل بالفعل استثناءً قانونياً معترفاً به لمبدأ خلافة الحكومات، فقد تستطيع الحكومة السورية الجديدة استغلال هذا الأساس القانوني، خاصة أن الأسد اقترض أموالاً أثناء القتال.

ورغم ذلك، تبقى هناك تساؤلات أشد تعقيداً: هل يجب التفرقة بين الأموال الجديدة التي جرى إقراضها بعد بداية الحرب، والأخرى القديمة التي استُحق سدادها أثناء القتال، لكن جرى إرجاء سدادها باتفاق طوعي؟ كل من النمطين أسهم في تمويل الحرب.

والأمر المؤكد أن تسوية ملف ديون سوريا ستكون عملية معقدة، لكن قد تكون لدى الحكومة الجديدة ورقة رابحة قانونياً في يدها.


مقالات ذات صلة

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

المشرق العربي من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

قال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. مسد مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

الشرع: نسعى لوقف الحرب في لبنان لا الانخراط فيها

مصادر سورية: «دمشق تعد نفسها ذات مواقف واضحة وصريحة وجادة، تتمثل في ضبط الحدود، وقطع طرق التهريب، والتنسيق عالي المستوى مع الحكومة اللبنانية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ) p-circle

مصادر: الشرع يؤكد أن لا نية لسوريا للدخول إلى لبنان

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أمام زوّاره، أنّ لا نية لدمشق للدخول إلى لبنان، معتبراً أن ما يُتداول بهذا الشأن لا يعدو كونه شائعات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قيس حسان العبد الرجب (سانا)

دمشق: اعتقال معاون مدير مخابرات الأسد

أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن «إدارة مكافحة الإرهاب تواصل بالتنسيق والمشاركة مع قيادات الأمن الداخلي في المحافظات العمل على ملاحقة المجرمين والقبض عليهم».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

الرئاسة السورية تعلن حصرية الإعلان عن الزيارات «عبر القنوات الرسمية»

قالت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية لوكالة سانا، اليوم الخميس، إن الإعلان عن زيارات الرئيس أحمد الشرع يتم حصراً عبر القنوات والمنصات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - واشنطن)

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
TT

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)

انطلق حراك عربي لمساندة لبنان في اتصالاته الداخلية والخارجية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع المباحثات الأميركية - الإيرانية، الساعية للتوصل إليه، في وقت يمضي لبنان باستعداداته للمشاركة في الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، ويُصرّ فيها على وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر لبنانية إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، ويعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتةً إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي في خطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده». وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على محاورعدة، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبدا أن تعنّت إسرائيل وإصرار «حزب الله» على شروطه يعرقلان وقف النار. وقالت المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق. أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية.


اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
TT

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات الإقليمية والممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمعت باريس، أمس، عشرات جمعيات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إعادة الملف إلى دائرة التداول، والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا للعام الحالي في مدينة إيفيان - لي - بان.

وصدر عن اجتماع باريس، الذي شارك فيه 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية، «دعوة عمل» موجهة بالدرجة الأولى لقمة «مجموعة السبع»، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. ورغم صعوبة الوضع الإقليمي، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية.


اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
TT

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

تتصاعد منذ ثلاثة أيام عمليات استهداف حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية في محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب شمال سوريا، وتوجه الاتهامات لما تعرف بـ«الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وبينما عدّ أحد شيوخ القبائل العربية في الحسكة هذه الممارسات أنها تهدف إلى «الضغط على الحكومة السورية لتقديم مزيد من التنازلات» في عملية تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، رأى مسؤول في «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أن تلك الاعتداءات تندرج في إطار التصرفات «الفردية».

وشهد محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب في اليومين الماضيين توتراً أمنياً، على أثر سلسلة هجمات ضد حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية.

تعزيزات قوى الأمن الداخلي في محيط عين العرب (سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا»، بأن مجهولين استهدفوا، مساء الخميس، حاجزاً تابعاً لقوى الأمن الداخلي بقذائف «آر بي جي» قرب دوار جب الفرج في ناحية الشيوخ بمحيط مدينة عين العرب، دفعت على أثره قوى الأمن الداخلي بتعزيزات إلى المنطقة، وبدأت عمليات تمشيط وانتشار واسع بحثاً عن منفذي الهجوم، في حين لم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات أو حجم الأضرار الناجمة عن الاستهداف.

وسبق أن شهدت قريتا العونية وأشمة بريف عين العرب الغربي، الأربعاء الماضي، توتراً أمنياً، على أثر استهداف مجموعة مسلحة عدداً من المدنيين، تبعه مهاجمة أحد الحواجز الأمنية... وقد تعاملت قوى الأمن الداخلي مع الاعتداء، ونجحت في إحباط الهجوم والسيطرة التامة على الموقف، ونفذت حملة أمنية لتعقب المتورطين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية، في بيان، أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على 20 متورطاً في هذه الأعمال الخارجة عن القانون، وأعادت الهدوء والأمان إلى المنطقة، مع استمرار ملاحقة بقية الفارين لتقديمهم إلى العدالة».

