ليبيا: حصيلة قتلى اشتباكات طرابلس تتجاوز 56 شخصاً... ودعوات دولية للتهدئة

مصر تحذر من تفاقم الأوضاع... والبعثة الأممية تطالب بخفض التصعيد

قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا: حصيلة قتلى اشتباكات طرابلس تتجاوز 56 شخصاً... ودعوات دولية للتهدئة

قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)
قوات تعزز وجودها لفرض الأمن في شوارع طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

عادت الاشتباكات المسلحة إلى العاصمة الليبية طرابلس، بعدما تصاعدت حدة القتال بين ميلشيات «اللواء 444 قتال»، التابعة لحكومة الوحدة «المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، و«جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، إثر محاولات القوات الحكومية مد نطاق نفوذها على حساب «الجهاز»، الذي أصدر الدبيبة قراراً بحله، ما أدى إلى تعطيل حركة الطيران والدراسة، وتعليق العمل في مقرات حكومية، وهو ما دفع مصر ودولاً أخرى للتحذير من تفاقم الأوضاع في ليبيا، فيما دعت البعثة الأممية إلى «خفض التصعيد».

سيارة محترفة في طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

وأفادت وسائل إعلام ليبية، اليوم الأربعاء، بأن إجمالي عدد قتلى الاشتباكات التي اندلعت في العاصمة طرابلس بلغ 58 قتيلاً منذ بدايتها، مشيرة إلى أن هناك ستة مدنيين بين القتلى. ونقل تلفزيون «المسار» الليبي عن مصادر طبية القول إن اشتباكات طرابلس أسفرت أيضاً عن إصابة 93 شخصاً، لافتاً إلى أن هذه الحصيلة أولية.

وطالب «جهاز الإسعاف والطوارئ» كافة أطراف النزاع إعلان هدنة إنسانية فورية، وفتح ممرات آمنة لإجلاء المواطنين العالقين في مناطق الاشتباكات، استجابة لنداءاتهم المتكررة، لافتاً إلى مواجهة فرقه الميدانية تحديات كبيرة في الوصول إلى المدنيين المتضررين.

من مخلفات الاشتباكات المسلحة في طرابلس (إ.ب.أ)

ورصدت وسائل إعلام محلية، الأربعاء، حدوث دمار واسع وتضرر ممتلكات المواطنين جراء «حرب الشوارع»، والمطاردات بين عناصر التشكيلات المسـلحة داخل أحياء طرابلس، واستمرار الاشتبـاكات في كافة مناطقها بعد فشل الهدنة التي أعلنت عنها قوات حكومة «الوحدة»، التي تحدثت وزارة دفاعها عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في محور الغيران - جنزور، بعد تنسيق مباشر مع الجهات المعنية، بما يضمن تثبيت التهدئة، والحفاظ على سلامة المدنيين، وقالت إنه «تم تكليف اللواء 52 بتأمين بوابة جنزور، وتعزيز الاستقرار في المنطقة، ومنع أي خروقات، أو تحركات غير منسقة إطار تنفيذ هذا الاتفاق».

مدخل بناية تعرض للقصف خلال الاشتباكات (أ. ف. ب)

وأكدت وزارة الدفاع استمرار متابعتها الميدانية لكل التطورات، وحرصها على دعم كل الجهود الرامية إلى إنهاء التوتر وبسط سلطة الدولة، وأعلنت إشرافها المباشر على التمركزات الحالية للقوى النظامية العازلة في محاور الاحتكاك داخل العاصمة، بهدف ضمان التهدئة وحماية المدنيين، وحذرت من أي تحركات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة استعدادها للتعامل الحازم مع أي خروقات.

كما أعلنت وزارة الدفاع، الأربعاء، بدء تنفيذ وقف إطلاق النار في جميع محاور التوتر داخل العاصمة طرابلس، مشيرة إلى مباشرة القوات النظامية، بالتنسيق مع الجهات الأمنية المختصة، باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التهدئة، بما في ذلك نشر وحدات محايدة في عدد من نقاط التماس، لضمان استقرار الوضع ومنع أي احتكاك ميداني.

