اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

فقدانه يزيد خطر إصابات السرطان والقلب وألزهايمر

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال
TT

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

تعيش النساء في المتوسط عمراً أطول من الرجال. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بالرجوع إلى أقدم السجلات، وهو صحيح في كل بلد في العالم اليوم. وقد طُرحت حوله العديد من التفسيرات: فالرجال يخاطرون أكثر أو يدخنون أكثر، وهرمون الاستروجين يحمي من المشكلات الصحية، ووجود كروموسومين «إكس» (X) أفضل من كروموسوم واحد... والقائمة تطول. ويمكن أن تفسر بعض هذه العوامل أموراً صغيرة من هذا الفرق، وقد تم دحض الكثير منها. ولا شيء منها مُقنع تماماً.

تفسير بديل

الآن، توصل الباحثون إلى تفسير بديل مثير للاهتمام للكثير من هذا الاختلاف في متوسط العمر، وهو أن الأمر كله يعود إلى كروموسوم «واي» (Y). وعلى وجه التحديد، تكمن الفكرة في أنه مع تقدم الرجال في العمر، فإنهم يفقدون هذا الكروموسوم من العديد من خلاياهم، ما يؤدي إلى الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر.

إن فقدان كروموسوم «واي» بهذه الطريقة ليس شيئاً يمكن أن تلاحظ حدوثه. ويقول الدكتور لارس فورسبرغ من جامعة أوبسالا في السويد: «على حد علمي، لا توجد بيانات تشير إلى أن الرجال الذين يفقدون كروموسوم (واي) سيشعرون بذلك». ومع ذلك، فقد اتضح أن جزءاً كبيراً من الرجال الأكبر سناً يتأثرون به، ويكشف الباحثون الآن عن عواقب طويلة الأمد على الجهاز المناعي وخطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وحتى ألزهايمر.

من جهته، يقول الدكتور كينيث والش من جامعة فيرجينيا: «إذا كنت ذكراً، فأنت لا تريد أن تفقد كروموسوم (واي) الخاص بك، فمن المؤكد أن ذلك سوف يُقصّر حياتك». إن الإدراك المتزايد لأهمية كروموسوم «واي» للصحة العامة يفتح الباب أمام طرق جديدة محتملة للحفاظ على صحة الرجال مع تقدمهم في العمر.

أصغر الكروموسومات بوظائف غامضة

يمتلك أغلب الناس 22 زوجاً من الكروموسومات، بالإضافة إلى اثنين من الكروموسومات الجنسية؛ زوج من الكروموسومات «إكس X» أو كروموسوم «إكس» مع «واي». ويحمل كروموسوم «Y» المفتاح الرئيسي لتحديد جنس الجنين. ولدى البالغين، يُحافظ على إنتاج الحيوانات المنوية. وهو واحد من أصغر الكروموسومات، حوالي ثلث حجم الكروموسوم «إكس»، ويحتوي على عدد قليل من الجينات. ومع ذلك، فإنه يحتوي أيضاً على الكثير من الميزات التي تجعل من الصعب تحليله، ما يعني أنه كان آخر كروموسوم بشري يتم تسلسله بالكامل في عام 2023، وقبل ذلك كان أكثر من نصف تسلسله لغزاً. ولا تزال العديد من وظائفه غير مفهومة بالكلية.

ظهرت حقيقة أن بعض الرجال يفقدون كروموسوم «واي» بصفة دائمة في بعض خلاياهم من خلال الدراسات الجينية التي أُجريت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولكن كان يُعتقد أن هذا مجرد أثر جانبي حميد للشيخوخة. ثم في الثمانينات والتسعينات، أفاد علماء الأحياء السرطانية بأن أورام الرجال تفتقر في بعض الأحيان إلى كروموسومات «واي». ولكن مع قلة الاهتمام بمساهمة كروموسوم «واي» في وظائف الأعضاء لدى البالغين فيما يتجاوز إنتاج الحيوانات المنوية، لم يحظَ هذا الأمر أيضاً باهتمام جدي.