قوى الأمن الداخلي قرب عين العرب (سانا)

وأكدت أن «أي اعتداء يطول أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو أي تصرف يخرج عن إطار القانون، يُعدّ اعتداءً على الدولة السورية. وستتعامل بأقصى درجات الحزم مع كل متجاوز، ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة لحماية مؤسسات الدولة وأمن المواطنين».

تلك التطورات تتزامن مع مواصلة الحكومة السورية و«قسد» تنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية بالحكومة السورية.

مضر حماد الأسعد أحد شيوخ القبائل العربية في محافظة الحسكة، رأى أن تنفيذ الاتفاق «يسير بشكل بطيء جداً بالنسبة للملفات التي تهم الحكومة السورية، في حين يسير بشكل سريع جداً بالنسبة للقضايا التي تهم الإدارة الذاتية الكردية». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن عودة المهجرين الكرد والعرب التابعين لـ«قسد» إلى مدنهم مثال، على ذلك.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق الدمج، عادت الأربعاء الدفعة الثامنة الأخيرة من مهجري عفرين (نحو 1300 عائلة)، إلى مناطقهم الأصلية. وذكر الأسعد، أن «دفعات الأهالي العائدين دخل ضمنها عناصر متطرفة من قسد و حزب العمال الكردستاني والشبيبة الثورية التابعة لقسد».

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

واتهم الأسعد، تلك العناصر «بتنفيذ الاعتداءات على المواقع والحواجز الأمنية الحكومية في عين العرب وعفرين وبقية المناطق التي عادوا إليها، وقد حصل ذلك عشرات المرات، بهدف الضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات إضافية منها في عملية الدمج».

وبحسب التصريحات الرسمية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» بطلبات للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير. وقال الأسعد: «نحن أبناء العرب نرفض انضمام هذا العدد الكبير من قسد إلى قوى الأمن الداخلي »، محذراً من أن «المنطقة مقبلة على بركان سينفجر في اللحظة المناسبة وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري».

وشهدت عدة مناطق في شمال سوريا في الأيام الماضية، مظاهرات ضد «قسد» و«الشبيبة الثورية». وأوضح الأسعد، أن «العشائر العربية تريد من الحكومة الوقوف بوجه قسد، ومنع السيطرة تحت اسمها على محافظة الحسكة».

واتهم الأسعد «قسد» و«الشبيبة الثورية» بعرقلة تنفيذ اتفاق الدمج. وقال:«80 في المائة من الدوائر الرسمية لم يتم افتتاحها ولم تسلم للحكومة لأن قسد ترفض ذلك... بينما عندما أرادت الاندماج مع قوى الأمن الداخلي، قدمت الآلاف من عناصرها وبخاصة من عناصر (الشبيبة الثورية) لإعطائهم الشرعية الحكومية».

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأكد الأسعد أن أبناء القبائل والعشائر العربية «ضد الحرب ونريد الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يعيش الجميع تحت كنف الحكومة والعمل يداً بيد، ولكن يبدو أن (الشبيبة الثورية) وقيادة (قسد) القنديلية لا يريدون ذلك، ويريدون الحصول على مكاسب شخصية وهذا ما يحصل على أرض الواقع».

في المقابل، عدّ «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، وهو بمثابة الواجهة السياسية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، ما يحدث من اعتداءات على مواقع وحواجز قوى الأمن الداخلي في مناطق تنتشر فيها «قسد» و«الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، يندرج في إطار تصرفات «فردية».

وقال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»:«ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. (مسد) مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

وأشار إلى أن «عملية تنفيذ الاتفاق التي تسير ببطء تمر بتحديات وعوائق وتدخلات خارجية لإبطال هذا الاتفاق، ولكن هناك إرادة بأن يٌنفذ الاتفاق رغم الصعوبات والتجاوزات».

من أحد الاجتماعات السابقة في دمشق مع قيادة «قسد» (سانا)

وشدد حمزة على أنه «لا يمكن الرجوع عن تنفيذ اتفاق الدمج لأن البديل عن ذلك الحرب»، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون هناك عملية بناء ثقة تبدأ أولاً من خلال تقديم الخدمات والعمل على السلم الأهلي، من أجل أن تبدأ الخطوة التالية المتمثلة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة».

وسألت «الشرق الأوسط»: «ألا يمكن لـ(قسد) وضع حد لهذه الاعتداءات؟». فأجاب حمزة: «قسد تقوم حالياً بعملية الاندماج والأسايش (قوى الأمن الداخلي الكردية) تريد الاندماج ولكن العملية لم تكتمل وهناك تنافس... الإرادة لدى شمال سوريا أن يتم الاندماج وعدم حصول هذه التصرفات».