وزارة الدفاع أعلنت إشرافها المباشر على تمركزات القوى النظامية العازلة في محاور الاحتكاك داخل العاصمة (أ.ب)

وبعدما شددت على أن وحدة الصف، وتعزيز سلطة القانون، وتفكيك مظاهر التسلح العشوائي، ستظل أولوية ثابتة، وأنها لن تسمح بفرض أي واقع بقوة السلاح، أو خارج الأطر الرسمية، دعت الوزارة جميع الأطراف إلى الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، والابتعاد عن التصريحات التحريضية، أو أي تحركات ميدانية من شأنها إعادة التوتر.

ووفقاً لما أعلنته حكومة «الوحدة»، فقد وصلت قوة أمنية مشتركة من إدارة إنفاذ القانون الأمنية، ودوريات شرطة النجدة إلى مناطق التماس داخل العاصمة طرابلس لتنفيذ وقف إطلاق النار.

وكان «حراك أبناء سوق الجمعة» قد أعلن استرجاع أغلب المقرات، بعدما قرر الأهالي رفع السلاح ضد أي تشكيل مسـلح، يحاول الدخول لمناطقهم، وطالبت بلدية المنطقة مقاتليها المشاركين في صفوف «اللواء 444 قتال» بالانسحاب الفوري، ورفض أوامر المشاركة في القتال، رداً على قرار أصدره الدبيبة بحل جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ونقل كافة اختصاصاته وأصوله إلى وزارة الداخلية، مع استحداث إدارة جديدة، تحت مسمى «الإدارة العامة لمكافحة الجريمة المنظمة».

دخان يندلع من أماكن شهدت اشتباكات مسلحة خلفت عشرات القتلى والجرحى (أ.ب)

وهاجمت تشكيلات مسلحة، قدمت من مدينة الزاوية لدعم جهاز الردع، قوات الدبيبة غرب طرابلس، وحاصرت مقر «اللواء 444» بـمعسكر التكبالي، كما اندلعت معارك كر وفر بين اللواء والقوات المساندة له، وميليشيات جهاز الردع، التي استعادت أغلب مقراتها، وأعادت انتشارها في عدة مواقع بعد هجوم على سوق الجمعة، قوبل بدعم من مواطنين أغلقوا الطرقات لدعم قوة الردع.

وسيطرت عناصر الجهاز على مقر المخابرات الليبية، بينما انسحب «اللواء 444» من حي الأندلس، بعد اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في جزيرة سوق الثلاثاء، وشارع عمر المختار.

من جانبه، أعلن جهاز الشرطة القضائية هروب عدد كبير من نزلاء سجن الجديدة، ومعظمهم من ذوي الأحكام الكبيرة والقضايا الجنائية الخطيرة، نتيجة لما وصفه بحالة الرعب والفزع جراء اشتباكات العنيفة بمحيط السجن، وحذر من أن استمرار هذه الاشتباكات العنيفة سيؤدي لعواقب وخيمة وكارثية، تهدد أمن واستقرار مدينة طرابلس وليبيا كافة.

كما علقت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الزويتينة للنفط العمل، الأربعاء، في كافة مواقعهما بطرابلس، حرصاً على سلامة موظفيها، وحذرتهم من الخروج إلا للضرورة، ودعتهم للالتزام بتعليمات السلطات الرسمية. فيما أعلن «مجلس طرابلس البلدي» تعليق الدراسة، ووقف العمل، نظراً لما وصفه بالظروف القاهرة. وانتقد تحول «وسط العاصمة إلى ساحة قتال، نتيجة غياب الحكمة في التعاطي مع الوضع، وعدم وضوح سياسة الحكومة في قضية السلاح».