فقدان الكروموسوم والأمراض

تغيرت الأمور في عام 2014، عندما أسفرت دراسة صحية طويلة الأجل شملت 1153 رجلاً سويدياً في السبعينات والثمانينات من العمر عن اكتشاف تَصَادُفي. فقد أعطى هؤلاء المشاركون عينات دم لتحليل الحمض النووي، ووجد الدكتور فورسبرغ وزملاؤه أن كروموسوم «واي» مفقود من جزء كبير من خلايا الدم لدى حوالي 8 في المائة من المشاركين. ثم لاحظ الفريق شيئاً ملفتاً للنظر: كان متوسط عمر هؤلاء الرجال أقصر بخمس سنوات ونصف السنة من أولئك الذين لم يفقدوا كروموسوم «واي» من خلايا الدم لديهم.

كما وجد الدكتور فورسبرغ، ومشرفه آنذاك الدكتور يان دومانسكي، من جامعة أوبسالا، أن الرجال الذين فقدوا كروموسوم «واي» يصابون بالسرطان بشكل متكرر أكثر، ويصابون بمرض ألزهايمر بمعدلات مرتفعة بشكل صارخ. ففي إحدى الدراسات، على سبيل المثال، وجدوا أن الرجال الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي» كانوا أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر بسبعة أضعاف الرجال الذين لا يعانون من فقدانه.

يقول الدكتور دومانسكي إن هذه السلسلة من النتائج «كانت مثيرة للجدل للغاية - ولم يرغب أحد في تصديق ذلك». لكن العديد من الدراسات الاستقصائية اللاحقة الأوسع نطاقاً قد أكدت النتائج وكشفت عن وجود روابط بين فقدان كروموسوم «واي» والعديد من الحالات الأخرى. والأبرز من ذلك أنه في عام 2022، قام الدكتور والش وزملاؤه بتحليل بيانات أكثر من 200 ألف مشارك في دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، وخلصوا إلى أن فقدان كروموسوم «واي» مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بعدة أشكال من أمراض القلب.

انحسار الكروموسوم

للبدء في الكشف عن سبب هذه التأثيرات لفقدان كروموسوم «واي»، نحتاج أولاً إلى فهم كيفية فقدانه. يحتوي جسم البالغين على حوالي 30 تريليون خلية، ويتم استبدال حوالي 300 مليار خلية منها يومياً بخلايا جديدة. وحوالي 90 في المائة من هذه الخلايا الجديدة هي خلايا دم مشتقة من الخلايا الجذعية المكونة للدم في نخاع العظم، بما في ذلك حوالي 100 مليار خلية دم بيضاء.

يحدث فقدان كروموسوم «واي» أثناء عملية الاستبدال هذه، عندما تنقسم الخلايا وتتكاثر. يقول الدكتور فورسبرغ إن هذا الأمر «شائع بشكل كبير - فهو ليس حادثاً غريباً»، ويشك في أنه يحدث لجميع الرجال إلى حد ما، لكن التقدم في العمر يزيده بصورة كبيرة. وقد وجدت دراسة أجريت في فبراير (شباط) الماضي على 25 ألف ذكر تتراوح أعمارهم بين 3 و 95 عاماً أن 11.5 في المائة من الذكور أظهروا بشكل عام فقداناً للكروموسوم «واي» في نسبة 5 في المائة على الأقل من خلايا الدم البيضاء. ومع ذلك، لم تظهر مستويات ملحوظة إلا لدى عدد قليل للغاية من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، في حين أن نحو 6 في المائة من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً قد تأثروا، وأكثر من 40 في المائة من السكان الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً قد تأثروا به أيضاً.

