3 انتخابات في أوروبا يخيم عليها ترمب والحرب في أوكرانيا

البولنديون يصوّتون في الجولة الرئاسية الأولى... والرومانيون يُحدّدون توجهاتهم الخارجية... والبرتغاليون يشاركون في اقتراع مبكّر

بولنديون ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في مكتب اقتراع بوارسو يوم 18 مايو (أ.ف.ب)
بولنديون ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في مكتب اقتراع بوارسو يوم 18 مايو (أ.ف.ب)
TT

3 انتخابات في أوروبا يخيم عليها ترمب والحرب في أوكرانيا

بولنديون ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في مكتب اقتراع بوارسو يوم 18 مايو (أ.ف.ب)
بولنديون ينتظرون الإدلاء بأصواتهم في مكتب اقتراع بوارسو يوم 18 مايو (أ.ف.ب)

هيمنت حرب أوكرانيا وسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب على انتخابات «الأحد الكبير» في أوروبا، حيث توجّه ملايين الناخبين في بولندا ورومانيا إلى مراكز الاقتراع لاختيار رئيسهم، فيما دُعي البرتغاليون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية الثالثة خلال 3 سنوات.

ويتنافس في الانتخابات الثلاثة مؤيدون لأوروبا مع يمينيين معجبين بترمب، ومن شأن فوز المتشككين في الاتحاد الأوروبي أن يصدم قيادات التكتل، الذي يواجه التّحدي المزدوج المتمثل في حرب روسيا وأوكرانيا ورسوم ترمب الجمركية.

انتخابات حاسمة في بولندا

يدلي الناخبون البولنديون، الأحد، بأصواتهم في انتخابات رئاسية حاسمة، يُتوقع أن تكون نتائجها مصيرية لمستقبل الحكومة الوسطية في البلاد. ومن المتوقع أن يحصل رئيس بلدية وارسو، المؤيد للاتحاد الأوروبي، رافال تشاسكوفسكي على 30 في المائة من الأصوات، وفق الاستطلاعات، متقدماً على المؤرخ القومي كارول ناوروتسكي، الذي يتوقّع أن يحصد 25 في المائة من الأصوات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». أما مرشّح اليمين المتطرّف، سلاوفومير منتسن، فيحتل المرتبة الثالثة بنحو 12 في المائة من الأصوات.

رافاو تراسكوفسكي رئيس بلدية وارسو والمرشح للانتخابات الرئاسية في بولندا خلال خطاب لمؤيديه 9 مايو 2025 (أ.ب)

وإذا تأكّدت الاستطلاعات في النتائج المرتقبة، صباح الاثنين، فإن شاسكوفسكي وناوروتسكي سيتأهلان لجولة الإعادة في الأول من يونيو (حزيران)، في وقت شديد الحساسية بالنسبة لأوروبا مع استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، وصعود الشعبويين اليمينيين المتطرفين، وتوتر العلاقات مع واشنطن. ومنذ تولي ائتلاف رئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد توسك السلطة عام 2003، عُلّقت مبادرات حكومية رئيسية من جانب الرئيس القومي أندريه دودا. ويأمل بعض البولنديين أن يكون ذلك الجمود على وشك الانتهاء. وقال الناخب هوبرت ميخاووفسكي (50 عاماً): «آمل أن تستكمل هذه الانتخابات التغيير». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه يعارض أي توجه يميني لبولندا، ويريد بدلاً من ذلك أن تبقى بلاده «في الوسط، وأن تعكس مسار هذا التوجه في أوروبا أيضاً».

المؤرخ المحافظ كارول نافروتسكي المرشح للانتخابات الرئاسية في بولندا (إ.ب.أ)

إضافة إلى ذلك، تمحورت الحملة الانتخابية في بولندا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، بشكل كبير على السياسة الخارجية لتكشف عن تباين في الرؤى بشأن طبيعة علاقة بولندا بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ففي عهد توسك، أصبحت بولندا أكثر أهمية في القارة الأوروبية، مُعززةً موقعها بوصفها صوتاً رئيسياً على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في مواجهة أي هجوم روسي.

وفي المقابل، يعوّل القومي ناوروتسكي على إقناع أنصار مرشّح اليمين المتطرّف بالتصويت لصالحه في الجولة الثانية، مستنداً إلى تشكيكهم في الاتحاد الأوروبي واتهامهم مليون لاجئ أوكراني في البلاد باستغلال بولندا.

جولة رئاسية ثانية في رومانيا

وفي رومانيا، توجّه الناخبون إلى مكاتب الاقتراع لانتخاب رئيس للبلاد، بعد 5 أشهر من إلغاء اقتراع سابق شابته شكوك بشأن تدخّل روسي.

ويتنافس اليميني القومي جورج سيميون (38 عاماً)، ورئيس بلدية بوخارست الوسطي نيكوسور دان (55 عاماً)، على منصب رئيس الدولة الذي يتمتع بصلاحية تعيين كبار المسؤولين، وحضور قمم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

المرشح للانتخابات الرئاسية في رومانيا جورجي سيميون (يمين) وبجواره المرشح الرئاسي السابق كالين جورجيسكو (أ.ف.ب)

وتصدّر سيميون المنتقد للاتحاد الأوروبي والمعجب بالرئيس الأميركي ترمب، الدورة الأولى بفارق كبير، بحصوله على نحو 41 في المائة من الأصوات، وهو ضعف ما ناله منافسه، إلا أنّ استطلاعات الرأي رجّحت أن تكون النتائج متقاربة في الدورة الثانية، علماً بأن تقديراتها لم تكن دائماً صائبة. وتُتابع الأسرة الدولية هذه الانتخابات من كثب، إذ يشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق من احتمال أن تعزّز اليمين المتشدد، بينما تدعو واشنطن التي انتقدت إلغاء اقتراع الخريف الماضي، إلى احترام صوت الشعب. ورومانيا التي يقطنها 19 مليون نسمة، هي عضو في الاتحاد الأوروبي، ودولة مجاورة لأوكرانيا اكتسبت أهمية متزايدة في حلف شمال الأطلسي منذ بدء الغزو الروسي في عام 2022. وتشهد رومانيا حالة من عدم اليقين منذ فوز اليميني المتطرف كالين جورجيسكو المفاجئ في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني)، علماً بأن منتقديه يتّهمونه بأنه مُؤيّد للكرملين.

