اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

فقدانه يزيد خطر إصابات السرطان والقلب وألزهايمر

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال
TT

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

اختفاء كروموسوم «واي» الذكري... واعتلال صحة الرجال

تعيش النساء في المتوسط عمراً أطول من الرجال. ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بالرجوع إلى أقدم السجلات، وهو صحيح في كل بلد في العالم اليوم. وقد طُرحت حوله العديد من التفسيرات: فالرجال يخاطرون أكثر أو يدخنون أكثر، وهرمون الاستروجين يحمي من المشكلات الصحية، ووجود كروموسومين «إكس» (X) أفضل من كروموسوم واحد... والقائمة تطول. ويمكن أن تفسر بعض هذه العوامل أموراً صغيرة من هذا الفرق، وقد تم دحض الكثير منها. ولا شيء منها مُقنع تماماً.

تفسير بديل

الآن، توصل الباحثون إلى تفسير بديل مثير للاهتمام للكثير من هذا الاختلاف في متوسط العمر، وهو أن الأمر كله يعود إلى كروموسوم «واي» (Y). وعلى وجه التحديد، تكمن الفكرة في أنه مع تقدم الرجال في العمر، فإنهم يفقدون هذا الكروموسوم من العديد من خلاياهم، ما يؤدي إلى الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر.

إن فقدان كروموسوم «واي» بهذه الطريقة ليس شيئاً يمكن أن تلاحظ حدوثه. ويقول الدكتور لارس فورسبرغ من جامعة أوبسالا في السويد: «على حد علمي، لا توجد بيانات تشير إلى أن الرجال الذين يفقدون كروموسوم (واي) سيشعرون بذلك». ومع ذلك، فقد اتضح أن جزءاً كبيراً من الرجال الأكبر سناً يتأثرون به، ويكشف الباحثون الآن عن عواقب طويلة الأمد على الجهاز المناعي وخطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وحتى ألزهايمر.

من جهته، يقول الدكتور كينيث والش من جامعة فيرجينيا: «إذا كنت ذكراً، فأنت لا تريد أن تفقد كروموسوم (واي) الخاص بك، فمن المؤكد أن ذلك سوف يُقصّر حياتك». إن الإدراك المتزايد لأهمية كروموسوم «واي» للصحة العامة يفتح الباب أمام طرق جديدة محتملة للحفاظ على صحة الرجال مع تقدمهم في العمر.

أصغر الكروموسومات بوظائف غامضة

يمتلك أغلب الناس 22 زوجاً من الكروموسومات، بالإضافة إلى اثنين من الكروموسومات الجنسية؛ زوج من الكروموسومات «إكس X» أو كروموسوم «إكس» مع «واي». ويحمل كروموسوم «Y» المفتاح الرئيسي لتحديد جنس الجنين. ولدى البالغين، يُحافظ على إنتاج الحيوانات المنوية. وهو واحد من أصغر الكروموسومات، حوالي ثلث حجم الكروموسوم «إكس»، ويحتوي على عدد قليل من الجينات. ومع ذلك، فإنه يحتوي أيضاً على الكثير من الميزات التي تجعل من الصعب تحليله، ما يعني أنه كان آخر كروموسوم بشري يتم تسلسله بالكامل في عام 2023، وقبل ذلك كان أكثر من نصف تسلسله لغزاً. ولا تزال العديد من وظائفه غير مفهومة بالكلية.

ظهرت حقيقة أن بعض الرجال يفقدون كروموسوم «واي» بصفة دائمة في بعض خلاياهم من خلال الدراسات الجينية التي أُجريت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولكن كان يُعتقد أن هذا مجرد أثر جانبي حميد للشيخوخة. ثم في الثمانينات والتسعينات، أفاد علماء الأحياء السرطانية بأن أورام الرجال تفتقر في بعض الأحيان إلى كروموسومات «واي». ولكن مع قلة الاهتمام بمساهمة كروموسوم «واي» في وظائف الأعضاء لدى البالغين فيما يتجاوز إنتاج الحيوانات المنوية، لم يحظَ هذا الأمر أيضاً باهتمام جدي.