التدخين والتلوث والمبيدات عوامل خطر

وفيما عدا الشيخوخة، فإن عامل الخطر الرئيسي الثاني المعروف هو التدخين، ولكن فقدان كروموسوم «واي» يرتبط أيضاً بالتعرض لتلوث الهواء، ومبيدات الأعشاب التي تحتوي على «الغليفوسات» (مبيد أعشاب ضارة مستخدم على نطاق واسع)، والمياه الملوثة بالزرنيخ.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الخلايا المنقسمة أكثر عرضة لفقدان كروموسوم «واي» مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ونظراً لأن كروموسوم «واي» صغير الحجم وله العديد من تمديدات الحمض النووي المتكررة، فقد يكون من الأسهل وضعه في مكانه الصحيح مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ولكن الأهم من ذلك هو أن الخلية الذكرية التي تفقد كروموسوم «واي» تبقى على قيد الحياة، في حين أن فقدانها لأحد الكروموسومات غير الجنسية «ضار للغاية، لدرجة أن هذه الخلية ستموت»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

في الواقع، يبدو أن الخلايا الجذعية المكونة للدم الخالية من كروموسوم «واي» تزدهر، ما يؤدي إلى إنتاج نسبة كبيرة من خلايا الدم المتداولة. وتعمل هذه الخلايا المتحولة - كما تقول النظرية - على تعزيز حالات صحية رئيسية ذات صلة بالعمر. (في الإناث، يمكن أن يحدث أيضاً فقدان أحد الكروموسومات «إكس»، وربما بنفس وتيرة فقدان كروموسوم «واي»، ولكن يبدو أن الخلايا المصابة تبدو أقل وفرة أي أقل عدداً).

يقول الدكتور دومانسكي إن أحد الأسئلة المهمة في هذا المجال هو تحديد الخلايا الأخرى لدى الرجال المعرضة لفقدان كروموسومات «واي». كما يجدر توضيح أن هذه الظاهرة تختلف عن مسألة ما إذا كان البشر، على مدى فترات التطور، يمكن بالفعل أن يفقدوا كروموسوم «واي» بشكل كامل ودائم. كما أنه يختلف عن فقدان كروموسوم «واي» العرضي للغاية من الخلايا التناسلية الذكرية، التي يمكن أن تؤدي إلى إنجاب ذرية ثنائية الجنس.

مشكلة خطيرة تهدد جهاز المناعة

مع ذلك، فإن اكتشاف أن العديد من الرجال الأكبر سناً يفقدون كروموسوم «واي» في جزء كبير من خلايا الدم ويعيشون أيضاً حياة أقصر يشير إلى أن شيئاً خطيراً جداً يجري.

منذ البداية، افترض العالمان فورسبرغ ودومانسكي أن اختلال وظيفة المناعة يمكن أن يكون السبب. في عام 2021، على سبيل المثال، وجدوا هم وزملاؤهم أن فقدان كروموسوم «واي» يغير التعبير عن العديد من الجينات في خلايا المناعة البشرية. ونتيجة لذلك «يكون الجهاز المناعي للذكور أكثر هشاشة»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

وقد يكون لهذا العديد من التداعيات المباشرة، وهو أمر ملحوظ بشكل خاص في أعقاب الاعتراف المتزايد بدور الجهاز المناعي في الحفاظ على الصحة العامة، وليس فقط في مكافحة العدوى مع تورط الخلل الوظيفي في الجهاز المناعي المرتبط بالعديد من الحالات، وليس أقلها السرطان وأمراض القلب ومرض ألزهايمر.

ولكن ليس الجميع مقتنعين بهذه الفكرة. على سبيل المثال، يعتقد الدكتور جون بيري من جامعة كمبريدج أن فقدان كروموسوم «واي» ومعظم الأمراض المرتبطة به هي مظاهر موازية للمشكلة الحقيقية: زيادة عدم الاستقرار الجيني المرتبط بالعمر. ويقول بيري إن «أقوى عاملين يحددان ما إذا كنت سوف تصاب بفقدان كروموسوم (واي) من عدمه - ومدى ذلك - هما العمر والتدخين». كلاهما عامل كبير وخطير يسببان التلف الجيني والإصابة بالأمراض، لذلك يشتبه في أن العمليات التي تسبب تلف الحمض النووي تؤدي أيضاً إلى فقدان كروموسوم «واي». ويضيف قائلاً: «ليس من المستغرب أن ترى العلاقة بين فقدان كروموسوم (واي) وكل شيء سيئ تقريباً».

