لاءات بوتين في إسطنبول: لا دور لأوروبا ولا تراجع ميدانياً ولا تسليح لأوكرانيا

الكرملين حدّد أولوياته... وينتظر مفاوضات «صعبة وشائكة»

TT

لاءات بوتين في إسطنبول: لا دور لأوروبا ولا تراجع ميدانياً ولا تسليح لأوكرانيا

وصول الرئيس الروسي لاجتماع مع كبار القادة العسكريين حول المفاوضات مع أوكرانيا في 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)
وصول الرئيس الروسي لاجتماع مع كبار القادة العسكريين حول المفاوضات مع أوكرانيا في 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)

قبل ساعات معدودة من انطلاق جولة مفاوضات مباشرة، هي الأولى من نوعها منذ ثلاث سنوات بين فريقي التفاوض الروسي والأوكراني، حسم الكرملين موقفه حيال أكثر الموضوعات إثارة: لن يذهب الرئيس فلاديمير بوتين إلى إسطنبول، ولا تحضيرات للقاء حالياً مع نظيره الأميركي دونالد ترمب.

كان يمكن للقاء من هذا النوع أن يمنح دفعة جدية للجهود المبذولة، ويضع العملية التفاوضية على مسار لا رجعة فيه. لكن الكرملين فضل التريث، لحين اتضاح الملامح الأولية للعملية التفاوضية، بعد أن يقدم الجانبان الروسي والأوكراني رؤيتهما لشكل الحوار وأولويات كل طرف فيه. وكان ترمب قد لمح إلى استعداده للتوجه إلى إسطنبول، وسبق ذلك تصريح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه «ينتظر بوتين» هناك. لكن موسكو، كما ظهر في تعليق الكرملين، فضلت أن تنطلق أولاً جولة مفاوضات «سياسية وفنية»، وأن يقرر الكرملين رفع مستوى الحضور فيها بناء على التقدم الذي يمكن للطرفين إحرازه.

زيلينسكي يدلي بتصريحات بعد وصوله إلى أنقرة في 15 مايو (أ.ف.ب)

الشيء المهم هنا، أن بوتين لو ذهب فعلاً إلى إسطنبول فهو كان سيذهب للقاء ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، وليس للجلوس على طاولة مفاوضات مع زيلينسكي. وقد عكس تصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي وصف حديث زيلينسكي عن ضرورة حضور بوتين اللقاء بأنه «مثير للشفقة»، مستوى الفهم الروسي للعلاقة مع الرئيس الأوكراني حالياً.

التحضيرات الروسية

برزت في التحضيرات الروسية للعملية التفاوضية عناصر لها أبعاد أخرى. مثلاً، قرّر بوتين إرسال وفد عسكري - سياسي على مستوى إجراء نقاشات فنية، وليس لاتخاذ قرارات حاسمة. وبعد تسريبات تحدثت، الأربعاء، عن احتمال توجه لافروف مع مساعد الرئيس الروسي الرئيسي لشؤون السياسة الدولية يوري أوشاكوف إلى إسطنبول، اكتفى القرار الرئاسي بتعيين فلاديمير ميدينسكي، المفاوض الروسي في اجتماعات إسطنبول عام 2022، إلى جانب مسؤولين في القيادة العسكرية.

جانب من اجتماع رفيع بحث التطورات في الحرب الأوكرانية - الروسية في موسكو يوم 14 مايو (سبوتنيك - رويترز)

رأى خبراء أن هذا التعيين يعكس الحاجة الروسية لفهم منطلقات الطرف الآخر في الحوار، قبل اتّخاذ خطوات أكثر حسماً في التعامل مع المفاوضات.

لكن هذا لا يعني أن الوفد الروسي المفاوض لا يتمتع بالقدر الكافي من الجدية، خصوصاً أن تحركاته ونقاشاته سوف تجري بإشراف مباشر من بوتين، وفقاً للناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي قال إن الفريق التفاوضي سوف يقدم تقارير متواصلة عن عمله إلى الرئاسة.