وامتنعت حكومة الوحدة، والناطق الرسمي باسمها، عن الرد على معلومات تفيد بأن الهجوم على قوة الردع جاء بتعليمات من الدبيبة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، والتخلص من خصومه، مشيرة إلى رفض رئيس أركان القوات الموالية للحكومة، محمد الحداد، المشاركة في العمليات بسبب اعتراضه أيضاً على سياسة إقصاء الخصوم السياسيين باستخدام القوة والعنف.

ورداً على هذا التصعيد، دعت مصر كافة الأطراف الليبية إلى إعلاء المصالح الوطنية، وإنهاء حالة التصعيد القائمة، والاحتكام لصوت العقل حفاظاً على مقدرات الدولة الليبية.

وقالت في بيان لوزارة الخارجية، الأربعاء، إنها تتابع ببالغ القلق التطورات الجارية في ليبيا، والاشتباكات العسكرية القائمة في العاصمة طرابلس، وما قد تؤدي إليه من تصعيد مفتوح وتهدد مقدرات وأرواح الشعب الليبي.

كما أدانت بعثة الأمم المتحدة ما وصفته بـ«التصعيد المتسارع لأعمال العنف في طرابلس، وحشد القوات في مناطق أخرى من البلاد»، وحذرت من احتمال خروج الوضع عن السيطرة بسرعة. وكررت البعثة، التي أبدت قلقها إزاء التقارير التي تفيد بوقوع ضحايا من المدنيين، دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في جميع المناطق، بما يتيح فتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين العالقين في مناطق النزاع الشديد.

وقالت البعثة الأممية إنها على تواصل مستمر مع الأطراف المعنية على الأرض والشركاء، سعياً لاحتواء الوضع، وتدعم جميع الجهود الجارية للوساطة وخفض التصعيد، وجددت استعدادها لتقديم مساعيها الحميدة لتيسير الحوار ووضع حد للقتال قبل أن يتفاقم الوضع أكثر.

من جانبها، عبرت وزارة الخارجية الإماراتية، اليوم الأربعاء، عن قلقها إزاء تطورات الأوضاع في العاصمة الليبية طرابلس، ودعت كافة الأطراف إلى خفض التصعيد ووقف الاقتتال، واللجوء إلى الحوار والطرق السلمية لحل الخلافات.

كما أعربت السفارة الفرنسية في ليبيا، اليوم الأربعاء، عن تأييدها بيان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في جميع مناطق طرابلس، وذلك بعد تصاعد العنف لليلة الثانية.


مقالات ذات صلة

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً مزدوجاً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المستمر، والاستجابة للأزمات المعيشية المتفاقمة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

استمر إضراب المعلمين في مناطق ليبية عديدة، مهدداً بمزيد من تعطيل الدراسة، وسط تعثر جهود الحكومة والنقابة لاحتواء الأزمة، وتمسك الحراك بمطالبه المالية والوظيفية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطباء ليبيون يجرون عملية جراحية في ظل نقص المعدات الضرورية (وزارة الصحة في غرب ليبيا)

تصاعد أزمات قطاع الصحة يثير غضب الليبيين

يثير تصاعد الأزمات داخل القطاع الصحي الليبي مخاوف حول استمرار تقديم الخدمات العلاجية، في ظلِّ تواصل اعتصام أطباء بمرافق صحية متعددة في غرب ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي عقب ضبط شحنة مخدرات مهربة في الكفرة الليبية السبت (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

واصل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة )

انتخابات المحليات بالجزائر تدخل مرحلة حسم الملفات

من اجتماعات سلطة الانتخابات بالجزائر تحضيراً للاقتراع البلدي (سلطة الانتخابات)
من اجتماعات سلطة الانتخابات بالجزائر تحضيراً للاقتراع البلدي (سلطة الانتخابات)
TT

انتخابات المحليات بالجزائر تدخل مرحلة حسم الملفات

من اجتماعات سلطة الانتخابات بالجزائر تحضيراً للاقتراع البلدي (سلطة الانتخابات)
من اجتماعات سلطة الانتخابات بالجزائر تحضيراً للاقتراع البلدي (سلطة الانتخابات)

في الوقت الذي دخلت فيه التحضيرات الميدانية لانتخابات المحليات بالجزائر منعطفها الحاسم بدراسة ملفات الترشح والفصل فيها، تواجه الخريطة الحزبية معضلة تغطية جميع البلديات الجزائرية.