في عام 2019، بحثت دراسة أجراها الدكتور بيري وزملاؤه في العوامل الوراثية ذات الصلة بخطر فقدان كروموسوم «واي» في ما يقرب من مليون رجل، وكشفت عن 156 متغيراً جينياً مرتبطاً بزيادة معدل الإصابة. تشارك هذه الجينات إلى حد كبير في إصلاح تلف الحمض النووي وتنظيم تقسيم الخلايا، ما يشير إلى أن فقدان كروموسوم «واي» هو نتيجة لاضطراب في هذه العمليات، وليس حلقة سببية في السلسلة.

ولاختبار ذلك، حقق فريق بيري فيما إذا كانت النساء اللواتي لديهن المتغيرات الجينية نفسها التي تُعرّض الرجال لفقدان كروموسوم «واي» يُصبَن أيضاً بالمزيد من الأمراض ذات الصلة بالعمر. إنهن يُصبَن بالفعل. يقول الدكتور بيري: «لقد كان ذلك دليلاً قاطعاً على مبدأ أن كل ما تملكه هو كمية من الجينات التي تهيئ المجال لزعزعة استقرار الجينوم - ولكن أحد مظاهر ذلك لدى الرجال هو فقدان كروموسوم (واي)».

يوافق الدكتور فورسبرغ على أن هذه الآلية موجودة، لكنه يقول إنها لا تنفي احتمال أن يكون لفقدان كروموسوم «Y» أيضاً عواقب صحية مباشرة. كما دعمت دراسات حديثة دوره السببي في اعتلال الصحة، ما ساعد على دحض الفكرة التي طالما اعتبرها البعض سائدة من زمن طويل، بأن كروموسوم «واي» - بعيداً عن دوره في تحديد الجنس والإنجاب - هو خامل وراثياً إلى حد كبير.

تدهور الإدراك وأمراض القلب

وقد ثبت أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في مرض السرطان.

ولقد بدأت دراسات الآليات التي استندت إليها هذه العملية حين حوّل الدكتور والش اهتمامه إلى كروموسوم «واي» بعد أن درس لمدة طويلة كيف قد تؤدي الطفرات في خلايا الدم إلى أمراض القلب والأوعية الدموية. وللوقوف على ما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يسبب مشاكل صحية مباشرة من عدمه، لجأ فريق والش إلى الفئران. أولاً، عدّلوا الخلايا الجذعية المكونة للدم وراثياً لدى الفئران لكي تفتقر إلى وجود كروموسومات «واي». ثم أخذوا بعض الفئران السليمة الأخرى، واستأصلوا الخلايا المكونة للدم لديها واستبدلوا بها خلايا خالية من كروموسوم «واي».

ومن ثم، أصبحت خلايا الدم لدى هذه الحيوانات خالية من كروموسوم «واي»، بغض النظر عن جميع العوامل التي قد تؤدي عادة إلى فقدانه.

ويقول الدكتور والش إنه مع تقدم هذه الفئران في العمر، فإنها تُصاب بخلل وظيفي في القلب وتدهور إدراكي و«تموت بالأساس في وقت مبكر». وقد أظهر ذلك أن فقدان كروموسوم «واي» من الخلايا المناعية يمكن أن يسبب مشكلات صحية مباشرة. وكان هذا الاكتشاف هو الذي ألهم الدكتور والش وزملاءه للتحقيق في البيانات من البنك البيولوجي في المملكة المتحدة، في الدراسة واسعة النطاق وطويلة الأجل لعلم الوراثة والصحة. وهنا، وجدوا صلة بين النسبة المئوية لخلايا الدم التي فقدت كروموسوم «واي» واحتمال الوفاة من أمراض الجهاز الدوري على مدى السنوات الـ11 المقبلة. فعلى سبيل المثال، تعرض الرجال الذين لديهم 40 في المائة أو أكثر من خلايا الدم البيضاء التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» لخطر متزايد للإصابة بالأمراض بنسبة 31 في المائة.