وبالفعل، فقد حدّد بوتين أولوياته في الحوار، ووضع شروطه لإنجاح الجولة بشكل مسبق. وعقد الرئيس الروسي اجتماعاً مهماً، ليلة الخميس، بحضور الطاقم السياسي والعسكري في حكومته، وبمشاركة قادة القطعات المقاتلة حالياً في أوكرانيا. وتم خلال اللقاء الاستماع لتقارير سياسية وعسكرية، ووضع تصور مشترك لمسار المفاوضات المنتظر، وآليات تعامل روسيا مع كل العناصر التي قد تطرح على الطاولة من الجانب الأوكراني، أو حتى من جانب الولايات المتحدة التي ضغطت لإطلاق هذه المفاوضات.

شروط بوتين

وعلى الرغم من أن بوتين كان قد أعلن قبل أسبوع أنه مستعد لمفاوضات «من دون شروط»، ردّاً على طلب مُلحّ من جانب قادة أوروبيين وبدعم أميركي بإعلان هدنة مؤقتة لمدة شهر، لكن في الواقع فإن هذه الجولة تجري حالياً بشروط وضعها بوتين بنفسه. فهو حدّد الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أي حوار مباشر مع الأوكرانيين، وعلى رأسها أنه لا حديث عن هدنة سلفاً، وأي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون نتيجة الحوار، وليس مقدمة له.

وضع الرئيس الروسي شروطاً لعقد مفاوضات مباشرة مع الأوكرانيين (إ.ب.أ)

أيضاً، بوتين اختار مكان وزمان عقد المفاوضات. وخصوصاً في إسطنبول، وفي نفس القصر الرئاسي الذي جرت فيه المفاوضات قبل ثلاث سنوات، ليقول للأوكرانيين: رفضتم عروضاً سابقة هنا، والآن تعودون لنفس المكان وأنتم أضعف ونحن أقوى.

حقائق

خطوط حمراء

يرفض بوتين الحديث عن أي هدنة فورية في أوكرانيا، ويشترط أن تراعي المفاوضات التطورات الميدانية.

لكن شروط بوتين التي يمكن وصفها بأنها تشكل استراتيجية التفاوض الروسية حالياً، لا تقتصر على ذلك؛ إذ اشترط أن تنطلق المفاوضات الحالية «من نفس المكان الذي توقفت فيه المفاوضات في مارس (آذار) 2022، ولكن مع مراعاة التغيرات الميدانية التي وقعت خلال السنوات الثلاث الماضية.

المغزى واضح هنا، أنه لا مكان للحديث عن تراجع روسيا عن ضم أربع مقاطعات أوكرانية، فضلاً عن ضم شبه جزيرة القرم في 2014. والاحتمال التفاوضي قد يتعلّق فقط بالحدود الإدارية لهذه المقاطعات، التي لا تسيطر عليها روسيا بشكل كامل عسكرياً. 

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال استقبال رئيس الوزراء الماليزي في موسكو 14 مايو (أ.ب)

والمقصود أن هامش المناورة يراوح عند خطوط التماس الحالية، ولا يمكن في كل الأحوال العودة إلى حدود عام 1991، عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

وتُعدّ هذه من أبرز «لاءات بوتين»، إلى جانب موضوع رفض الهدنات المؤقتة. لكن بين تلك اللاءات عناصر معقدة أخرى، تبرز من خلال تصريحات الوزير لافروف، استباقاً لانطلاق الجولة التفاوضية.

استبعاد أوروبا

وشنّ لافروف، الخميس، هجوماً لاذعاً على الغرب عموماً، وعلى أوروبا بشكل خاص. وقال إن الغرب لا يريد استقلال روسيا، لذا فهو يواصل السعي إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بموسكو. هذه العبارات أوضحتها لاحقاً الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عندما قالت إن موسكو ترفض مشاركة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا في المفاوضات بشكل حازم. وأوضحت أن برلين وباريس ولندن لا تستطيع بشكل واقعي الحضور على طاولة المفاوضات بشأن التسوية الأوكرانية، في حين أنها تواصل دعم كييف بشكل كامل، بما في ذلك بالأسلحة.

قادة فرنسا وأوكرانيا وبريطانيا وبولندا وألمانيا خلال الاتصال الهاتفي بالرئيس الأميركي في 10 مايو (أ.ف.ب)

ورأت أن العواصم الأوروبية «تتناقض في تصريحاتها تناقضاً صارخاً مع خطواتهم العملية (...) يقولون إنهم يريدون مكاناً على طاولة المفاوضات، ويؤكدون التوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية، بينما يُخصّصون موازنات ضخمة لدعم أوكرانيا، ولا يُدينون، بل يدعمون الأنشطة الإرهابية لنظام كييف».