فالتحدي الأبرز يتمثل في «فلترة» الترشيحات بناء على قانون الانتخابات الجديد، لا سيما المعايير الصارمة المتعلقة بالنزاهة ومحاربة شبهات الفساد. وقد أرغمت هذه القيود الأحزاب على الاعتراف بصعوبة المنافسة، إذ إنها تهدد بإقصاء مئات المترشحين المحتملين.

وأعلنت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، في بيان صادر الاثنين، عن الحصيلة النهائية لعملية إيداع قوائم المترشحين لانتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث أظهرت تقديم 5631 قائمة في كامل بلديات البلاد التي يبلغ عددها رسمياً 1541 بلدية، منها 5371 قائمة قدمتها أحزاب سياسية، و239 قائمة بعنوان «مرشحين مستقلين».

رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالجزائر (سلطة الانتخابات)

ووفق البيان نفسه، تسلمت هيئة الانتخابات 21 قائمة بعنوان «تحالف أحزاب سياسية». وبلغ العدد الإجمالي للمترشحين لهذه المجالس 141388 مترشحاً.

وفيما يخص المجالس الشعبية الولائية، أوضح البيان نفسه أنه تم إيداع 434 قائمة في كل الولايات البالغ عددها 69 ولاية؛ وجاء توزيعها كما يلي: 405 قوائم تحت رعاية أحزاب سياسية، و24 قائمة بعنوان «مترشحين مستقلين»، وخمس قوائم قدمتها تحالفات لأحزاب سياسية.

«النزاهة وحسن السمعة»

وقبل إسدال الستار على عملية إيداع قوائم الترشيحات، اجتهدت الأحزاب في البحث عن مرشحين تتوفر فيهم الشروط التي يفرضها قانون الانتخابات، وبشكل خاص تفادي أسماء تحوم حولها شبهة «الفساد» التي تسببت في إقصاء مئات المترشحين لانتخابات البرلمان التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وكانت نسبة التصويت فيها أقل من 21 في المائة.

وسعت عدة أحزاب إلى استقطاب شخصيات معروفة بنزاهتها، من بينها مخضرمون، وخريجون شباب، وأعيان، وفاعلون في النسيج المجتمعي.

ويعكس هذا التوجه مفارقة واضحة، وفق مراقبين للساحة السياسية. فقد وجدت التشكيلات السياسية، التي يُفترض أن تتولى إعداد قياداتها وصقل كفاءاتها، نفسها مضطرة أحياناً إلى البحث خارج صفوفها عن شخصيات قادرة على تعزيز صورتها لدى الناخبين.

من إحدى جلسات مجلس النواب الجزائري (البرلمان)

وباتت السمعة الشخصية للمرشحين عنصراً أساسياً في استمالة الناخبين، بما قد يؤدي إلى تراجع أهمية البرامج الانتخابية، وحصيلة الإنجازات السابقة، ومدى فاعلية المشاريع المطروحة.

ووفقاً لتقارير صحافية، يتعيّن على الأحزاب إقناع الناخبين بأهمية التصويت وبقدرة المجالس المحلية على الاستجابة لاحتياجات السكان. وتشكل الشفافية، ومساءلة المنتخبين، والانسجام بين الوعود الانتخابية والقرارات المتخذة، عوامل أساسية يمكن أن تسهم في تعزيز هذه الثقة، حسب هذه التقارير.

ومن المنتظر أن توفر الحملة الانتخابية، التي ستنطلق يوم السابع من نوفمبر، مؤشراً أولياً على مستوى التعبئة السياسية؛ كما ستتيح الوقوف على مدى اعتماد التشكيلات السياسية على التنافس بين البرامج، بدلاً من الاكتفاء بالاستناد إلى شهرة المرشحين الشخصية.