ثم استخدم الباحثون الفئران المعدلة وراثياً للتحقيق بدقة في كيف يمكن أن يسبب فقدان كروموسوم «واي» مشاكل قلبية. ولقد وجد الباحثون أن قلوب هذه الفئران - بل ورئتيها وكليتيها - تتراكم لديها كمية زائدة من الأنسجة الندبية، أو التليف، الذي من المرجح أن يكون مدفوعاً بنشاط خلايا مناعية خالية من كروموسوم «واي». وعندما أعطى الفريق الفئران دواءً مضاداً للتليف، حال ذلك دون الإصابة بأمراض القلب.

إذا ما تأكد هذا التأثير على التليف لدى البشر أيضاً، يعتقد الدكتور والش أن الأطباء قد يكونون قادرين يوماً ما على استخدام جرعات وقائية من الأدوية المضادة للتليف للوقاية من أمراض القلب لدى أولئك الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي».

الإصابة بالسرطان

في الآونة الأخيرة، ثبت أيضاً أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في الإصابة بمرض السرطان. ففي مركز «سيدارز سيناي» الطبي في لوس أنجليس، كان الدكتور دان ثيو دوريسكو يدرس سرطان المثانة - وهي حالة تصيب الرجال حوالي أربع مرات أكثر من النساء - وتساءل عما إذا كان كروموسوم «واي» يساهم في الاختلافات الجنسية في هذا المرض. وللتحري عن ذلك، قام هو وزملاؤه بتخليق خلايا مثانة سرطانية تحتوي على كروموسوم «واي» أو تفتقر إليه، وحقنها في الفئران. وكانت النتائج مذهلة: نمت الأورام التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» أسرع مرتين من نمو الأورام التي تحتوي عليه.

عندما استشار فريق ثيودوريسكو محتويات قواعد البيانات البشرية، وجد أن 10 إلى 40 في المائة من أورام المثانة لدى الرجال تفتقر إلى الكروموسوم «واي»، وعندما يحدث ذلك، تحدث الوفاة بشكل أسرع بكثير من الرجال الذين تحتفظ أورامهم السرطانية بهذا الكروموسوم. ومع ذلك، عندما زرع الباحثون خلايا الورم الخالية من كروموسوم «واي» في الأوعية المختبرية وجدوا أنها تتكاثر بنفس معدل تكاثر خلايا الورم التي تحتوي على كروموسوم «واي». مما يشير إلى أن زيادة معدل النمو الملحوظ في الجسم لم تكن بسبب الخلايا الخالية من كروموسوم «Y» التي تتكاثر بشكل أسرع، ولكن ربما كان لها علاقة بقدرتها على التهرب من الجهاز المناعي.

وقد دعمت التجارب اللاحقة هذا الرأي، حيث وجد الدكتور ثيو دوريسكو وزملاؤه أنه في سرطان المثانة، يؤدي فقدان كروموسوم «واي» إلى جعل الخلايا السرطانية تنتج بروتينات تستنزف الخلايا التائية، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تتعرف عادة على السرطانات وتهاجمها. ومع إمكانات أقل بكثير لعمليات القمع التي تنفذها هذه الخلايا التائية، يصبح السرطان قادراً على النمو بصورة أكثر شراسة.

ولهذا الاكتشاف آثار بالغة الأهمية على العلاج. اذ تعمل مثبطات الحواجز المناعية - وهي الأدوية التي أحدثت ثورة في علاج السرطان على مدى العقد الماضي - من خلال منع آلية الاستنزاف هذه، ما يُمكّن الخلايا التائية من مهاجمة العديد من أنواع السرطان المختلفة بصورة أفضل. وقد رأى فريق الدكتور ثيو دوريسكو أنه في الفئران، عملت الأدوية بصورة أكثر فاعلية ضد أورام المثانة الخالية من كروموسوم «واي» مقارنة مع تلك التي تحتوي عليه. ومرة أخرى، توافقت البيانات الإكلينيكية: يستجيب الأشخاص المصابون بسرطان المثانة بفقدان كروموسوم «واي» بشكل أفضل بكثير لمثبطات الحواجز المناعية مقارنة بتلك التي يحتوي ورم المثانة لديهم على كروموسوم «واي».