يقول خبراء مقربون من الكرملين إن بوتين لن يقبل مشاركة أوروبا في جولات التفاوض الحالية، وأن عرضه للمفاوضات اقتصر على قبول رعاية تركية - أميركية. ويدرك الكرملين بطبيعة الحال أن الحضور الأوروبي سيكون مطلوباً في مرحلة لاحقة، عندما يتم التطرق إلى ملفات الأمن في أوروبا، وقضايا التسلح في إطار اتفاقية سلام شاملة، لكن رفض المشاركة الأوروبية حالياً تتضمن الضغط لتقليص الدعم العسكري لأوكرانيا، ورفض أفكار أوروبية بإطلاق هدنات مؤقتة يمكن استخدامها لتسريع عمليات التسليح، وإعادة تأهيل الجيش الأوكراني.

كما أن رفض الحضور الأوروبي مرتبط أيضاً بأهمية إفشال أي أفكار قد تؤسّس لاحقاً لطرح فكرة وجود قوات حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا، وهو أمر ترفضه موسكو بشكل قاطع.

وهذا المدخل يفتح الباب على «لا» الثالثة المهمة عند بوتين في المرحلة الراهنة، وهي موضوع تسليح أوكرانيا لاحقاً أو دعمها عسكرياً بأي شكل. وقد تطرّق لافروف لهذا الموضوع من خلال إشارته، الخميس، إلى أن واحداً من التوجهات الرئيسية للمفاوضين الروس التي لا يمكن أن ترفع عن الطاولة، يتعلق بملف مستقبل الجيش الأوكراني، وحجم تسليحه، وآليات الرقابة على هذا الموضوع.

عموماً، يمكن القول إن روسيا أرسلت وفدها التفاوضي لتحديد الملامح الأولى للحوار المنتظر، الذي وصفه لافروف بأنه «لن يكون سهلاً»، وسيكون «صعباً وشاقاً»، رغم أنه أكد ضرورة «منح فرصة للسلام». وقال لافروف: «لا أحد يضمن سلاسة الأمور، وخُلوّها من المشاكل».

وانطلاقاً من هذا الفهم، تطرح روسيا في أولى الجلسات تصوّرها لمسار المفاوضات الحالية. ووفقاً لزاخاروفا، فإن موسكو «سوف تراقب كيف سيتفاعل ممثلو كييف مع الاقتراحات الملموسة للعمل في المفاوضات» التي سيقدمها الفريق التفاوضي الروسي في إسطنبول.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: ترمب قرّر منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الجمعة)، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغه بأنه حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يساراً) يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مأدبة عشاء رسمية (أ.ب) p-circle

من النسر الأصلع إلى آيس كريم العسل... تفاصيل مأدبة ترمب وشي في البيت الأبيض

في أجواء اتسمت بالمراسم الرسمية والضيافة، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في مأدبة عشاء رسمية بالبيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز) p-circle

بزشكيان من فندق بنيويورك: لا نريد قتل ترمب... وخامنئي بصحة جيدة

في مشهد غير مألوف، عقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان جلسة مع مجموعة من الصحافيين في أحد فنادق نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ليو الرابع عشر يبدأ زيارة فرنسا بدعوة إلى السلام ونزع السلاح

البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
TT

ليو الرابع عشر يبدأ زيارة فرنسا بدعوة إلى السلام ونزع السلاح

البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)

استهلّ البابا ليو الرابع عشر زيارة دولة حافلة من أربعة أيام إلى فرنسا، بدأت الجمعة وتنتهي الاثنين، هي الأولى من نوعها منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في شهر مايو (أيار) من العام الماضي.

وحرص البابا في أول نشاطاته الرسمية بعد وصوله إلى باريس على دعوة العالم إلى عدم التعامل بلا مبالاة ​مع المعاناة التي تسببها «آفة الحرب»، كما حذر من انتشار الأسلحة النووية، ودعا فرنسا إلى الدفاع عن السلام والتعددية.