فقدان الكروموسوم والأمراض

تغيرت الأمور في عام 2014، عندما أسفرت دراسة صحية طويلة الأجل شملت 1153 رجلاً سويدياً في السبعينات والثمانينات من العمر عن اكتشاف تَصَادُفي. فقد أعطى هؤلاء المشاركون عينات دم لتحليل الحمض النووي، ووجد الدكتور فورسبرغ وزملاؤه أن كروموسوم «واي» مفقود من جزء كبير من خلايا الدم لدى حوالي 8 في المائة من المشاركين. ثم لاحظ الفريق شيئاً ملفتاً للنظر: كان متوسط عمر هؤلاء الرجال أقصر بخمس سنوات ونصف السنة من أولئك الذين لم يفقدوا كروموسوم «واي» من خلايا الدم لديهم.

كما وجد الدكتور فورسبرغ، ومشرفه آنذاك الدكتور يان دومانسكي، من جامعة أوبسالا، أن الرجال الذين فقدوا كروموسوم «واي» يصابون بالسرطان بشكل متكرر أكثر، ويصابون بمرض ألزهايمر بمعدلات مرتفعة بشكل صارخ. ففي إحدى الدراسات، على سبيل المثال، وجدوا أن الرجال الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي» كانوا أكثر عرضة للإصابة بألزهايمر بسبعة أضعاف الرجال الذين لا يعانون من فقدانه.

يقول الدكتور دومانسكي إن هذه السلسلة من النتائج «كانت مثيرة للجدل للغاية - ولم يرغب أحد في تصديق ذلك». لكن العديد من الدراسات الاستقصائية اللاحقة الأوسع نطاقاً قد أكدت النتائج وكشفت عن وجود روابط بين فقدان كروموسوم «واي» والعديد من الحالات الأخرى. والأبرز من ذلك أنه في عام 2022، قام الدكتور والش وزملاؤه بتحليل بيانات أكثر من 200 ألف مشارك في دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، وخلصوا إلى أن فقدان كروموسوم «واي» مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بعدة أشكال من أمراض القلب.

انحسار الكروموسوم

للبدء في الكشف عن سبب هذه التأثيرات لفقدان كروموسوم «واي»، نحتاج أولاً إلى فهم كيفية فقدانه. يحتوي جسم البالغين على حوالي 30 تريليون خلية، ويتم استبدال حوالي 300 مليار خلية منها يومياً بخلايا جديدة. وحوالي 90 في المائة من هذه الخلايا الجديدة هي خلايا دم مشتقة من الخلايا الجذعية المكونة للدم في نخاع العظم، بما في ذلك حوالي 100 مليار خلية دم بيضاء.

يحدث فقدان كروموسوم «واي» أثناء عملية الاستبدال هذه، عندما تنقسم الخلايا وتتكاثر. يقول الدكتور فورسبرغ إن هذا الأمر «شائع بشكل كبير - فهو ليس حادثاً غريباً»، ويشك في أنه يحدث لجميع الرجال إلى حد ما، لكن التقدم في العمر يزيده بصورة كبيرة. وقد وجدت دراسة أجريت في فبراير (شباط) الماضي على 25 ألف ذكر تتراوح أعمارهم بين 3 و 95 عاماً أن 11.5 في المائة من الذكور أظهروا بشكل عام فقداناً للكروموسوم «واي» في نسبة 5 في المائة على الأقل من خلايا الدم البيضاء. ومع ذلك، لم تظهر مستويات ملحوظة إلا لدى عدد قليل للغاية من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، في حين أن نحو 6 في المائة من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 عاماً قد تأثروا، وأكثر من 40 في المائة من السكان الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً قد تأثروا به أيضاً.

التدخين والتلوث والمبيدات عوامل خطر

وفيما عدا الشيخوخة، فإن عامل الخطر الرئيسي الثاني المعروف هو التدخين، ولكن فقدان كروموسوم «واي» يرتبط أيضاً بالتعرض لتلوث الهواء، ومبيدات الأعشاب التي تحتوي على «الغليفوسات» (مبيد أعشاب ضارة مستخدم على نطاق واسع)، والمياه الملوثة بالزرنيخ.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الخلايا المنقسمة أكثر عرضة لفقدان كروموسوم «واي» مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ونظراً لأن كروموسوم «واي» صغير الحجم وله العديد من تمديدات الحمض النووي المتكررة، فقد يكون من الأسهل وضعه في مكانه الصحيح مقارنة بالكروموسومات الأخرى. ولكن الأهم من ذلك هو أن الخلية الذكرية التي تفقد كروموسوم «واي» تبقى على قيد الحياة، في حين أن فقدانها لأحد الكروموسومات غير الجنسية «ضار للغاية، لدرجة أن هذه الخلية ستموت»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

في الواقع، يبدو أن الخلايا الجذعية المكونة للدم الخالية من كروموسوم «واي» تزدهر، ما يؤدي إلى إنتاج نسبة كبيرة من خلايا الدم المتداولة. وتعمل هذه الخلايا المتحولة - كما تقول النظرية - على تعزيز حالات صحية رئيسية ذات صلة بالعمر. (في الإناث، يمكن أن يحدث أيضاً فقدان أحد الكروموسومات «إكس»، وربما بنفس وتيرة فقدان كروموسوم «واي»، ولكن يبدو أن الخلايا المصابة تبدو أقل وفرة أي أقل عدداً).

