بركة: أبحث عن أرض عذراء أزرع فيها شجرتي الروائية

يرى أن الأدب العربي الحالي تفوق على نظيره في كثير من دول العالم

 الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
TT

بركة: أبحث عن أرض عذراء أزرع فيها شجرتي الروائية

 الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة

يعدّ الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة حالة خاصة في المشهد الثقافي المصري، فمع كل رواية يصدرها يثبت وجوده كأحد الأسماء المهمة، وتجد رواياته صدًى طيباً على مستوى التلقي النقدي، فضلاً عن تلقي القراء. في السنوات الخمس الماضية تخلى عن «كسله» وأصبح يصدر أعمالاً بشكل شبه منتظم، وقد مثّلت روايته «حانة الست» مرحلةً مهمةً في مسيرته، ولفتت إليه الأنظار بشدة، وهي الرواية التي ترجمت مؤخراً للإنجليزية، وبالتوازي مع صدور هذه الترجمة أصدر روايته الأحدث «مهنة سرية»، التي أحدثت ردود فعل طيبة وكتب عنها كثيرون.

«الشرق الأوسط»... حاورته حول روايته الجديدة وسيكولوجية الكتابة لديه... وهنا نصّ الحوار:

> روايتك الأحدث «مهنة سرية» يبدو فيها البطل وكأنه يتعرى روحياً كما لو كان في طقس اعتراف بكل ما اقترفه في حياته... هل كنت تقصد بهذه الاعترافات الوصول به لحالة من التطهر؟

- أكتب دائماً ما أفتقده في قراءاتي، فالروايات كثيرة والفن قليل، الشجن نادر ورعشة القلب أكثر ندرة. أحب نبرة الاعتراف في السرد، فهي تضع أبطالي في مواجهة مباشرة مع القارئ، لا مجال للتجمل أو المناورة، كما أنها تضع البطل نفسه في مواجهة مع ماضيه على طريقة «واجه أسوأ مخاوفك».

ليس الهدف بالضرورة الوصول بالبطل إلى مرحلة التطهر، بمعنى إطلاق المشاعر المكبوتة على طريقة تراجيديات المسرح اليوناني، إنما الهدف الأساسي هو امتلاك ناصية السرد المرهف الحميم الذي يشتبك في منطقة شديدة الصدق مع المتلقي من خلال الشخصية الرئيسية التي تروي تفاصيل إنسانية مدهشة، على هامش مهنة تقديم المتعة من جانب شابّ إلى السائحات مقابل المال.

> يبدأ كل فصل بسؤال وإجابة عنه تعيد تعريف بعض المفردات والمفاهيم عبر لغة محملة بحسّ تراثي وتقترب من لغة المتصوفة... هل هذا لكسر حدة الاعترافات والإحالة للدلالات الفكرية والروحية لقصة البطل؟

- كان الهدف الأول هو البحث عن عتبة أو مدخل مختلف لكل فصل، على نحو يجعله أكثر تشويقاً، بشرط أن يكون السؤال والإجابة نابعين من روح هذا الفصل، ويؤكدان على خصوصيته.

الفكرة أيضاً أنني أردت صياغة تقترب من روح الشعر وعبق التراث مع حداثة المعنى، هكذا توالت العتبات عبر أسئلة وإجابات من نوعية «سألتني ما الحرمان؟ قلت: أنين الريح وهى تبحث عن شيء تلاعبه»، «سألتني وما الحب؟ قلت: أشهر شهداء الابتذال اللغوي». ظللت أداعب أصدقائي الشعراء وأقول لهم إنني قدّمت تعريفاً للشعر لم يقدموه هم أنفسهم: «سألتني وما الشعر؟ قلت أقدم محاولات البشر لمخاطبة الآلهة».

> مكان الرواية يتراوح بين عالمين؛ الأول مكان نشأة البطل المفعم بروائح القمامة في إحدى عشوائيات القاهرة، والآخر مدينة شرم الشيخ وفنادقها بروائحها الخلابة... كيف صنعت هذا التناقض؟ وكيف ترى أثره على شخصية البطل؟

- المكان مهم في كتاباتي، هو ليس بطلاً مستقلاً بالمعنى المتعارف عليه، لكنه حاضر بشكل أو بآخر. قد يكون مدينة أوروبية رمادية مقبضة تمتص روح الراوي، وقد يكون مدينة قاسية بلا ملامح تم تشييدها حديثاً على أطراف الصحراء، أو قرية مبللة بالمطر ومغطاة بستارة صفراء من عواصف الخماسين.