ماكرون والبابا ليو في أول أيام زيارة الأخير إلى فرنسا يوم 25 سبتمبر (رويترز)

وحث البابا ليو، في ‌كلمة ألقاها ‌أمام الرئيس ​الفرنسي ‌⁠ومسؤولين ​سياسيين آخرين، ⁠العالم على عدم اعتياد الحروب واعتبارها أمراً حتمياً. ودعا فرنسا إلى «مواصلة لعب دور فاعل في دعم السلام والتعددية»، لا سيما في أوروبا. وأكد بابا الفاتيكان موقف ⁠الكنيسة الراسخ المعارض للأسلحة النووية، ‌قائلاً ‌إنه ينبغي حظرها. وحذر من «​سباق التسلح، ‌والاعتقاد أن امتلاك الأسلحة ‌النووية يشكل ضمانة دائمة للأمن»، داعياً إلى «الحد من الأسلحة النووية، والعمل من أجل نزع السلاح ‌ضمن آليات رقابة فعالة».

إلى ذلك، حث بابا الفاتيكان العالم على إعادة النظر في تطوير الذكاء الاصطناعي، ‌محذراً من خطر انزلاق البشرية نحو مستقبل تهيمن ⁠فيه «جنة من الآلات» ‌على ‌الأرض. وقال ​إنه «إذا أردنا تجنب فقدان إنسانيتنا وسط (جنة من ‌الآلات) تغزو حياتنا اليومية وتفرض شروطها ⁠عليها، ⁠فإن هناك حاجة ملحّة إلى تثقيف الفطنة الأخلاقية، والقدرة على التعرف على القيم الأخلاقية الطيبة».

جانب من استقبال إيمانويل وبريجيت ماكرون للبابا ليو في الإليزيه يوم 25 سبتمبر (أ.ب)

وتصف الأوساط الرسمية الفرنسية الزيارة بأنها زيارة دولة، باعتبار أن الفاتيكان يتمتع بصفة دولة وليو الرابع عشر رئيساً لها. في المقابل، فإن أوساط الفاتيكان والجهات الكنسية الفرنسية المنظمة تقدمها على أنها «زيارة رعوية». وبعكس سلفه البابا فرنسيس الذي لم يقم قَطّ بزيارة رسمية لفرنسا، رغم أنه زار مدينتَي ستراسبورغ ومرسيليا، وأيضاً جزيرة كورسيكا، فإن ليو الرابع عشر، أميركي المولد والجنسية وله جذور فرنسية، حرص على زيارة فرنسا التي تُسمّى تاريخياً ورمزياً «ابنة الكنيسة البكر» منذ أن اعتنق الملك كلوفيس المسيحية في عام 496.

وخلال العصور الملكية اللاحقة كانت العلاقات بين فرنسا والكنيسة وثيقة للغاية حتى مجيء الثورة الفرنسية التي كانت وبالاً على الكنيسة ومرافقها وممتلكاتها وكهنتها وأساقفتها. واستمر الطلاق بين الجانبين حتى توقيع اتفاقية «التواؤم» في عام 1801 بين القنصل الأول نابوليون بونابرت والبابا بيوس الثاني عشر. وكان الغرض منها تنظيم العلاقة بين الجانبين، ما سمح لنابوليون أن يدعو البابا إلى كاتدرائية «نوتردام» في باريس لتنصيبه إمبراطوراً في عام 1804 باسم نابوليون الأول.

الكنيسة والعلمانية

بقيت هذه الاتفاقية معمولاً بها طيلة مائة عام، حتى صدر في عام 1905 تشريع يفصل بين الكنيسة والدولة ويجعل فرنسا بلداً علمانياً. وما زال التشريع معمولاً به حتى اليوم، باستثناء مقاطعات ثلاث واقعة شرق فرنسا وكانت تحت السيطرة الألمانية في عام 1905، وهي الراين الأعلى والراين الأسفل ولا موزيل، وتضم مدناً رئيسية مثل ستراسبورغ وميتز وكولمار ومولهوز.

وفي هذه المقاطعات ما زالت اتفاقية «التواؤم» لعام 1801معمولاً بها. وينص الدستور الفرنسي على أن «فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واجتماعية». وتضمن العلمانية حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، وكذلك حرية ممارسة الدين ما دام ذلك لا يخل بالنظام العام. كما تفرض على الدولة أن تظل محايدة تجاه جميع الأديان.