يقول الدكتور دومانسكي إن أحد الأسئلة المهمة في هذا المجال هو تحديد الخلايا الأخرى لدى الرجال المعرضة لفقدان كروموسومات «واي». كما يجدر توضيح أن هذه الظاهرة تختلف عن مسألة ما إذا كان البشر، على مدى فترات التطور، يمكن بالفعل أن يفقدوا كروموسوم «واي» بشكل كامل ودائم. كما أنه يختلف عن فقدان كروموسوم «واي» العرضي للغاية من الخلايا التناسلية الذكرية، التي يمكن أن تؤدي إلى إنجاب ذرية ثنائية الجنس.

مشكلة خطيرة تهدد جهاز المناعة

مع ذلك، فإن اكتشاف أن العديد من الرجال الأكبر سناً يفقدون كروموسوم «واي» في جزء كبير من خلايا الدم ويعيشون أيضاً حياة أقصر يشير إلى أن شيئاً خطيراً جداً يجري.

منذ البداية، افترض العالمان فورسبرغ ودومانسكي أن اختلال وظيفة المناعة يمكن أن يكون السبب. في عام 2021، على سبيل المثال، وجدوا هم وزملاؤهم أن فقدان كروموسوم «واي» يغير التعبير عن العديد من الجينات في خلايا المناعة البشرية. ونتيجة لذلك «يكون الجهاز المناعي للذكور أكثر هشاشة»، كما يقول الدكتور دومانسكي.

وقد يكون لهذا العديد من التداعيات المباشرة، وهو أمر ملحوظ بشكل خاص في أعقاب الاعتراف المتزايد بدور الجهاز المناعي في الحفاظ على الصحة العامة، وليس فقط في مكافحة العدوى مع تورط الخلل الوظيفي في الجهاز المناعي المرتبط بالعديد من الحالات، وليس أقلها السرطان وأمراض القلب ومرض ألزهايمر.

ولكن ليس الجميع مقتنعين بهذه الفكرة. على سبيل المثال، يعتقد الدكتور جون بيري من جامعة كمبريدج أن فقدان كروموسوم «واي» ومعظم الأمراض المرتبطة به هي مظاهر موازية للمشكلة الحقيقية: زيادة عدم الاستقرار الجيني المرتبط بالعمر. ويقول بيري إن «أقوى عاملين يحددان ما إذا كنت سوف تصاب بفقدان كروموسوم (واي) من عدمه - ومدى ذلك - هما العمر والتدخين». كلاهما عامل كبير وخطير يسببان التلف الجيني والإصابة بالأمراض، لذلك يشتبه في أن العمليات التي تسبب تلف الحمض النووي تؤدي أيضاً إلى فقدان كروموسوم «واي». ويضيف قائلاً: «ليس من المستغرب أن ترى العلاقة بين فقدان كروموسوم (واي) وكل شيء سيئ تقريباً».

في عام 2019، بحثت دراسة أجراها الدكتور بيري وزملاؤه في العوامل الوراثية ذات الصلة بخطر فقدان كروموسوم «واي» في ما يقرب من مليون رجل، وكشفت عن 156 متغيراً جينياً مرتبطاً بزيادة معدل الإصابة. تشارك هذه الجينات إلى حد كبير في إصلاح تلف الحمض النووي وتنظيم تقسيم الخلايا، ما يشير إلى أن فقدان كروموسوم «واي» هو نتيجة لاضطراب في هذه العمليات، وليس حلقة سببية في السلسلة.

ولاختبار ذلك، حقق فريق بيري فيما إذا كانت النساء اللواتي لديهن المتغيرات الجينية نفسها التي تُعرّض الرجال لفقدان كروموسوم «واي» يُصبَن أيضاً بالمزيد من الأمراض ذات الصلة بالعمر. إنهن يُصبَن بالفعل. يقول الدكتور بيري: «لقد كان ذلك دليلاً قاطعاً على مبدأ أن كل ما تملكه هو كمية من الجينات التي تهيئ المجال لزعزعة استقرار الجينوم - ولكن أحد مظاهر ذلك لدى الرجال هو فقدان كروموسوم (واي)».