رئيس بلدية بوخارست المنتمي لتيار الوسط والمرشح للانتخابات الرئاسية في رومانيا نيكوشور دان يدلي بصوته (أ.ب)

ويُبدي سيميون، الذي خفّف من حدّة خطابه في الأشهر الأخيرة، اقتناعه بأنّه سيكون «الرئيس المقبل لرومانيا»، إلا في حال حصول حالات «احتيال ضخمة»، ما يفتح الباب أمام الطعن في نتائج الانتخابات في حال هزيمته. وغالباً ما انتقد سيميون «السياسات العبثية للاتحاد الأوروبي». ويرى مُحلّلون أن سلسلة من الأخطاء قد تؤثر على حظوظه، مثل اعتماد خطاب «عدواني» والتغيب عن كثير من المناظرات. ومن جانبه، يأمل منافسه وهو متخصّص في الرياضيات، في أن تشهد الدورة الثانية رد فعل عكسياً من الممتنعين عن التصويت في الدورة الأولى، التي بلغت نسبة المشاركة فيها 53 في المائة فقط.

اقتراع مبكّر ثالث في البرتغال

وفي البرتغال، توجه الناخبون إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية الثالثة خلال 3 سنوات، رغم أن كثيرين منهم يتأهبون للمزيد من الضبابية، إذ من المستبعد أن تفضي الانتخابات إلى حكومة مستقرة.

وقد أصبح هذا التصويت ضرورياً عقب الإطاحة غير المتوقعة بحكومة الأقلية المحافظة برئاسة رئيس الوزراء لويس مونتينيغرو (52 عاماً)، في تصويت بحجب الثقة في مارس (آذار) الماضي، كان قد دعا لإجرائه. ويرجع التصويت بحجب الثقة إلى اتفاقيات تتعلق بشركات تجارية يمتلكها مونتينيغرو لا تعد شفافة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

رئيس الوزراء البرتغالي السابق لويس مونتينيغرو خلال فعالية انتخابية 16 مايو 2025 (أ.ب)

وأظهرت استطلاعات الرأي أنه من المتوقع أن يُعزّز «الاتحاد الديمقراطي» المحافظ الذي ينتمي له مونتينيغرو من حصته من الأصوات إلى 34 في المائة، ليبقى الحزب الأقوى. مع ذلك، مثلما حدث عام 2024، من المتوقع ألا يحصل «الاتحاد الديمقراطي» على الـ116 مقعداً اللازمة كي يحظى بالأغلبية المطلقة في البرلمان.

رئيس الوزراء البرتغالي السابق لويس مونتينيغرو يتحدث أمام مؤيديه 16 مايو 2025 (أ.ب)

ومن المتوقع أن يتكبّد الحزب الاشتراكي خسائر، في حين من المتوقع أن يبقى حزب «تشيغا» اليميني المتشدد على النتائج التي حققها، العام الماضي، وبلغت نحو 19 في المائة.

وفي حال كانت نتائج استطلاعات الرأي دقيقة، فإن مونتينيغرو، الذي استبعد التعاون مع «تشيغا»، من المرجح أن يضطر إلى تشكيل حكومة أقلية أخرى.


مقالات ذات صلة

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخلفه شعار الاتحاد الأوروبي على هامش قمة لزعماء التكتل (د.ب.أ)

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

بحث قادة الاتحاد الأوروبي سبل الحد من اعتماد أوكرانيا على نظام «ستارلينك» الذي يدعم عملياتها العسكرية، بعدما شهد النظام الأميركي اضطرابات أثرت على استخدامه.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
أوروبا علم الاتحاد الأوروبي يتدلى من إحدى الشرفات (بكسلز)

إيطاليا تمدد تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا أسبوعاً

اتفقت إيطاليا وإسبانيا على إلغاء إجراءات الرقابة الحدودية المتبادلة التي فرضت في أعقاب أزمة دبلوماسية مرتبطة بالهجرة، وذلك بعد محادثات أجراها قادة البلدين.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد كريستين لاغارد خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في بانكوك (رويترز)

«المنتدى الاقتصادي العالمي» قد يختار لاغارد رئيسة له في نوفمبر

قد يعيِّن «المنتدى الاقتصادي العالمي» كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، رئيسةً جديدة لمجلس أمنائه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ - بانكوك)
أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا إلى جانب رئيسة لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي ماري أغنيس شتراك تسيمرمان في بروكسل يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

الملفات الشائكة تتراكم على مائدة القمة الأوروبية

القمة الأوروبية هي الأولى منذ نهاية العطلة الصيفية، وعلى مائدتها مجموعة من الملفات الشائكة التي تتباين حولها مواقف الدول الأعضاء

شوقي الريّس (بروكسيل)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.