وقبل أسابيع قليلة من موعد التصويت، يظهر أن التحدي لا يقتصر على تقديم أفضل المرشحين والحرص على استيفائهم الشروط القانونية، بل يتمثل أيضاً في إقناع المواطنين بأن المجالس المحلية تمتلك صلاحيات وقدرات فعلية تمكّنها من تحسين ظروف حياتهم اليومية.

«فوبيا» الإقصاء

ويعود القيادي في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، عبد المنعم بن حمدة، في منشور طويل بحسابه بالإعلام الاجتماعي، إلى الشروط التي أقصت عدداً كبيراً من الترشيحات ما عقَّد، حسبه، من مهمة الأحزاب في مسعاها للبحث عن «المرشحين النزهاء».

وقال: «تبدو هذه الانتخابات استثناء في كل شيء، فهي انتخابات تجري في ظل بيئة إقليمية تتسم بالحذر وعدم الاستقرار، وفي ظل أزمات وحروب وتوترات متصاعدة في المنطقة، فضلاً عن بيئة داخلية معقدة وصعبة وغامضة، فيها كل شيء إلا الانتخابات».

ولفت إلى أن هذه الانتخابات «تجري دون مترشحين؛ فالنجاح في إيداع القوائم أصبح، في حد ذاته، هو الهدف». وتساءل: «لماذا عزف الجزائريون عن الترشح؟».

اجتماع قيادة «حركة مجتمع السلم» لضبط قوائم الترشيحات (إعلام حزبي)

ويرى بن حمدة أن ثمة ثلاثة أسباب تفسر النفور من الترشح، تأتي في مقدّمتها المادتان 184 و200 من قانون الانتخابات والمتعلقتان بشبهة التورط في الفساد.

وقال إن كان هذا النص قد أغلق الباب أمام الفاسدين، فهو بالمقابل «قتل الطموح لدى كثير من النزهاء، بسبب تخوفهم من الترشح ثم الإقصاء بحجج مجحفة وغير مؤسسة، قد تمس بسمعتهم الشخصية ومكانتهم الاجتماعية».

وأضاف: «أصبح المترشح المحتمل يتساءل قبل أن يقرر خوض الانتخابات: هل أخاطر بسمعتي ومستقبلي السياسي لمجرد احتمال أن يتم إقصائي بقرار إداري أو بناءً على شبهات لا تستند إلى أحكام قضائية نهائية؟».

والسبب الثاني، من وجهة نظره، هو أن الانتخابات المقبلة «لا تغري المناضلين، فالكثير من مناضلي الأحزاب السياسية باتوا زاهدين في الترشح بفعل بيئة سياسية متعبة ومتكلسة، وسنوات من النضال دون نتائج أو آفاق واضحة».

أما السبب الثالث للعزوف فيتمثل، حسب بن حمدة، في «غياب الآفاق السياسية في البلد؛ فإذا كانت الانتخابات التشريعية لا تؤدي إلى تغيير الحكومة ولا تفضي إلى تغيير واضح في السياسات العامة، فما جدوى المشاركة بالنسبة للمواطن والمناضل والمترشح؟».


وفد من قوى مدنية سودانية يُجري مباحثات مع «الخماسية الدولية» في أديس أبابا

عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)
عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)
TT

وفد من قوى مدنية سودانية يُجري مباحثات مع «الخماسية الدولية» في أديس أبابا

عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)
عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

بدأ وفد من قوى مدنية سودانية مناهضة للحرب، برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، الاثنين، اجتماعاً مشتركاً مع الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، و«إيقاد») في مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، لبحث ترتيبات عملية سلام يقودها السودانيون، تبدأ بهدنة إنسانية وتُفضي إلى وقف دائم للقتال وانتقال مدني ديمقراطي.

يأتي اللقاء عقب مقاطعة «قوى إعلان المبادئ السوداني» وتحالف «صمود» جولة سابقة من المشاورات مع الخماسية، اعتراضاً على طريقة إدارتها ومعايير المشاركة فيها، وفي أعقاب اجتماع مشترك بين «الخماسية» و«المجموعة الرباعية» لتنسيق المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية.