يوافق الدكتور فورسبرغ على أن هذه الآلية موجودة، لكنه يقول إنها لا تنفي احتمال أن يكون لفقدان كروموسوم «Y» أيضاً عواقب صحية مباشرة. كما دعمت دراسات حديثة دوره السببي في اعتلال الصحة، ما ساعد على دحض الفكرة التي طالما اعتبرها البعض سائدة من زمن طويل، بأن كروموسوم «واي» - بعيداً عن دوره في تحديد الجنس والإنجاب - هو خامل وراثياً إلى حد كبير.

تدهور الإدراك وأمراض القلب

وقد ثبت أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في مرض السرطان.

ولقد بدأت دراسات الآليات التي استندت إليها هذه العملية حين حوّل الدكتور والش اهتمامه إلى كروموسوم «واي» بعد أن درس لمدة طويلة كيف قد تؤدي الطفرات في خلايا الدم إلى أمراض القلب والأوعية الدموية. وللوقوف على ما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يسبب مشاكل صحية مباشرة من عدمه، لجأ فريق والش إلى الفئران. أولاً، عدّلوا الخلايا الجذعية المكونة للدم وراثياً لدى الفئران لكي تفتقر إلى وجود كروموسومات «واي». ثم أخذوا بعض الفئران السليمة الأخرى، واستأصلوا الخلايا المكونة للدم لديها واستبدلوا بها خلايا خالية من كروموسوم «واي».

ومن ثم، أصبحت خلايا الدم لدى هذه الحيوانات خالية من كروموسوم «واي»، بغض النظر عن جميع العوامل التي قد تؤدي عادة إلى فقدانه.

ويقول الدكتور والش إنه مع تقدم هذه الفئران في العمر، فإنها تُصاب بخلل وظيفي في القلب وتدهور إدراكي و«تموت بالأساس في وقت مبكر». وقد أظهر ذلك أن فقدان كروموسوم «واي» من الخلايا المناعية يمكن أن يسبب مشكلات صحية مباشرة. وكان هذا الاكتشاف هو الذي ألهم الدكتور والش وزملاءه للتحقيق في البيانات من البنك البيولوجي في المملكة المتحدة، في الدراسة واسعة النطاق وطويلة الأجل لعلم الوراثة والصحة. وهنا، وجدوا صلة بين النسبة المئوية لخلايا الدم التي فقدت كروموسوم «واي» واحتمال الوفاة من أمراض الجهاز الدوري على مدى السنوات الـ11 المقبلة. فعلى سبيل المثال، تعرض الرجال الذين لديهم 40 في المائة أو أكثر من خلايا الدم البيضاء التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» لخطر متزايد للإصابة بالأمراض بنسبة 31 في المائة.

ثم استخدم الباحثون الفئران المعدلة وراثياً للتحقيق بدقة في كيف يمكن أن يسبب فقدان كروموسوم «واي» مشاكل قلبية. ولقد وجد الباحثون أن قلوب هذه الفئران - بل ورئتيها وكليتيها - تتراكم لديها كمية زائدة من الأنسجة الندبية، أو التليف، الذي من المرجح أن يكون مدفوعاً بنشاط خلايا مناعية خالية من كروموسوم «واي». وعندما أعطى الفريق الفئران دواءً مضاداً للتليف، حال ذلك دون الإصابة بأمراض القلب.

إذا ما تأكد هذا التأثير على التليف لدى البشر أيضاً، يعتقد الدكتور والش أن الأطباء قد يكونون قادرين يوماً ما على استخدام جرعات وقائية من الأدوية المضادة للتليف للوقاية من أمراض القلب لدى أولئك الذين يعانون من فقدان كروموسوم «واي».

الإصابة بالسرطان

في الآونة الأخيرة، ثبت أيضاً أن فقدان كروموسوم «واي» يلعب دوراً في الإصابة بمرض السرطان. ففي مركز «سيدارز سيناي» الطبي في لوس أنجليس، كان الدكتور دان ثيو دوريسكو يدرس سرطان المثانة - وهي حالة تصيب الرجال حوالي أربع مرات أكثر من النساء - وتساءل عما إذا كان كروموسوم «واي» يساهم في الاختلافات الجنسية في هذا المرض. وللتحري عن ذلك، قام هو وزملاؤه بتخليق خلايا مثانة سرطانية تحتوي على كروموسوم «واي» أو تفتقر إليه، وحقنها في الفئران. وكانت النتائج مذهلة: نمت الأورام التي لا تحتوي على كروموسوم «واي» أسرع مرتين من نمو الأورام التي تحتوي عليه.