البحث عن أسباب الأمراض

يجري الآن التحقيق فيما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يمثل عاملاً مهماً في أنواع أخرى من الأورام السرطانية غير سرطان المثانة. وقد وجدت دراسة أجريت عام 2023 بقيادة الدكتورة إستر راينباي من جامعة هارفارد أنه «من الشائع للغاية» أن خلايا الأورام في العديد من الأنواع المختلفة من السرطان تفتقر إلى كروموسوم «واي»، ما يشير إلى تأثير واسع النطاق.

كما تشير الدراسات التي أجراها كل من والش وثيو دوريسكو أيضاً إلى السبب المحتمل لهذه الآثار: وجود جين في الكروموسوم «واي» يُسمى «يو تي واي - UTY». ويُنتج هذا الجين إنزيماً يشارك في تنظيم جينات أخرى - وعلى الأخص تلك التي تعبر عنها الخلايا المناعية - لذا فإن فقدانه ربما يؤدي إلى تغييرات واسعة النطاق في التعبير الجيني، وهو ما يشتبه الباحثون في أنه يخلق مشكلات صحية.

وعلى الرغم من تحذيرات الدكتور بيري، فإن الرسالة العامة هي، كما يصفها الدكتور ثيو دوريسكو: «فقدان الكروموسوم (واي) أمر سيئ». إن حجم الفرق في أعمار الذكور والإناث الذي قد يكون السبب في حدوثه لم يُحدد بعد، ولكن تقديرات الدكتور دومانسكي تشير إلى أنه قد يكون أكثر من النصف.

هناك سؤال رئيسي آخر - لم تتم الإجابة عليه بعد - وهو ما إذا كانت تغييرات نمط الحياة التي تعزز شيخوخة صحية، مثل نظام غذائي أفضل، وتحسين النوم، وتجنب الكثير من الضغط النفسي، وعدم تناول الكحول، قد تبطئ من فقدان كروموسوم «واي».

يقول الدكتور دومانسكي إن خلاصة كل ذلك هي أن وجهات نظرنا حول أهمية كروموسوم «واي» - الذي طالما تم تجاهله لفترة طويلة - «تتغير بصورة جذرية. ونحن فقط لا نزال في أول الطريق».

هل يختفي الكروموسوم «واي» تماماً؟

منذ أن تطورت الكروموسومات «X» و«Y» لدى الثدييات لأول مرة قبل حوالي 200 مليون سنة، ظل كروموسوم «إكس» على حاله تقريباً، في حين فقد كروموسوم «واي» نحو 97 في المائة من جيناته الأصلية. في واقع الأمر، يُعد كروموسوم «واي» الكروموسوم البشري الأسرع من حيث التغير. وقد أدى هذا إلى مخاوف من أن يختفي تماماً على نحو لا رجعة فيه، وأنه على وشك الاختفاء بصورة نهائية.

للوهلة الأولى، يبدو أن لذلك تأثيرات خطيرة على وجود الذكور بحد ذاته. ولكنْ هناك عدد قليل من أنواع الثدييات التي حدث لها هذا بالفعل، ولا تزال هذه الكائنات تأتي في صور ذكورية وأنثوية. وعلى سبيل المثال، فإن جرذ «آمامي الشوكي» (Amami spiny rat) لا يمتلك كروموسوم «واي»، ولكن الجين الموجود في مكان آخر في الجينوم الخاص به قد تطور ليصبح طريقة جديدة تماماً لتحديد الجنس.