ويضم الوفد ممثلين لـ«قوى إعلان المبادئ» وحزب «المؤتمر الشعبي» ومنظمات من المجتمع المدني وشبكات نسوية وشبابية، إلى جانب شخصيات عامة، يجمعهم موقف مناهض للحرب ومستقل عن طرفيها، حسب تصريحاتهم.

ويشارك عن «الخماسية»، التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية و«إيقاد»، محمد بن شمباس، وبيكا هافيستو، وأنيت ويبر، ولورانس كورباندي، وزيد الصبان، ممثلين للمنظمات الخمس.

وتطرح القوى المدنية السودانية رؤية لعملية سلام متكاملة تبدأ بهدنة إنسانية فورية وغير مشروطة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي يعالج جذور الأزمة. وتطالب بالمشاركة في تصميم العملية وقيادتها، وفق معايير عادلة تمنع هيمنة أي طرف، مع استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما.

وتدعو الرؤية إلى توحيد الوساطات وربطها بضغوط منسقة، تشمل توسيع حظر السلاح إلى كامل السودان، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة مرتكبي الفظائع ومعرقلي السلام.

وقال المتحدث باسم تحالف «صمود» جعفر حسن، في تصريحات عشية اللقاء، إن الاجتماع مخصص للتشاور، وتقديم رؤية للتحضير للعملية السياسية، بما يشمل التوافق على المشاركين في الحوار السوداني ومكانه وزمانه.

أرشيفية لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك خلال زيارة لولاية القضارف يوم 16 أغسطس 2021 (مجلس السيادة الانتقالي)

وسبق أن نظمت «الخماسية» مشاورات في أديس أبابا مطلع يونيو (حزيران) الماضي، لكن الخلافات بشأن المشاركين حالت دون جمع جميع الأطراف في جلسات موحدة.

وتوصلت بعض القوى، بينها «صمود» وفصائل من الكتلة الديمقراطية، إلى ورقة مشتركة بشأن ترتيبات العملية السياسية، وسط اعتراضات على مضمونها وطريقة إعدادها.

وفي أواخر يوليو (تموز)، قاطعت «قوى إعلان المبادئ» و«صمود» جولة جديدة، احتجاجاً على تجاهل ملاحظاتهما والانفراد بالترتيبات، وتجاوز مقترح تشكيل لجنة تحضيرية سودانية تحدد أطراف الحوار وأجندته ومكانه وزمانه. وأكد حمدوك لاحقاً أن اعتراض «صمود» يتعلق بمنهج «الخماسية»، وليس بمبدأ الحوار.

تأتي المشاركة الحالية بعد أول اجتماع مشترك بين «الخماسية» و«الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، في نيويورك يوم 23 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ودعا ذلك الاجتماع إلى تنسيق أوثق بين المسارين السياسي والأمني، وربط المساعدات الإنسانية ووقف الأعمال العدائية بالحوار المدني، والتحضير لآليات مراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه.

ويستهدف التنسيق الجمع بين جهود الرباعية لوقف القتال وخريطتها المطروحة في سبتمبر (أيلول) 2025، التي اقترحت هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار وانتقال إلى حكم مدني، وبين مشاورات «الخماسية» بشأن العملية السياسية.

كان تحالف «صمود» قد رحب بالتقارب بين المجموعتين، وأكد أولوية الهدنة وتكامل الجهود الدولية والإقليمية، فيما ظلت مشاركة تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إحدى نقاط الخلاف في المشاورات السابقة، إذ رفضت قيادات في الكتلة الديمقراطية الجلوس معه، واشترطت لاحقاً فك ارتباط مكوناته المدنية بـ«الدعم السريع» وإنهاء الكيانات الموازية وإدانة الانتهاكات، فيما قاطع تحالف «تأسيس» نفسه الجولة التالية، اعتراضاً على إدارة «الخماسية» للمشاورات وتحديد المشاركين.