في «مهنة سرية» جاء التناقض المكاني بين الحي العشوائي المخصص لتداول تجارة القمامة، وبين شرم الشيخ صارخاً، أشبه بالتناقض بين الكابوس الأسود وبين الحلم الوردي. الأول مكان نشأة البطل الذي امتلك موهبة الشعر، لكنه فضّل السير في حقل ألغام، مكان بدا كأنه شاهد العيان على بؤس الطفولة، فقر الروح قبل فقر البيوت. الثاني يتمثل بمدينة الأحلام والحرية وملتقى جميلات الغرب اللواتي يحضرن في النص ليعزفن على وتر حساس، هو اللقاء بين الشرق والغرب.

> سبق أن تُرجمت روايتك «الفضيحة الإيطالية»، ومؤخراً روايتك «حانة الست»، إلى الإنجليزية... ما رأيك في هوس بعض المبدعين العرب بترجمة أعمالهم تحت أي ذريعة بدعوى الوصول للعالمية؟

- إن لم تكن الترجمة حقيقية وعبر آليات قوية ذات مصداقية، فلن تصنع الفارق وسوف تصبح وهماً ومخدراً. ولهذا السبب تحديداً، كانت سعادتي غامرة أن تصدر «حانة الست» عن دار «Sulfur Editions» الدولية التي تمتلك فريقاً من المترجمين والمحررين الأجانب، ولا سيما الأميركيين. والجميل أن كثيراً من هؤلاء هم بالأساس روائيون وأدباء قبل أن يعملوا بصناعة النشر. وقريباً جداً، سوف تُطرح الرواية ورقياً في 120 دولة حول العالم، كما ستكون متوفرة في أكبر متاجر البيع الإلكتروني العالمية.

الترجمة الناجحة ليس شرطاً أن تحمل توقيع أجنبي «خواجة»، فهناك على الساحة من النخبة الثقافية العربية من يتقن لغة الآخر بكفاءة لا تقل عن الآخر نفسه، وبالتالي حين يتصدى للترجمة يملك ميزة تفضيلية، تتمثل في قدرته على فهم ثقافة ولغة النص الأصلي أفضل من الأجنبي. وهذا ما ينطبق على سبيل المثال على «حانة الست» التي تصدّت لترجمتها د. سلوى جودة، وهى ترجمة أشاد بها فريق محرري الناشر الأجانب.

ويظل الهوس بالعالمية بحاجة إلى مراجعة، فالأدب العربي الحالي تجاوز تلك العالمية وأصبح متفوقاً في كثير من نماذجه على نظيره في كثير من دول العالم، سواء «الطابع الإنساني» لموضوعاته أو أساليب الكتابة وتقنياتها المتطورة. أقول هذا من باب الإنصاف والموضوعية، وليس الانحياز، فأنا أتابع بشكل جيد أبرز ما يصدر روائياً في أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. العالمية لم تعد حلماً.

> روايتك السابقة «حانة الست» أثارت كثيراً من الجدل، ويبدو أن «مهنة سرية» في طريقها لإثارة جدل جديد... كيف ترى هذا الجدل؟

- لا أتعمده إطلاقاً، لكن الناس عموماً، والقارئ بشكل خاص، يكرهون الحقيقة. لا يحبون من يهدد قناعاتهم، مهما كانت زائفة، أو من يخالف تصوراتهم الموروثة، مهما كانت وهمية. الجدل كان صاخباً وعنيفاً بسبب «حانة الست» التي تعرضت بسببها لموجة واسعة من الهجوم، بدعوى تشويه أم كلثوم كرمز، ما وصل للمطالبة بسحب الرواية من الأسواق، ورفع دعوى قضائية ضدي. والحقيقة أن كل ما فعلته هو أنني رسمت الوجه الإنساني الآخر المسكوت عنه لكوكب الشرق، معتمداً على ما قالته أم كلثوم نفسها كمرجع موثق. أردت أن تتراجع الأسطورة قليلاً لتتقدم الإنسانية.

الجدل حول «مهنة سرية» جاء مختلفاً، بسبب الطبيعة الصادمة للمهنة نفسها، لكن الجميل أن الجميع أكّد على رهافة وشاعرية التناول الذي عبّر عن التفاصيل الداخلية للمهنة بلغة ذات حساسية جمالية لافتة.

> هل تبدأ أعمالك بالبحث عن فكرة مثيرة كعادة الصحافة ثم تبدأ صياغتها سردياً؟

- الإثارة الصحافية لا محل لها من الإعراب في تجربتي الأدبية، فهي مؤقتة وتبحث عن ضجة بأي ثمن. الإثارة تصيب الأدب بالسطحية، لأنه يعمل وفق آليات معاكسة، فهو يبحث عن الخلود عبر كل ما هو عميق وإنساني. لكن هذا لا يمنع أنني أفضّل، قدر المستطاع، أن يكون موضوع كل رواية جديدة أشتغل عليها مختلفاً وجديداً. أفضّل الذهاب إلى أرض عذراء غير مطروقة لأزرع فيها شجرتي، وأضع فيها بذرة مغامرتي الفنية.