ويبدو احتمال خضوع البشر لتغيرات مماثلة منخفضاً، وفقاً للدكتور كينيث والش من جامعة فرجينيا، الذي يقول إنه بعد بعض الانكماش الكبير في البداية، استقر حجم الكروموسوم «واي» في معظم الأنواع على مدى الـ25 مليون سنة الماضية. وفي ظل احتواء هذا الكروموسوم على جينات قد تخدم وظائف مهمة في الخلايا المناعية وربما في أماكن أخرى، فإن مستقبله في تلك الأنواع - بما في ذلك لدى البشر - يبدو مؤكداً.

* مجلة «نيوساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

عصام فضل (القاهرة)
صحتك مرض السكري قد يُسبب مشاكل في النوم (بيكساباي)

تأثير قلة النوم على مرضى السكري

يرتبط داء السكري والنوم ارتباطاً وثيقاً، ويعاني كثير من مرضى السكري من النوع الثاني سوء جودة النوم أو الأرق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمتلك الزنك خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة مما يجعله عنصراً مهماً في تهدئة التفاعلات الالتهابية داخل أنسجة البروستاتا (بيكساباي)

ما تأثير الزنك على التهاب البروستاتا؟

تشير دراسات حديثة إلى أن توازن الزنك داخل البروستاتا عنصر أساسي في الوقاية من أمراض البروستاتا المختلفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يمكنك تناول الماء من خلال العديد من المشروبات (غيتي)

كم يجب أن تشرب من الماء يومياً؟ الإجابة تختلف باختلاف العمر

اقتنى كثيرون أكواب «ستانلي» الضخمة بنوايا حسنة، غير أن واقع الاستهلاك اليومي للسوائل لا يزال، في الغالب، يقتصر على الشاي، وعلبة أو اثنتين من المشروبات الغازية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026
TT

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

مشاريع أحلام معمارية لعام 2026

نادراً ما يُتاح للمهندسين المعماريين اختيار المشاريع التي يعملون عليها؛ وذلك لاعتماد مجال الهندسة المعمارية على كبار المطورين العقاريين المتمتعين بميزانيات ضخمة.

وقد طلبت المجلة من مهندسين معماريين ومصممين من كبرى الشركات العالمية التفكير في أنواع المشاريع التي يتمنون تنفيذها، بغض النظر عن الزبائن والميزانيات، وربما عن الواقع أيضاً. وشارك سبعة مهندسين معماريين مشاريع بناء يتمنون العمل عليها في عام 2026.

أحلام معمارية

إليكم السؤال الذي طرحناه على لجنة من المصممين وقادة الهندسة المعمارية: ما هو مشروع أحلامكم لعام 2026؟

* «إعادة تصور حي حضري». يقول ترينت تيش، مدير مؤسسة KPF لبناء المدن إن مشروع أحلامي ليس مجرد مَعلم بارز في الأفق أو مشهد مبهر، بل هو نظام مستدام طويل الأمد، مشروع يُعاد فيه استخدام هيكله، وتُحسّن مواده ويُعاد تدويرها بدلاً من استبدالها، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت. حيث لا تُخفى استراتيجيات الاستدامة في الأقبية أو على أسطح المباني، بل تُصبح جزءاً لا يتجزأ من التجربة المعمارية.

مشروع أحلامي هو إعادة تصور حي حضري، يُعاد تصميمه بدقة متناهية (بدلاً من هدمه)، حيث تُمنح مبانيه المتدهورة حياة جديدة من خلال تحسينات دقيقة، وتدخلات بسيطة، واهتمام بالحرفية وأداء المبنى.

* «أماكن متكاملة - حلول للأزمات الراهنة». مشروع أحلامي، كما يقول ديفيد بولزين، المدير التنفيذي للتصميم لمؤسسة «كانون ديزاين»، هو تصميم يتجاوز نطاق المبنى الواحد، ليشمل نطاق الحي بأكمله؛ بهدف ابتكار أسلوب حياة جديد. لدينا القدرة على تجاوز التجزئة التي أوجدناها في البيئة العمرانية، والتوجه نحو أماكن متكاملة لا يقتصر فيها الأمر على عيش الناس وعملهم وترفيههم في المكان نفسه، بل يتيح لهم أيضاً الابتكار والتعلم والاهتمام بأنفسهم وببعضهم بعضاً. يتضمن هذا النهج حلولاً للأزمات الراهنة كالسكن، والحصول على الغذاء والرعاية، وغيرها: التفكير في بناء المجتمع وما يحتاج إليه الناس من حولهم لضمان حياة آمنة وحيوية ومُدعمة.