وبالتزامن مع الحراك السياسي الذي تشهده أديس أبابا، أعلن الجيش السوداني، الاثنين، أن دفاعاته الجوية أسقطت مساء الأحد طائرة مسيّرة وصفها بأنها «استراتيجية معادية»، قرب منطقة ود الماحي بولاية النيل الأزرق.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، في تعميم صحافي، إن الطائرة رصدت منذ عبورها الحدود «قادمة من جهة إثيوبيا»، دون تحديد الجهة التي أطلقتها أو الهدف الذي كانت تتجه إليه. ولم يتضمن البيان اتهاماً صريحاً للسلطات الإثيوبية بتشغيل المسيّرة أو إطلاقها.


مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة الجزائرية، الأحد، توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة التخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية»، في خطوة تثير مخاوف من تفاقم التوتر القائم بين البلدين في ظل علاقات دبلوماسية مقطوعة.

وذكر بيان للمديرية العامة للأمن الوطني نشرته وسائل الإعلام الرسمية بالجزائر، الأحد، أن الشرطة قامت في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بـ«تفكيك شبكة إجرامية دولية مغربية ينشط أعضاؤها داخل التراب الوطني، مع توقيف 61 شخصاً من جنسية مغربية كانوا بصدد التحضير لارتكاب أعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام داخل الوطن».

وفي المغرب، أثار الإعلان الجزائري موجة من التشكيك في أوساط إعلامية، وسط غياب رد رسمي من الرباط حتى الآن.

وتركزت الانتقادات على افتقار الرواية الجزائرية إلى أدلة مادية معلنة تسند الاتهامات، إذ لم يكشف البيان الأمني عن طبيعة الأعمال التخريبية المفترضة أو أهدافها أو الوسائل التي كان الموقوفون يعتزمون استخدامها. وأثارت أوساط إعلامية مغربية تساؤلات بشأن اعتبار جوازات السفر والمبالغ المالية المضبوطة قرائن على التخطيط لأعمال تخريبية، وربطت توقيت الإعلان بالتوتر السياسي المستمر بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021. وفي حين شككت بعض التعليقات في دوافع الإعلان الجزائري، ظل التحقق المستقل من صحة الاتهامات متعذراً في ضوء المعلومات المتاحة.

ولم يوضح البيان الجزائري الرسمي طبيعة الأعمال المفترض أن الموقوفين كانوا يستعدون للقيام بها، غير أنه أورد أن من بين الموقوفين عسكرياً سابقاً، وأن المجموعة انتقلت من المغرب إلى تونس جواً، في ظل غياب طيران مباشر مع الجزائر، ثم دخلت البلاد براً حتى وصلت إلى وهران؛ حيث تم توقيف عناصرها ومصادرة جوازات سفرهم ومبالغ مالية.

وأضاف البيان أن الموقوفين «تسللوا إلى التراب الوطني مستغلين المسالك الجبلية الوعرة والممرات الغابية المعزولة بمنطقة القالة بولاية الطارف المتاخمة للحدود التونسية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توقيف مواطنين مغاربة في الجزائر بتهم تتعلق بتهريب المخدرات أو الهجرة غير الشرعية أو حتى الإرهاب، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن من دون أن يصل العدد إلى 61 شخصاً دفعة واحدة.

وأشارت الوكالة الفرنسية إلى أن الجيش الجزائري أعلن في يوليو (تموز) الماضي توقيف ستة أشخاص في منطقة تيزي وزو بوسط البلاد، بينهم أربعة من الجنسية المغربية ينتمون إلى «حركة تقرير مصير منطقة القبائل» المصنفة إرهابية من قبل السلطات الجزائرية.

وتم اتهام المجموعة بالتشويش على الانتخابات التشريعية آنذاك والتحريض على «عدم المشاركة فيها».

وفي 2021، قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط بعد سنوات من التوتر بسبب نزاع الصحراء. ويشار أيضاً إلى أن الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994.