الأهم، بالطبع، من اختيار موضوع جديد أو مدهش، هو كيف ستعبر عنه، كيف ستتناوله. سؤال الأدب وتحديده دائماً هو «كيف» وليس «ماذا». طموحي أن أقدّم موضوعاً مختلفاً مع معالجة مدهشة بنفس الوقت.

> كيف ترى مشروعك الروائي وتناميه وتطوره مؤخراً، خاصة مع تزايد أعمالك في الفترة الأخيرة، مقارنة بالبدايات؟

- منذ 2005 حتى 2019 لم تصدر لي سوى روايتين، هما «الفضيحة الإيطالية» و«أشباح بروكسل»، لكن يبدو أنني تخليت عن «كسلي التاريخي» في الآونة الأخيرة، فصدرت لي 5 أعمال في 6 سنوات. البعض يرى أن في الأعمال الخمسة «غزارة إنتاجية»، لكني أراه معدلاً طبيعياً للغاية لكاتب يأخذ الإبداع على محمل الجدّ ويكتب بشكل يومي، خاصة أن رواياتي قصيرة، وأحياناً قصيرة جداً، ولا تنتمي أبداً إلى عالم المطولات.

ملامح التغيير في مشروعي الأدبي عديدة، أهمها برأيي أن عملية الكتابة نفسها صارت أكثر احترافية وانتظاماً وتأتي في صدارة اهتماماتي، وليس على هامش الحياة، أو تلعب في الوقت الضائع، كما كان يحدث في مرحلة سابقة من حياتي. هذا العام، قررت أن آخذ استراحة محارب، ولن يصدر لي عمل جديد، إلا في معرض القاهرة للكتاب 2027.

> لماذا تبدو أحياناً في تصريحاتك كما لو كنت تشعر بغصّة ما، وكأن مشروعك الروائي لم ينل ما يستحق من تقدير؟

- على العكس تماماً، أنا آخر من قد يشكو «مظلومية» أو يدعي أنه لم يحصل على تقدير كافٍ، مصرياً وعربياً. نال مشروعي الروائي إشادات واسعة واحتفاء لافتاً، أكاديمياً ونقدياً وإعلامياً، وأصبحت رواياتي مادة لأطروحات عديدة في الماجستير والدكتوراه، وهناك اهتمام متزايد بها من المترجمين إلى لغات مختلفة.

شعوري بالأسف المرير، وليس الغصة، يتعلق بجماعات المصالح التي باتت تتحكم بمفاصل الحياة الثقافية وتسيطر على الجوائز الأدبية، وترفع أسماء وتُخفض أخرى، بلا أي سبب موضوعي.

> بدأت حياتك بالحصول على جائزة صحيفة «أخبار الأدب» المصرية في التسعينات... فكيف ترى غياب الجوائز عنك، رغم الانفجار الذي تشهده على الساحة؟

كنت أصغر المتسابقين سناً في جائزة «أخبار الأدب» الأولى للقصة القصيرة، التي أجريت في صيف عام 1994، وحضر نجيب محفوظ الحفل، وخرجت الصحيفة بمانشيت تاريخي يقول «عشرون كاتباً هديتنا إلى مصر». كان من بين الفائزين أسماء صنعت تجربتها بقوة فيما بعد.

لا أعرف لماذا لم أحصل على جوائز فيما بعد، إما لأنني لا أشارك أصلاً أو ربما لأنني لست مقرباً على المستوى الشخصي من لجان التحكيم ودوائرها وحساباتها المعقدة.

ورغم ذلك، انفجار الجوائز أحدث حراكاً وحيوية وحماساً لا يمكن إغفاله. المشكلة فقط أن كثيرين أصبحوا يكتبون وفق «وصفة واحدة» وينتجون نصوصاً مهادنة، أليفة، تشبه مدونات التنمية البشرية، و«استخرج الدروس المستفادة من النصّ أعلاه». وهكذا أصبحنا أمام كم مرعب من روايات نمطية، مكررة، تشبه حساء بارداً بلا مذاق أو حليباً فاسداً.

> أخيراً، كيف أفاد عملك الصحافي لغة الروائي بداخلك واختياره لأفكار رواياته؟- لم يفدني عملي الصحافي على مستوى اللغة الأدبية، فهو يروم لغة مباشرة، واضحة، صريحة، فيما أحبّ أنا لغة السرد التي تفوح برائحة الشعر وتكتحل بالمجاز. الصحافة بشكل عام جارت على يومي ووقتي في فترات سابقة، ولم أضعها في حجمها الطبيعي إلا قبل سنوات قليلة، حين أصبحت الكتابة الإبداعية المنتظمة تتصدر أولوياتي.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»