بورصة المناخ و«جنة الأرض»

* «بورصة نيويورك للمناخ». مشروع أحلامي الذي أطمح إليه - كما يقول كولين كوب، شريك في شركة SOM- أن يبدأ العمل فيه مع نهاية هذا العام - بورصة نيويورك للمناخ New York Climate Exchange في جزيرة «غوفيرنيرز». سيكون بلا شك أكثر المشاريع استدامةً على الإطلاق في المدينة، ومثالاً على المسار الذي يجب أن يسلكه التصميم في العقد المقبل.

* رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض». يقول لوك ليونغ، رئيس استوديو الهندسة المستدامة في شركة SOM، إن مشروعي الطموح ذو فلسفة تصميمية راسخة على البساطة والاستدامة والتعبير الواضح عن الوظائف الهندسية، سيُشكّل هذا المشروع مختبراً حياً على نطاقٍ واسع، من الأحياء إلى المناطق، وربما حتى على مستوى الدولة، مُجسّداً التخطيط الحضري المُراعي للإنسان والمُستجيب للمناخ.

وسيُبيّن المشروع كيف يُمكن للهندسة المعمارية أن تُسهِم في خلق بيئات مبنية أكثر صحة، ودفع عجلة خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز رفاهية الإنسان، ودعم النظم البيئية المزدهرة، وتقديم نماذج قابلة للتطبيق لمدن مرنة في جميع أنحاء العالم - رؤية ملموسة لـ«جنة على الأرض» في بيئة مبنية.

اندماج التخصصات ومجمعات التعلم

* «كسر الحواجز بين البرامج والتخصصات». لطالما تشكّلت محفظة مشاريع شركتنا انطلاقاً من فكرة الهندسة المعمارية كبنية تحتية اجتماعية ومدنية، وليست مجرد كيانات معزولة.

مشروعنا الطموح لعام 2026 - كما تقول كلير وايز، المؤسسة والمديرة الرئيسية لشركة WXY للهندسة المعمارية والتصميم الحضري - هو مشروعٌ يُتيح لنا كسر الحواجز بين التخصصات والبرامج المُقيِّدة، بما يعود بالنفع على مُستخدمي المساحات التي نُصمِّمها. قد يتخذ هذا المشروع شكل حيٍّ جديد متعدد الاستخدامات، أو مبنى سكني مُصمَّم خصيصاً لرعاية الأطفال، أو أكواخٍ وسط الغابات، أو بنية تحتية حضرية مُعاد ابتكارها. لكنّه سيسترشد، كما هو الحال في جميع أعمالنا، بفكرة الإدارة طويلة الأمد والتعاون الوثيق مع المجتمع وزملائنا في مجالات الهندسة المعمارية والهندسة المدنية وغيرها. نهتمّ بشكلٍ خاص بالمشاريع التي يُسهِم فيها التصميم في بناء القدرات وتعزيز الثقة، والتي لا يُقاس نجاحها بما يُبنى فحسب، بل بما يُتيحه من إمكانات على المدى البعيد.

* «أماكن ووجهات للتعلم والتجمُّع». يقول نيك ليهي، الرئيس التنفيذي المشارك والمدير التنفيذي لشركة «بيركنز إيستمان»، إن هناك حاجة مُتزايدة إلى مُحفِّزات ثقافية ومجتمعية تُقرِّب الناس، لا سيما في المجتمعات التي تفتقر إلى وجهات للتعلم والتجمُّع. يُمكن للتصميم أن يُعزِّز الشعور بالانتماء والارتباط بالجوانب المادية للهندسة المعمارية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في عصرنا هذا الذي يُفضِّل الإشباع الفوري. للطلبات والرغبات.

* مجلة «فاست كومباني»


أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.