عندما استشار فريق ثيودوريسكو محتويات قواعد البيانات البشرية، وجد أن 10 إلى 40 في المائة من أورام المثانة لدى الرجال تفتقر إلى الكروموسوم «واي»، وعندما يحدث ذلك، تحدث الوفاة بشكل أسرع بكثير من الرجال الذين تحتفظ أورامهم السرطانية بهذا الكروموسوم. ومع ذلك، عندما زرع الباحثون خلايا الورم الخالية من كروموسوم «واي» في الأوعية المختبرية وجدوا أنها تتكاثر بنفس معدل تكاثر خلايا الورم التي تحتوي على كروموسوم «واي». مما يشير إلى أن زيادة معدل النمو الملحوظ في الجسم لم تكن بسبب الخلايا الخالية من كروموسوم «Y» التي تتكاثر بشكل أسرع، ولكن ربما كان لها علاقة بقدرتها على التهرب من الجهاز المناعي.

وقد دعمت التجارب اللاحقة هذا الرأي، حيث وجد الدكتور ثيو دوريسكو وزملاؤه أنه في سرطان المثانة، يؤدي فقدان كروموسوم «واي» إلى جعل الخلايا السرطانية تنتج بروتينات تستنزف الخلايا التائية، وهي نوع من الخلايا المناعية التي تتعرف عادة على السرطانات وتهاجمها. ومع إمكانات أقل بكثير لعمليات القمع التي تنفذها هذه الخلايا التائية، يصبح السرطان قادراً على النمو بصورة أكثر شراسة.

ولهذا الاكتشاف آثار بالغة الأهمية على العلاج. اذ تعمل مثبطات الحواجز المناعية - وهي الأدوية التي أحدثت ثورة في علاج السرطان على مدى العقد الماضي - من خلال منع آلية الاستنزاف هذه، ما يُمكّن الخلايا التائية من مهاجمة العديد من أنواع السرطان المختلفة بصورة أفضل. وقد رأى فريق الدكتور ثيو دوريسكو أنه في الفئران، عملت الأدوية بصورة أكثر فاعلية ضد أورام المثانة الخالية من كروموسوم «واي» مقارنة مع تلك التي تحتوي عليه. ومرة أخرى، توافقت البيانات الإكلينيكية: يستجيب الأشخاص المصابون بسرطان المثانة بفقدان كروموسوم «واي» بشكل أفضل بكثير لمثبطات الحواجز المناعية مقارنة بتلك التي يحتوي ورم المثانة لديهم على كروموسوم «واي».

البحث عن أسباب الأمراض

يجري الآن التحقيق فيما إذا كان فقدان كروموسوم «واي» يمثل عاملاً مهماً في أنواع أخرى من الأورام السرطانية غير سرطان المثانة. وقد وجدت دراسة أجريت عام 2023 بقيادة الدكتورة إستر راينباي من جامعة هارفارد أنه «من الشائع للغاية» أن خلايا الأورام في العديد من الأنواع المختلفة من السرطان تفتقر إلى كروموسوم «واي»، ما يشير إلى تأثير واسع النطاق.

كما تشير الدراسات التي أجراها كل من والش وثيو دوريسكو أيضاً إلى السبب المحتمل لهذه الآثار: وجود جين في الكروموسوم «واي» يُسمى «يو تي واي - UTY». ويُنتج هذا الجين إنزيماً يشارك في تنظيم جينات أخرى - وعلى الأخص تلك التي تعبر عنها الخلايا المناعية - لذا فإن فقدانه ربما يؤدي إلى تغييرات واسعة النطاق في التعبير الجيني، وهو ما يشتبه الباحثون في أنه يخلق مشكلات صحية.

وعلى الرغم من تحذيرات الدكتور بيري، فإن الرسالة العامة هي، كما يصفها الدكتور ثيو دوريسكو: «فقدان الكروموسوم (واي) أمر سيئ». إن حجم الفرق في أعمار الذكور والإناث الذي قد يكون السبب في حدوثه لم يُحدد بعد، ولكن تقديرات الدكتور دومانسكي تشير إلى أنه قد يكون أكثر من النصف.