البابا ليو يحيي راهبة بعد وصوله إلى مطار أولي يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

وبما أن فرنسا دولة علمانية، وثمّة فصل بين الدين والدولة، فإن ماكرون لن يحضر القداس الجماهيري الذي سيقيمه البابا في ساحة «لا كونكورد» حيث من المنتظر أن يحضره 600 ألف شخص خُصصت لهم جادة «الشانزليزيه» حتى قوس النصر، وجادة «لا غراند أرميه» (جادة الجيش الكبير)، والشوارع المتفرعة عنهما، وسط إجراءات أمنية بالغة التشديد.

وتجدر الإشارة إلى أن ليو الرابع عشر سيمضي اليوم الأخير من زيارته إلى فرنسا في مدينة ميتز. وقالت مصادر رئاسية في باريس إن البابا سيلقي في هذه المدينة خطاباً رئيسياً سيدور حول «السلام والوحدة في أوروبا»، وذلك في ظل توتر العلاقات عبر الأطلسي وتواصل الحرب في أوكرانيا. ولأن الخطاب يدور حول أوروبا، فقد عمدت الرئاسة الفرنسية إلى توجيه دعوة إلى رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي وقادته لحضور اللقاء مع بابا روما. ويترقب الفرنسيون المواقف التي سيعبر عنها البابا المعروف عنه صراحته ورفضه للسياسات التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب.

وكان قصر الإليزيه المحطة الأولى في زيارة البابا إلى فرنسا، حيث حظي، قبيل ظهر الجمعة، باستقبال رسمي بوصفه رئيس دولة. ويحظى «الكرسي الرسولي»، منذ مؤتمر فيينا في عام 1826، بالأولوية الدبلوماسية؛ إذ إن السفير البابوي يتقدم على غيره من السفراء في البلدان المعتمدين لديها. وسيعقد ماكرون والبابا جلسة مباحثات ستكون غنية بالملفات الساخنة، سواء كانت بصدد الشرق الأوسط (إيران ولبنان وفلسطين)، أو أوكرانيا، إضافة إلى ملفات تفرض نفسها بقوة مثل مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية السيطرة عليه، والجوع في العالم. ومن المستبعد أن يثير الضيف الكنسي ملف قانون «الموت الرحيم» الذي تحرمه الكنيسة، والذي أقره البرلمان الفرنسي مؤخراً. كذلك، نُظّم للبابا لقاء مع السلطات المدنية وممثلي الجسم الدبلوماسي المعتمد في باريس بالقصر الرئاسي.

مهام شعبية ودينية

من المفترض أن يشغل الجانب الرسمي جزءاً صغيراً من زيارة البابا التي رُتبت بحيث تكون، بالدرجة الأولى، رعوية وشعبية.

وسيتنقل ليو الرابع عشر ما بين باريس وضاحية سان دوني ومزار «لورد» (جنوب غرب فرنسا) ومدينة ميتز. وفي يومه الأول، من المقرر أن يزور مقر «اليونيسكو» في باريس لجلسة حوارية، وكاتدرائية «نوتردام»، وسيتنقل بمركبته ما بين ساحة «مونبرناس» والكاتدرائية. وثمة لقاءات جماهيرية أخرى، أبرزها في ملعب فرنسا الكبير الواقع في ضاحية سان دوني، شمال العاصمة حيث سيلتقي آلافاً من الشباب.

ماكرون والبابا ليو يتحدّثان مع عدد من السياسيين والمسؤولين في قصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (رويترز)

وفي اليوم التالي، ستكون له لقاءات كنسية قبل القداس الكبير في ساحة «لا كونكورد». وفي مزار «لورد» سيغلب الطابع الديني على الزيارة. أما في اليوم الأخير، وفي مدينة ميتز تحديداً، فسيلقي البابا خطاباً بعنوان «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». وسينتقل ماكرون إلى هذه المدينة للاستماع إلى خطاب البابا إلى جانب القادة والمسؤولين الأوروبيين الآخرين. بعدها ستكون لقاءات دينية وشعبية قبل أن يغادر فرنسا عائداً إلى روما.