هناك سؤال رئيسي آخر - لم تتم الإجابة عليه بعد - وهو ما إذا كانت تغييرات نمط الحياة التي تعزز شيخوخة صحية، مثل نظام غذائي أفضل، وتحسين النوم، وتجنب الكثير من الضغط النفسي، وعدم تناول الكحول، قد تبطئ من فقدان كروموسوم «واي».

يقول الدكتور دومانسكي إن خلاصة كل ذلك هي أن وجهات نظرنا حول أهمية كروموسوم «واي» - الذي طالما تم تجاهله لفترة طويلة - «تتغير بصورة جذرية. ونحن فقط لا نزال في أول الطريق».

هل يختفي الكروموسوم «واي» تماماً؟

منذ أن تطورت الكروموسومات «X» و«Y» لدى الثدييات لأول مرة قبل حوالي 200 مليون سنة، ظل كروموسوم «إكس» على حاله تقريباً، في حين فقد كروموسوم «واي» نحو 97 في المائة من جيناته الأصلية. في واقع الأمر، يُعد كروموسوم «واي» الكروموسوم البشري الأسرع من حيث التغير. وقد أدى هذا إلى مخاوف من أن يختفي تماماً على نحو لا رجعة فيه، وأنه على وشك الاختفاء بصورة نهائية.

للوهلة الأولى، يبدو أن لذلك تأثيرات خطيرة على وجود الذكور بحد ذاته. ولكنْ هناك عدد قليل من أنواع الثدييات التي حدث لها هذا بالفعل، ولا تزال هذه الكائنات تأتي في صور ذكورية وأنثوية. وعلى سبيل المثال، فإن جرذ «آمامي الشوكي» (Amami spiny rat) لا يمتلك كروموسوم «واي»، ولكن الجين الموجود في مكان آخر في الجينوم الخاص به قد تطور ليصبح طريقة جديدة تماماً لتحديد الجنس.

ويبدو احتمال خضوع البشر لتغيرات مماثلة منخفضاً، وفقاً للدكتور كينيث والش من جامعة فرجينيا، الذي يقول إنه بعد بعض الانكماش الكبير في البداية، استقر حجم الكروموسوم «واي» في معظم الأنواع على مدى الـ25 مليون سنة الماضية. وفي ظل احتواء هذا الكروموسوم على جينات قد تخدم وظائف مهمة في الخلايا المناعية وربما في أماكن أخرى، فإن مستقبله في تلك الأنواع - بما في ذلك لدى البشر - يبدو مؤكداً.

* مجلة «نيوساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

أول جراحة لتحويل مسار «الشريان التاجي» دون فتح الصدر

صحتك أرشيفية لفريق من الجراحين خلال جراحة القلب والأوعية الدموية (الشرق الأوسط)

أول جراحة لتحويل مسار «الشريان التاجي» دون فتح الصدر

للمرة الأولى في تاريخ الطب البشري، أجرى أطباء عملية «مجازة الشريان التاجي»، التي يتم فيها ​تحويل المسار الذي يتدفق الدم من خلاله، دون الحاجة إلى شق صدر المريض.

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحضر مؤتمراً صحافياً في بالم بيتش في 28 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

ترمب يقترح خطة للرعاية الصحية

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، عن خطة للرعاية الصحية قال البيت الأبيض إن من شأنها خفض أسعار الأدوية وأقساط التأمين وجعل الأسعار أكثر شفافية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك شخص يتألم (رويترز)

ماذا يحدث للأمعاء عند تناول البروبيوتيك يومياً؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن البروبيوتيك وهي كائنات دقيقة حية مثل البكتيريا والخميرة قد تُقدم فوائد صحية خصوصاً لمشاكل الجهاز الهضمي وصحة الأمعاء 

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك بذور القرع من الأطعمة الغنية بالحديد (بيكسباي)

7 أطعمة غنية بالحديد بدلاً من المكملات الغذائية

يُعدّ الحديد من المعادن الأساسية التي يحتاج إليها الجسم لنقل الأكسجين عبر خلايا الدم الحمراء، ودعم المناعة، والمساهمة في تنظيم الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك «غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية

«غسيل الكلى البريتوني»... الأفضل في حفظ القدرات الإدراكية

سلّطت دراسة بريطانية حديثة الضوء على أهمية المقارنة بين أنواع غسيل الكلى (الديلزة Dialysis) لمعرفة ما الأفضل منها لصحة المريض.

د. عبير مبارك (الرياض)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».