وتفيد الأوساط الكنسية التي حضّرت الزيارة بأن البابا سيتناول بالطبع المواضيع ذات العلاقة بالأمن والسلام في العالم، وهو ما يتوقف عنده في كافة خطبه. وفي ميتز، ستدور كلمته بالطبع حول مستقبل أوروبا التي تعيش في ظل حرب منذ عام 2022، في حين تتهددها النزعات اليمينية المتطرفة. كما يُتوقّع أن يتطرّق إلى ملف اللاجئين الذي يوليه البابا اهتماماً كبيراً لا يلقى الحلول التي تكون بمستوى التحدي.

من هنا، يأتي معنى زيارته لـ«منزل باختيا» المخصص لاستقبال اللاجئين، علماً أن التوجه العام في أوروبا اليوم هو التضييق على اللاجئين وليس تسهيل استقبالهم. وسيتناول البابا ملفات الحوار والسلام والتضامن بين الشعوب.

وفي سياق آخر، وكما هو معروف، فإن البابا مهتم بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية الأخرى، وإحداها جعلت العلاقة مع فرنسا تتوتر بعض الشيء بسبب قانون «الموت الرحيم». كذلك، ثمة قضايا تشغل العالم في الوقت الراهن، وأولاها مصير الذكاء الاصطناعي والمخاطر التي يحتضنها والأبحاث المتواصلة بشأن تطويره. وعُلم من المصادر الكنسية أنه سيركز كلمته في منظمة «اليونيسكو» على هذه الإشكالية التي سيتحاور بشأنها مع الحضور.


رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
TT

رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)

حذّر رئيس ليتوانيا، جيتاناس ناوسيدا، الخميس، من أن روسيا أصبحت «أكثر تهوراً»، وأن التوغلات بطائرات مسيّرة والاستفزازات وأعمال التخريب أصبحت «أمراً معتاداً» على الجناح الشرقي لحلف شمالي الأطلسي (ناتو)، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

ونقلت «بلومبرغ» عن ناوسيدا قوله في «منتدى ليتوانيا - الولايات المتحدة للأعمال» في ميامي: «يجب وقف روسيا في أوكرانيا، وإلا فسيتعيّن وقفها في مكان آخر».

وقال ناوسيدا إن وجود القوات الأميركية في ليتوانيا يهدف إلى ردع روسيا وليس الاستعداد للقتال، وأشاد بقرار واشنطن الأخير إرسال مجموعة جديدة من الجنود إلى البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُشار إلى أن الدولة المطلة على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر البلطيق، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، لديها علاقات متوترة مع موسكو وهي داعم قوي لكييف.

وتشترك ليتوانيا في الحدود مع جيب روسيا كالينينغراد وحليفتها بيلاروسيا، التي دخلت منها عدة طائرات مسيّرة إلى المجال الجوي الليتواني.

وشهد هذا الشهر أول استخدام لطائرات حلف شمالي الأطلسي (ناتو) لاعتراض طائرة مسيّرة روسية في أجواء ليتوانيا.


بريطانيا تحذر إيران من «أي نشاط عدائي» على أراضيها

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تحذر إيران من «أي نشاط عدائي» على أراضيها

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)

أبلغ وزير الخارجية ​البريطاني إد ميليباند، نظيره الإيراني عباس عراقجي، خلال اجتماع بينهما، بأن المملكة المتحدة «لن تتهاون إزاء أي ترهيب أو تهديد أو نشاط عدائي على ‌الأراضي البريطانية» من ‌جانب جماعات ​مرتبطة ‌بطهران.

وذكر ⁠تقرير لشبكة «سكاي نيوز، ​نقلا عن ⁠وزارة الخارجية البريطانية، أن ميليباند وعراقجي التقيا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وأضاف التقرير أن الجانبين ناقشا الحرب في ⁠الشرق الأوسط وأهمية إعادة فتح ‌مضيق ‌هرمز، إلى جانب ​عزم بريطانيا «الراسخ ‌على التصدي للتهديدات التي تشكلها ‌الجماعات المرتبطة بإيران على الأراضي البريطانية».

وكان المركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا قد أفاد الأسبوع الماضي ‌بأن أطرافا ينشطون في مجال الفضاء الإلكتروني ويرتبطون بالدولة ⁠في ⁠إيران استخدموا برمجيات تجسس تُعرف باسم «تشوزن بريك» لسرقة رسائل بريد إلكتروني ورسائل نصية ومعلومات حساسة أخرى، وذلك من خلال حملات «تصيد احتيالي موجه» عبر منصات مراسلة من بينها واتساب وتيليغرام.